عطا درغام
(Atta Dorgham)
الحوار المتمدن-العدد: 8790 - 2026 / 8 / 7 - 23:32
المحور:
مقابلات و حوارات
في محطتنا الأخيرة مع الشاعر والمناقد والمثقف الاستثنائي حسني الإتلاتي، نصل إلى ضفة التأمل الأعمق في رحلة امتدت عبر عقود من الاشتباك مع الإعلام، والتلقي النقدي، وهموم الثقافة في ربوع المحروسة. من نقد الإعلام البراجماتي وجدوى الإذاعات الإقليمية، إلى أصداء القصيدة وهي تعبر الحدود نحو العراق، والكويت، وليبيا، وإيران؛ يثبت الإتلاتي أن الموهبة الحقيقية الصادقة لا تحبسها جغرافية الأقاليم. نلتقي هنا بخلاصة تجربة رجل لم يكتب ترفاً، بل جعل من حرفه صوتاً للمهمشين، ومن مسيرته درساً في التأسيس الثقافي الواعي، مختتماً رحلته بنصيحة ذهبية تشعل مشاعل الأمل في قلوب الأجيال الجديدة: "أن تدرك أن الشعر ليس مجرد نظم، بل حياة تُعاش وعيَا واشتباكاً لا ينقطع مع نبض الشارع والإنسان".
المحور العاشر: الإعلام، التلقي، والقراءات النقدية لحسني الإتلاتي
وصفت الإعلام المصري بأنه "كسول وبراجماتي ويميل للوجبات السريعة"؛ كيف يمكن علاج هذا القصور الإقليمي؟
الإعلام المصري كسول، فهو يأخذ الترندات، فيسجل معها، فيستضيف التافهين الذين لا يفيدون المجتمع ولا ينفعونه، ويستضيف الشعراء الذين لا يعرفون الكتابة ولا يعرفون أصولها، لكنهم بتهريجهم يحصلون على ملايين المشاهدات على وسائل التواصل، فتستضيفهم هذه القنوات. كذلك البرامج الرسمية وقناة النيل الثقافية ليس لديها من الإمكانات ما تبحث به عن الموهوبين وتقدم لهم الدعوات الخاصة للسفر إليهم إلى القاهرة لتسجيل إبداعاتهم في برامجها الثقافية، ويكتفون بأبناء القاهرة حتى لا يتكلفوا نفقات الانتقال والإقامة.
العلاج الصحيح هو أن تدعم الدولة قناة النيل الثقافية وتحولها إلى قناة احترافية، تشعل فيها برامج ترضي وتستقطب ملايين الجماهير، بإمكانات الإخراج والديكور والضيوف، وتقيم المسابقات التي تقيم مثلها دول مثل قطر والإمارات، مثل برامج أمير الشعراء وغير ذلك. فمصر تستطيع أن تفعل مثل هذا، فتكتشف المبدعين الكبار وتقدرهم وتقيمهم وتقدمهم لملايين المشاهدين. فلو كان لدينا برنامج مثل «معكم منى الشاذلي»، مثلًا، برنامج مخصص مثل هذا لتقديم الشعراء الحقيقيين والأدباء الحقيقيين، لتغيرت خريطة الثقافة والقراءة في مصر.
أذيعت قصائدك بقناة طيبة وراديو جنوب الصعيد؛ هل تفي الإذاعات الإقليمية بحق المبدع المحلي؟
في بداية ظهور قناة طيبة كان اسمها القناة الثامنة، وإذاعة جنوب الصعيد. في بداية ظهورهما لم تكن قنوات الدش أو التحول إلى القنوات الرقمية والقمر نايل سات والأوروبي وغيره قد وصل إلى الشعب، عموم الشعب، فكانت قناة طيبة بالنسبة لنا هي القناة الأكثر وصولًا إلى محافظات الصعيد؛ لأنها كانت تغطي هذه المنطقة فقط قبل تشغيل قمر النايل سات في مصر وتحميل هذه القنوات عليه، ليصبح هذه القنوات قنوات عالمية يراها كل من لديه قمر النايل سات.
فكانت قناة طيبة خدمة عظيمة لنا في برامج «إبداعات جنوبية» وبرامج «الملتقى الثقافي» وغيرها، ثم في الفترة الأخيرة، بعد تشغيل قمر النايل سات، أصبح الانتشار أكبر وأعظم، فكنت أجد بعض الأصدقاء في السعودية والكويت وغيرهما يتصلون بي على الماسنجر، يحيونني على هذه الحلقة الجميلة، وأنهم كانوا يتباهون بي أمام زملائهم في العمل، أنني زميل في الإعدادية في المدرسة. وفوجئت بأصدقائي في المنيا وفي البلد يتابعون برامجي هنا في أسوان.
فهكذا قدمت قناة طيبة أو القناة الثامنة خدمة جليلة، إذ أوصلت صوتنا إلى الناس، حيث إن القراءة والصحف وشراء ديوان غير متاح لأغلبية الناس. كذلك راديو جنوب الصعيد كان معظم من لديهم ميكروباصات أو وسائل نقل، الراديو لديهم متاح، خاصة في السفر الطويل، فكان الراديو بالنسبة لي نافذة أخرى للانتشار.
ما الذي أضافه لك تسجيلك المبكر عام 2000 في البرنامج العام عبر برنامج «مع الأدباء الشبان»؟
زارنا الأستاذ المذيع أحمد الجبالي في أسوان، وقام بتسجيل حوار معي وقصيدة «عرافة القرى» لصالح برنامج «مع الأدباء الشبان». لم أستمع أنا إلى هذا البرنامج، ولكن الذين استمعوا إليه في قرية الكوبانية، أسوان، التي كنت أعمل بها، هم الذين أبلغوني أن القصيدة «عرافة القرى» أذيعت في برنامج الأستاذة هدى العزيمي «مع الأدباء الشبان» بإذاعة البرنامج العام، وكان هذا خبرًا سعيدًا لي؛ لأن هذا البرنامج متاح للمثقفين ومحبي الشعر على مستوى العالم.
كيف تصف تجربتك في النشر بالمجلات العربية الكبرى مثل مجلة «العربي» الكويتية و«أوروك» العراقية؟
جاء النشر في جريدة «أوروك» العراقية بدون معرفة مني؛ فقد نشرت قصيدة «لست قديسًا» في جروب «مجانين قصيدة النثر»، وهو جروب عظيم يضم الآلاف من المتابعين على مستوى الوطن العربي. فوجئت بمن يأخذ هذه القصيدة وينشرها في مجلة وزارة الثقافة العراقية، مع صورة خاصة لي.
كذلك في مجلة أو صحيفة ليبية، قرأت إحدى المتابعات لي من دولة ليبيا الشقيقة قصيدة لي في رثاء ابن بلدنا الإتلاتي الذي مات في حادث عمل في ليبيا، فقرأت قصيدتي فنشرتها باسمي وصورتي في صحيفة إقليم في ليبيا.
كذلك صحف كثيرة عربية تنشر لي بالاستئذان على الخاص، أنهم يودون نشر هذه القصائد، منها «الشروق» الجزائرية وغيرها.
أما عن مجلة «العربي» الكويتية، فقد أرسلت لهم قصيدة، وفوجئت بعدها بقليل بنشرها في قسم «وثريات»، وحزنت كثيرًا، كما أنني فرحت كثيرًا في الوقت نفسه. حزنت لأنها كانت أولى أن تُضم للنشر العام، لأن هناك قصائد أقل فنيًا جدًا، لكن لأسرة التحرير بعض المجاملات لبعض الأصدقاء هنا في مصر. لذلك لم أعاود أبدًا الإرسال إليهم؛ لأنني أعتز بموهبتي وأعتز بكتابتي، مع أنني فرحت كثيرًا، وأشكرهم كثيرًا على نشر قصيدتي لديهم.
أجرت معك «جريدة الدستور» حوارًا حول ديوانك «الغبار»، و«جريدة الزمان» حول «يؤرقه الحنين»؛ ما الفارق بين الحوارين؟
لا توجد فروق عميقة أو عظيمة بين الحوارين. حوار جريدة «الزمان» كان مع شاعر كبير اسمه الشاعر أشرف دسوقي علي، وكان الحوار يناسب ديوانًا من الشعر الكلاسيك الذي دخلت فيه بروح من روح التصوف.
أما حوار «الدستور»، فكان عن «الغبار»، وأجراه معي الروائي الكبير حسين عبد الرحيم، وكان يرى في الديوان نوعًا من الثورة والرفض والتمرد والدفاع عن المهمشين، فكان الحوار يناسب محتوى هذا الكتاب، خاصة أنه من قصيدة النثر، وأنا أعتقد أن قصيدة النثر تليق بالثورة؛ لأنها أصلًا قصيدة النثر هي شكل من أشكال الثورة على الموروث من وزن وقافية وبلاغة قديمة.
أما ديوان «يؤرقه الحنين»، فهو ديوان من القصيدة الكلاسيك والروح الصوفية، وهي استراحة محارب يغني فيها على أرغوله تحت شجرة الصفصاف أغاني عاطفية للحب والحنين.
تناول الناقد العراقي «جواد دوش» والدكتورة الجزائرية «هداية مرزق» تجربتك؛ كيف ترى البعد النقدي العربي لأعمالك؟
على موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك» نشرت قصائدي، واكتشفت أن لي أصدقاء كثيرين في أنحاء الوطن العربي، بل وفي أوروبا، مثل الدكتور رائد دلال، الذي يؤمن كثيرًا بكل ما أكتب، وتأتي كلماته دائمًا للتحفيز والتشجيع والثقة، وأنه يتابع كل ما أكتب ويثمن هذا.
وفوجئت في عيد ميلادي بالمناضل العربي الكبير، الكاتب والناقد العراقي جواد دوش، يكتب منشورًا على صفحتي، أنني أمثل له رائدًا من رواد الشعر في العصر الحديث، لما أنتمي في كتاباتي، وأنحاز في كتاباتي إلى الثورة، وإلى القيم العادلة: الخير، الحب، الحق، العدل، الحرية والجمال، والمساواة، والكرامة الإنسانية، والعدالة الاجتماعية، وتعاطفي مع المهمشين والفقراء والبسطاء والمهزومين والمنكسرين.
كتبت ديوان «الأبيض يفرض سطوته»، وهو ديوان «نقوش على جدار الروح»، وكان ديوان «الأبيض» أغلبه لثورة يناير، وكنت أنشر قصائده على صفحتي على الفيسبوك، فوجدت تفاعلًا جيدًا معها.
ثم رشحني دكتور فنون تشكيلية يعيش في قطر، وقد تعرّف على باحثة إيرانية تريد أن تقوم برسالة ماجستير عن شعراء ثورة يناير، فقال لها إن حسني الإتلاتي شاعر مصري له قصائد كثيرة عن ثورة يناير. فقدمت لها، بعد أن تعرفنا على الفيسبوك، قصيدتين: قصيدة «منشور للثورة»، وقصيدة «كانت تكب الماء للسني امرأة مسيحية»، وأُعجبت جدًا بهما وأدخلتهما في البحث.
كان هذا الأمر مبهجًا جدًا لي، أن يقرأ أو يطلع القارئ الإيراني على إبداعاتي، أنا الرجل الذي يسكن أقصى نقطة في جنوب مصر، في أسوان.
ما هي أبرز الملامح التي توقف عندها الناقد المصري الكبير "عبد الجواد خفاجي" (راهب الجنوب) في دواوينك؟
قرأ الشاعر والناقد الكبير عبد الجواد خفاجي ديواني، وكان ما زال مخطوطًا، «الغبار للمهزومين أن يفخروا بالبطولة»، فوجده ديوانًا ينتصر للإنسانية، وينتصر للمصريين أصحاب الأرض، فعبر بدراسة قيمة عن هذا الديوان، وعن الفنيات الخاصة به، خاصة أنه ديوان من قصيدة النثر، لكنه لم يتخلَّ عن الشعر، بمعنى أن الشعر هو خروج اللغة من إطارها المعرفي والاصطلاحي إلى إطارها الإبداعي والفني.
اعتبرت أن هذا فتحٌ جديد، أن تُقرأ قصائدي أو تُبحث قصائدي في بلاد جديدة، وربما تكون بداية لدراسات أخرى ورسائل أخرى في مثل هذه البلاد الآسيوية، بإذن الله.
تناولت باحثة أسوانية كتبك في رسالة دكتوراه؛ هل ترى في ذلك بداية لإنصاف أكاديمي محلي لمشروعك؟
في رسائل الماجستير والدكتوراه، تعرض الدكتور النوبي عبد الراضي في رسالة الماجستير لبعض دواويني ودواوين الآخرين، كذلك الدكتورة فاطمة من أسوان تعرضت لثلاث مجموعات شعرية لي، هي: «الغبار»، و**«نقوش على جدار الروح»، و«الأبيض يفرض سطوته»**، حيث تناولت بالتحليل الحركة الشعرية في أسوان في الفترة ما بين 2001 إلى 2020.
بعد تكريمات متعددة ومسيرة حافلة؛ ما هي النصيحة الذهبية التي يقدمها الشاعر حسني الإتلاتي لشعراء الأقاليم الشبان اليوم؟
التأسيس الثقافي هو أهم ما أنصح به كل شاب من شباب المبدعين في مصر عامة، والأقاليم خاصة. التأسيس بمعنى أن الشاب الذي وجد نفسه موهوبًا في الكتابة عليه أن يثقف نفسه في مجاله الخاص، فإن كان شاعرًا، عليه أن يكون ملمًا بكل الشعراء الأفذاذ في تاريخ الشعر، من امرئ القيس في العصر الجاهلي حتى محمود درويش وغيره في العصر الحديث.
وعليه أيضًا بالقرآن الكريم تلاوةً جيدة، لتكون لغته قوية ومخارج الحروف لديه صحيحة، ثم القراءة في شيء من الفلسفة وعلم النفس والاجتماع والتاريخ، والاستماع إلى الغناء والموسيقى، والتأمل في الكون، وفي الموجودات، وكل ما خلقه الله حوله، ثم الاحتكاك بالناس، خاصة البسطاء والمهمشين، ليكون على وعي ودراية وحساسية بالشعب، فإن الشاعر المنعزل عن الشارع أو المجتمع سيولد شاعرًا ميتًا، حتى لو كان موهوبًا.
#عطا_درغام (هاشتاغ)
Atta_Dorgham#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟