أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - سفيان مرزا - - حين كان الخبز والملح صلاة -















المزيد.....

- حين كان الخبز والملح صلاة -


سفيان مرزا

الحوار المتمدن-العدد: 8761 - 2026 / 7 / 9 - 08:40
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
    


من سومر إلى لالش، سيرة العطاء الأول

سفيان مرزا

في فجر التاريخ، حين كانت الأساطير ما تزال تكتب بتراب الطين، وحين ظنّ الإنسان أن الطوفان هو ذاكرة الأرض في تطهير نفسها، بدأت الحكاية.
في تلك البقعة من بلاد الرافدين، حيث التقت السماء بالأرض في أول حوار بين النور والماء، فكر الإنسان للمرة الأولى في معنى هذا التزاوج.

ومن المطر خرج الزرع،
ومن الزرع خرج الخبز،
ومن الخبز خرج الإيمان بأن الحياة تُمنح لمن يعرف كيف يزرعها.

ومن هنا، أصبح الخبز والملح، بين شعوب الشرق الأوسط، رمزًا للعهد والميثاق، رسالة لا تنكسر عبر الأجيال:
العطاء والصبر والوفاء.
عشرة خبز وملح، كما يقولون في بلاد الرافدين،
كانت أول قرعة للبركة، ومن هنا يتواصل معنى الخبز حتى يومنا هذا.

كما أن العهد بين الناس بالخبز والملح يعكس العهد الأول بين الإنسان وربّه، بين الأرض والسماء.
عندها فقط أدرك أن العطاء ليس صدفة، وأن البركة لا تأتي من السماء وحدها، بل من اليد التي تحرث، ومن الحبة التي تصبر في التراب حتى تنبت.

ومن هنا، من سهول سومر وبابل، وُلد أول خبز، وكانت تلك بداية العلاقة المقدسة بين الإنسان والطبيعة.

لم يكن الخبز طعامًا، بل صلاة تُخبز على نار الشمس.
في سومر وبابل وآشور، كان الكهنة والخبازون يقفون في المكان نفسه، والمخابز بجانب المعابد، والقرابين من الخبز والزيت والنبيذ تُقدَّم للآلهة كل صباح.

الخبز رمز العطاء، والنبيذ رمز الفرح، والزيت رمز النور، والثور رمز الخصب والقوة.
كان الثور يحرث الأرض في الصباح، ويُكرَّم في المساء بقرابين من الخبز، لأنهم رأوا فيه تجسيدًا لقوة الطبيعة.
وحين تشرق الشمس على سنابل القمح، كانوا يرونها الإله نفسه يبارك زرعهم بضيائه، فينبت الخير من نوره.

من رحم تلك الطقوس السومرية وُلدت فكرة القداسة في الطعام، ومنها انتقلت الشعوب اللاحقة تحمل الخبز كرمز للبركة.
وحين جاء العبرانيون من بابل بعد السبي، حملوا معهم هذه الذاكرة القديمة، فأدخلوا الخبز في شعائرهم اليومية.
صاروا يضعون خبز الوجوه في الهيكل علامة لحضور الله، ثم ظهر خبز الحلاّه المضفور في كل سبت، والخبز الفطير في عيد الفصح، رمزًا للنجاة والنقاء.
وفي رأس السنة اليهودية، روش هشناه، يُخبز الخبز على شكل دائرة كرمز لدورة الحياة التي لا تنكسر.
هكذا عبر الخبز من المعبد البابلي إلى الهيكل العبري، وبقي يحمل المعنى ذاته:
العهد بين الإنسان وربّه، بين الزارع والسماء.

ثم جاء المسيحيون، فأعادوا الحياة إلى هذا الرمز بطريقتهم.
في العشاء الأخير، رفع المسيح الخبز وقال:
“خذوا كلوا، هذا هو جسدي”، وجعل النبيذ دمه.
لم يكن المعنى جديدًا، بل استمرارًا لذلك العهد الأول مع الأرض والنور.

الخبز بقي رمز العطاء والتجدد، والنبيذ ظل دم الحياة، كما كان عند تموز وإنانا في أسطورة الخصب والموت والبعث.

أما عند الإيزيديين، فبقيت الروح القديمة على أصلها.
الخبز عندهم ليس طعامًا، بل ميثاق بين الإنسان والرب.
لا تُرمى كسرة منه، وإن سقطت تُقبَّل وتُرفع إلى مكان عال. يُحلف بها كما يُحلف بالله، لأنها تُعد من نعم الخالق المباشرة.

في أعيادهم، مثل بيلندا، التي تُعد من أقدم أعياد البشرية، يُقدَّم الخبز والحلوى للأرواح والأموات كرمز لاستمرار العطاء وتجديد الصلة بين الأحياء ومن رحلوا.
في كل بيت إيزيدي، تُوزع الحلوى في الولادة كما في الموت، لأن الحياة والموت عندهم وجهان لرحمة واحدة لا تتوقف.

وفي ليلة بيلندا، تُصنع فطائر وأشكال رمزية من العجين: الصلوجان، الظفائر، المهاول، وأدوات الزراعة، كلها رموز تقديس للأرض وأدواتها.
لكن هناك خبزة واحدة مميزة تُخبز في سرٍّ وهدوء، تسمى خوليرة، تعجنها الأم، وتخبئ داخلها ثمرة زبيب أو زيتون.
وفي ليلة العيد، تُقسم هذه الخبزة على ظهر أحد الأبناء وتوزع بين أفراد العائلة.
من يجد الثمرة يُعدّ مباركًا، ويقال إن رزق السنة كلها يكون مقسومًا على نصيبه.
تظل العائلة تلك الليلة في البيت، تنتظر لحظة التقسيم، كأنها تستقبل رسالة من الغيب.
وفي الصباح، يسأل الجميع: من نال الزبيب؟
من وجد السر؟
إنها قرعة البركة، ولكنها أيضًا صلاة صامتة، تُجدد العهد بين الإنسان والطبيعة، بين الرزق والحمد.

وفي عيد كوركه كاي، تُعبر الماشية على النار في طقس قديم يعود إلى زمن الثور المقدس، وتُنثر الحلوى والفاكهة تبركًا واحترامًا لدورة الطبيعة.
فالإنسان عند الإيزيديين لا يملك الأرض، بل يخدمها ويباركها، لأنها شريكته في دورة الحياة.

هذه الطقوس لم تختفِ من العالم القديم.
في مصر، ما زال الأقباط يقدمون البركة، خبزًا مقدسًا يُخبز في الكنائس بنفس الروح القديمة.
وفي أرمينيا، يحتفلون بعيد النور والماء والخصب، وتُخبز الفطائر تذكارًا للإلهة ديميتر، كما كانت إنانا في سومر، تعود كل ربيع لتمنح الحياة.
وفي المعابد الزرادشتية، يوضع الخبز والفواكه أمام النار المقدسة، فالنار هناك ليست للعقاب، بل للحياة والنقاء.
حتى في الهند، ما زالت طقوس آغني تجمع بين النار والقمح، حيث تُلقى الحبوب في اللهب شكرًا للإله الذي يمنح الحصاد.

من سومر إلى القدس، ومن بابل إلى لالش، ظل الخبز شاهدًا على فكرة واحدة:
أن الإنسان لا يعيش بالسماء وحدها، بل بالنعمة التي تخرج من الأرض.
وحين يأكل، فهو لا يشبع جسده فقط، بل يشكر الحياة نفسها على استمرارها.
الخبز ليس رغيفًا، بل أثر من نور قديم.
الثور ليس حيوانًا، بل رمز القوة التي تزرع الحياة.
والنار ليست لهبًا، بل الوعي الأول حين عرف الإنسان أن الشمس أمّ، وأن الأرض صدرها.

إنه العهد القديم الجديد مع الطبيعة، الذي لم ينقطع بعد.
بقي الإيزيديون أوفى من حملوه في لالش، كما حمله اليهود في السبت، والمسيحيون في الفصح، والمزارعون في كل قرية يسقون زرعهم بالشكر قبل الماء.
وحين نكسر خبزًا اليوم، فإننا نعيد الفعل الأول الذي جمع الإنسان والسماء في وعد واحد:
أن العطاء لا يموت، وأن النور لا يُطفأ ما دامت الحبة تُزرع بصدق.

09Juli.2026



#سفيان_مرزا (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- لقد عبر إنسان من هنا
- رحلات One Way Tickets لقادة نظام إيران.
- مبادرة الصحفي المصري توفيق عكاشة (توبة إبليس) على طاولة الأد ...
- كليم الله النبي موسى .... والنبي فائق الشيخ علي.
- شكرا أورسولا... لقد نجحت المهمة
- حين يصبح المنبر درعاً، فمن يحمي الضحية ؟


المزيد.....




- حمد بن جاسم يوجه 5 أسئلة لإيران مبينا نظرة طهران لدول إقليمي ...
- عقيد متقاعد يوضح لـCNN طبيعة أهداف الضربات الأمريكية الأخيرة ...
- فيديو تجاذب المشاركين برفع نعش علي خامنئي لحظة دخول ضريح الح ...
- من دعم الأسد إلى الشراكة مع الشرع، كيف تغيرت العلاقات السوري ...
- طهران تعليقا على تصرحات روته:  أوروبا متواطئة في العدوان ويج ...
- أبراج الجماجم في بغداد!
- حمد بن جاسم: مذكرة التفاهم مع إيران لم تحقق السلام والخليج ب ...
- بسبب تحذيرات أمنية وقائية.. ترامب يغادر تركيا بطائرة الرئاسة ...
- -يونهاب-: الظهور العلني لكيم جونغ أون يبلغ ذروته منذ عام 201 ...
- ترامب يأمر بوقف التجارة مع إسبانيا بسبب الخلاف حول الإنفاق ا ...


المزيد.....

- السيرة النبويّة والتشريع في الإسلام / نور الدين البوثوري
- قراءات فى كتاب (عناصر علم العلامات) رولان بارت (1964). / عبدالرؤوف بطيخ
- معجم الأحاديث والآثار في الكتب والنقدية – ثلاثة أجزاء - .( د ... / صباح علي السليمان
- ترجمة كتاب Interpretation and social criticism/ Michael W ... / صباح علي السليمان
- السياق الافرادي في القران الكريم ( دار نور للنشر 2020) / صباح علي السليمان
- أريج القداح من أدب أبي وضاح ،تقديم وتنقيح ديوان أبي وضاح / ... / صباح علي السليمان
- الادباء واللغويون النقاد ( مطبوع في دار النور للنشر 2017) / صباح علي السليمان
- الإعراب التفصيلي في سورتي الإسراء والكهف (مطبوع في دار الغ ... / صباح علي السليمان
- جهود الامام ابن رجب الحنبلي اللغوية في شرح صحيح البخاري ( مط ... / صباح علي السليمان
- اللهجات العربية في كتب غريب الحديث حتى نهاية القرن الرابع ال ... / صباح علي السليمان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - سفيان مرزا - - حين كان الخبز والملح صلاة -