نهاد السكني
الحوار المتمدن-العدد: 8648 - 2026 / 3 / 16 - 08:12
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
كوبا، يا صاحبي، هي البلد الوحيد الذي أعرف ملامحه عن ظهر قلب، رغم أنني لم ألمس أرضها قط. هي ذلك المزيج الساحر من الطبيعة البكر والروح الثورية؛ حيث تمتد حقول التبغ وقصب السكر كلوحات زيتية، وحيث يلمع البحر الكاريبي كمرآة زرقاء تعكس شمساً لا تعرف الرحمة. رأيتُ صور هافانا ألف مرة: شوارعها الملونة المتقشرة كوجه عجوز ترفض التخلي عن شبابها، سياراتها الأمريكية التي تتجول كأشباح الخمسينيات، وكورنيشها الطويل الذي يعانق المحيط. زرتُ العديد من الدول، ومشيتُ في أغلب العواصم، لكن كوبا وحدها بقيت حلماً معلقاً.
لكن الأحلام، يا صديقي، غالباً ما تكون خديعة بصرية حين تُرى من بعيد؛ فخلف تلك الألوان المبهجة والشوارع الأسطورية، ثمة أنين صامت لا يسمعه السائحون، وحقائق مُرة بدأت تنهش جسد تلك الأيقونة.
لذلك، فإن ما سأضعه بين أيديكم اليوم ليس قراءة سياسية عابرة، بل هو تشريح لجثة حلم احتضر طويلاً تحت وطأة الشعارات البراقة، ليواجه اليوم حقيقته العارية والدامية: "نفاد رصيد الأمس". نحن أمام معضلة وجودية يصعب على العقل الذي تخدّر بالأيديولوجيا استيعابها، حيث يتصادم الخلود الرمزي لزعماء الثورة مع الزوال المادي الحتمي لشعب يُطحن بين فكي الجوع الذي يأكل أمعاء الأطفال قبل أن يناموا، والظلام الذي يخنق صراخ الأمهات في شوارع سوداء منذ أسابيع طويلة.
الحقيقة المرة التي يرفض الثوريون سماعها بكل قسوة: التاريخ لا يرحم أحداً، والكرامة الوطنية لا تشبع بطوناً خاوية، والشعارات مهما بلغت من الطهر الثوري لا تستطيع أن تضيء مصباحاً واحداً في شارع مظلم منذ شهر كامل، ناهيك عن إنقاذ طفل يبكي من الجوع في الظلام.
بينما ينشغل العالم بصراعات الشرق الأوسط وصخب المدافع في أوكرانيا، يتشكل في الكاريبي مشهد سيزلزل خريطة السياسة في نصف الكرة الغربي؛ واشنطن لا تستعد لغزو كوبا بالبوارج، بل تستعد لاستعادتها بصمت عبر تسوية تاريخية تفرضها لغة الحاجة المُذلة، في وقت تعيش فيه الجزيرة أزمة اقتصادية هي الأقسى منذ عقود: انقطاعات كهرباء تصل إلى 20 ساعة يومياً، نقص وقود لثلاثة أشهر كاملة، احتجاجات تحولت إلى حرق مكاتب الحزب الشيوعي، ومفاوضات سرية مع إدارة ترامب لإنقاذ ما يمكن إنقاذه. أزمة لم تعد تتعلق بالسيادة بقدر ما تتعلق بغريزة البقاء الخام.
إن مأساة كوبا لم تبدأ مع الحصار الأمريكي أو مع سقوط الاتحاد السوفيتي، بل ضربت جذورها في رحم عام 1492، حين تحول "الاكتشاف" الجغرافي إلى مشروع إبادة ممنهج ووحشي. وصول كريستوفر كولومبوس لم يكن نصراً للحضارة، بل كان بداية تحويل الجزيرة إلى مختبر للقهر والاستغلال. هناك، في تلك الغابات الاستوائية التي كانت تسكنها قبائل "التاينو" بسلام، دُفنت براءة الأرض تحت أقدام العسكر الإسبان بقيادة دييغو فيلاسكيز، الذي أخضع الجزيرة للتاج الإسباني في عام 1511، لتتحول كوبا من جنة استوائية إلى مجرد ترس في آلة الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس.
ولأن الموت كان أسرع من سياط المستعمرين، وفني السكان الأصليون تحت وطأة الأمراض الأوروبية والعمل الشاق في المناجم حتى صارت عظامهم سماداً لمزارع السكر، كان لا بد من وقود بشري جديد لهذه الآلة الجهنمية. بدأت السفن تصل محملة بآلاف البشر المختطفين من أفريقيا، ليُزج بهم في مزارع السكر والتبغ تحت السياط والشمس الحارقة.
لكن الجريمة لم تتوقف عند العمل القسري؛ بل امتدت لتشمل استعباداً جسدياً وجنسياً بشعاً وممنهجاً. كانت النساء المستعبدات في نظر الملاك مجرد أدوات لإشباع الرغبات الوحشية ومصانع حية لجيل جديد من العبيد. الطفل الذي يولد من بطن أم سوداء كان يُباع قبل أن يتعلم الكلام، وحليب ثديها الأسود كان يُباع مع السكر في أسواق المستعمرين كسلعة رخيصة. لقد تحول جسد المرأة الكوبية السمراء إلى وسيلة اقتصادية بحتة، لدرجة أن البنية السكانية للجزيرة اليوم هي في الحقيقة "ندبة تاريخية حية" تشهد على قرون من الاستغلال العرقي والجنسي الذي شكّل مجتمعاً مشوهاً، تقوم نخبته الأوروبية الصغيرة على أكتاف أغلبية من العبيد والمختلطين الذين حملوا وطأة القهر عبر الأجيال.
هذا التراكم الهائل من الغضب والمظلومية هو ما مهد الطريق لانفجار القرن العشرين. وحين اقتحم فيدل كاسترو وتش غيفارا المشهد، لم يأتيا فقط لتغيير نظام سياسي، بل ليقدما "ديناً ثورياً" جديداً يعد بالعدالة والمساواة المطلقة. صحيح أن الحصار الأمريكي الخانق وسقوط الاتحاد السوفيتي كانا سببين رئيسيين في انهيار الاقتصاد الكوبي، لكن ليس هذا كل شيء. فالنموذج الاقتصادي المغلق، وقمع المبادرة الفردية باسم المساواة، وتحويل الدولة إلى وصي وحيد على كل شيء، حوّل الجزيرة تدريجياً إلى سجن كبير يديره الجوع بدلاً من السياط. كان كاسترو يعد بالعدالة فأعطاهم الجوع المقدس. كان تش يعد بالحرية فأعطاهم طوابير الخبز اللامتناهية وسجون الرأي التي لا تنتهي. الجاذبية الطاغية لهؤلاء الثوار سحرت العالم، وصارت كوبا أيقونة المقاومة ضد الإمبريالية في عيون الكثيرين.
لكن الصدمة التي يرفض العقل الثوري استيعابها هي أن النجاح في إسقاط الدكتاتورية لا يعني بالضرورة النجاح في إدارة الحياة اليومية. لقد اصطدم الحلم بالواقع القاسي: اقتصاد يعيش على "المعونات" أو على محصول واحد هو السكر، وحصار خانق، وسوء إدارة مزمن، ليتحول الحلم تدريجياً إلى كابوس بيروقراطي. نجحوا في إسقاط باتيستا، لكنهم فشلوا في إنقاذ شعب، فتحوّلوا مع الزمن من ثوار إلى حراس سجن كبير.
الثورات تولد من رحم الألم وتعيش على الوعود البراقة، لكنها تواجه دائماً الامتحان الأصعب: "إدارة اليوم التالي". في المراحل الأولى، تمنح الثورة الناس شعوراً بالرفعة والكرامة، وربما القدرة على تحمل الجوع في سبيل المبدأ. لكن مع مرور الستين عاماً، يصبح السؤال ملحاً وقاتلاً:
كم طفلاً مات هذا الشهر لأن المستشفى لا يملك مولد كهرباء؟
من الذي يستحق أن يُداس عليه: الشعار الثوري أم بطن الطفل الجائع؟
هل تستطيع الدولة توفير الكهرباء لأكثر من ساعات قليلة؟
هل يستطيع المواطن أن يجد رغيف خبز لأطفاله دون الوقوف في طوابير الذل لساعات تحت الشمس الحارقة؟
الشعوب قد تتحمل القمع لفترة، وقد تتحمل الفقر لفترة، لكنها لا تستطيع تحمل الاثنين معاً إلى الأبد. وهنا يسقط القناع عن الوهم المقدس؛ فالاقتصاد هو من يصنع الاستقرار، وليس الخطابات العصماء في الميادين.
هافانا اليوم تعيش اللحظات الأخيرة من "رصيد الأمس". الجزيرة غارقة في الظلام لأسابيع، والجماهير تخرج لتدق الأواني الفارغة وتصرخ "Down with communism!" في الشوارع السوداء، تعلن للعالم أن الأيديولوجيا قد انتحرت على عتبات الجوع. الاضطرابات الحالية ليست مجرد احتجاجات معيشية عابرة، بل هي إعلان عن نهاية مرحلة كاملة من تاريخ كوبا: حرق مكاتب الحزب الشيوعي في مورون، مظاهرات في هافانا وماتانزاس، وشعارات "الحرية" تتردد في الظلام.
عندما يضطر الثوار للدخول في مفاوضات مهينة مع "العدو التاريخي" في واشنطن – بل مع إدارة ترامب نفسها – من أجل البقاء، فإنهم يعترفون ضمناً بأن التاريخ الثوري المجيد لا يطعم شعباً جائعاً، وبأن السياسة في نهايتها ليست فن الممكن، بل هي فن البقاء حين تدهس الرغبة في "الحياة الطبيعية" كل الشعارات الثورية العظيمة.
درس لأهل غزة: "اليوم التالي" هو الامتحان الحقيقي
كوبا اليوم ليست مجرد قصة بعيدة؛ إنها مرآة مرعبة لأي شعب يقاتل من أجل كرامته ويحلم بالحرية. الثورة تولد من الألم، لكنها لا تعيش إلا إذا نجحت في إدارة اليوم التالي: توفير رغيف خبز، كهرباء للمستشفيات، ماء نظيف للأطفال، فرص عمل للشباب.
في غزة اليوم، حيث ينام الأطفال على أصوات القصف، وحيث البطالة تلامس 50%، وحيث 80% من السكان يعتمدون على المساعدات الغذائية، وسط إغلاق المعابر المتكرر، وارتفاع أسعار الطعام الجنوني، ونقص الوقود والغاز الذي يجبر العائلات على الطبخ على الحطب، وانقطاع الكهرباء المزمن الذي يستمر منذ سنوات... يتردد السؤال نفسه: هل الشعارات – مهما كانت مقدسة – كافية لإشباع بطون الأطفال؟ هل المقاومة الرمزية تستطيع أن تضيء مصباحاً في خيمة نازحة أو تشغل مولداً في مستشفى يعاني؟
الشعوب تتحمل الجوع والقصف لفترة طويلة في سبيل الحرية والكرامة، لكنها لا تستطيع تحمل الجوع المزمن والظلام المستمر إلى الأبد. عندما يصبح "اليوم التالي" كابوساً من الطوابير والنقص والموت البطيء، يبدأ الوهم في السقوط.
الدرس من كوبا واضح وقاسٍ: لا تتركوا الثورة تتحول إلى دين يُعبد على حساب الحياة اليومية. الشعب الذي يدفع الثمن الأكبر يحق له أن يسأل: متى يأتي "اليوم التالي" الذي يستحقه؟ متى يصبح الخبز والكهرباء والأمان حقيقة، لا شعاراً؟
إذا لم يُدار "اليوم التالي" بحكمة، فإن الجوع سيبتلع الشعارات، والظلام سيخنق الأحلام، وسيجد الشعب نفسه – كما في هافانا اليوم – يدق الأواني الفارغة في الشوارع، أو يلوح لأي قوة خارجية تقول: "خذونا... حتى لو كنتم الشيطان".
واليوم، يا أيها الثوار الأحياء في قبوركم الرمزية، أنتم تتوسلون لـ"الإمبريالية" نفسها كي تفتح لكم باب النجاة. ها أنتم تقبلون اليد التي كنتم تقطعونها في كل خطاب لعقود. هذا ليس "تسوية تاريخية"… هذا اعتراف بالفشل الكامل والمذل.
الثورة التي وعدت بتحرير الإنسان انتهت بأن تحولت الجزيرة كلها إلى قارب نجاة يغرق ببطء، وأهلها يلوّحون لأمريكا في الظلام ويقولون بصوت مكسور:
"خذونا… حتى لو كنتم الشيطان نفسه".
#نهاد_السكني (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟