أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - نهاد السكني - الرهان على أوهام الخصوم















المزيد.....

الرهان على أوهام الخصوم


نهاد السكني

الحوار المتمدن-العدد: 8733 - 2026 / 6 / 11 - 11:19
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


زمان راهنت حماس على أن محاكمة نتنياهو وأزماته الداخلية ستقيد حركته وتحدّ من خياراته. واليوم يتحدث كثيرون عن رهان إيراني على أن استحقاقات دولية كبرى، مثل كأس العالم 2026 وما يرافقه من اعتبارات سياسية وأمنية وإعلامية، قد تؤثر في حسابات إدارة ترامب وتحدّ من هامش قراراتها.

قد تصح هذه التقديرات وقد تخطئ، لكن الفكرة نفسها ليست جديدة. فالتاريخ مليء بدول ومنظمات بنت استراتيجياتها على افتراض أنها تعرف مسبقًا كيف سيتصرف خصومها، ثم اكتشفت أن الواقع كان مختلفًا تمامًا.

في السياسة والحروب، لا تخسر الدول والمنظمات دائمًا بسبب ضعف السلاح أو قلة الموارد، بل كثيرًا ما تخسر بسبب خطأ أبسط وأكثر خطورة: سوء تقدير الخصم.

فكم من دولة أو حركة بنت خططها على افتراض أن الطرف الآخر لن يجرؤ، أو لن يستطيع، أو لن يحتمل الكلفة، ثم اكتشفت متأخرة أن حساباتها كانت أقرب إلى الأمنيات منها إلى الواقع.

وهذا ليس درسًا حديثًا، بل يكاد يكون قانونًا من قوانين التاريخ.

ففي صدر الإسلام، خرجت قريش إلى بدر وهي ترى نفسها القوة الاقتصادية والعسكرية الأكبر في الجزيرة العربية. كان الرهان قائمًا على أن التفوق في العدد والعدة كافٍ لحسم المواجهة، لكن النتائج جاءت على نحو مختلف تمامًا، لتبدأ مرحلة جديدة من التحولات السياسية والعسكرية في المنطقة.

وبعد سنوات قليلة، لم تتعامل الإمبراطورية الساسانية بجدية مع القوة الناشئة القادمة من الجزيرة العربية. كان الفرس ينظرون إلى أنفسهم باعتبارهم إحدى أعظم إمبراطوريات العالم، ولم يتصوروا أن هذه القوة الجديدة يمكن أن تشكل تهديدًا وجوديًا لهم. لكن الرهان على استحالة حدوث ذلك انتهى بانهيار الإمبراطورية نفسها.

والأمر ذاته تكرر مع الفرس قبل ذلك بقرون، عندما اعتقدوا أن المدن اليونانية الصغيرة والممزقة لن تصمد أمام جيوشهم الجرارة. كانت الحسابات المنطقية كلها في صالح الإمبراطورية الفارسية، لكن الإغريق قاتلوا بصورة لم تكن متوقعة، فتحول التفوق العددي الهائل إلى فشل استراتيجي.

ثم جاء مثال أكثر وضوحًا مع الملك الفارسي داريوس الثالث، الذي لم ينظر إلى الشاب المقدوني الإسكندر باعتباره خطرًا وجوديًا حقيقيًا. كيف يمكن لمملكة صغيرة على أطراف العالم المعروف أن تهدد إمبراطورية تمتد من مصر إلى آسيا الوسطى؟ لكن سنوات قليلة كانت كافية لينهار هذا التصور، ويجلس الإسكندر على عرش فارس نفسه.

ولم تكن روما بمنأى عن هذا الخطأ. فبعد انتصاراتها الكبرى، اعتقد كثير من الرومان أن قرطاج لم تعد قادرة على تهديدهم. ثم ظهر هانيبال وعبر جبال الألب في واحدة من أكثر المناورات العسكرية جرأة في التاريخ، ليصل إلى قلب إيطاليا ويضع الجمهورية الرومانية أمام أخطر اختبار في وجودها.

وبعد ذلك بقرون، راهنت روما مرة أخرى على أنها فهمت القبائل الجرمانية وأحكمت السيطرة عليها. لكن قائدًا جرمانيًا واحدًا استطاع استدراج ثلاثة فيالق رومانية إلى غابات تويتوبورغ، حيث تعرضت لهزيمة صادمة غيرت مسار السياسة الرومانية لعقود طويلة.

ومع دخول العصر الحديث لم يتغير شيء سوى الأسماء.

في عام 1941 اعتقدت اليابان أن الضربة المفاجئة في بيرل هاربر ستدفع الولايات المتحدة إلى التراجع أو القبول بتسوية سياسية. لكن الضربة التي كان يُفترض أن تُضعف الإرادة الأمريكية وحدت المجتمع الأمريكي وأطلقت أكبر تعبئة عسكرية وصناعية في العصر الحديث، لتنتهي الحرب بهزيمة اليابان نفسها.

وفي العام نفسه، كان هتلر مقتنعًا بأن الاتحاد السوفيتي سينهار خلال أشهر قليلة. راهن على ضعف خصمه، فإذا به يواجه قدرة هائلة على الصمود والتعبئة، لتنتهي الحرب بوصول الجيش السوفيتي إلى برلين.

وفي عام 1990 اعتقد صدام حسين أن الولايات المتحدة لن تدخل حربًا واسعة من أجل الكويت، أو أن الخلافات الدولية ستمنع تشكيل تحالف ضده. لكن حساباته لم تصمد طويلًا أمام الواقع، فتشكل تحالف دولي ضخم قلب المشهد بالكامل.

أما إسرائيل، فقد وقعت في خطأ مشابه قبل حرب أكتوبر 1973، عندما رسخت داخل مؤسساتها الأمنية قناعة بأن مصر وسوريا لن تذهبا إلى الحرب في ظل الظروف القائمة. كانت المشكلة ليست في نقص المعلومات، بل في الثقة الزائدة بالتصورات المسبقة. وعندما جاءت الحرب، جاءت من حيث كانوا يعتقدون أنها لن تأتي.

وفي الاتجاه المعاكس، لم تكن الولايات المتحدة أقل عرضة لهذا الوهم. فعندما غزت العراق عام 2003، راهنت إدارة جورج بوش على أن إسقاط النظام سيقود بسرعة إلى الاستقرار وإعادة تشكيل المنطقة وفق التصورها. لكن السنوات التالية كشفت أن إسقاط الأنظمة أسهل بكثير من بناء البدائل.

القاسم المشترك بين كل هذه الوقائع، من بدر إلى بغداد، ومن فارس إلى واشنطن، ليس اختلاف الأزمنة أو الحضارات، بل تشابه الخطأ نفسه.

فالخصوم لا يتصرفون دائمًا كما نتوقع، والشعوب لا تستسلم بالضرورة عندما تشير الحسابات إلى أنها يجب أن تستسلم، والقادة لا يختارون دائمًا الطريق الذي يبدو لنا الأكثر عقلانية.

ولا أحد يعلم اليوم إن كانت الرهانات المتعلقة بكأس العالم أو بالانتخابات أو بالأزمات الداخلية ستؤثر فعلًا في قرارات القوى الكبرى أم لا. لكن المؤكد أن التاريخ يقدم تحذيرًا دائمًا لكل لاعب سياسي أو عسكري: لا تبنِ خطتك على ما تتمنى أن يفعله خصمك، بل على ما يستطيع فعله إذا قرر الذهاب إلى أقصى الخيارات.

فليست المشكلة في الرهان على الأحداث، بل في تحويلها إلى يقين. فكم من دولة بنت خططها على محاكمة خصم، أو انتخابات، أو بطولة عالم، أو أزمة داخلية، ثم اكتشفت أن الخصم لم يقرأ السيناريو الذي كتبته له.

التاريخ لا يعلّمنا أن الرهانات كلها خاطئة، بل يعلّمنا أن أخطرها هو الرهان على ما نتخيل أن خصومنا سيفعلونه. فمن بدر إلى بيرل هاربر، ومن كسرى إلى بغداد، كانت الهزائم الكبرى تبدأ غالبًا في العقول قبل أن تبدأ في ميادين القتال.

التاريخ لا يعاقب من يجهل خصمه فقط، بل يعاقب أكثر من يظن أنه فهمه بالكامل.



#نهاد_السكني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- شهادات دليفري ونخب وهمية: الفشلة الذين قادونا إلى الدمار
- باكستان قد تضرب إيران، وإلغاء موسم الحج 2026
- الأرامل في غزة بعد 7 اكتوبر
- الجعجعة في إيران… والطحين في مكان آخر
- الظلام يبتلع هافانا.. والثورة تنتحر على عتبات الجوع: نهاية ح ...
- غرور اليابان الذي دمر إمبراطورية!
- إيران: البديل أولاً… ثم الضربة كيف صنعت واشنطن -المرشد الجدي ...
- حرب النجوم 2026: حين يصبح الفضاء هو السحابة
- ليس كل من صمت قنوعا ، ولا كل من رضي حكيما
- هل الخوارزميات أقوى من الدستور؟
- واشنطن تسيطر على كل شيء في إيران… إلا النظام نفسه
- تشكيل الوعي في العصر الرقمي
- الثبات الانفعالي في زمن الاستفزاز الرقمي: حين يصنع الذكاء ال ...
- الدولار الضعيف، هندسة ترامب العكسية للعولمة: كيف يريد ترامب ...
- البصمة الوراثية… ملامح السيادة القادمة في دولة فلسطين
- الجدي لا يلعب على تيس… درس القوة والسيطرة الرقمية
- احتلال إيران: طهران تحت الإدارة الرقمية الصامتة
- عصر «القلاع الرقمية»: ليلة سقوط طهران
- من برلين 1945 إلى غزة 2026: هل يُعاد رسم «الخطوط الصفراء»؟
- لا كل من خرج عن القطيع بطل ولا كل من صمت جبان


المزيد.....




- شاهد.. عواصف شديدة تُلحق دماراً واسعاً في الغرب الأوسط الأمر ...
- إعلام إيراني: أمريكا تستهدف سفينة بضائع كانت متجهة من عُمان ...
- إيران تحذّر دولًا إقليمية وتؤكد وضع هذه الدول بـ-صف المعتدين ...
- تصعيد إقليمي جديد.. تبادل ضربات بين واشنطن وطهران وغارات مكث ...
- هل يخرج التصعيد عن السيطرة؟ تحذيرات من مواجهة أمريكية إيراني ...
- من الركام إلى الجدران.. سكان غزة يطحنون الإسمنت المتحجر لإعا ...
- مجلس السلام يستبعد نزع السلاح في غزة.. وملف إعادة الإعمار -م ...
- بقيمة 350 مليون دولار.. إسرائيل تصوّت على تمويل 61 بؤرة استي ...
- الأردن والبحرين يعلنان اعتراض وتدمير صواريخ إيرانية
- طهران: وقف النار -منعدم الجدوى- وسنعمل على ضرب مصادر الهجمات ...


المزيد.....

- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - نهاد السكني - الرهان على أوهام الخصوم