أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - نهاد السكني - الـDNA لا يريد أن يموت















المزيد.....


الـDNA لا يريد أن يموت


نهاد السكني

الحوار المتمدن-العدد: 8785 - 2026 / 8 / 2 - 02:49
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


🛑 الـDNA لا يريد أن يموت

تنبيه قبل القراءة:
هذا المقال ليس محاولة لوضع العلم في مواجهة الدين، ولا لانتزاع الإنسان من خالقه، ولا لتقديم التفسير البيولوجي باعتباره إجابة عن أسئلة الخلق والغاية والمصير.

ما ستقرأه هنا هو محاولة للتأمل في كيف تعمل بعض آليات الحياة: الغريزة، والبقاء، والتكاثر، والانتخاب الطبيعي، وانتقال المعلومات الوراثية عبر الـDNA.

والفرق مهم جدا بين أن نسأل: كيف تعمل الآلية؟ وبين أن نسأل: لماذا وجدت الحياة؟ ومن أوجدها؟ وما غايتها؟

العلم يستطيع أن يقترب من السؤال الأول بالأدلة والملاحظة والتجربة، أما الأسئلة المتعلقة بالخالق والغاية والمصير فتتجاوز حدود الوصف البيولوجي.

لذلك، حين أقول في المقال: "الـDNA لا يريد أن يموت"، أو أتحدث مجازا عن أن "الحياة تريد أن تستمر"، فلا أقصد إرادة واعية للـDNA أو للحياة، وإنما أستخدم لغة فلسفية لتقريب فكرة بيولوجية معقدة.

اقرأ المقال إذن باعتباره حوارا بين العلم والتأمل الفلسفي، لا مناظرة بين العلم والإيمان.

أما الأسئلة الكبرى التي تبدأ بـ"لماذا؟"، فقد تكون أوسع بكثير من أن يحسمها مختبر، وأعمق من أن تختصرها جزيئة.

🛑 الـDNA لا يريد أن يموت

د. نهاد رفيق السكني

هل نحن الذين نريد الحياة... أم أن الحياة هي التي تريد أن تستمر من خلالنا؟

منذ أن بدأ الإنسان يسأل عن الموت، افترضنا أن الرغبة في البقاء تخصنا نحن. نحن نخاف الموت، نبحث عن الطعام، نهرب من الخطر، نتعلق بمن نحب، نبحث عن الأمان، وننجب الأطفال، ثم نحاول بطريقة أو بأخرى أن نترك شيئا منا بعد الرحيل.

لكن ماذا لو كنا ننظر إلى المسألة من الطرف الخطأ؟ ماذا لو كان الإنسان لا يملك غريزة البقاء بقدر ما هو نتاج تاريخ بيولوجي أقدم منه بكثير؟ وماذا لو كانت آليات البقاء والتكاثر قد تراكمت عبر مليارات السنين من الانتخاب الطبيعي، فأصبح الكائن يتمسك بالحياة دون أن يحتاج إلى أن يعرف لماذا؟

هنا يصبح السؤال أكثر إزعاجا:

هل نحن الذين نريد أن نعيش، أم أن شيئا داخلنا يدفعنا إلى الاستمرار؟

نحن لسنا الحياة

الإنسان ليس هو الحياة. الإنسان حدث مؤقت داخل الحياة، أو إحدى صورها المؤقتة. ظهر الإنسان بعد مليارات السنين من تاريخ الحياة، وسيختفي في لحظة ما، بينما تستمر الحياة من خلال كائنات أخرى، وربما بأشكال لا نستطيع حتى تخيلها.

والأمر لا يخص الإنسان وحده. الحشرة التي تعيش يوما، والشجرة التي تعيش ألف عام، والحوت، والبكتيريا، والإنسان... جميعها صور متعددة للحياة، وكل كائن منها له عمر وحدود ووجود مؤقت.

الكائن يولد، ينمو، يتكاثر، ثم يموت. لكن السلسلة لا تتوقف. وهنا تكمن واحدة من أغرب مفارقات الوجود: الفرد مؤقت، لكن الاستمرار مستمر.

والآن صديقي القارئ، خذ نفسا عميقا، وحبذا لو جهزت فنجان قهوة، بمزيج من البن الكولومبي شديد التركيز، وتابعت معي. لأننا من هنا لن نتحدث عن الإنسان باعتباره مركز الحكاية، بل باعتباره حلقة داخل حكاية أقدم منه بكثير.

حكاية أقدم منا

قبل أن يوجد الإنسان، وقبل الحيوانات، وقبل النباتات والغابات والمحيطات كما نعرفها، كانت الحياة موجودة في صور بدائية لا نعرف عنها إلا القليل.

لا نعرف شكل أول كائن حي على وجه اليقين، ولا نعرف كيف بدأت الحياة بالضبط، وهذه من أعقد الأسئلة التي لا يزال العلم يبحث في جوانبها. لكننا نعرف أن الكائنات التي امتلكت صفات ساعدتها على البقاء والتكاثر كانت أكثر قدرة على ترك نسل، بينما اختفت عبر الزمن سلالات لم تستطع الاستمرار.

ومع مرور الزمن، وضمن آليات التطور والانتخاب الطبيعي، أصبحت الحياة أكثر تعقيدا وتنوعا. ظهرت الخلايا، ثم الكائنات متعددة الخلايا، ثم الأجهزة العصبية، ثم الحواس، ثم الأدمغة، ثم الوعي.

وفي مرحلة متأخرة جدا من هذه القصة ظهر الإنسان.

نحن، إذن، لسنا بداية المسيرة. نحن نتيجة متأخرة جدا لها.

وهذا يجعل وجودنا أكثر تواضعا مما نحب أن نعتقد.

فكر في الأمر: أنت لم تبدأ القصة. أنت وصلت إليها.

الـDNA... ذاكرة الاستمرار

داخل خلايانا توجد جزيئات الـDNA التي تحمل المعلومات الوراثية اللازمة لبناء الكائن الحي وتشغيله. ومن الناحية البيولوجية، تمثل هذه المادة الوراثية واحدة من أهم الآليات التي تنتقل من خلالها المعلومات بين الأجيال.

لكن هناك فكرة فلسفية مثيرة يمكن أن نستخرجها من هذا الأمر: الجسد يموت، أما المعلومات الوراثية فقد تستمر.

أنت لست نسخة طبق الأصل من والديك، لكن جزءا من المعلومات الوراثية التي حملوها انتقل إليك. وأنت بدورك قد تنقل جزءا من هذه المعلومات إلى أبنائك، ثم تنتقل عبر الأجيال.

وبهذه الطريقة تصبح حياة الفرد حلقة قصيرة داخل سلسلة أطول بكثير منه. قد يموت الجد، ثم يموت الأب، ثم يموت الابن، لكن بعض المعلومات الوراثية التي حملها هؤلاء قد تستمر في ذريتهم.

إنها تنتقل، وتتغير، وتعيد تركيب نفسها، وتخضع عبر الأجيال لعمليات الانتخاب والتغير.

توقف هنا قليلا... ارتشف قهوتك على مهل، لأننا نصل إلى فكرة تبدو بسيطة، لكنها إذا تأملناها طويلا تصبح مقلقة:

ربما لا تكون حياة الفرد هي القصة كلها، بل جزءا من سلسلة أكبر منه.

الـDNA لا يريد شيئا

هنا يجب أن نكون دقيقين.

الـDNA لا "يريد" بالمعنى الواعي. لا يملك رغبة أو نية أو مشاعر.

وعندما نقول إن الـDNA "لا يريد أن يموت"، فنحن نستخدم لغة مجازية لوصف نتيجة من نتائج الانتخاب الطبيعي، لا لوصف إرادة حقيقية داخل الجزيء.

فالأنظمة الوراثية التي استمرت عبر الزمن هي ببساطة تلك التي نجحت، ضمن ظروف بيئية معينة، في إنتاج نسخ تستمر. أما ما لم يستمر فقد اختفى من السلسلة.

ومن هنا جاءت صورة "الجين الأناني" التي اشتهر بها ريتشارد دوكينز؛ ليس لأن الجين كائن يفكر في مصلحته، وإنما لأن الانتخاب الطبيعي يمكن فهمه من زاوية نجاح النسخ الوراثية في الاستمرار.

وهنا تظهر المفارقة:

الكائن يموت، لكن المعلومات التي ساهم في حملها قد تستمر.

وهذا تفسير بيولوجي لآلية من آليات الحياة، وليس حكما على معنى الحياة أو غايتها.

الغريزة لا تستأذن العقل

قبل أن نعرف معنى الحياة، كان علينا أن ننجو. وقبل أن نعرف معنى الموت، كان جسدنا قد تطور فيه ما يساعده على تجنب الأخطار.

نحن لا نقرر أن نشعر بالجوع، ولا نقرر أن نخاف عندما نرى خطرا، ولا نحتاج إلى دراسة كتاب في علم الأحياء كي نفهم أن علينا الهرب عندما يقترب الموت.

الجسم يتصرف قبل أن يفكر العقل. القلب يتسارع، والهرمونات تتغير، والعضلات تستعد، والانتباه يتركز. وفي لحظات الخطر قد يتحول الإنسان إلى آلة هروب قبل أن يفهم عقله ما الذي حدث.

هذه هي الغريزة.

وهي أقدم من اللغة والفلسفة والأديان والحضارات.

قبل أن يسأل الإنسان: لماذا أنا موجود؟ كان عليه أولا أن ينجو.

وقبل أن يكتشف معنى الموت، كانت لديه آليات بيولوجية تدفعه إلى تجنبه.

ربما لا نملك الغريزة... بل نرثها

نحن نحب أن نعتقد أننا كائنات حرة بالكامل. نقرر ماذا نأكل، ومن نحب، ومتى ننام، ومع من نتزوج، وهل ننجب أم لا، وماذا نريد أن نصبح.

وهذا صحيح إلى حد كبير.

لكن الحرية لا تعني أننا بدأنا من الصفر.

نحن نولد ومعنا جهاز عصبي، وهرمونات، وغرائز، وميول، وآليات خوف ومكافأة، واحتياجات بيولوجية تشكل جزءا من الطريقة التي نرى بها العالم.

العقل لا يعمل في فراغ. إنه يعمل داخل جسد، والجسد يحمل تاريخا تطوريا أطول من تاريخ الإنسان نفسه.

وهنا، ربما تحتاج إلى رشفة أخرى. ليس لأن القهوة ستجيب عن السؤال، بل لأنها تمنحك دقيقة إضافية قبل أن ندخل إلى المنطقة التي يصبح فيها الأمر شخصيا.

إذا كانت بعض رغباتنا أقدم من وعينا، فهل كل ما نشعر به هو اختيارنا فعلا؟

لماذا نحب؟

الحب بالنسبة لنا تجربة إنسانية عميقة. نكتب عنه الشعر، ونبني حوله الأغاني والروايات والأساطير، ونضحي من أجله، ونبكي بسببه، ونراه أحيانا أعظم ما يمكن أن يختبره الإنسان.

لكن البيولوجيا تستطيع أن تنظر إلى بعض جوانبه من زاوية أخرى.

الحب، أو بعض آلياته المرتبطة بالتعلق والتكاثر ورعاية الأبناء وبناء الروابط، يمكن أن تكون له آثار تساعد على بقاء الفرد والنسل واستمرار الجماعة.

وهذا لا يعني أن الحب "كذبة".

بل العكس تماما.

ربما تكمن روعة الحياة في أنها لم تجعلنا نتكاثر بأوامر مكتوبة داخل وعينا، بل جعلت القرب ممتعا، والتعلق قويا، واللمس حميما، والجمال جذابا، ورعاية الأبناء تجربة عاطفية عميقة.

وهكذا لا نحتاج إلى أن نسمع صوتا يقول لنا: "تكاثروا".

يكفي أن نشعر بالحب.

وهنا تصبح المسألة أكثر إثارة، لأن آلية بيولوجية يمكن أن تتحول داخل الإنسان إلى تجربة إنسانية كاملة، لها معنى عاطفي وأخلاقي وثقافي يتجاوز التفسير البيولوجي وحده.

الجمال... الخديعة البيولوجية الأجمل

خذ رشفة أخرى... فمن هنا تصبح الحكاية أكثر خطورة.

ماذا نرى عندما ننظر إلى وجه جميل؟

نعتقد أننا نرى الجمال.

لكن خلف هذه التجربة توجد طبقات من التاريخ البيولوجي.

العين تلتقط التفاصيل، والدماغ يحللها، والجهاز العصبي يستجيب، والجسم كله قد يدخل في حالة من الانجذاب.

نحن نشعر أن الأمر شخصي تماما، لكن بعض عناصر الجاذبية ترتبط بآليات تطورت عبر أجيال طويلة، وأصبحت جزءا من الطريقة التي يختار بها الكائن شريكه.

الطبيعة لا تحتاج إلى أن تخبرنا أن هذا الشخص مناسب للتكاثر. يكفي أن تجعل بعض الصفات جذابة بالنسبة إلينا.

فتتحول المعلومة البيولوجية إلى تجربة شعرية، وتتحول الغريزة إلى حب، وتتحول آلية البقاء إلى قصيدة.

وربما تكون هذه إحدى أجمل المفارقات التي صنعتها الحياة.

لكن الإنسان فعل شيئا غريبا

حتى الآن تبدو القصة واضحة: الكائنات الحية تمتلك آليات للبقاء والتكاثر، والانتخاب الطبيعي يحافظ عبر الأجيال على بعض الصفات التي تساعدها على ذلك.

لكن الإنسان فعل شيئا لم يكن ضروريا لكي يستمر جسديا:

لقد أصبح واعيا بنفسه.

وهنا تغيرت الحكاية.

عبر مسار التطور ظهر كائن يستطيع أن يسأل عن الآلية التي ساهمت في تشكيله.

ظهر كائن يخاف الموت، ثم أصبح يعرف أنه سيموت.

الحيوان يهرب من الموت، أما الإنسان فيهرب منه، ثم يعود إلى بيته ويكتب قصيدة عنه.

الحيوان يأكل عندما يجوع، أما الإنسان فيأكل ثم يسأل: ما معنى الجوع؟

الحيوان يتكاثر، والإنسان يتساءل: لماذا أنجب؟

الحيوان يموت، أما الإنسان فيعرف أنه سيموت، ويعيش سنوات طويلة وهو يحمل هذه المعرفة معه.

وربما كانت هذه إحدى أكثر المفارقات عمقا في الوعي الإنساني.

الموت... المشكلة التي لم تستطع الغريزة حلها

ضع فنجان القهوة أمامك الآن. خذ نفسا عميقا. لأننا وصلنا إلى السؤال الذي حاول الإنسان منذ آلاف السنين أن يفهمه:

إذا كانت كل هذه الآليات تساعد الكائن على البقاء، فلماذا ينتهي بنا الأمر جميعا إلى الموت؟

الجسد مصمم بيولوجيا للبقاء ضمن حدود معينة، لكنه ليس مصمما للخلود.

الخلايا تتجدد، والأنسجة تصلح نفسها، والجهاز المناعي يقاوم، والجسم يحاول باستمرار إصلاح ما يتلف. لكن الزمن يراكم الضرر، وفي النهاية تتراجع قدرة الجسم على الحفاظ على وظائفه.

يموت الإنسان.

لكن هل يعني ذلك أن الحياة فشلت؟

ليس بالضرورة.

فالموت الذي يبدو لنا نهاية مطلقة يمكن النظر إليه، من منظور بيولوجي، باعتباره جزءا من دورة أوسع للحياة.

جيل يفسح المجال لجيل، وكائن يترك مكانه لكائن آخر، والمادة تعود إلى البيئة، والمعلومات الوراثية، إن انتقلت إلى نسل، تواصل رحلتها.

ربما الموت ليس عكس الحياة

نحن ننظر إلى الموت باعتباره العدو، لكن الحياة نفسها تحتوي داخلها على عمليات موت وتجدد مستمرة.

موت الخلايا، والشيخوخة، والافتراس، والتنافس، والانقراض، كلها ظواهر مرتبطة بتاريخ الحياة على الأرض.

ومع ذلك تستمر الحياة.

تخسر شكلا وتنتج شكلا آخر. ينقرض نوع، وتظهر أنواع أخرى. يموت الفرد، ويولد فرد جديد.

وكأن استمرار الحياة لا يتطلب بقاء كل فرد، وإنما استمرار العملية البيولوجية عبر الأجيال.

لكن علينا هنا أن ننتبه إلى الفرق بين وصف ما يحدث وبين إعطائه غاية أو إرادة.

العلم يستطيع أن يصف كيف تستمر السلالات والأنظمة الحية، لكنه لا يستطيع من هذه الملاحظة وحدها أن يقول إن "الحياة تريد" شيئا بالمعنى الواعي.

أين يقف العلم وأين يبدأ السؤال الأكبر؟

وهنا ربما يجب أن نتوقف لحظة.

العلم يستطيع أن يدرس الـDNA، والانتخاب الطبيعي، والغريزة، والشيخوخة، والتكاثر، وآليات البقاء.

ويستطيع أن يسأل: كيف حدث ذلك؟ وما الآلية؟ وما الذي يمكن قياسه واختباره؟

لكن سؤالا آخر يبقى خارج هذا الوصف المباشر:

لماذا توجد الحياة أصلا؟

ومن أوجدها؟

وهل للوجود غاية تتجاوز ما نستطيع قياسه في المختبر؟

هذه ليست أسئلة يمكن حسمها بمجرد اكتشاف آلية بيولوجية.

فمعرفة كيف تعمل الآلية لا تعني بالضرورة معرفة لماذا وجدت، ولا تعني بالضرورة نفي وجود خالق أو غاية تتجاوز الوصف العلمي.

العلم يصف الآلية.

أما سؤال الخالق والغاية والمعنى، فهو أوسع من الآلية نفسها.

لماذا نبحث عن الخلود؟

إذا كان الجسد مؤقتا، وإذا كانت الغريزة لا تستطيع إلغاء الموت، فماذا يفعل الإنسان؟

يبحث عن طريقة أخرى للاستمرار.

الأديان، والفلسفة، والفن، والأبناء، والكتب، والآثار، والإنجازات... كلها مجالات مختلفة حاول الإنسان من خلالها أن يتعامل مع سؤال المصير والمعنى والبقاء.

والإنسان لا يريد أن يستمر جسده فقط. يريد أن تستمر قصته، أن يبقى اسمه، أن يتذكره أحد، أن يترك أثرا.

وهنا تتحول الرغبة في البقاء إلى ثقافة، وتتحول التجربة الإنسانية إلى حضارة.

لكن الدين، في المقابل، لا يختزل مسألة البقاء في الجينات أو الذاكرة أو الأثر البشري، بل يفتح أمام الإنسان تصورا آخر للمصير، يتجاوز حدود الجسد والحياة الدنيا.

وهنا تظهر خصوصية الإنسان مرة أخرى: فهو لا يريد فقط أن يعيش، بل يريد أن يعرف لماذا يعيش، وماذا بعد الموت.

الإنسان ليس نهاية القصة

والآن، ضع فنجان القهوة جانبا.

لأن السؤال القادم أكبر من الإنسان نفسه.

نحن ننظر إلى الإنسان وكأنه قمة القصة. لكن لماذا؟

هل لأننا الأذكى؟ الأكثر وعيا؟ الأكثر قدرة على تغيير البيئة؟

ربما.

لكن التاريخ البيولوجي لا يعطينا ضمانا بأننا النهاية.

الخلية لم تكن تعرف أنها ستصبح جزءا من كائن معقد. والكائنات الأولى لم تكن تعرف أنها ستنتج أجهزة عصبية. والحيوانات لم تكن تعرف أن أحد أحفادها سيبني المدن ويطلق المركبات إلى الفضاء.

فلماذا نفترض أن الإنسان هو المحطة الأخيرة؟

ربما نحن مجرد مرحلة في تاريخ طويل للحياة.

وربما سيظهر بعد الإنسان شيء آخر أكثر تعقيدا.

ليس بالضرورة إنسانا. قد يكون كائنا بيولوجيا جديدا، أو شكلا من أشكال الذكاء لم نعرفه بعد، أو شيئا لا تستطيع عقولنا الحالية حتى تخيله.

وهنا يعود السؤال إلى مكانه الأول:

هل نحن نهاية القصة... أم مجرد فصل فيها؟

نحن لا ننقل الجينات فقط

وهنا نكتشف أن الإنسان تجاوز مجرد النقل البيولوجي.

نحن لا ننقل جيناتنا فقط. نحن ننقل كلماتنا، وأفكارنا، وعاداتنا، وقصصنا، وأخطاءنا، وثقافتنا، وذكرياتنا.

فالإنسان أصبح حاملا للمعلومات على أكثر من مستوى.

الجينات تنقل معلومات بيولوجية، واللغة تنقل معلومات ثقافية، والكتب تحفظ أفكارا يمكن أن تعيش بعد موت أصحابها بقرون.

وهكذا، ربما لم تعد رغبة الإنسان في الاستمرار محصورة في جسده.

لقد أصبح يريد أن يستمر بالمعنى.

والخديعة ليست أن الحياة تكذب علينا

ربما الخديعة أكثر جمالا من ذلك.

الحياة لم تخدعنا بالكلمات.

لقد وهبت الكائن الحي آليات تدفعه إلى الأكل عندما يجوع، والشرب عندما يعطش، والهرب عندما يخاف، والتكاثر عندما يبلغ النضج، والتعلق بمن يرتبط بهم.

ثم ظهر الإنسان، ومعه الوعي، وبدأ يسأل عن كل ذلك.

وكأننا نعيش أولا، ثم نحاول أن نفهم.

لكن الإنسان، بمجرد أن فهم جزءا من الآليات التي تحكم جسده، بدأ يفعل شيئا جديدا: بدأ يسأل إن كان يستطيع تغيير بعض قواعدها.

هل نستطيع إبطاء الشيخوخة؟

هل نستطيع تعديل الجينات؟

هل نستطيع إطالة العمر؟

هل نستطيع أن نفهم الموت قبل أن نهزمه؟

وهنا نصل إلى حدود أخرى للحكاية، حيث لم يعد الإنسان مجرد موضوع يدرسه العلم، بل أصبح قادرا على التدخل في بعض الآليات البيولوجية نفسها.

وهذا موضوع آخر...

وربما أخطر بكثير.

وفي النهاية...

نحن لسنا الحياة.

نحن إحدى صورها.

ولسنا أصحاب البداية.

نحن نتيجة سلسلة طويلة من الكائنات التي عاشت قبلنا وماتت قبل أن نولد.

وقد لا نكون أصحاب النهاية أيضا.

سيأتي يوم يموت فيه آخر إنسان، لكن من الصعب أن نتخيل أن ذلك سيكون نهاية الحياة نفسها.

ربما ستستمر في مكان آخر، بكائنات أخرى، وبأشكال أخرى، وبطرق لا نستطيع التنبؤ بها.

وربما، بعد ملايين السنين، سيكون هناك كائن آخر ينظر إلى نفسه ويتساءل:

من أين جئت؟ ولماذا أريد أن أعيش؟

وهو لا يعرف أن داخله قصة أقدم منه بمليارات السنين.

قصة بدأت بكائنات لا نعرف عنها إلا القليل، واستمرت عبر أجيال لا حصر لها، حتى وصلت إلينا.

وربما ستستمر بعدنا.

لكن هل يعني هذا أن الحياة هي التي "تريد" الاستمرار؟

ليس بالضرورة.

ربما هذه مجرد طريقتنا البشرية في صياغة سؤال أكبر من قدرتنا على الإجابة.

فنحن نرى الاستمرار، ونرى الغريزة، ونرى التكاثر، ونرى انتقال المعلومات، ثم نسأل:

هل وراء كل ذلك إرادة؟

أم أن اللغة نفسها تعجز عن وصف التعقيد الهائل الذي نراه أمامنا؟

وربما هنا تحديدا يجب أن نتواضع.

نحن نستطيع أن ندرس الحياة، ونفكك شفراتها، ونفهم بعض آلياتها، ونقترب أكثر فأكثر من أسرارها.

لكننا ما زلنا عاجزين عن تحويل سؤال "كيف؟" إلى إجابة نهائية عن سؤال "لماذا؟".

ولهذا ربما تكون الجملة الأكثر غرابة التي يمكن أن نقولها عن أنفسنا:

أنا لا أملك الحياة.

أنا لحظة من لحظاتها.

أنا لست البداية، ولست النهاية.

أنا حلقة مؤقتة في سلسلة أقدم مني وأطول مني.

وسأرحل...

بينما تستمر الحياة.

وربما كان السؤال الحقيقي منذ البداية ليس:

هل نحن الذين نريد الحياة؟

بل:

هل الحياة هي التي تريد أن تستمر... من خلالنا؟



#نهاد_السكني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- فلسطيني يقطع 50 ألف كيلومتر في رحلة علاجه بمصر
- ألف يوم على حرب غزة..!! هل ما زال التاريخ يُقاس بالسنوات؟
- الرهان على أوهام الخصوم
- شهادات دليفري ونخب وهمية: الفشلة الذين قادونا إلى الدمار
- باكستان قد تضرب إيران، وإلغاء موسم الحج 2026
- الأرامل في غزة بعد 7 اكتوبر
- الجعجعة في إيران… والطحين في مكان آخر
- الظلام يبتلع هافانا.. والثورة تنتحر على عتبات الجوع: نهاية ح ...
- غرور اليابان الذي دمر إمبراطورية!
- إيران: البديل أولاً… ثم الضربة كيف صنعت واشنطن -المرشد الجدي ...
- حرب النجوم 2026: حين يصبح الفضاء هو السحابة
- ليس كل من صمت قنوعا ، ولا كل من رضي حكيما
- هل الخوارزميات أقوى من الدستور؟
- واشنطن تسيطر على كل شيء في إيران… إلا النظام نفسه
- تشكيل الوعي في العصر الرقمي
- الثبات الانفعالي في زمن الاستفزاز الرقمي: حين يصنع الذكاء ال ...
- الدولار الضعيف، هندسة ترامب العكسية للعولمة: كيف يريد ترامب ...
- البصمة الوراثية… ملامح السيادة القادمة في دولة فلسطين
- الجدي لا يلعب على تيس… درس القوة والسيطرة الرقمية
- احتلال إيران: طهران تحت الإدارة الرقمية الصامتة


المزيد.....




- رسالة إنذار لميرتس.. استطلاع يكشف تشاؤم غالبية الألمان تجاه ...
- سبتة.. من حادث هجرة إلى أزمة ثقة أوروبية
- تصاعد أعمدة الدخان من ناقلة نفط في مضيق هرمز وسط تصعيد بين إ ...
- سوريا.. رصد آليات للجيش الإسرائيلي بريف درعا الغربي
- معارك تحرير بلدة جديدة في مقاطعة زابوروجيه
- شاهد.. شاب بالغ من العمر 17 عاما يطلق النار في مركز تجاري أ ...
- السجن 4 سنوات لـ-إل سيلنسيو-.. محتال سويدي خدع معجبي بابلو إ ...
- السلطات الفرنسية تعلن السيطرة على حرائق الغابات
- إيران تحذر من عمل أمريكي -متهور- وإسرائيل تعلن قتل عناصر من ...
- إيران مباشر.. حديث إسرائيلي عن هجوم وشيك وعراقجي يحذر من -مغ ...


المزيد.....

- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم
- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - نهاد السكني - الـDNA لا يريد أن يموت