أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - نهاد السكني - عصر «القلاع الرقمية»: ليلة سقوط طهران















المزيد.....

عصر «القلاع الرقمية»: ليلة سقوط طهران


نهاد السكني

الحوار المتمدن-العدد: 8588 - 2026 / 1 / 15 - 16:01
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


(سيناريو استشرافي عن السيادة، الحرب، والهيمنة غير المرئية)

بقلم: د. نهاد رفيق السكني

أنا إنسان يراقب العالم من سماء التكنولوجيا والأقمار الصناعية، يتألم لكل قطرة دم تسيل في أي مكان على هذه الأرض. ليست هذه الكلمات ترفًا فكريًا، بل محاولة للتنفيس عن عجزنا الجماعي أمام عذابات الشعوب، ودعوة صادقة لأن يسبق السلامُ الحقيقيُّ الانهيارَ الشامل، في غزة، وفي كل بقعة أنهكها الظلم، قبل أن يبتلع الظلام الجميع.

ما يرد في هذا المقال ليس توصيفًا لواقع قائم، بل سيناريو تخيلي استشرافي، مبني على فرضيات تقنية وتحليلية لمسارات محتملة في عالم باتت فيه التكنولوجيا سلاحًا يتجاوز الحدود والجيوش. وأي تقاطع مع أحداث راهنة أو مستقبلية يندرج في إطار الاستشراف التحليلي لا الادعاء أو الجزم.

من القلاع الحجرية إلى القلاع غير المرئية
كانت أوروبا، لقرون طويلة، ساحة لأعنف الحروب، تزخر بالقلاع والأسوار التي ترمز للقوة والسيادة. وحين انتقلت إلى عصر الدولة الحديثة والرفاه، حوّلت تلك القلاع إلى متاحف، شاهدة على زمن مضى.

أما في منطقتنا، فالقلعة لم تختفِ، بل تحوّلت.
لم تعد القلعة جدارًا يُرى بالعين، بل بنية غير مرئية، مصنوعة من الألياف الضوئية، والخوادم، والخوارزميات، والذكاء الاصطناعي. لقد انتقلنا من زمن الحصار الفيزيائي إلى زمن السيطرة الشاملة؛ سيطرة تخترق الخصوصيات، والعقول، والبنى التحتية الحيوية، دون أن تطلق رصاصة واحدة.
السيطرة الجديدة: البيانات بدل الدبابات
في هذا المشهد العالمي الجديد، لم تعد الحروب تُخاض بالدبابات وحدها. أدركت القوى الكبرى أن التحكم في تدفق البيانات، وفي البنية الرقمية التي تمر عبرها الحياة الحديثة، هو جوهر القوة الحقيقية.

ضمن هذه المنظومة، برزت الولايات المتحدة بوصفها القائد البنيوي للنظام الرقمي العالمي، مستندة إلى تفوقها في البنية السحابية، والأقمار الصناعية، والشركات التكنولوجية العملاقة. وفي هذا السياق، تلعب إسرائيل دورًا محوريًا بوصفها عقدة تشغيلية متقدمة: مختبرًا للتجريب، ومركزًا للاختراق، وشريكًا استخباراتيًا عالي الكفاءة، يعمل بتناغم مع المنظومة الأمريكية ومع شركات عابرة للحدود أعادت تعريف مفاهيم السيادة والأمن.
هكذا، لم تعد الأسوار تحيط بالمدن، بل تحيط بالأنظمة.

السجن الخوارزمي و«الـ Panopticon» الإقليمي
الملايين اليوم يعيشون داخل ما يمكن تسميته بـ**«السجن الخوارزمي»**؛ فضاء رقمي تُراقَب فيه الحركة، والكلمة، والاتصال، والاقتصاد، عبر منظومات مراقبة معقدة.
لم تعد مفاتيح هذا السجن بيد دولة واحدة، بل موزعة بين دول كبرى، وأجهزة استخباراتية، وشركات تكنولوجية عملاقة، في مقدمتها الولايات المتحدة، مع حضور إسرائيلي متقدم في التشغيل والتنفيذ، خاصة في الشرق الأوسط.

لقد تحولت المنطقة إلى ما يشبه Panopticon إقليمي: الجميع تحت النظر، حتى دون أن يعرف من يراقبه، أو متى، أو كيف. وهو نموذج يكسر المفهوم التقليدي للسيادة، ويعيد تعريفه بوصفه قدرة على التحكم في البيانات لا في الحدود.

سيناريو افتراضي: «ليلة سقوط طهران»
لا يُقدَّم هذا السيناريو بوصفه ضربة واحدة خاطفة أو حدثًا سينمائيًا لحظيًا، بل كنموذج افتراضي لتراكم عمليات رقمية معقدة، تُنفَّذ على مراحل، وتهدف إلى إنهاك الدولة من الداخل قبل أي مواجهة تقليدية.

في هذا المستقبل المفترض، لا تستيقظ طهران على ضجيج الطائرات، بل على صمت ثقيل، تخترقه تغريدة من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب:
«إيران حرة الآن، والمساعدة في الطريق».
لكن «المساعدة» هنا ليست قوافل إغاثة، بل عملية إدارة رقمية شاملة؛ اللحظة التي تتحول فيها العاصمة إلى مدينة تُدار عن بُعد، عبر القلاع الرقمية غير المرئية.

التفوق غير المرئي: كيف يُشلّ النظام دون قتال مباشر
تظهر في السماء مروحيات شبحية من طراز افتراضي (Invisible-X)، مغطاة بجلود إلكترونية تقلل من بصمتها الرادارية والبصرية. وجودها ليس جوهر العملية، بل رمزها فقط.
الضربة الحقيقية كانت قد نُفذت مسبقًا، عبر أدوات تقنية معقدة، من أبرزها:

1. هجمات سلاسل التوريد (Supply Chain Attacks):
زرع مكونات خبيثة في العتاد التقني خلال مراحل التصنيع أو الشحن، بحيث تُفَعَّل بوابات خلفية فور تشغيل الأجهزة داخل المؤسسات السيادية.

2. استغلال ثغرات اليوم صفر (Zero-Day):
امتلاك مخزون غير معلن من الثغرات في أنظمة تشغيل وبنى خدمية، يسمح بالوصول العميق إلى الخوادم، وبناء شبكات «بوتات» تنفذ أوامر خارجية.

3. اختراق أنظمة التحكم الصناعية (SCADA):
ليس فقط تعطيل المنشآت، بل السيطرة عليها وبث قراءات مضللة، ما يؤدي إلى كوارث تقنية «ذاتية» دون هجوم مباشر.

4. كسر العزل (Air-Gap):
استخدام تقنيات متقدمة لنقل البيانات عبر موجات الراديو، وذبذبات المراوح، وإشارات أضواء LED، لاختراق أنظمة يُفترض أنها غير متصلة بالإنترنت.
ورغم أن هذه الأدوات ليست حكرًا على دولة بعينها، فإن دمجها ضمن عقيدة رقمية–عسكرية واحدة هو ما يمنحها أثرًا تدميريًا واسع النطاق.

الانهيار من الداخل
في ظل هذا الشلل الرقمي المتصاعد، تتعطل آلة القمع تدريجيًا.
تُخترق أنظمة الشرطة، تُشلّ الكاميرات، تُبث أوامر متضاربة، تتوقف شبكات الاتصال، ويبدأ النظام بفقدان القدرة على التمييز بين ما هو حقيقي وما هو مزيف.
لا يسقط النظام بضربة واحدة، بل يدخل في حالة انهيار وظيفي داخلي، كبيت من ورق، حيث تصبح الدولة عاجزة عن إدارة ذاتها، حتى قبل أن تواجه خصمًا على الأرض.

القلعة لم تمت… بل تغيّرت
في عصر البلوكشين، والأقمار الصناعية التجارية، والذكاء الاصطناعي، لم تعد القلاع تُقصف، بل تُدار.
لم تمت القلاع، بل تحولت إلى شيفرات، وخوادم، وكابلات بحرية، وبنى تحتية رقمية تمر عبرها حياة البشر بأكملها.

لقد تحولت التكنولوجيا، التي وُعدت يومًا بأنها أداة للتحرر، إلى واحدة من أخطر وسائل السيطرة الحديثة.

والسؤال الأخطر اليوم لم يعد: من يملك السلاح؟
بل: من يملك البنية الرقمية التي يمر عبرها كل شيء؟

وهل يمكن للتكنولوجيا ذاتها، التي بُنيت للمراقبة، أن تُعاد هندستها يومًا لتكون أداة تحرر، لا قيدًا جديدًا باسم التقدم؟



#نهاد_السكني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- من برلين 1945 إلى غزة 2026: هل يُعاد رسم «الخطوط الصفراء»؟
- لا كل من خرج عن القطيع بطل ولا كل من صمت جبان
- رحلة إلى شبرا من السلام… مغامرات جمع الأجرة على الطريق الدائ ...
- لماذا تتمدّد القاهرة شرقًا وغربًا وجنوبًا… وتتوقف شمالًا؟ قر ...
- الإنسان بين العلم ووهْم المركزية : حتى لو انقرض البشر… ستستم ...
- تحليل الذكاء البشري: الخريطة الجينية، التحدي البيئي، وإرادة ...
- غزة بين الجوع والركام… والرحلة الغامضة من مطار رامون إلى نير ...
- الإمبراطورية اليابانية بين التاريخ والنهضة: ما الدروس الواقع ...
- الذين يعودون مع اكتمال القمر
- وزارة الصحة الفلسطينية: خطوات نحو رقمنة النظام الصحي وتعزيز ...
- سُرّة العالم التي لا تسقط، غزة… المدينة التي تُولد من رمادها
- الديكتاتورية الرقمية: حين يرى إيلون ماسك الحقيقة التي يريدها
- دور الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الرقمية في تشغيل المتحف ال ...
- الديكتاتورية الرقمية: بين الخوارزميات والجماهير
- الديكتاتورية الرقمية: المزرعة السعيدة كانت تدريبًا للسيطرة ع ...
- الديكتاتورية الرقمية: كيف تم استخدام هندسة البيانات والتحول ...
- الإنسان القادم من المختبرات
- هل الموت خلل بيولوجي؟
- الجينوم البشري في قبضة الذكاء الاصطناعي: خصوصيتك مهددة من فن ...
- بين التمويل والسيطرة: تحوّلات اليسار واليمين في المشهد الأهل ...


المزيد.....




- داخل -عالم مجنون- يصنعه ترامب.. من ضربة إيران إلى حليب كامل ...
- أنقرة تدخل على خط المواجهة.. وزير الخارجية التركي: لن نتهاون ...
- تركيا تجري محادثات للانضمام إلى التحالف الدفاعي بين السعودية ...
- مسعد بولس لبي بي سي: ترامب يتعامل مع التطورات الجارية في إير ...
- كل ما تريد معرفته عن التغيير المرتقبة لقوانين -إعانة المواطن ...
- ترامب عن نجل الشاه: -لا أعلم إن كان شعبه سيقبل قيادته أم لا- ...
- فرنسا ترسل قوات إلى غرينلاند في مهمة عسكرية أوروبية غير مسبو ...
- وصول قوات أوروبية إلى غرينلاند دعما للدانمارك ومواجهة أطماع ...
- حصري- إيران: -رأيت قوات الأمن تطلق النار- و-12 شخصا سقطوا أم ...
- غارديان: انخفاض المواليد بنسبة 41% في غزة دليل آخر على الإبا ...


المزيد.....

- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله
- الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل ... / علي طبله
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر / محمد جعفر ال عيسى
- اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات، ... / رياض الشرايطي
- رواية / رانية مرجية
- ثوبها الأسود ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- تداخل الاجناس الأدبية في رواية قهوة سادة للكاتب السيد حافظ / غنية ولهي- - - سمية حملاوي
- شيوعيون على مر الزمان ...الجزء الأول شيوعيون على مر الزمان ... / غيفارا معو


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - نهاد السكني - عصر «القلاع الرقمية»: ليلة سقوط طهران