أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - سفيان مرزا - اللغز المسكوت عنه: كيف أُزيحت جغرافيا الشمال عن عرش التاريخ ؟















المزيد.....

اللغز المسكوت عنه: كيف أُزيحت جغرافيا الشمال عن عرش التاريخ ؟


سفيان مرزا
مخرج سينمائي وباحث واعلامي

(Saffyan Mirza)


الحوار المتمدن-العدد: 8789 - 2026 / 8 / 6 - 14:15
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
    


اللغــــــز المسكوت عــــــنه:
كيف أُزيحت جغرافيا الشمال عن عرش التاريـــــــخ ؟

إذا سألت أي شخص اليوم عن أصول القصص الأولى للأديان الإبراهيمية تحديدًا ...!
فسيجيبك بثقة استمدها من كتب المناهج أو الأفلام الوثائقية لقد بدأت القصة من جنوب العراق، من مدينة " أور " السومرية ذات الزقورة الشهيرة، قبل أن تتجه الأحداث نحو بلاد الشام و مصر.

لكن المفاجأة التي يقف عندها مؤرخو الآشوريات والنقد التاريخي هي أن هذا التصور المتداول ليس سوى نتيجة لخلط جغرافي وتسييس آثار حديث جداً، بينما تشير الوثائق الطينية والأدلة الفيلولوجية الحية إلى مسرح أحداث مختلف تماماً، يقع في أقصى شمال وادي الرافدين، في المنطقة الممتدة بين حران وحوض الخابور وأعالي الفرات.

تبدأ أولى خيوط هذه الحقيقة من اسم البطل الأول لهذه القصة، "أبرام" أو "أبراهام" أو "إبراهيم".
في الأوساط الثقافية والدينية الشائعة، يُنظر إلى هذا الاسم باعتباره ابتكاراً نصياً فريداً لقصة جديدة، لكن العودة إلى أرشيفات مدينة "إيبلا" في شمال سوريا ( والتي تعود إلى حوالي 2300 قبل الميلاد )
وألواح مدينة "ماري" على الفرات الأوسط
( 1800 قبل الميلاد ) تكشف حقيقة لغوية مذهلة:
لقد كان اسم "أبرام" ( Ab-ra-mu ) واسم "إسماعيل" ( Is-ma-il )
بل وحتى اسم "عيسى" أو "عيسو" ( E-sa-um )،
أسماء علم شائعة جداً بين القبائل الرعوية والمواطنين في تلك المناطق خلال العصر البرونزي.

من الناحية الفيلولوجية الصارمة، يتكون اسم "أبرام" من مقطعين ساميين شماليين غربيين،
" أب " وتعني الأب أو الإله، و"رام" وتعني السامي أو المرتفع او المبجل، ليكون المعنى اللغوي المباشر "الأب سامٍ" او "الإله المُبجل".

هذه الأسماء لم تكن تنتمي إلى إثنيات محددة بالمعنى الحديث، بل كانت جزءاً من البيئة اللغوية للعموريين والحوريين والآراميين المبكرين الذين استوطنوا شمال ميزوبوتاميا.

والأهم من ذلك كله أنه لا يوجد رقيم مسماري واحد في طين سومر أو بابل ينص على وجود شخصية دينية محددة بهذا الاسم كصاحب رسالة توحيدية، مما يثبت أن الاسم كان تعبيراً لغوياً محلياً لشعوب تلك الأرض، وتم استخدامه لاحقاً في التدوين المتأخر لتمثيل النواة الأولى للآباء الأوائل.

هنا يبرز سؤالنا الأهم:
كيف تحولت "أور" من موقعها الشمالي إلى الجنوب ؟

في القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، انطلقت البعثات الأركيولوجية الغربية لنبش آثار الشرق. وكان (السير ليونارد وولي) يجري حفرياته الشهيرة في مدينة "أور" السومرية بجنوب العراق، حيث اكتشف الكنوز الملكية والزقورة الضخمة.

إعلامياً ولأسباب تتعلق برغبة علماء الآثار في إيجاد تطابق سريع مع النصوص المتأخرة، جرى ربط موقع "أور" السومرية بالعبارة القديمة "أور الكلدانيين".

غير أن مراجعة الجغرافيا في النصوص القديمة تظهر التناقض، الكلدانيون كقبائل لم يظهروا في جنوب العراق إلا في العصر الحديدي ( بعد أكثر من ألف عام على العصر البرونزي مفترض القصة ).

والأهم من ذلك أن المؤرخين والباحثين في النصوص المسمارية، مثل سيروس غوردون، أشاروا إلى أن المقصود في النصوص الأولى لم يكن مدينة أور السومرية في الجنوب، بل مدينة تجارية شمالية تسمى "أورا" ( Ura ) تقع بالقرب من حران وفي نطاق النفوذ الحثي والهوري.

تُدعم هذه الحقيقة بأن جميع الأسماء المرافقة لعائلة إبراهيم في التراث القديم ليست أسماء بابلية أو سومرية جنوبية، بل هي أسماء مدن ومواقع جغرافية حقيقية تحيط بمدينة حران في الشمال، فأسماء مثل
" تارح " (والده)، و" ناحور " (أخوه)، و" سروج "، و" شاحور "، هي بالكامل أسماء لمدن وقرى موثقة في الوثائق الآشورية والبابلية تقع في حوض نهر البليخ والخابور ( جنوب شرق تركيا وشمال شرق سوريا الحالية).

هذه الجغرافيا الشمالية لم تكن مجرد ممر عابر، بل كانت القلب النابض لأقدم العبادات الطبيعية والنجمية في الشرق الأدنى.

كانت مدينة "حران" المركز الرئيسي والعاصمة الكبرى لعبادة الإله "سين" ( إله القمر ) والإله "شمش" ( إله الشمس ).

في تلك الحضارة الرافدينية القديمة، كان الإله "سين" يُرمَز له بالهلال المحتضن، وكان يُمثّل ركيزة التقويم والدورات الزمنية والخصوبة.

ومع انتقال هذه المرويات الشفهية عبر العصور وصولاً إلى التدوين التوراتي والتلمود اليهودي ثم الصياغة القرآنية، شهدت القصص تحولات أنثروبولوجية ولاهوتية عميقة.

فقصة ذبح الابن (إسحاق في التراث العبري، وإسماعيل في التراث الإسلامي) تُمثّل في جوهرها التاريخي التحول الحاسم من طقوس تقديم القرابين البشرية القديمة التي كانت سائدة في الحضارات الرافدينية والكنعانية لدرء غضب الآلهة إلى طقس "الافتداء بالحيوان".

لقد أُعيدت صياغة هذا الحدث الأنثروبولوجي في النصوص الدينية اللاحقة كاختبار للإيمان والمحبة والامتثال الإلهي، واستمر هذا المفهوم حياً حتى اليوم في شعائر تقديم الأضاحي.

كذلك تباينت التفاصيل الإنسانية بين النصوص، فبينما استفاض التلمود والتوراة في ذكر تفاصيل حذر الشخصية خوفاً من الملوك ( كتوصيف إنكار الزوجة )، جاء السرد القرآني ليعيد تنقية المروية وتجريدها من الحيثيات الدنيوية، مركزاً على البُعد الروحي والتسليم التام، ومحولاً الشخصية إلى رمز كوني للتوحيد والانتساب الروحي الحنيف.

واللافت للانتباه هو مسألة "الوريث الحي" لهذه الثقافة. بينما اندثرت معابد الجنوب وتغيرت لغاتها بالكامل، بقيت شعوب الجبال والمناطق الشمالية المحيطة في هكاري وحران وجبل جودي وشنكَال ولالش محافظة على استقرارها الديمغرافي والطقسي.

إن الموروث الذي يحمله المجتمع الأيزيدي هناك والمجموعات السكانية القديمة في تلك المنطقة يمثل الامتداد المادي والأنثروبولوجي المباشر لتلك الحضارة.

إذا نظرت إلى المعمار الديني الأيزيدي على سبيل المثال، ستجد القباب المخروطية ذات الأضلاع الشعاعية يعلوها الهلال والكرات السماوية الثلاث.

هذه الهندسة ليست صدفة معمارية، فالكرات الثلاث والهلال يعكسان تماماً الثالوث الكوني الرافديني القديم (القمر، الشمس، وكوكب الزهرة) كما هو منقوش على أحجار الحدود البابلية والآشورية القديمة المعروفة بـ (Kudurru).

وحتى في الأدعية والترتيلات الشفهية الموروثة في المنطقة، مثل العبارة الدارجة في السبقات او الأقوال الدينية حين تصف (داي و دوت) أي "الأم والابنة"، يظهر الانعكاس الحي لتقديس الأجرام السماوية (القمر والشمس) والتناغم مع الطبيعة، وهي رواسب لاهوتية حية نبتت في تلك الجغرافيا قبل ظهور التدوين التوحيدي المنظم بقرون طويلة.

ولم تقتصر مرجعية الشمال على بداية القصة، بل كانت أيضاً نهاية مطاف مرويات النجاة الكبرى. ففي النصوص الرافدينية المسمارية المتتابعة التي تناولت الطوفان (من ملحمة أتراهاسيس إلى جلجامش)، لم تكن السفينة تتجه نحو سهول بابل أو أور الجنوبية،

بل كان مرساها دائماً يتجه صعوداً نحو سلاسل الجبال الشمالية:
جبل "نيسير" أو جبل "جودي" الواقع في الجغرافيا ذاتها. لقد كان الشمال دائماً في الذاكرة الجمعية لسكان الرافدين هو بقعة الخلاص ومبتدأ إعادة تأسيس الحياة.

لكن السؤال الصادم الذي يفرض نفسه اليوم:
إذا كانت الأرقام المسمارية والنقد التاريخي يخلوان تماماً من ذكر شخصية إبراهيم أو إسماعيل في جنوب العراق، فلماذا يُصَرّ عالمياً على تثبيت الرواية هناك ؟

الجواب يكمن في مسار التسييس الديني المستمر للتاريخ، فزيارة البابا فرنسيس الشهيرة لمدينة "أور" الجنوبية عام 2021 لم تكن كشفاً أركيولوجياً، بل كانت مثالاً حياً يجسد كيف تُساق الجغرافيا السياسية والدينية لتثبيت روايات مقتطعة وإسباغ الشرعية عليها أمام الكاميرات.

ينزل القادة والرموز إلى الجنوب لتقديس أطلال صامتة لم تذكر رقيماتها اسم "إبراهيم" قط، في وقت يُتجاهل فيه الشمال الممتد من حران إلى سنجار وجبل جودي؛ ذلك المسرح الحقيقي الذي لم تقتصر شواهده على أرقام الطين في إيبلا وماري، بل بقيت روحه ورموزه وتقاليده حية تُمارس فوق الأرض حتى هذه اللحظة.

إن ما يجري ليس مجرد اختلاف على موقع جغرافي،
بل هو صراع بين تاريخ مكتوب أُعيد تشكيله لخدمة السياسة، وبين ذاكرة جغرافية حية تجري في دماء شعوب الشمال ورموز قبابــــــهم،
وتأبى أن تُمحى.

06.Aug.2026



#سفيان_مرزا_او_Saffyan_Mirza (هاشتاغ)       Saffyan_Mirza#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- -- الله الهارب - الله المضيف - الله القاتل --
- للسنة الثانية عشرة .... وما زال الجبل ينتظر الإنسان -.
- المونديال الأخير صافرة النهاية ل - جمهورية العمامة -
- من دين الجبل إلى دجل التاهوات وحج القصور ..!
- من بغداد إلى البيت الأبيض رحلة مذكرة القبض
- - حين كان الخبز والملح صلاة -
- لقد عبر إنسان من هنا
- رحلات One Way Tickets لقادة نظام إيران.
- مبادرة الصحفي المصري توفيق عكاشة (توبة إبليس) على طاولة الأد ...
- كليم الله النبي موسى .... والنبي فائق الشيخ علي.
- شكرا أورسولا... لقد نجحت المهمة
- حين يصبح المنبر درعاً، فمن يحمي الضحية ؟


المزيد.....




- ترامب يتحدث عن تقدم المحادثات مع إيران.. الجيش الإسرائيلي يع ...
- دخان كثيف فوق غابات واشنطن مع استمرار جهود الإطفاء
- حادث غامض يهز مطارًا ألمانيًا مهمًا.. أصابع الاتهام تتجه إلى ...
- بزشكيان يكشف صعوبة التواصل مع خامنئي.. غياب -المرشد الجديد- ...
- تزامنا مع محدثات روما.. تصعيد في جنوب لبنان ومقتل جنديين إسر ...
- أرمينيا.. باشينيان يعتزم نقل ملكية شركة شبكات الكهرباء التاب ...
- القضاء السوري يحدد مواعيد النطق بالحكم في قضايا عاطف نجيب وو ...
- الخارجية الروسية: العلاقات بين روسيا والنمسا مجمدة فعليا
- موسكو: ألمانيا ترفض التعاون في التحقيق بالهجمات الإرهابية عل ...
- العلماء يحددون سقف عمر الإنسان نظريا


المزيد.....

- السيرة النبويّة والتشريع في الإسلام / نور الدين البوثوري
- قراءات فى كتاب (عناصر علم العلامات) رولان بارت (1964). / عبدالرؤوف بطيخ
- معجم الأحاديث والآثار في الكتب والنقدية – ثلاثة أجزاء - .( د ... / صباح علي السليمان
- ترجمة كتاب Interpretation and social criticism/ Michael W ... / صباح علي السليمان
- السياق الافرادي في القران الكريم ( دار نور للنشر 2020) / صباح علي السليمان
- أريج القداح من أدب أبي وضاح ،تقديم وتنقيح ديوان أبي وضاح / ... / صباح علي السليمان
- الادباء واللغويون النقاد ( مطبوع في دار النور للنشر 2017) / صباح علي السليمان
- الإعراب التفصيلي في سورتي الإسراء والكهف (مطبوع في دار الغ ... / صباح علي السليمان
- جهود الامام ابن رجب الحنبلي اللغوية في شرح صحيح البخاري ( مط ... / صباح علي السليمان
- اللهجات العربية في كتب غريب الحديث حتى نهاية القرن الرابع ال ... / صباح علي السليمان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - سفيان مرزا - اللغز المسكوت عنه: كيف أُزيحت جغرافيا الشمال عن عرش التاريخ ؟