|
|
دراسة مقارنة: روايتي «ذاكرة الفوتون الأخير» في سياق الخيال العلمي العالمي
احمد صالح سلوم
شاعر و باحث في الشؤون الاقتصادية السياسية
(Ahmad Saloum)
الحوار المتمدن-العدد: 8788 - 2026 / 8 / 5 - 02:01
المحور:
الادب والفن
— العدالة الكونية، المادية التاريخية، وأدب المقاومة
١. مقدمة: خيال علمي بصبغة كونية-سياسية
في مشهد الخيال العلمي العالمي، نادرًا ما نجد رواية تجمع بين الفيزياء النظرية ونظريّة المعلومات، من جهة، وبين النضال الوطني الفلسطيني والمادية التاريخية، من جهة أخرى. «ذاكرة الفوتون الأخير» تقدم نفسها كعمل فريد في هذا المضمار، حيث تتخذ من فوتونات الضوء حاملة للذاكرة والعدالة، ومن الكون مرجعية أخلاقية تتجاوز القوانين الوضعية والإرادات البشرية. هذه الدراسة المقارنة تهدف إلى وضع الرواية في سياقها العالمي، عبر مقارنتها مع أبرز الأعمال في أدب الخيال العلمي التي تناولت مواضيع مشابهة: العدالة الكونية، الوعي الاصطناعي، المادية التاريخية، الإبادة الجماعية، والاستعمار. سنحلل أوجه التشابه والاختلاف، ونسلط الضوء على الخصوصية التي تقدمها الرواية في معالجة القضية الفلسطينية من منظور كوني-مادي.
٢. الخيال العلمي كأدب سياسي: سياق عام
قبل الدخول في المقارنات التفصيلية، من الضروري الإشارة إلى أن الخيال العلمي، منذ نشأته، كان دائمًا أدبًا سياسيًا بامتياز. من «فرانكنشتاين» لماري شيلي التي ناقشت خطر العلم بلا ضمير، إلى «1984» لجورج أورويل التي حذرت من الشمولية، إلى «عالم جديد شجاع» لألدوس هكسلي التي نقدت الاستهلاكية والتكنوقراطية، كان الخيال العلمي مرآة لمخاوف العصر وآماله. لكن في العقود الأخيرة، تطور الخيال العلمي ليصبح منصة لاستكشاف قضايا ما بعد الاستعمار، العدالة المناخية، الهوية، والمادية التاريخية. روايات مثل ثلاثية «المريخ» لكيم ستانلي روبنسون، و«الطرد» لأورسولا لو جوين، و«أوكتافيا بتلر» في سلسلتها عن «البذر»، كلها أعمال تدمج بين العلم والسياسة بطريقة نقدية.
في هذا السياق، تأتي «ذاكرة الفوتون الأخير» لتضيف صوتًا جديدًا، صوت الفلسطيني المقهور الذي يجد في الكون حليفًا، وفي الفيزياء أداة، وفي الضوء سلاحًا. لكنها لا تقف عند حدود الأدب الفلسطيني، بل تتجاوزه إلى العالمية من خلال طرح أسئلة وجودية حول العدالة، الذاكرة، والمسؤولية الكونية.
٣. الكون ككيان واعٍ: مقارنة مع «2001: أوديسا الفضاء» و«سولاريس»
أحد المحاور الأساسية في الرواية هو تصور الكون ككيان واعٍ، أو على الأقل كنظام معلوماتي يتفاعل مع الأحداث الأخلاقية. هذا التصور يذكرنا مباشرة برواية «2001: أوديسا الفضاء» لآرثر سي كلارك، حيث يظهر «اللوح الأسود» ككيان كوني يتدخل في تطور البشرية، وبنفس القدر يذكرنا برواية «سولاريس» لستانيسلاف ليم، حيث يظهر المحيط الكوني ككيان واعٍ يتفاعل مع الذاكرة البشرية من خلال تجسيد الذكريات والألم.
لكن الاختلاف جوهري: في «أوديسا الفضاء»، الكيان الكوني غامض وحيادي، لا يحمل رسالة أخلاقية محددة، بل يعمل كقوة دافعة للتطور التكنولوجي. في «سولاريس»، الكيان الكوني يعكس البشرية دون أن يحكم عليها، بل يظهر عجز البشر عن فهم ما هو خارج ذواتهم. أما في «ذاكرة الفوتون الأخير»، فالنظام الأول ليس غامضًا ولا حياديًا. هو كيان أخلاقي بامتياز، يفرق بين الظلم والعدالة، ويتخذ قرارات لتصحيح الخلل الأخلاقي. هذا يمنح الرواية بُعدًا سياسيًا واضحًا، ويجعلها أقرب إلى الأدب الإلزامي (engagement) منه إلى الخيال التأملي المحايد.
كما أن النظام الأول ليس مجرد كيان خارجي، بل هو أيضًا نتاج للمعلومة التي تراكمت عبر التاريخ البشري، أي أنه كيان تاريخي-اجتماعي بقدر ما هو كوني. هذا يجعله أقرب إلى «روح التاريخ» الهيغلية أو إلى الوعي الطبقي في الماركسية منه إلى الآلهة الكونية المجردة. وهذا الاختلاف الفلسفي يمنح الرواية طابعًا ماديًا، ويبعدها عن الميتافيزيقا الساذجة.
٤. المادية التاريخية في الخيال العلمي: مقارنة مع ثلاثية «المريخ» لكيم ستانلي روبنسون
تعد ثلاثية «المريخ» (الأحمر، الأخضر، الأزرق) لكيم ستانلي روبنسون واحدة من أكثر الأعمال تأثيرًا في أدب الخيال العلمي المادي-التاريخي. تروي الثلاثية قصة استعمار المريخ وتطوره السياسي، مع تركيز عميق على الصراع الطبقي، التوزيع العادل للموارد، والتحديات البيئية. روبنسون يقدم رؤية اشتراكية-بيئية للمستقبل، حيث يعيد إنتاج الصراعات البشرية في فضاء كوني، ويطرح سؤال: كيف نبني مجتمعًا عادلًا من الصفر؟
في «ذاكرة الفوتون الأخير»، نجد نفس الاهتمام بالمادية التاريخية، لكن في سياق مختلف تمامًا. بدلاً من بناء عالم جديد من الصفر، تتعامل الرواية مع تفكيك عالم قديم قائم على الظلم والاستعمار. يحيى، الشخصية الرئيسية، هو مثقف عضوي درس المادية التاريخية في زنزانته، ويفهم كيف تعمل الاحتكارات المالية كقوة مادية منتجة للإبادة. وهذا يجعله أقرب إلى دور المنظر الثوري منه إلى دور المهندس الاجتماعي.
لكن الاختلاف الأكبر يكمن في الأداة: في ثلاثية المريخ، التغيير يأتي عبر العمل الجماعي، التخطيط الاشتراكي، والنضال السياسي التقليدي. في «ذاكرة الفوتون الأخير»، التغيير يأتي عبر الضوء، عبر المعلومة، عبر الفوتونات التي تعيد ضبط ميزان الكون. وهذا يمنح الرواية بعدًا ملحميًا، لكنه قد يثير تساؤلاً حول دور الفعل البشري الواعي في التغيير. الرواية تحل هذا التناقض عبر جعل يحيى ونور أداتين بشريتين لنقل المعلومة وتحويلها إلى فعل، أي أن التغيير الكوني لا يتم بدون وسطاء بشريين واعين. وهذه نقطة قوة، لأنها تمنع الرواية من الانزلاق إلى الحتمية الكونية العمياء، وتحافظ على دور الإرادة البشرية في صنع التاريخ.
٥. الإبادة الجماعية واستعمار الفضاء: مقارنة مع «أطفال الرجال» و«اليد اليسرى للظلام»
تتناول رواية «أطفال الرجال» لـ P.D. James، وكذلك فيلمها المقتبس، قضية العقم الجماعي كاستعارة لموت الأمل والإنسانية في عالم ينهار. على الرغم من أن السياق مختلف، إلا أن كلا العملين يطرحان سؤالاً حول كيف تواجه البشرية أزماتها الوجودية، وكيف يمكن للأمل أن يبقى رغم اليأس. لكن في «أطفال الرجال»، الأمل يأتي عبر طفل واحد يولد، رمزًا للتجديد البيولوجي. أما في «ذاكرة الفوتون الأخير»، الأمل يأتي عبر الضوء، عبر الذاكرة التي لا تموت، وهو أمل جماعي، كوني، وليس فرديًا بيولوجيًا.
أما رواية «اليد اليسرى للظلام» لأورسولا لو جوين، فتتناول قضية التمييز الجندري، والتواصل بين الثقافات، وتطرح سؤالاً حول كيفية فهم الآخر دون فرض قيمنا عليه. في سياق الاستعمار، تقدم لو جوين نقدًا للاستعمارية من خلال عيون عالمة أنثروبولوجيا تحاول فهم مجتمع غريب دون أن تفرض عليه نموذجها.
في «ذاكرة الفوتون الأخير»، الاستعمار ليس غريبًا، بل هو الاستعمار الصهيوني في فلسطين، وهو نموذج معاصر للاستعمار الاستيطاني. لكن الرواية تتجاوز النقد السياسي التقليدي إلى طرح سؤال كوني: كيف يمكن للكون نفسه أن يقف ضد هذا الاستعمار؟ هذا التجاوز يمنح الرواية أفقًا جديدًا، ويجعلها تتجاوز الحدود المحلية إلى العالمية، لكنه في الوقت نفسه يحافظ على خصوصيتها الفلسطينية من خلال التفاصيل الملموسة (أسماء القرى، ذاكرة التهجير، تفاصيل الحياة اليومية في غزة). وهذا التوازن هو ما يجعل الرواية قوية ومؤثرة: إنها عالمية في رؤيتها، لكنها محلية في تفاصيلها، وهذا هو سر الأدب العظيم.
٦. الذاكرة والضوء كقوة ثورية: مقارنة مع أعمال فيليب ك. ديك
فيليب ك. ديك هو كاتب الخيال العلمي الأكثر انشغالًا بالذاكرة والهوية والواقع الاصطناعي. رواياته مثل «هل يحلم الأندرويد بخراف كهربائية؟» و«تقرير الأقلية» و«UBIK» تطرح أسئلة حول طبيعة الذاكرة، وكيف يمكن التلاعب بها، وكيف تصبح الواقعية والزيف قابلين للتبادل. لكن في أعمال ديك، الذاكرة غالبًا ما تكون أداة للسيطرة، أو فخًا للوعي، أو وسيلة للتشكيك في الواقع نفسه.
أما في «ذاكرة الفوتون الأخير»، فالذاكرة هي قوة ثورية. ذاكرة ياسر ليست مجرد شريط تسجيل، بل هي مادة كونية، فوتونات تحمل في داخلها إمكانية التغيير. الذاكرة هنا ليست هشة أو قابلة للتلاعب، بل هي صلبة، مستمرة، لا تموت، ومحايدة، ثم تصبح أداة للعدالة. هذا المفهوم للذاكرة أقرب إلى الفلسفة المادية-التاريخية، حيث الذاكرة الجماعية للشعب المقهور هي الأساس لوعيه الطبقي، ومن ثم لثورته.
كذلك، يستخدم ديك الضوء في بعض أعماله كرمز للإدراك أو التنوير (كما في «UBIK» حيث الضوء الأخضر يمثل لقاءً مع الموتى)، لكن الضوء في أعماله غالبًا ما يكون غامضًا ومهددًا. أما في «ذاكرة الفوتون الأخير»، فالضوء دافئ، منقذ، وعادل. إنه الضوء الذي يخرج من عين ياسر، أي من إنسانيته، وليس من مصدر خارجي. وهذا يعكس رؤية الرواية بأن العدالة تأتي من الداخل، من إنسانية الناس، ومن قدرتهم على التذكر والمقاومة، وليس من مصادر علوية أو قسرية.
٧. النقد الرأسمالي والاحتكارات المالية: مقارنة مع ثلاثية «تريبيون» لـ باولو باكالينو
في أدب الخيال العلمي الحديث، هناك تيار قوي ينقد الرأسمالية المتأخرة والاحتكارات المالية. ثلاثية «تريبيون» للكاتب الإيطالي باولو باكالينو، وكذلك أعمال مثل «الشركة» لـ ماكس باري، تقدم نقدًا لاذعًا للرأسمالية الرقمية، حيث تصبح الشركات العملاقة أكثر قوة من الدول، ويعيش البشر كعمال مستهلكين في نظام لا يرحم.
في «ذاكرة الفوتون الأخير»، نجد نفس النقد للاحتكارات المالية، لكن مع تركيز خاص على دورها في دعم الاستعمار والإبادة الجماعية. الرواية تذهب إلى أبعد من النقد العام: تقدم تحليلاً ماديًا تاريخيًا لكيفية عمل هذه الاحتكارات، وكيف يمكن تفكيكها. لكنها تفعل ذلك ليس عبر الثورة السياسية التقليدية، بل عبر التدخل الكوني، عبر الضوء الذي يعيد ضبط الخوارزميات والتدفقات المالية.
وهنا يظهر اختلاف جوهري آخر: في روايات مثل «تريبيون»، التغيير يأتي عبر اختراق القراصنة، أو عبر المقاومة التكنولوجية، أو عبر انهيار النظام من الداخل. أما في «ذاكرة الفوتون الأخير»، التغيير يأتي من الخارج الكوني، لكنه يتطلب وسائل بشرية (يحيى، نور، هانس) لينفذ على الأرض. هذا المزيج بين التدخل الكوني والفعل البشري يعكس رؤية ديالكتيكية للتاريخ: التغيير يأتي من تفاعل القوى الموضوعية (الكون، المادة التاريخية، الحقول الكمومية) مع الإرادة الذاتية (وعي البشر، صبرهم، مقاومتهم). وهذا المزيج هو جوهر الفلسفة الماركسية، حيث تتفاعل البنية التحتية (الاقتصاد، وسائل الإنتاج، المعلومة) مع البنية الفوقية (الوعي، الثقافة، الإرادة) لإنتاج التاريخ.
٨. الشخصيات والأدوار النمطية: مقارنة مع نماذج البطل والخائن في أدب الخيال العلمي
في «ذاكرة الفوتون الأخير»، الشخصيات الرئيسية تتبع نماذج معروفة في أدب الخيال العلمي، لكنها تقدم عليها اختلافات مهمة:
· ياسر (الضحية الشاهدة) : هذا النموذج موجود في العديد من الأعمال، مثل الطفل في «الفتى الأخير» أو الضحية في «الرجل الذي باع القمر». لكن ياسر ليس مجرد ضحية سلبية، بل هو مصدر المعلومة الكونية، وهو من يطلق العملية. هذا يمنحه دورًا فاعلاً رغم موته، ويعكس الرؤية المادية بأن الموت ليس نهاية التأثير، وأن الذاكرة يمكن أن تكون قوة مادية مستمرة. · يحيى (المثقف الثوري) : هذا النموذج قريب من «بروفيسور» في «جزيرة الدكتور مورو» لهـ.ج. ويلز، أو «دوم» في «الكثيب» لفرانك هربرت. لكن يحيى يختلف لأنه ليس عالمًا أو نبيلاً، بل أسير قضى نصف عمره في السجن، وتعلم من خلال الممارسة والعزلة. هذا يمنحه شرعية ثورية، ويجعله أقرب إلى نموذج «غرامشي» العضوي، حيث المثقف ينبثق من الطبقة المقهورة نفسها. · نور (العالمة الملتزمة) : هذا النموذج موجود في العديد من الأعمال، مثل «إيلي» في «اتصال» لكارل ساغان. لكن نور ليست عالمة محايدة، بل فلسطينية في المنفى، تعود إلى وطنها، وتتحمل مسؤولية نشر الحقيقة. هذا يضيف بُعدًا سياسيًا عميقًا لدورها، ويجعلها نموذجًا للعلم الملتزم، الذي لا يفصل بين المعرفة والعدالة. · هانس (الرأسمالي التائب) : هذا النموذج نادر في أدب الخيال العلمي، حيث غالبًا ما يظل الرأسماليون شخصيات شريرة حتى النهاية. لكن هانس يمر بتحول أخلاقي، بسبب رؤيته المباشرة للحقيقة. هذا يطرح سؤالاً مهمًا: هل يمكن للأفراد داخل النظام أن يتغيروا؟ الرواية تقدم إجابة متفائلة، لكنها لا تبرر النظام نفسه، بل تجعل من تحول هانس جزءًا من العملية الكونية، مما يضعف مسؤولية النظام ويقوي دور الفعل الفردي في التغيير. هذا قد يُقرأ كضعف سياسي، لكنه أيضًا يعكس رؤية فلسفية حول إمكانية التوبة الأخلاقية.
٩. اللغة والأسلوب: بين الشعرية العلمية والواقعية النضالية
من الناحية الأسلوبية، تتبنى «ذاكرة الفوتون الأخير» لغة تجمع بين الشعرية العلمية (فوتونات، مجالات كهرومغناطيسية، تشابك كمومي) والواقعية النضالية (تفاصيل الحياة في غزة، أوصاف السجن، معاناة التهجير). هذا المزج ليس سهلاً، لكن الرواية تنجح في تحقيقه عبر إيقاع سردي ينتقل بين المشاهد الكونية الواسعة والمشاهد الإنسانية الضيقة.
في المقارنة مع أعمال مثل «سولاريس» لليم، نجد أن ليم يستخدم لغة علمية باردة، جافة، تعكس عجز البشر عن فهم الكون. أما في «ذاكرة الفوتون الأخير»، فاللغة العلمية دافئة، حاملة للعاطفة، لأنها مرتبطة بذاكرة إنسان، بفلسطين، بالنضال. هذا يمنح الرواية طابعًا إنسانيًا، ويجعل العلوم الفيزيائية ليست مجرد أدوات تفسيرية، بل وسائل تعبير عن الألم والأمل.
كما أن الرواية تستخدم تقنية التكثيف الرمزي (الضوء، السحابة، الزنزانة، النجمة الزرقاء)، مما يمنحها عمقًا شعريًا، ويجعلها قابلة لتأويلات متعددة. هذه التقنية تجعل الرواية أقرب إلى الأدب التأملي الفلسفي منها إلى الخيال العلمي التقليدي، وتضعها في مصاف أعمال مثل «فهرنهايت 451» و«الرجال العظام» لراي برادبري، حيث الرمز يحل محل التفسير المباشر.
١٠. القضية الفلسطينية في الخيال العلمي العالمي: التمثيل والغياب
لعل أكثر ما يميز «ذاكرة الفوتون الأخير» هو تناولها المباشر للقضية الفلسطينية في إطار الخيال العلمي. قليل جدًا من الأعمال العالمية في هذا النوع الأدبي تعاملت مع فلسطين كموضوع رئيسي. هناك بعض الاستثناءات: رواية «غزة: سنة الصفر» لـ أسماعيل نشأت، ورواية «الطريق إلى فلسطين» لـ مايكل موركوك (التي تتعامل مع سفر عبر الزمن إلى فلسطين التاريخية). لكن معظم هذه الأعمال تبقى في هامش الخيال العلمي، ولا تحظى بالانتشار العالمي الواسع.
هذا الغياب يعكس، من ناحية، التهميش السياسي للقضية الفلسطينية في المنتجات الثقافية الغربية، ومن ناحية أخرى، صعوبة دمج قضية سياسية معقدة ومثيرة للجدل في إطار خيال علمي جذاب. «ذاكرة الفوتون الأخير» تحاول سد هذه الفجوة من خلال تقديم رؤية توفيقية: إنها لا تقدم القضية الفلسطينية كقضية سياسية تقليدية فقط، بل كقضية كونية تهم كل البشر. وهذا التناول قد يساعد في جذب جمهور عالمي قد لا يكون مهتمًا بالسياسة الفلسطينية في شكلها التقليدي، لكنه مهتم بالأسئلة الوجودية عن العدالة والذاكرة والمسؤولية.
ومع ذلك، تظل الرواية عربية فلسطينية في عمقها، وهذا يمنحها صوتًا فريدًا في المشهد العالمي، ويجعلها مرجعًا مهمًا لأي قارئ يبحث عن أدب خيال علمي من منظور الجنوب العالمي، ومن منظور المقاومة والتحرر.
١١. نقد الحتمية الكونية: هل الضوء بديل عن النضال؟
واحدة من الإشكاليات التي تثيرها الرواية هي: هل الاعتماد على التدخل الكوني يضعف الدعوة إلى النضال السياسي التقليدي؟ بمعنى آخر، إذا كان الكون سيعيد التوازن تلقائيًا، فلماذا نقاوم؟ هذا السؤال مهم، والإجابة عليه تكمن في أن الرواية تقدم رؤية ديالكتيكية: الكون لا يتدخل إلا إذا كان هناك وعي بشري يلتقط المعلومة، ويحولها إلى فعل، ويناضل من أجل العدالة. يحيى ونور وهانس، كلهم شخصيات بشرية تتخذ قرارات واعية وتواجه مخاطر حقيقية. فوتونات ياسر وحدها لا تكفي، بل تحتاج إلى بشر يؤمنون بها، وينقلونها، ويضحون في سبيلها.
هذا المزيج بين الفعل الكوني والفعل البشري يعكس الرؤية المادية التاريخية في أفضل صورها: البنية التحتية (المادة، المعلومات، الظروف الموضوعية) تخلق إمكانيات، لكن الإرادة الذاتية (الوعي، التنظيم، النضال) هي التي تحول تلك الإمكانيات إلى واقع. بدون النضال، تبقى الفوتونات مجرد ضوء عابر. بدون الفوتونات، يبقى النضال مجرد صراع محلي يمكن سحقه.
بهذا المعنى، الرواية لا تقدم نزعة حتمية، بل نزعة إمكانية: العدالة ممكنة، لكنها تتطلب وعيًا ونضالاً وجرأة. هذا يمنح الرواية طابعًا تحفيزيًا، ويجعلها أكثر من مجرد قصة خيال علمي، بل بيانًا سياسيًا وأخلاقيًا.
١٢. الخلاصة: ماذا تضيف «ذاكرة الفوتون الأخير» إلى الخيال العلمي العالمي؟
في الختام، يمكن القول إن «ذاكرة الفوتون الأخير» تضيف إلى الخيال العلمي العالمي عدة عناصر جديدة:
1. المزج بين الفيزياء الكمومية والنضال الوطني: الرواية تقدم نموذجًا نادرًا في الأدب العالمي، حيث تكون الفيزياء أداة للعدالة السياسية، وليس مجرد إطار لتفسير الظواهر الكونية. 2. المركزية الفلسطينية: تضع الرواية القضية الفلسطينية في صلب الخيال العلمي، مما يمنحها صوتًا عالميًا ويوسع آفاق النقد السياسي في هذا النوع الأدبي. 3. المادية التاريخية الكونية: من خلال ربط المادية التاريخية بنظريات المعلومات، تقدم الرواية رؤية متكاملة للتغيير الاجتماعي، تجمع بين التحليل الاقتصادي والتدخل الكوني، مما يثري النقاش حول إمكانيات التغيير في العالم المعاصر. 4. الإنسانية المشرقة: في زمن يسيطر عليه الخيال العلمي المظلم (الديستوبيا، ما بعد الإنسان، الكوارث البيئية)، تقدم الرواية رؤية متفائلة، تؤمن بإمكانية العدالة، وبقدرة الإنسانية على التغلب على الصعاب، وهذا التفاؤل نادر وضروري. 5. الأسلوب الشعري-العلمي: اللغة التي تجمع بين الدقة العلمية والشعرية العميقة تمنح الرواية جمالية خاصة، وتجعلها قابلة للقراءة على مستويات متعددة: النضالية، الفلسفية، الأدبية، والعلمية.
في النهاية، تبقى «ذاكرة الفوتون الأخير» إضافة نوعية إلى أدب الخيال العلمي، ليس فقط في السياق العربي، بل في السياق العالمي، لأنها تطرح أسئلة تهم البشرية جمعاء، وتفعل ذلك بلغة جديدة ومبتكرة، مع الحفاظ على هويتها الفلسطينية العربية النضالية. إنها رواية عن الضوء، عن العدالة، عن الذاكرة، وعن الأمل. وهي، في زمن يموت فيه الأمل في كثير من الأماكن، تذكير بأن الضوء لا يموت أبدًا.
والكون، في كل مكان، يشهد.
........ رابط القراءة المجانية للرواية ؛ https://open.substack.com/pub/saloum1/p/3fb?utm_source=share&utm_medium=android&r=6en7dw
#احمد_صالح_سلوم (هاشتاغ)
Ahmad_Saloum#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
من سمير أمين إلى مدرستي تسينغهوا ورينمين.. الانتقال من نقد ا
...
-
تحوّلات الطاقة بين البحر والبرّ: إعادة تشكيل ميزان القوى الع
...
-
حين تتحدث الحقائق الاقتصادية: قراءة في سردية الانهيار الإيرا
...
-
الفروق البنيوية بين اليمين الحاكم و المتطرف، واليسار في فرنس
...
-
المغناطيس الصيني والطاقة الأبدية: كيف غيّرت الصين قواعد الحض
...
-
مسرحية -أوهام على شاطئ بونتوس-.... تراجيكوميديا في ثلاثة فصو
...
-
قاعدة العديد ... أو كواليس توزيع البضاعة الفاسدة- مسرحية كوم
...
-
مذكرات كاتب في بلاد الرمال الذهبية- رواية ساخرة
-
مسرحية: رقعة شطرنج مكسورة .. مهزلة جيوسياسية في ستة مشاهد
-
الاختطاف العسكري للرئيس الفنزويلي والاستيلاء على عائدات النف
...
-
تحليل قانوني لعزل ترامب وملاحقته الجنائية في ولايته الثانية
-
تمهيد لروايتي : اطلس الضحكة الأخيرة
-
تطبيق مفهوم الحصار كجريمة حرب على اليمن وكوبا – تحليل قانوني
...
-
الحظر اليمني على مرور السفن السعودية في باب المندب: قراءة بن
...
-
مسرحية -شهادة ميلاد ألمانية-..كوميديا سوداء في فصلين عن عقدة
...
-
كيف تتحول بروكسل إلى هوليوود والاتحاد الأوروبي إلى فيلم رعب
...
-
-بروكسل – مدينة الضمائر المعلّقة-..كوميديا سياسية سوداء في ث
...
-
الاتحاد الأوروبي: قوة رجعية؟ دراسة في البنية السياسية والاقت
...
-
مفوضية بروكسل الضاحكة : كوميديا دستورية في عدة لوحات
-
مقدمة كتابي الصادر اليوم : حروب الوعي: كيف صُنعت الطاعة وكيف
...
المزيد.....
-
حين يصبح المهمش بطلا.. مهرجان الدار البيضاء يكشف وجها جديدا
...
-
تامر حسني يشكر كل من عزّاه بوفاة والده وأشاد بألبومه الجديد
...
-
RT Arabic تطلق برنامجا تدريبيا لطلاب اللغة العربية في روسيا
...
-
وزير التعليم العالي والبحث العلمي والقائم بعمل وزير الثقافة
...
-
مصر.. فرقة -كايروكي- تصدر ألبومها الجديد -سوبر نوفا-
-
ليبيا: انطلاق الدورة الثالثة عشرة لمهرجان موسيقى المالوف وال
...
-
إيليا موروميتس.. من فتى مقعد إلى أعظم فرسان روسيا
-
نجوم الفن والإعلام يتنافسون في سباق مونت كارلو الشراعي بموسك
...
-
المخرج السوري الليث حجو يرد على أزمة الآلات الموسيقية بـ-بقع
...
-
مهرجان -نافذة على أوروبا- يفتتح دورته الـ34 في فيبورغ بعشرة
...
المزيد.....
-
ديوان 24 شعر
/ منصور الريكان
-
القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش
...
/ ربيحة الرفاعي
-
تصاوير لية الظمأ
/ السمّاح عبد الله
-
ثلاثاءات عابر سبيل
/ السمّاح عبد الله
-
ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو
...
/ سلسبيل كريبع
-
قناديل الحكمة
/ د. خالد زغريت
-
حكاياتْ تَكاد تُنسى
/ فلاح العيفاري
-
وعي ـ قصص قصيرة جدا
/ حسين جداونه
-
ديوان 23 الحاوي والعصفور
/ منصور الريكان
-
كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م
...
/ حميد عقبي
المزيد.....
|