أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - مقداد مسعود - منطقة نادرة في الكتابة / الكاتب والباحث نبيل عبد الأمير الربيعي














المزيد.....

منطقة نادرة في الكتابة / الكاتب والباحث نبيل عبد الأمير الربيعي


مقداد مسعود

الحوار المتمدن-العدد: 8786 - 2026 / 8 / 3 - 02:19
المحور: الادب والفن
    


(مرور) نص الشاعر مقداد مسعود، يشتغل على منطقة نادرة في الكتابة، حيث لا يكون السرد وصفا لمدينة مكتظة فحسب، بل محاولة للكشف عن الوحدة الهائلة التي يمكن أن يعيشها الإنسان
وسط الزحام (سيلٌ قاتم من المارة) ليس مجرد صورة لحركة الشارع، وإنما استعارة لعالم فقد ملامحهُ الفردية، حتى صار الناس
كتلة بشرية متدفقة بلا أسماء ولا وجوه، تنظفها أضواء السيارات،
لحظة ثم تعيدها إلى عتمة النسيان.
هنا الشاعر لا يقدم مشهداً واقعياً بقدر ما يبني فضاءً حلمياً
تتداخل فيه المدينة مع الكابوس، إذ يقول الشاعر (خانساً دخلَ المدينة هذا المساء، كأنه طيرٌ ضلّ من سربهِ فسقط في نفق أعور)
هذا الكلامُ يمنح النصَ بعداً وجودياً عميقاً.، فالمدينة هنا ليست مكاناً للاحتواء، بل متاهة تبتلع الضائعين، والطائر ليس سوى الإنسان الذي انفصل عن جماعتهِ، أو المثقف الذي فقد صوته، أو الروح التي أرهقتها المدن الحديثة حتى غدت غريبة ً عن نفسها.
ويبلغ النص ذروته حين تتحول الجموع إلى (مارة بلا ملامح) إنها ليست إدانة للناس، بل إدانة لزمن استطاع أن يمحو الفروق الإنسانية ويحول الأفراد إلى ظلال عابرة، لا يلتفت إليها أحد، ولا تترك أثراً في الذاكرة. هنا تتجلى براعة مقداد كشاعر في تحويل المشهد اليومي البسيط إلى سؤال فلسفي عن الهوية، وعن معنى أن يكون للإنسان وجه في عالمٍ يتقن صناعة الأقنعة.
أما الكائن الذي (يأتي من الرصيف المقابل ويعود إليه) فهو أجمل ألغاز النص وأكثرها انفتاحا على التأويل. قد يكون إنساناً لم يعد ينتمي إلى أي جهة، أو ذاكرة تعبر الزمن، أو قصيدة تبحث عن قارئ، أو حتى ضمير المدينة الذي يظهر ثم يختفي لأن أحداً لم يعد قادرا على رؤيته. ولذلك كان السؤال: (هل هو كائن نصي؟) سؤالاً بالغ الذكاء، إذ يعلن الشاعر أن الأدب نفسه قد يكون الشخصية الوحيدة القادرة على النجاة من هذا التلاشي الجماعي.
ثم تأتي النهاية لتفتح أبواب المخيلة على مصاريعها ( ربما هو لطخة فرشاة رسام) (أو ما تفقس َ من غيمةِ بخورٍ في الطابق التاسع) هنا يتخلى النص عن منطق الواقع، ليدخل فضاء الشعر الخالص، حيث تمتزج اللوحة بالرائحة والغيوم بالكتابة بالرسم،
في تداخل فني يؤكد أن الحقيقة ليست دائما ً ما تراه العين، بل ما يبتكره الخيال.
إنها كتابة ترفض المباشرة، وتثق بالرمز والإيحاء، وتدع القارئ شريكا في إنتاج المعنى لا مجرد متلق له. وهذا ما يمنح النص قيمته الأدبية، فهو لا يقدم أجوبة، بل يزرع أسئلة.
ولا يرسم مدينة بعينها، بل يرشم اغتراب الإنسان في كل مدينة، وفي كل زمن.
تحية لهذا النص الذي يثبت أن الأدب الحقيقي لا يصف الشوارع، بل يكتشف ما تخفيه الأرصفة، ولا يروي حركة المارة، بل يصغي إلى الصمت الذي يسير بينهم.
إنه نص مشبع بالحس الشعري وبالرؤية الفلسفية وبالقدرة على تحويل التفاصيل العابرة إلى أسئلة كبرى عن الإنسان والوجود والذاكرة.
وهذا هو الأدب الذي يبقى، لأنه لا يكتفي بتصوير العالم، بل يعيد
خلقه بلغة ٍ تتجاوز الواقع إلى رحابة التأويل.






(*)
مرور
مقداد مسعود
سيل ٌ قاتم ٌ من المارة لا يتوقف، مصابيحَ المركبات تنظفُ
وجوهَهم.
خانسا ً دخل المدينة هذا المساء، كأنه طيرُ ضل َ من سربهِ
فسقط في نفقٍ أعور.
مارة ٌ يهرولون في عبورهم. مارةٌ بِلا ملامح، كأنهم ظلال
ترتجف. يظهرون ويختفون في سيلٍ من المارة القادمين
من الرصيف المقابل.
مَن ذا؟ يأتي من الرصيف المقابل ويعود إليه؟
بعد ثلاث دفعات من العابرين.
يحدثُ ذلكَ ليلة َ الأحدِ والثلاثاء وضحى الجمعة
ما من أحدٍ فاطنٍ:
لا شرطي المرور
لا سيارة النجدة
ولا الصبيان الأشرار
هل هو كائنٌ نصي؟
ربما هو لطخة ُ فرشاةِ رسامٍ،
أو..
قد يكون ما تفقسَ مِن غيمة ِبخورٍ
في الطابق التاسع.



#مقداد_مسعود (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- نص استثنائي. د. علاء العبادي
- مرور
- حمراء رايات ُ القوارب
- قراءة في (بصيرة ثعبان) للكاتب والباحث نبيل عبد الأمير
- الكاتب والباحث نبيل عبد الأمير الربيعي: امتياز مقداد مسعود
- قصة (الحديقة) للقاص محمود عبد الوهاب
- بصيرة ثعبان
- (فهد) قصيدة الشاعر الفلسطيني توفيق زيّاد
- درب المراهقات
- شاعراً في متاهته ِ
- د. علاء العبادي (قوافل القاموس) بناء جدلي تصاعدي
- الأستاذ الدكتور مجيد حميد جاسم.. و(نافذة على الساحة) للقاص م ...
- الباحث والكاتب نبيل عبد الأمير .. و (قوافل القاموس)
- (نافذة على الساحة) للقاص محمد خضير
- توفيق الحكيم
- الشاعر روائيا / وليد هرمز
- قراءة في (عودة الأموات) للقاص فراس جمعة
- قراءة في (طرقات موحشة) للقاص حسين عباس عزيمة
- قوافل القاموس
- (عودة الأموات) للقاص فراس جمعة


المزيد.....




- نماذج اللغة الضخمة للذكاء الأصطناعي
- مشروع -إنسانيات عربية في الترجمة-.. نافذة فرنسية لتجسير الفج ...
- بمشاركة 16 دولة.. افتتاح الدورة الأولى لمهرجان دمشق الدولي ل ...
- عندما يسقط السلاح.. تسقط الرواية موافقة حماس على نزع سلاحها ...
- المسرح السوري يتألق في جرش... زيناتي قدسية يحصد جائزتين وعبد ...
- الأخوان ملص يفتحان النار على المثقف السوري: بين التطبيل والط ...
- -من يرمي الحجر الأول؟-.. مسرحية سورية تحاكم العنف وتترك السؤ ...
- مؤرخ روسي يدعو لترجمة الأدب القديم إلى الروسية الحديثة لإنقا ...
- مستشهدا بآيات قرآنية وبالسنّة.. متحدث خارجية إيران: لا يحق ل ...
- لقطات مرعبة وأشبه بالأفلام من أمريكا.. مسلحان يفتحان النار ق ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - مقداد مسعود - منطقة نادرة في الكتابة / الكاتب والباحث نبيل عبد الأمير الربيعي