|
|
-الغاز الأخير، أو كوميديا الأنابيب المتفجرة-.. تراجيكوميديا في خمسة مشاهد
احمد صالح سلوم
شاعر و باحث في الشؤون الاقتصادية السياسية
(Ahmad Saloum)
الحوار المتمدن-العدد: 8789 - 2026 / 8 / 6 - 09:59
المحور:
الادب والفن
شخصيات المسرحية
· الملك أوروبيوس: عاهلٌ مُسنّ، يرتدي تاجًا من البلاستيك المعاد تدويره، يجلس على عرشٍ من بقايا أنابيب الغاز، يتلعثم في قراراته، ويهتزّ صوته حين يُذكر اسم "واشنطن". · الوزير بروكسيلوس: وزير الطاقة والمفوضية، رجلٌ نحيلٌ يرتدي بدلةً رسميةً ضيّقة، يحمل حقيبةً مليئةً بالتقارير المزيفة، يتكلم بلغة الأرقام الوهمية، وينحني لكلّ إشارةٍ من السفير الأمريكي. · السفير ترامبونيوس: سفير الولايات المتّحدة، رجلٌ ضخمٌ بلحيةٍ برتقاليةٍ مصبوغة، يرتدي ربطة عنقٍ مكتوب عليها "اجعل أوروبا صغيرةً مجددًا"، يصرخ بوجه الملك، ويصفّق لنفسه كلّما هدّد بقطع المساعدات. · التاجر فلاديميروف: تاجر روسي، يرتدي فروً ثقيلاً ويحمل أنبوبًا صغيرًا كرمزٍ لقوّة سيبيريا، يضحك في كمّه، ويجيد لعبة الوسطاء والسفن الشبحية. · الحكيم شينج: فيلسوف صيني، يرتدي ثوبًا حريريًّا، يحمل مروحةً صغيرةً يروّح بها عن نفسه، يتكلم بأمثال كونفوشيوسية، ويلفّق نصائحه بمصطلحات الطاقة المتجددة. · الجنرال أوكران: جنديٌّ مرهقٌ يرتدي بزةً عسكريةً ممزّقة، يحمل رايةً مكتوبًا عليها "ساعدوني"، يلهث خلف الأموال الغائبة. · المهرج بانش: مهرج البلاط، يرتدي قبّعةً بأجراس، يدخل ويخرج من المشهد، يهزأ بالجميع، ويعلّق بأبياتٍ شعريةٍ ساخرة. · الجوقة الشعبية: مجموعة من المواطنين الأوروبيين، يرتدون ثيابًا رثةً، ووجوههم شاحبةٌ من البرد والجوع، يردّدون الأناشيد والأمثال.
المكان
قاعة المجلس في قصر "أوروبا" القديم. جدرانها مكسوّةٌ بصورٍ لفلاسفة التنوير، لكنّها مغطّاةٌ بغرافيتي "الغاز الرخيص حقٌّ للجميع". منتصف الخشبة عرشٌ من أنابيب النفط الصدئة، وخلفه ساعةٌ ضخمةٌ تعرض سعر النفط الرسمي (٩٠ دولارًا) وسعر البحر (٢٤٠ دولارًا) في تناقضٍ صارخ. إلى اليمين، خريطةٌ أوروبيةٌ تنزف منها خطوطٌ حمراء، وإلى اليسار، منصّةٌ عليها كرةٌ أرضيةٌ تدور ببطءٍ وكأنّها تسخر من الجميع.
الزمان
"عام ٢٠٢٦، في زمنٍ لا يحكمه التاريخ، بل تحكمه فواتير الطاقة."
المشهد الأول
"مجلس الغاز الأخير"
يدخل الملك أوروبيوس متثاقلًا، يتوكأ على عصاٍ من أنبوب غاز قديم. يتبعه الوزير بروكسيلوس والسفير ترامبونيوس والتاجر فلاديميروف والحكيم شينج. الجنرال أوكران يجلس في الزاوية، يرفع عينيه إلى السماء. المهرج بانش يقفز من خلف العرش.
الملك أوروبيوس: (يجلس على عرشه، يتنهد) يا ليلَ الزيتِ الطويلِ، يا نهارَ الأنابيبِ المقطوعة... أين نحن من دفء الشتاء الماضي، حين كانت الصفقةُ تُعقدُ بابتسامةٍ وتمتدُّ العقودُ لعقدين؟ الآن، كلُّ صباحٍ أفتحُ النافذةَ لأشمَّ رائحةَ الفقرِ الآتي، وأرى مصانعَ ألمانيا تُغلقُ أبوابها كجفونِ عشيقٍ هجرتهُ الحبيبةُ.
الوزير بروكسيلوس: (يفتح حقيبته، يخرج ملفًا ضخمًا) جلالتك، التقارير الرسمية تقول إنّ الأمور تحت السيطرة. سعر النفط الرسمي ٩٠ دولارًا فقط، والتضخّم ٨٪، والركود ١٢٪، لكنّها أرقامٌ جميلةٌ، كما ترى، تصلحُ للنشرِ في النشراتِ الإخبارية.
السفير ترامبونيوس: (يقف، يرفع صوته) اسمعوا أيّها الأوروبيون الصغار! أمريكا لم تتخلّ عنكم، ها نحن نرسل لكم الغاز المسال بسعرٍ رمزي... ٢٤٠ دولارًا للبرميل! هذا سعرٌ عائليّ! لو كنتم أوفياءَ أكثرَ، لحصلتم على خصم ١٠٪. ولكن، بما أنكم تتهامسون مع الروس في الخفاء، فادفعوا الثمن كاملاً، واشكروا السيد ترامب لأنه أنقذكم من بردكم القارس.
الملك أوروبيوس: (يهزّ رأسه) لكن سعادة السفير، قبل أربع سنوات كنا ندفع ٤٠ دولارًا فقط، وكان الغاز يأتينا عبر الأنابيب كأنّه نبضُ أرضٍ مباركة. والآن، ندفع ستة أضعاف، ونستورد الغاز من قطر عبر بحارٍ تزخر بالألغام والقراصنة، وكأنّنا نعبرُ جهنمَ الممراتِ المائية!
السفير ترامبونيوس: (يضرب الطاولة بقبضته) تلك الأنابيب كانت شرًّا، يا جلالةُ الجبانِ! لقد فجّرناها (يقصدُ نورد ستريم) لنحرّركم من الهيمنة الروسية، وأصبحتم حرّين... حرّين في دفع الضرائب لشركاتنا، حرّين في شراء السلاح الأمريكي، حرّين في التضخّم! أليس هذا هو الحرّية بعينها؟
التاجر فلاديميروف: (يبتسم ابتسامةً عريضة، ينحني قليلاً) سيدي السفير، لا تغضب. التجارةُ لعبةٌ جميلةٌ. أنتم تفجّرون الأنابيب، ونحن نبيع الغاز للصين بخصم، ولأوروبا عبر الهند بضعف السعر. وفي النهاية، كلّنا نربح... إلاّ الشعب الأوروبي بالطبع. لكن من يهتمّ بالشعب؟!
الحكيم شينج: (يروّح بمروحته بهدوء) يقولُ كونفوشيوس: "من يقطعْ أنبوبَه ليشتريَ هواءً مسالاً، يموتُ من البرد وهو يبتسمُ." أترون، يا سادة، الحكمةُ الشرقيةُ تقولُ ما تقوله الماديةُ التاريخيةُ: البنيةُ التحتيةُ تحكمُ المصير، وليس الشعارات. الصينُ بنت أنابيبَ، واستثمرت في كاسحاتِ الجليدِ، ووقّعت عقودًا طويلةَ الأجل. أما أنتم، فقد بنيتم شعاراتٍ ومسيراتٍ احتجاجيةً، وهنا تكمن المأساة.
المهرج بانش: (يقفز على الطاولة) سيدي الملك، اسمح لي أن أقرأ لك التعويذة الجديدة التي علّمني إياها السفير الأمريكي: "غاز مسال، سلام دائم، ديمقراطيةٌ وربةٌ، وشتاءٌ بلا غاز"... لكنّها لا تعمل! لقد جرّبتُها البارحة في غرفتي، وكلّ ما حصلتُ عليه هو نزلةُ بردٍ ونباحُ كلبِ الجيران.
(الجوقة الشعبية تدخل من باب خلفي، ترفع لافتاتٍ مكتوبًا عليها "الدفء حقٌّ لنا" و"أين الغاز الرخيص؟". يردّدون نشيدًا ساخرًا)
الجوقة: (بصوتٍ موحّد) يا سادةَ القرارِ، أين الحطبْ؟ بعتم أنابيبَنا بالكذبْ! صرنا ندفعُ للبحرِ ثمناً والشمسُ تغربُ والقلبُ يغتبْ!
الملك أوروبيوس: (يمسح عرق جبينه) يا جوقتي المسكينة، إنّي لا أملكُ قرارًا. إنّي أملكُ فقط تاجًا بلاستيكيًّا، وعرشًا من بقايا الأنابيب، وحسابًا مصرفيًّا في سويسرا، لكني لا أستطيعُ تدفئتكم بهذا كلّه.
الجنرال أوكران: (يتقدّم، بوجهٍ شاحبٍ) جلالة الملك، لقد أنفقتُ كلَّ الذخيرة، وجنودي يتسوّلون الخبز، والروس يتقدّمون في الشرق، وأمريكا تعدني بالمساعدات لكنّها تصلُ متأخّرةً كالعادة، وكأنّها تنتظرُ حتى نموتَ لنُصبحَ أبطالَ مسرحيةٍ تراجيكوميديةٍ أخرى.
السفير ترامبونيوس: (يهزّ كتفيه) اصبر يا صديقي، سترسل لك إدارة ترامب أسلحةً حديثةً... بعد الانتخابات. أما الآن، فاشتغلْ على شعاراتٍ جديدةٍ تُلهي الشعب، كأن تقول: "النصر قادم"، أو "الربيع الأوكراني آتٍ لا محالة". الجماهير تحبّ الشعارات أكثر من الخبز.
المهرج بانش: (يضحك ضحكةً مرّة) وأنا أقول لكم: كلُّ هذا العبثِ يذكّرني بمسرحية "انتظار غودو"... لكن غودو هنا ليس رجلاً، بل هو أنبوبُ غازٍ لن يأتي أبداً!
(يُسدَل الستارُ على ضحكةٍ هستيريةٍ من المهرج، وأصواتِ الجوقةِ تتردّدُ في أرجاء القاعة)
…….
المشهد الثاني
"أرقامٌ وراءَ الأرقام"
المشهدُ يبدأ بعد أسبوعين. القاعةُ مزدحمةٌ بأكوامٍ من الفواتير. الوزير بروكسيلوس جالسٌ على الأرض، يحاول ترتيب الأرقام. الملك يتأمّل الساعةَ الضخمةَ التي تظهرُ سعر البحر (٢١٠ دولارات). السفير ترامبونيوس يتّصلُ هاتفيًّا بترامب، يهمسُ في الهاتف.
الملك أوروبيوس: (يقرأ بصوتٍ مرتفع) "سعرُ التأمينِ البحريِّ ارتفعَ ٦٠٠٪، وتكاليفُ الشحنِ تضاعفتْ، والمصانعُ الألمانيةُ تغلقُ بمعدلِ ثلاثةِ مصانعَ في اليوم..." ماذا يعني هذا يا بروكسيلوس؟ يعني أنّ الاقتصادَ الأوروبيَّ يموتُ موتًا بطيئًا، وأنا جالسٌ على عرشي أتفرّجُ كأنّي أتابعُ فيلماً وثائقيًّا عن حضارةٍ منقرضة!
الوزير بروكسيلوس: (يرفع رأسه من بين الأوراق) جلالتك، الأرقامُ الرسميةُ تقول غيرَ ذلك. انظر، لديّ هنا تقريرٌ يقول إنّ النموَّ هذا العام ٠.٥٪، والتضخّمَ ٦٪ فقط، والبطالةَ ٨٪... هذه أرقامٌ مقبولةٌ في زمنِ الحروبِ والأوبئة. لا تقلقْ، فالمفوضيةُ تعدُّ دراسةً جديدةً عنوانُها "كيف نستبدلُ الغازَ الروسيَّ بالابتساماتِ الأوروبيةِ".
السفير ترامبونيوس: (يُنهي المكالمة، يقترب) يا صاحبَ الجلالة، لا تصدّقْ أرقامَ بروكسيلوس. تعالَ نحدّثك بالأرقام الحقيقية. عندنا في أمريكا، الأرقامُ تُصنَعُ في هوليوود. انظرْ إلى سعرِ البرميلِ الحقيقي: ١٣٠٢٤٠ دولارًا، وليس ٩٠. هذا هو السعرُ الذي تدفعونه في الموانئ، وهذا هو السعرُ الذي سيبقيكم في دائرةِ التبعيّةِ للأبد. إنّها صفقةُ القرن! أنتم تشترونَ الغازَ منّا، ونحن نشتريُ ديمقراطيتَكم. صفقةٌ رابحةٌ للطرفين... أحدُ الطرفينِ يربحُ كلَّ شيء، والآخرُ يدفعُ كلَّ شيء!
التاجر فلاديميروف: (يدخلُ من الباب الخلفي، يضحك) سيدي السفير، لا تنسَ أنّنا نلعبُ اللعبةَ نفسها. ها أنا أبيعُ لكم نفسَ النفطِ الروسيِّ عبر سفنٍ شبحيةٍ بأعلامٍ من دولٍ لا تعرفونها، وتدفعون لنا ضعفَ السعر، بينما تعلنون في الإعلامِ أنكم تقاطعونني. أليس هذا هو الكذبُ الجميلُ الذي يليقُ بزمنِ البروباغاندا؟
الحكيم شينج: (يتأمّل المروحة) يقولُ لاوزي: "الحقيقةُ لا تُرى بالعين، بل تُرى في الأنابيبِ التي لا تنفجر." الصينُ ترى الحقيقةَ في جغرافيتها، في أنابيبِ سيبيريا، في طريقِ الشمالِ، في الاستثماراتِ المتجدّدة. نحن لا ننتظرُ سعرًا رسميًّا، بل نبني سعرًا واقعيًّا. أمّا أنتم، فتبنون مسرحياتٍ إعلاميةً، وتنسَونَ أنَّ الجائعَ لا يشبعُ من الشعارات.
المهرج بانش: (يظهر بين الأكوام، يرتدي نظارةً طبيةً ضخمة) يا سادةَ الأرقامِ والخرائطِ المزيفة، دعوني أقرأُ لكم فاتورةَ الشعبِ الأوروبي: "للتدفئةِ شهرٍ واحدٍ في برلين: ٨٠٠ يورو. لوجبةِ خبزٍ وزبدةٍ: ٢٠ يورو. لقبضةِ أملٍ في المستقبل: مليونُ يورو، لكنّها غيرُ متوفّرةٍ في المخزون." يا للهول! إنّ المسرحيةَ تتحوّلُ إلى مأساةٍ شعبيةٍ، والمخرجُ غائبٌ في كواليسِ واشنطن.
(الجوقة تعود، هذه المرّة تحمل قدورًا فارغةً، تقرع عليها بإيقاعٍ حزين)
الجوقة: (ترنّم) قدورُنا فارغةٌ يا سادةْ، وأنتم تملأون الخزائنَ بالوعودِ الباردةْ، بيعوا أنابيبَنا، بعوا مستقبلَنا، وبقينا نردّدُ: "أين الدفءُ يا دولةْ؟"
الملك أوروبيوس: (يصرخ فجأةً، يقف من عرشه) كفى! كفى هذه المهزلةَ! أنا ملكٌ، ولستُ ممثّلاً في مسرحيةٍ هزليةٍ! لكنّي أكتشفُ الآن أنّ تاجي من بلاستيك، وعرشي من خردة، وقراراتي كلّها موقّعةٌ من سفيرٍ أحمقَ، وتاجرٍ ماكر، وفيلسوفٍ ساخر. ماذا بقي لي؟ بقي لي أن أطلبَ من الشعبِ أن ينتظرَ غودو، بينما غودو هو أنبوبُ غازٍ مفجّر، وسيظلّ مفجّرًا ما دامت أمريكا تريدُ ذلك.
السفير ترامبونيوس: (بتَعالٍ) هكذا يا صاحبَ الجلالة... استسلمْ للحقيقةِ، فأنت لستَ ملكًا، أنت نائبُ رئيسٍ لشركةِ "الطاقةِ العالميةِ المحدودة"، وأنا المديرُ التنفيذيّ. عندما نأمرُ بتفجيرِ أنبوبٍ، تنفجرُ. عندما نأمرُ برفعِ سعرٍ، يرتفعُ. عندما نأمرُ بغزوٍ، يُغزَى. قواعدُ اللعبةِ واضحةٌ: من يملكُ النفطَ يملكُ التاريخَ. ومن يملكُ الأنابيبَ يملكُ الجغرافيا. ومن يملكُ القواعدَ العسكريةَ حولَ العالمِ يملكُ كلَّ ما سبقَ.
المهرج بانش: (يقفز عالياً) وأنا يا سادةُ، أملكُ الحقيقةَ الوحيدةَ المتبقيةَ: كلُّ هذا العبثِ يُذكّرني بمسرحيةِ "الملكِ لير"... لكنّ ليرَ كان يملكُ بناتٍ وفياتٍ، وأنتم تملكونَ أنابيبَ مفجّرةً وقادةً خونةً، والشعبُ يتجمّدُ في الخارج. من منّا أكثرُ مأساويةً؟
(الستار يغلق على صرخات الجوقة ونظرات الملك الذاهلة)
……..
المشهد الثالث
"محميات الخليج تُخدَع أيضًا"
المشهدُ في وكرٍ فاخرٍ على ساحل الخليج، مزيّنٌ بالذهبِ والرخام. سفيرُ الخليج (شخصيةٌ رمزيةٌ تدعى الأمير تريليون) يجلسُ على أريكةٍ ويحتسي القهوةَ، بينما السفير ترامبونيوس والملك أوروبيوس يتناقشان عروضَ الغاز.
الأمير تريليون: (يضع فنجانَ القهوة) نحن يا سادة، لسنا مجرّدَ محمياتٍ نفطيةٍ، نحن لاعبونَ كبارٌ في ساحةِ الطاقةِ العالمية. لدينا الغازُ المسالُ الأغلى في العالم، ولدينا خططٌ طموحةٌ لبناءِ مدنٍ ذكيةٍ تعملُ بالطاقةِ الشمسيةِ بعد انتهاءِ النفط. لكن في الوقتِ الحالي، النفطُ يفيضُ من أراضينا، ونحن مستعدّون لبيعه لأعلى سعر... بما في ذلك لأوروبا الجائعة.
السفير ترامبونيوس: (يصفّق) هذا هو الروحُ الأمريكيّ الحقيقيّ! فالخليجُ شريكٌ استراتيجيٌّ، وليس منافساً. نحن نضمنُ حمايةَ ممراتكم، وأنتم تبيعونَ الغازَ لأوروبا بأسعارٍ لا تُهان. لكنّي أنصحكم بتجنّبِ التعاملِ المباشرِ مع الصين، فهي قد تبتلعُ صفقاتِكم في غمضةِ عين.
الملك أوروبيوس: (يتنهد) أيها الأمير، إنّ أوروبا تئنّ تحت وطأةِ أسعارِكم. أنتم تبيعونَ الغازَ لنا بـ ٣٠٠ دولارٍ للمليونِ وحدةٍ حرارية، بينما الصينُ تشتري من روسيا بـ ١٠ دولارات. أليس هناكَ أيُّ إنصافٍ في هذه التجارة؟
الأمير تريليون: (يضحك ضحكةً ذهبية) الإنصافُ يا صاحبَ الجلالةِ هو أن يكونَ لديك نفطٌ أو غازٌ لتبيعَه. أمّا إذا كنتَ فقيرَ المواردِ، فأنت بحاجةٍ إلى حلفاءَ أغنياءَ. نحن نمدّكم بالغاز، وأمريكا تمدّكم بالأمان، وأنتم تمدّوننا بالمال... هذه هي الدورةُ الحميدةُ للاقتصادِ العالمي. لا تشكو، فالشتاءُ سيمر، والربيعُ سيأتي، لكنّ الفواتيرَ ستبقى.
التاجر فلاديميروف: (يدخلُ من نافذةٍ جانبية) سيدي الأمير، لا تنخدعْ بوعودِ ترامبونيوس. أمريكا تبيعُ الغازَ لأوروبا وتحتكرُ الأمن، بينما الخليجُ يظلّ رهينةً لصراعاتِها. أنا أدعوك إلى صفقةٍ ربحيّةٍ: نبيعُ النفطَ الروسيَّ معاً، نشكّلُ كارتلاً، نرفعُ الأسعارَ، ونضحكُ على الجميع. ماذا تقول؟
الأمير تريليون: (يحمرّ وجهه) أنت تاجرٌ شيطانيّ! أنت تريدُ جرّنا إلى حلفٍ مع روسيا، بينما أمريكا حليفتنا منذ عقود. لكن... (يخفض صوته) إذا كان العرضُ مغرياً، فليكن سرّاً بيننا. فالخليجُ يحبُّ التجارةَ مع الجميع، ويحبُّ أن يظهرَ مع أمريكا، وقلبُه يخفقُ للربحِ مع روسيا. هكذا هي دبلوماسيتُنا: ثعلبٌ في وكرِ الأسودِ.
المهرج بانش: (يقفز من تحت الأريكة) يا له من مسرحٍ عجيبٍ! إنّه يشبهُ مسرحية "تاجرُ البندقية" لكن هنا البندقيةُ تبيعُ الغازَ المسالَ بدلاً من التوابل، وشيلوكُ هو تريليون، وبوريا هو ترامبونيوس، وأنطونيو هو أوروبيوس، وكلّهم يطلبونَ رطلاً من لحمِ الشعبِ الأوروبي! أليس هذا هو العبقريّ؟!
الحكيم شينج: (يظهرُ فجأةً، يهزّ رأسه) يقولُ المثلُ الصيني: "عندما تتصارعُ الفيلةُ، يُداسُ العشبُ." أوروبا هي العشبُ، والخليجُ هو الفيلُ الذي يظنُّ أنّه يرقصُ، بينما هو يُداسُ في الحقيقةِ بين أمريكا وروسيا والصين. احذروا، أيها الأمراء، فالماديةُ التاريخيةُ لا ترحمُ: من يملكُ الإنتاجَ يملكُ القوةَ، ومن يملكُ القوةَ يرسمُ الحدودَ. والحدودُ هنا ترسمُها أنابيبُ سيبيريا، وليس قصورُ الخليجِ ولا شاشاتُ وول ستريت.
السفير ترامبونيوس: (يضحك بصوتٍ عالٍ) دعوا الفلسفةَ للفلاسفةِ، ولنعدْ إلى الأعمال. سيدي الأمير، أنت تبيعُ الغازَ، ونحن نحمي خطوطَ ملاحتك. صفقةٌ مربحةٌ للجميع، وحتى لو افترضنا أنّ الصينَ ستتفوّقُ علينا في الطاقةِ المتجدّدة، فهذا يحدثُ بعد خمسين عاماً. أمّا الآن، فالنفطُ هو الملك، ونحنُ حرسُ الملك.
(الجوقة تدخل مرّةً أخرى، هذه المرّة ترتدي زيَّ الباعةِ المتجوّلين، تعرضُ قاروراتٍ من الغاز المسال مكتوباً عليها "غاز الحرّية" بأسعارٍ خيالية)
الجوقة: (تهتف) غازُ الحرّيةِ يا سادةْ، بثمنِ الأوطانِ والعبادةْ، اشتروا قبلَ أن ينفدَ العرضْ، فالشتاءُ قادمٌ، والأرضُ تبردْ، والسيّدُ ترامبُ ينتظرُ الشكرَ والرفادةْ!
(يُسدَلُ الستارُ على ضحكاتٍ متقطّعة، بينما الأمير تريليون يوقّع عقداً جديداً مع ترامبونيوس، وفلاديميروف يرسلُ رسالةً مشفّرةً إلى موسكو)
…….
المشهد الرابع
"انهيار الركائز"
القاعةُ نفسها، لكنّ الجدرانَ تتصدّع، والساعةُ توقّفت عند سعر ٢٥٠ دولاراً. الملك أوروبيوس جالسٌ على الأرض، تاجه مائل، ووزيره بروكسيلوس يبكي في الزاوية. الجوقة تحتشدُ حولَه، والجنرال أوكران يضع رأسه بين يديه.
الملك أوروبيوس: (بصوتٍ متعب) لقد انتهى كلُّ شيء. المصانعُ تغلقُ كالأنفاسِ الأخيرةِ لرجلٍ يختنق، والشعبُ يهاجرُ شرقاً حيثُ الغازُ رخيصٌ والأنابيبُ صامدةٌ. ألمانيا، تلك الفتاةُ الذهبيةُ التي كانت تصدّرُ السياراتَ إلى العالم، أصبحت تستوردُ الخبزَ من بولندا. وأنا، ملكٌ بلا مملكة، أجلسُ هنا أنتظرُ أمراً من واشنطن بأن أعلنَ الاستسلامَ الاقتصاديَ.
الوزير بروكسيلوس: (يبكي) جلالتي، إنّ الأرقامَ الرسميةَ تقولُ إنّ الأمورَ ليست بهذا السوء. انظر، لديّ مؤشّرُ ثقةِ المستهلكين: نزلَ إلى -٢٠، لكنّه لا يزالُ أعلى من مؤشّرِ عامِ ٢٠٠٨... نوعاً ما. ومعدّلُ البطالةِ وصلَ إلى ١٥٪، ولكنّه لم يصلْ بعدُ إلى ٢٠٪، وهذا جيّدٌ نسبياً. أسعارُ العقاراتِ انهارتْ، لكنّ الانهيارَ وفرَ فرصاً للشبابِ لشراءِ بيوتٍ كانت تحلمُ بها سابقاً. كلُّ شيءٍ له وجهٌ مشرقٌ، إذا نظرتَ إليه بقبضةِ التفاؤلِ الأوروبي.
المهرج بانش: (يقفز أمام الملك) سيدي، لقد أحضرتُ لك هديّةً من الشعب: بطانيّةً حراريةً واحدةً لكلّ عشرةِ مواطنين، وشمعةً واحدةً لكلّ شارع، ونشرةً حكوميةً تُعلنُ أنَّ "الدفءَ في القلوبِ، وليسَ في الأنابيب". هذا ما تبقّى من عبقريةِ المفوضيةِ الأوروبيةِ: تحويلُ الأزمةِ إلى قصائدَ شعريةٍ ومشاعرَ جميلة.
الحكيم شينج: (يقتربُ من الملك) جلالتك، دعني أقرأُ لك فصلاً من كتابِي المفضّل، كتابُ "التغييرِ الجذريّ": "الماديونَ يقولونَ إنّ البنيةَ تُحدّدُ الوعيَ، والوعيُ لا يُغيّرُ البنيةَ إلاّ بتغييرِ وسائلِ الإنتاجِ. أنتم يا أوروبا غيّرتمْ وعيَكم (بقطعِ الأنابيب)، لكنّكم أبقيتمْ على بنيتِكم الإنتاجيةِ القديمةِ (التبعيّةِ للغازِ المسالِ). فالنتيجةُ هي الانهيارُ، كمنْ يزرعُ في الرمالِ ويظنُّ أنّه سيحصُدُ قمحاً."
السفير ترامبونيوس: (يدخلُ بسرعة، يهزّ الملك) استيقظْ أيّها النائمُ في وكرِ الغازِ المفقود! لديّ خبرٌ سارّ: ترامبُ وقعَ أمراً تنفيذياً بزيادةِ صادراتِ الغازِ المسالِ إلى أوروبا بنسبةِ ٢٠٠٪... بشرطِ أن تتخلّوا عن أيّ مفاوضاتٍ مع روسيا، وأن تُقرّوا باستمرارِ العقوباتِ، وأن تدفعوا تكاليفَ التأمينِ الإضافيَ لأسطولِنا الذي يحمي سفنَكم. صفقةٌ ذهبيةٌ! أليستْ كذلك؟
الملك أوروبيوس: (يرفعُ رأسه) لكن يا سعادةَ السفير، نحن لا نملكُ مالاً لدفعِ الفواتيرِ القديمةِ، فكيفَ سندفعُ للجديدةِ؟ لقد اقترضنا من صندوقِ النقدِ، ومن البنكِ المركزي، ومن أهالينا. لم يبقَ إلاّ أن نبيعَ جلدَنا للصينيّين لقاءَ أنبوبٍ واحدٍ!
التاجر فلاديميروف: (يضحك في الخلف) يا سادة، لمَ هذا التشاؤمُ كلّه؟ أنا مستعدّ لتزويدِكم بالنفطِ الخامِ عبرَ السفنِ الشبحيةِ، شريطةَ ألاّ تسألوا عن مصدرِه، وألاّ ترفعوا رايةَ العقوباتِ في وجهي. سنتعاملُ كما يفعلُ العشّاقُ في الخفاءِ: نلتقي، نتبادلُ البضائعَ، نتبادلُ المالَ، ثمّ ننكرُ بعضَنا في المؤتمراتِ الصحفيةِ. هكذا تسيرُ أمورُ العالمِ الحديثِ، أليس كذلك؟
الجنرال أوكران: (يقفُ فجأةً، يصرخ) كفى! كفى هذه الألعابَ الساخرةَ! أنا لا أقاتلُ من أجلِ أسعارِ الغازِ، بل من أجلِ وطني. لكنّ وطني أصبحَ رهينةَ صفقاتِكم، وأصبحتُ أنا جندياً بلا مال، ولا سلاح، ولا أمل، ولا دفء. كلّ ما تبقّى لي هو هذه الرايةُ الممزّقةُ التي تقول "ساعدوني"، وأنا أرفعها وأنتم تتفرّجونَ وتتبادلونَ صفقاتِ الغازِ وكأنّ الدماءَ ماءٌ، وكرامةَ الشعوبِ سلعةٌ.
(الجوقة تبكي بصوتٍ عالٍ، وتتجمّع حول الجنرال)
الجوقة: (بنشيدٍ حزينٍ) جنديُّنا البائسُ يصرخُ في الظلمهْ، والغربُ يتاجرُ بدمِّ الأُمّهْ، بعنا أنابيبَنا، بعنا قوتَنا، وبقينا نرقصُ على أنغامِ الندمهْ!
الملك أوروبيوس: (يقفُ بصعوبة، يقتربُ من الجنرال) أيها الجندي، أنا آسفٌ حقًّا. لكنّي لستُ أكثرَ من دميةٍ في مسرحيةِ القوى الكبرى. تاجي من بلاستيك، وعرشي من خردة، وقلبي من خوفٍ ممزوجٍ بالعجز. أتقبلُ احتجاجَك، بل وأنا أشتركُ معك في هذا الاحتجاجِ الصامتِ. لكنّي لا أملكُ أنبوباً واحداً يدفئُ وطني، ولا قراراً واحداً يغيّرُ مسارَ التاريخ.
المهرج بانش: (ينحني أمام الجميع) يا سادةَ المسرحِ العبثيّ، هذه هي لحظةُ الحقيقةِ التي ننتظرُها في كلّ مسرحيةٍ شكسبيريةٍ: لحظةُ الاعترافِ بالعجزِ أمامَ القدرِ، لكنّ القدرَ هنا ليسَ آلهةً، بل هو أنابيبُ غازٍ مفجّرة، وعقودٌ مموّهة، وسياساتٌ عميلةٌ. إنّها لحظةُ التطهيرِ، لكنّ التطهيرَ هنا هو دموعٌ على أطلالِ أوروبا الصناعية، وضحكاتٌ مرّةٌ على أوهامِ الحضارةِ الغربية.
(الستارُ يغلق على صورةٍ جماعيةٍ للملك والوزير والجندي والمهرج، وهم ينظرون إلى الساعة التي توقّفت، بينما الجوقة تردّدُ نشيدَها الأخيرَ)
……….
المشهد الخامس والأخير
"نهاية الأنابيب، بداية الجليد"
القاعةُ تحوّلتْ إلى أطلالٍ حقيقيةٍ، سقفٌ متهالك، أنابيبٌ متناثرة، عرشٌ مكسور. الجميعُ واقفونَ في صمتٍ طويلٍ. الساعةُ توقّفت عن ٢٥٠ دولاراً. ثمّ يدخلُ المهرج وحيدًا، يرتدي ثوبًا أسودًا.
المهرج بانش: (يخاطب الجمهور) أيّها السادةُ الكرام، لقد انتهى العرض. لكنّ الحقيقةَ أنّه لم ينتهِ، بل سيعادُ في كلّ شتاءٍ، وفي كلّ أزمةٍ، وفي كلّ مرةٍ يقرّرُ فيها غربٌ أن يقطعَ أنبوبَه ليشتريَ هواءً مسالاً. هذه المسرحيةُ ليست عن أوروبا وحدها، بل عن كلّ حضارةٍ تظنّ أنّها تستطيعُ تغييرَ قوانينِ الجغرافيا بمجردِ قراراتٍ سياسيةٍ وأوامرَ عسكريةٍ وإعلامٍ متحكّم.
الملك أوروبيوس: (يدخلُ بثيابٍ ممزّقة) لقد خسرتُ كلَّ شيء، حتى خسرتُ متعةَ الشكوى. الآن، أكتشفُ أنّ أوهامَ القوةِ كانت أقوى من أنابيبي. الصينُ بنتْ، وروسيا ربحتْ، والخليجُ باعَ، وأمريكا سيطرتْ، وأنا... أنا ملكٌ على أنقاضِ مصانعَ وملايينِ عاطلينَ عن العمل. لكنّ المضحكَ المبكيَّ هو أنّني مازلتُ أعتقدُ بأنّ هناك حلّاً ما، كأنْ تأتيَ سفينةٌ فضائيةٌ تملأ أنابيبَنا بالغازِ المجانيّ! أوه، إنّها أوهامُ العاجزينَ.
الوزير بروكسيلوس: (يدخلُ مع حقيبةٍ فارغة) جلالتك، لقد انتهت الأرقامُ الرسميةُ لأنّ الأرقامَ الحقيقيةَ فضحتْها. لم يعد هناك أرقامٌ وهميةٌ نخفي بها الحقيقةَ. لقد أصبحَ الشعبُ يقرأُ فواتيرَه بنفسه، ويعرفُ أنّه يدفعُ ٢٤٠ دولاراً للبرميلِ بينما تظهرُ الشاشاتُ ٩٠. لقد انكشفتْ لعبتُنا، وانتهتْ مهزلةُ الأرقامِ.
السفير ترامبونيوس: (يدخلُ بفخرٍ زائف) لا تقلقوا، أيّها الأصدقاءُ، فأمريكا ستنقذُكم مرّةً أخرى... بعد أن تبيعَ لكم أسلحةً جديدةً بأسعارَ مضاعفةٍ لتحاربوا بها روسيا، ثمّ تبيعَ لروسيا غازاً مسالاً عبر الهند، ثمّ تبيعَ للهند تكنولوجيا نوويةً، ثمّ تبيعَ للصين ديوناً... إنّها دورةٌ رائعةٌ من الربحِ، وأنتم فيها المستهلكونَ الأوفياء. احتفظوا بابتسامتِكم، فالكوميدياُ مستمرّةٌ، وإن غيّرنا الممثلين، فالنصُّ واحد.
الحكيم شينج: (يخرجُ من بين الأنقاض) يقولُ بوذا: "الحياةُ معاناةٌ، لكنّ سببَ المعاناةِ هو التعلّقُ بالأوهام." أنتم يا أوروبا تعلّقتم بوهمِ الاستقلالِ الطاقويّ، وأنتم تعلّقتم بوهمِ القيادةِ الغربيةِ، وأنتم تعلّقتم بوهمِ أنّ الأسواقَ وحدها تحلّ كلَّ المشاكل. والآن، المعاناةُ هنا، حاضرةٌ في كلِّ بيتٍ متجمّدٍ. لكنّ الحلَّ ليسَ بالمزيدِ من أوهامِ الرأسماليةِ، بل بتغييرِ البنيةِ، والاعترافِ بأنّ الجغرافياَ لا تُخدَعُ، وأنّ التاريخَ يسيرُ وفقَ قوانينِ المادةِ، لا وفقَ خطاباتِ السياسيينَ.
التاجر فلاديميروف: (يدخلُ وفي يده أنبوبٌ صغير) سأبيعُ هذا الأنبوبَ لأعلى مزايدٍ. إنّه رمزٌ لآخرِ قطرةِ غازٍ روسيٍّ يمكنُ أن تصلَ إلى أوروبا... عبرَ طريقٍ طويلٍ ومُكلفٍ، لكنّه متاحٌ لمن يدفعُ الثمنَ. من يشتري؟ أمريكا؟ الخليج؟ الصين؟ أم أنتم يا أوروبا ستشتريه مرّةً أخرى وتعلنونَ النصرَ؟
الجنرال أوكران: (يقتربُ، بوجهٍ منهكٍ) لقد تعبتُ من الحربِ ومن التبعيةِ ومن الأكاذيبِ. ربّما آنَ الأوانُ أن تعترفَ أوروبا بأنّها خسرتْ ليسَ فقط معركةَ الطاقةِ، بل أيضاً معركةَ الكرامةِ. فمن يتبعُ أوامرَ الآخرينَ في تفجيرِ أنابيبهِ، لا يستحقُّ أن يُسمّى قارّةً مستقلةً. إنّه مجرّدُ ممشىً للجيوشِ والشركاتِ المتعدّدةِ الجنسياتِ.
المهرج بانش: (ينادي الجمهور) تعالوا، أيّها السادة، لنختم هذه الملحمةَ التراجيكوميديةَ بالدرسِ الأخيرِ: الغربُ دفعَ الثمنَ، والشرقُ جمعَ الأرباحَ، والخليجُ تنافسَ على البقاءِ، وأوروبا سقطتْ في فخِّ التكبّرِ. لكنّ الدرسَ الأعظمَ هو أنّ الماديةَ التاريخيةَ لا ترحمُ. من يظنّ أنّ الشعاراتِ تغيّرُ الجغرافيا، فهو أحمقُ يستحقّ مسرحيةً خاصةً به. أمّا نحنُ، فقد قدّمنا لكم هذه المسرحيةَ كي تضحكوا قليلاً قبل أن تبكوا كثيراً، وكي تتذكّروا أنّ الأنابيبَ حين تنفجرُ، لا تتركُ وراءها إلاّ رمادَ الأوهامِ وجليدَ الحقيقةِ.
(يُسدَلُ الستارُ ببطء، بينما المهرج يقفُ وحيداً في وسطِ الخشبة، يرمي قبّعته في الهواء ويصرخ)
المهرج بانش: (صرخةٌ أخيرة) يا سادةَ العالمِ، اسمعوا صوتَ المهرجْ: الأنابيبُ لا تُبنى بالوعودِ والنهجْ، والغازُ لا يأتي من شاشاتِ الأسهمْ، بل من أرضٍ تُحفرُ، ومن صبرٍ يتجمّعْ. فإن أردتم دفئاً، فانظروا نحوَ الشرقْ، وإن أردتم أوهاماً، فابقوا في مسرحِ الغربْ، فالتاريخُ يضحكُ من فوقِ أنقاضِ القصرْ، والجغرافيا تنتصرُ، مهما تكبّرَ البشرْ.
(ظلامٌ دامسٌ، ثمّ ضوءٌ خافتٌ على الساعةِ التي تعرضُ ٢٥٠ دولاراً، ثمّ تتوقّفُ للأبد)
………
نهاية المسرحية
……….
تنويه: هذه المسرحيةُ خياليةٌ رمزيةٌ، لا تهدفُ إلاّ إلى تسليطِ الضوءِ على تناقضاتِ النظامِ العالميّ، بأسلوبٍ تراجيكوميديّ. وهي صالحةٌ لكلّ زمانٍ ومكانٍ يعاني فيه البشرُ من وطأةِ القراراتِ السياسيةِ التي تنسى أنّ للجسدِ احتياجاتٍ، وللجغرافيا قوانينَ، وللتاريخِ درساً.
#احمد_صالح_سلوم (هاشتاغ)
Ahmad_Saloum#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
دراسة مقارنة: روايتي «ذاكرة الفوتون الأخير» في سياق الخيال ا
...
-
من سمير أمين إلى مدرستي تسينغهوا ورينمين.. الانتقال من نقد ا
...
-
تحوّلات الطاقة بين البحر والبرّ: إعادة تشكيل ميزان القوى الع
...
-
حين تتحدث الحقائق الاقتصادية: قراءة في سردية الانهيار الإيرا
...
-
الفروق البنيوية بين اليمين الحاكم و المتطرف، واليسار في فرنس
...
-
المغناطيس الصيني والطاقة الأبدية: كيف غيّرت الصين قواعد الحض
...
-
مسرحية -أوهام على شاطئ بونتوس-.... تراجيكوميديا في ثلاثة فصو
...
-
قاعدة العديد ... أو كواليس توزيع البضاعة الفاسدة- مسرحية كوم
...
-
مذكرات كاتب في بلاد الرمال الذهبية- رواية ساخرة
-
مسرحية: رقعة شطرنج مكسورة .. مهزلة جيوسياسية في ستة مشاهد
-
الاختطاف العسكري للرئيس الفنزويلي والاستيلاء على عائدات النف
...
-
تحليل قانوني لعزل ترامب وملاحقته الجنائية في ولايته الثانية
-
تمهيد لروايتي : اطلس الضحكة الأخيرة
-
تطبيق مفهوم الحصار كجريمة حرب على اليمن وكوبا – تحليل قانوني
...
-
الحظر اليمني على مرور السفن السعودية في باب المندب: قراءة بن
...
-
مسرحية -شهادة ميلاد ألمانية-..كوميديا سوداء في فصلين عن عقدة
...
-
كيف تتحول بروكسل إلى هوليوود والاتحاد الأوروبي إلى فيلم رعب
...
-
-بروكسل – مدينة الضمائر المعلّقة-..كوميديا سياسية سوداء في ث
...
-
الاتحاد الأوروبي: قوة رجعية؟ دراسة في البنية السياسية والاقت
...
-
مفوضية بروكسل الضاحكة : كوميديا دستورية في عدة لوحات
المزيد.....
-
الخارجية الروسية: الرواية الألمانية لتفجير -السيل الشمالي- ت
...
-
ترامب ينقذ طفلا من السقوط على المسرح ويحول الموقف إلى نكتة ع
...
-
خمسة انقلابات غيّرت وجه الإمبراطورية الروسية
-
كاريليا في صدارة المناطق الروسية الأكثر ارتباطا بالسينما بفض
...
-
فن الفسيفساء الجلدية.. حرفة قازانية عريقة في معرض بمدينة يكا
...
-
كاتب يهودي يفكك الرواية الإسرائيلية ويوثق -هندسة الإبادة- في
...
-
إطلاق حراك فني فلسفي عالمي من بغداد (مدرسة الأنطولوجيا الحيو
...
-
مخرجة فرنسية سورية تروي قصة مهاجرة سورية في فيلم (الغريبة)
-
تجربة في المشاهدة: المخرج الصيني تشانغ ييمو
-
-ليلة العمى- التركية: موهبة سينمائية ومُنجز مُبهر
المزيد.....
-
ديوان 24 شعر
/ منصور الريكان
-
القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش
...
/ ربيحة الرفاعي
-
تصاوير لية الظمأ
/ السمّاح عبد الله
-
ثلاثاءات عابر سبيل
/ السمّاح عبد الله
-
ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو
...
/ سلسبيل كريبع
-
قناديل الحكمة
/ د. خالد زغريت
-
حكاياتْ تَكاد تُنسى
/ فلاح العيفاري
-
وعي ـ قصص قصيرة جدا
/ حسين جداونه
-
ديوان 23 الحاوي والعصفور
/ منصور الريكان
-
كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م
...
/ حميد عقبي
المزيد.....
|