أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - نهاد السكني - شهادات دليفري ونخب وهمية: الفشلة الذين قادونا إلى الدمار














المزيد.....

شهادات دليفري ونخب وهمية: الفشلة الذين قادونا إلى الدمار


نهاد السكني

الحوار المتمدن-العدد: 8714 - 2026 / 5 / 23 - 13:23
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


ليس أكثر إيلاماً من صمت من يُفترض أنهم حراس الوعي. فالمثقفون والأكاديميون والنخب الذين شاهدوا تراجع التعليم وتحوله من مشروع لبناء الإنسان إلى سوق للشهادات والوجاهة الاجتماعية، ثم اختاروا الصمت، لم يكونوا على الحياد. فالصمت أمام فساد التعليم ليس موقفاً سلبياً فحسب، بل مساهمة فعلية في ترسيخه، وهو ما فتح الباب أمام الجهل والانتهازية للتسلل إلى المؤسسات ومواقع القرار.

كل ما نملكه كفلسطينيين هو التعليم وشيء من الكرامة. لا موارد طبيعية، ولا ثروات نفطية، ولا حتى مساحة مستقرة نبني عليها أحلامنا. حتى المياه نعتمد فيها على غيرنا. كان الإنسان الفلسطيني هو ثروتنا الحقيقية، ومصدر قوتنا الوحيد، ورأس المال الذي عوضنا عن كل ما افتقدناه.

لكن الحقيقة المرة أن هذه الثروة تعرضت خلال العقود الأخيرة إلى عملية استنزاف منظمة. فقد تحول التعليم تدريجياً من أداة لبناء الإنسان وإطلاق طاقات الإبداع والابتكار إلى ماكينة لإنتاج الشهادات، هدفها الترقية الوظيفية أو اكتساب مكانة اجتماعية شكلية، دون أي قيمة حقيقية تضاف إلى الاقتصاد أو التنمية أو المعرفة.

واليوم جاءت الحرب لتقضي على ما تبقى. لم يعد النقاش يدور حول جودة التعليم أو استقلاليته أو تسييسه، لأننا فقدنا أساساً البنية التحتية التي يقوم عليها. مدارس مدمرة، وجامعات مهدمة، وطلبة حرموا من حقهم الطبيعي في التعلم. ما يجري ليس مجرد خسارة لمبانٍ ومؤسسات، بل عملية تجريف ممنهجة للمستقبل، وتجهيل قسري لجيل كامل يُدفع لخسارة سلاحه الأخير والأكثر أهمية: المعرفة.

لكن المأساة لا تبدأ بالحرب ولا تنتهي عندها. فقبل أن تسقط الجدران، كانت القيم الأكاديمية نفسها تتآكل بصمت. الجميع كان يرى، والجميع كان يعرف، وقلة فقط امتلكت الجرأة على الاعتراض. أما الغالبية فاختارت الصمت أو التبرير أو التعايش مع الواقع، وكأن ما يحدث شأن عابر لا يستحق المواجهة.

لقد تجاوز الأمر قصة موظف يبحث عن ترقية أو شهادة إضافية. تحول المشهد إلى سوق سوداء علنية تباع فيها الأبحاث والرسائل الجامعية كما تباع أي سلعة أخرى. مكاتب تجارية تعرض إعداد رسائل الماجستير والدكتوراه مقابل المال، ومؤسسات أكاديمية تغض الطرف، وأحياناً تمنح الغطاء الشرعي لهذه الممارسات. وهكذا تحولت الشهادة من رمز للجهد والمعرفة إلى منتج يمكن شراؤه وتسليمه "دليفري" لمن يدفع أكثر.

والنتيجة كانت كارثية. فقد أفرز هذا الواقع نخباً ورقية تحمل الألقاب أكثر مما تحمل المعرفة، وتملك الشهادات أكثر مما تملك الكفاءة. أشخاص صعدوا إلى مواقع التأثير والقرار بفضل أوراق رسمية لا تعكس بالضرورة علماً أو خبرة أو قدرة حقيقية على القيادة والإدارة.

إن أخطر ما أنتجه هذا الواقع ليس مجرد شهادات بلا قيمة، بل عقولاً غير مؤهلة تولت مسؤوليات مصيرية. وحين يصبح اللقب بديلاً عن الكفاءة، والشهادة بديلاً عن المعرفة، فإن سوء الإدارة وقصر النظر يصبحان نتيجة طبيعية، ويدفع المجتمع بأسره ثمن تلك الأخطاء المتراكمة.

اليوم، ونحن نتباكى على خسارة المدارس والجامعات في الحرب، يجب أن نمتلك الشجاعة للاعتراف بحقيقة مؤلمة: قبل أن تهدم الحرب جدران هذه المؤسسات، كنا قد أضعفنا رسالتها وفرغنا كثيراً من قيمتها. فعلنا ذلك حين قبلنا بالغش الأكاديمي، وحين سكتنا عن بيع الشهادات، وحين سمحنا للألقاب أن تحل محل المعرفة، وللوجاهة أن تتقدم على الكفاءة.

إن إعادة بناء المدارس والجامعات بعد الحرب أمر ممكن، مهما بلغت الكلفة. أما إعادة بناء قيمة التعليم ومعناه ومكانته الأخلاقية، فهي المهمة الأصعب والأكثر إلحاحاً. فالأمم لا تنهض بكثرة الشهادات المعلقة على الجدران، بل بالعقول التي تنتج المعرفة، وتقول الحقيقة، وترفض التواطؤ مع الجهل مهما كان الثمن.



#نهاد_السكني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- باكستان قد تضرب إيران، وإلغاء موسم الحج 2026
- الأرامل في غزة بعد 7 اكتوبر
- الجعجعة في إيران… والطحين في مكان آخر
- الظلام يبتلع هافانا.. والثورة تنتحر على عتبات الجوع: نهاية ح ...
- غرور اليابان الذي دمر إمبراطورية!
- إيران: البديل أولاً… ثم الضربة كيف صنعت واشنطن -المرشد الجدي ...
- حرب النجوم 2026: حين يصبح الفضاء هو السحابة
- ليس كل من صمت قنوعا ، ولا كل من رضي حكيما
- هل الخوارزميات أقوى من الدستور؟
- واشنطن تسيطر على كل شيء في إيران… إلا النظام نفسه
- تشكيل الوعي في العصر الرقمي
- الثبات الانفعالي في زمن الاستفزاز الرقمي: حين يصنع الذكاء ال ...
- الدولار الضعيف، هندسة ترامب العكسية للعولمة: كيف يريد ترامب ...
- البصمة الوراثية… ملامح السيادة القادمة في دولة فلسطين
- الجدي لا يلعب على تيس… درس القوة والسيطرة الرقمية
- احتلال إيران: طهران تحت الإدارة الرقمية الصامتة
- عصر «القلاع الرقمية»: ليلة سقوط طهران
- من برلين 1945 إلى غزة 2026: هل يُعاد رسم «الخطوط الصفراء»؟
- لا كل من خرج عن القطيع بطل ولا كل من صمت جبان
- رحلة إلى شبرا من السلام… مغامرات جمع الأجرة على الطريق الدائ ...


المزيد.....




- لبنان.. ريما الرحباني: -ممنوع أي تكريم لزياد-
- ترامب من أنقرة: سننظر في بيع تركيا مقاتلات -إف-35-.. ونتنياه ...
- -عناق مطوّل ومحاولة تقبيل-.. نساء يتهمن أسقف الرباط بارتكاب ...
- تمهيدًا لمراسم تشييعه في العراق.. جثمان خامنئي يصل إلى النجف ...
- رئيسة وزراء الدنمارك: غرينلاند ليست للبيع
- نتنياهو حول بيع طائرات -إف – 35- لتركيا: سيخل بتوازن القوى و ...
- في زيارة غير مسبوقة... ماكرون يجدد دعمه لدمشق ويشيد بـ-كرامة ...
- مارين لوبان تعلن ترشحها للانتخابات الرئاسية لعام 2027
- هجمات تستهدف 3 ناقلات بمضيق هرمز ورفع مستوى التهديد بالممر ا ...
- 18 شهراً في سجون الاحتلال.. والمظاهرات تتواصل في لندن للمطال ...


المزيد.....

- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - نهاد السكني - شهادات دليفري ونخب وهمية: الفشلة الذين قادونا إلى الدمار