أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - سفيان مرزا - لقد عبر إنسان من هنا














المزيد.....

لقد عبر إنسان من هنا


سفيان مرزا

الحوار المتمدن-العدد: 8759 - 2026 / 7 / 7 - 16:25
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


لقد عبر إنسانٌ من هنا ....

سفيان مرزا المانيا

لم يكن الإنسان، منذ أن وعى نفسه، يخاف الموت وحده.
كان يخاف أن يمرّ دون أن يترك أثرًا.
أن يولد فلا يعرفه أحد.
وأن يعيش فلا يتذكره أحد.
وأن يرحل وكأن شيئًا لم يكن.

ولهذا لم يكتفِ بالحياة، بل أحاطها بالطقوس.

لم يكن الطقس، في بداياته، احتفالًا فحسب، ولا عادةً اجتماعية، ولا واجبًا دينيًا مجردًا، بل كان أيضًا محاولةً للإجابة عن سؤالٍ ظل يرافق الإنسان منذ آلاف السنين:

كيف نعلن أن إنسانًا لم يعد كما كان؟
ربما كان الإنسان الكائن الوحيد الذي لم يترك مرحلةً من حياته بلا شاهد.

فإذا وُلد، احتفل بقدومه.
وإذا كبر، جعل لمراحل عمره علاماتٍ وطقوسًا.
وإذا تعلّم، طلب شهادةً تثبت ما بلغ.
وإذا أحب، كتب عهدًا وأشهد الناس عليه.
وإذا أنجز، بحث عن تقديرٍ يحفظ أثر ما صنع.
وإذا رحل، ترك للأحياء مهمة أن يشهدوا عبوره.

كأن الإنسان، منذ أن وعى وجوده، لم يكن يريد أن تعبر التحولات الكبرى في حياته بصمت.

لم يكن يكفيه أن يعرف وحده أنه تغيّر.
كان يحتاج إلى أن يرى الآخرون ذلك أيضًا.
وأن يشهدوا عليه.
وأن يعترفوا بما بلغ.
وأن يحفظوا أثره في ذاكرتهم.

لهذا كثرت الشهادات، واختلفت صورها.
شهادةٌ تُكتب على ورق.
وأخرى تُحفر على حجر.
وثالثةٌ تحفظها الذاكرة.

ورابعةٌ يرددها الناس جيلًا بعد جيل.
لكن قبل أن يعرف الإنسان الورق والحبر، كانت له شهادات من نوع آخر.
كان يكتب بعضها على جسده، وبعضها بجسده.

فالوشم لم يكن زينةً دائمًا.
والندبة لم تكن جرحًا عابرًا دائمًا.
والدم لم يكن علامة حرب فقط.

والختان، في تقاليد دينية وثقافية متعددة، لم يكن مجرد فعلٍ جسدي، بل علامة انتماء أو عهد أو انتقال.

حتى الشعر، الذي يبدو اليوم واحدًا من أكثر أجزاء الجسد اعتيادًا، حمل في أزمنة وثقافات كثيرة معنىً يتجاوز الجمال والزينة.

ولعل هذا ما يفسر سرًا ظل يتكرر في حضارات متباعدة، لم تتكلم لغةً واحدة، ولم تعبد الآلهة نفسها، ولم تعش في الأرض نفسها.

فعندما وقف الإنسان أمام تحول كبير في حياته، لم تكن الكلمات تكفيه دائمًا.
كان يبحث عن علامة.
عن فعلٍ يراه الآخرون.
عن شيءٍ يبقى شاهدًا على أن عتبةً قد عُبرت.

مرةً ماءً.
ومرةً نارًا.
ومرةً سراجًا أو شمعةً في العتمة.
ومرةً قربانًا.
ومرةً غناءً يستقبل القادمين أو يرافق الراحلين.
ومرةً خصلةً من شعر.

ليست هذه الأشياء متشابهة في أصولها، ولا في معانيها، ولا يجوز جمعها في تاريخ واحد أو ردّها جميعًا إلى طقس أول مفقود.

لكنها، على اختلافها، تكشف شيئًا واحدًا يستحق التأمل:
أن الإنسان لم يترك التحولات الكبرى تمرّ بلا لغة.
فهو حين عجز عن تثبيت اللحظة، صنع لها رمزًا.
وحين عجز عن إيقاف الزمن، ترك له علامة.
وحين عرف أن الإنسان سيغيب، بحث عمّا يمكن أن يبقى بعده.

ومن هنا تبدأ رحلة هذا المقال.
ليست رحلةً في تاريخ الشعر.
وليست رحلةً في تاريخ شعبٍ أو دين.

ولا محاولةً لإثبات أن حضارةً أخذت طقوسها عن حضارة أخرى.

بل رحلةٌ في سؤالٍ إنساني واحد:

لماذا احتاج الإنسان، في ثقافات كثيرة، إلى أن يجعل من بعض طقوسه شهادةً على العبور؟

ولماذا ظل، عبر آلاف السنين، يبحث عن شاهدٍ يقول للأحياء إن مرحلةً انتهت، وإن أخرى بدأت؟

قد لا نجد جوابًا واحدًا.
فالحضارات لم تكن نسخًا من بعضها.
والأديان لم تمنح الرموز المعاني نفسها.
والتاريخ لا يسير في خط مستقيم.
لكننا سنجد شيئًا يستحق التأمل.
كلما تغيّر الإنسان، بحث عن علامة.

وكلما عبر عتبةً جديدة، ترك عندها أثرًا.
وربما لهذا لا يمكن قراءة طقوس الشعوب بوصفها عاداتٍ متفرقة فحسب.

فما يبدو مختلفًا في الظاهر قد يخفي، في العمق، سؤالًا إنسانيًا ظل يرافق البشر منذ أن بدأوا يروون حكايتهم على هذه الأرض:

كيف أقول للعالم إنني عبرت؟
وكيف أترك، بعدي، ما يثبت أنني لم أكن مجرد عابرٍ بلا أثر؟

ربما لهذا ظل الإنسان، منذ أقدم الأزمنة، يكتب شهاداته بوسائل مختلفة.
على الورق.
على الحجر.
في الأغاني.
في الذاكرة.
وأحيانًا...
في جسده نفسه.

كأنه، في كل مرة، كان يحاول أن يترك للعالم رسالةً واحدة:

لقد عبر إنسانٌ من هنا.

الدار البيضاء – المغرب
07 يوليو 2026



#سفيان_مرزا (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- رحلات One Way Tickets لقادة نظام إيران.
- مبادرة الصحفي المصري توفيق عكاشة (توبة إبليس) على طاولة الأد ...
- كليم الله النبي موسى .... والنبي فائق الشيخ علي.
- شكرا أورسولا... لقد نجحت المهمة
- حين يصبح المنبر درعاً، فمن يحمي الضحية ؟


المزيد.....




- سعودي يحرق زوجته بالبنزين.. الداخلية تكشف تفاصيل مروعة بإعلا ...
- البحرين.. انطلاق صافرات الإنذار والداخلية تصدر توجيهات
- قرب مضيق هرمز.. ضربات أمريكية على بندر عباس وسيريك كـ-عقاب- ...
- استهدفت 85 موقعا.. الحرس الثوري الإيراني يعلق على الضربات في ...
- الدفاع الروسية: توجيه ضربة ليلية دقيقة لمواقع صناعية في كييف ...
- دبلوماسية السفن الأمريكية السوداء!
- كان ينام في الشوارع... ثم صار يعلّم الناس إدارة أموالهم
- إطلاق صفارات الإنذار في البحرين عقب الضربات الأمريكية على إي ...
- الدفاعات الكويتية تتصدى لهجمات صاروخية بعد القصف الأمريكي عل ...
- الحرس الثوري الإيراني: استهدفنا 85 موقعا عسكريا أمريكيا في ا ...


المزيد.....

- أحمد رباص / كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب
- تحليل نظرية روزا هارتموت النقدية في علم الاجتماع / علي حمدان
- -الدولة الأخلاقية- تفكيك ظاهرة المدنية والتمدن / احسان طالب
- جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟ / إحسان طالب
- ناموس المعالي ومعيار تهافت الغزالي / علاء سامي
- كتاب العرائس / المولى ابي سعيد حبيب الله
- تراجيديا العقل / عمار التميمي
- وحدة الوجود بين الفلسفة والتصوف / عائد ماجد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - سفيان مرزا - لقد عبر إنسان من هنا