أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - نهاد السكني - البصمة الوراثية… ملامح السيادة القادمة في دولة فلسطين















المزيد.....

البصمة الوراثية… ملامح السيادة القادمة في دولة فلسطين


نهاد السكني

الحوار المتمدن-العدد: 8599 - 2026 / 1 / 26 - 23:53
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


قبل أحد عشر عامًا، كتبتُ مقالًا بعنوان «مختبر العلوم الجنائية بين الضرورة والتحدي»، دعوت فيه إلى إنشاء مختبر وطني للبصمة الوراثية في فلسطين.
قلت آنذاك إن الدول المتقدمة — بل وبعض الدول الناشئة — جعلت من فحص الحمض النووي أداةً للعدالة، وسندًا للكرامة الإنسانية، ودعمت به القضاء والشرطة والمستشفيات في تحديد هوية الجثث أو الأطفال أو المجرمين.

اليوم، وبعد أكثر من عقد، أجد أن تلك الدعوة لم تكن ترفًا علميًا ولا طموحًا مبكرًا، بل كانت ضرورة وطنية مُهملة.

فما نراه اليوم من مشاهد الجثث المجهولة في الحرب، وما يعانيه ذوو الشهداء من عجز عن التعرف إلى أحبتهم، يؤكد أن غياب مختبر البصمة الوراثية الوطني لم يعد مجرد قصورٍ إداري، بل أصبح ثغرةً إنسانية وسيادية في بنية الدولة الفلسطينية.

النظام قبل الحرب... كان يعمل
قبل الحرب، كانت منظومة التوثيق الصحي في فلسطين تعمل ضمن إجراءات واضحة، تبدأ بوصول الجثة إلى المستشفى، ثم إصدار شهادة الوفاة وفق التصنيف الدولي للأمراض ICD، مرورًا بالتشريح أو بالدفن بعد استيفاء الإجراءات القانونية والطبية.

كان هناك نظام، وكانت السجلات تُوثَّق إلكترونيا حتى في حالات الوفاة غير الطبيعية، مرتبطة بوزارة الداخلية والعدل ومن يهمه الامر وفق ضوابط وصلاحيات.

لكن ما إن اندلعت الحرب، حتى اصطدم هذا النظام بواقعٍ جديد: جثثٌ تصل متحللة أو متفحمة بعد بقائها في العراء أو تحت الأنقاض، وأخرى بلا ملامح ولا هوية. هنا لم تسقط القوانين بقدر ما توقفت عند حدود التقنية؛ لأننا لم نمتلك الوسيلة العلمية التي تُمكّننا من تحديد الهوية عبر تحليل الحمض النووي (DNA).

غياب المختبر... أزمة كرامة وسيادة
إن غياب المختبرات الجنائية المتخصصة في تحليل الحمض النووي ليس مجرد تحدٍ تقني أو إداري، بل هو أزمة كرامة إنسانية وسيادية.

قبل الحرب وفي كل مرة يُطلب فيها من قاضٍ تأجيل البت في قضية نسب، أو يضطر فيها أهل شهيد لاستلام رفات من مقابر الأرقام دون يقين قاطع، نكتشف أننا ما زلنا نعتمد على جغرافيا الغير لحسم مصيرنا البشري والقضائي.

لقد مضت سنوات على توصياتنا بإنشاء المعمل الجنائي الفلسطيني، لكن مازال الشعب الفلسطيني يدفع كلفة الشك والانتظار في قضايا الجرائم الأسرية والنزاعات والوفيات الغامضة.

الحق في الوداع: دروس من الذاكرة الإنسانية
لقد أثبتت التجارب الدولية أن العلم هو الأداة الأكثر موثوقية لإنهاء حالة الغموض التي تفتك بأهالي المفقودين:

ليست فلسطين وحدها من واجهت هذا التحدي الإنساني.
فبعد حرب البوسنة والهرسك في التسعينيات، لعبت مختبرات البصمة الوراثية دورًا حاسمًا في تحديد هويات أكثر من 30 ألف ضحية كانت جثثهم مدفونة في مقابر جماعية، مما ساهم في توثيق جرائم الحرب وإعادة الحقوق لأصحابها.
وفي لبنان، استخدمت الجهات الصحية المختبرات الجينية خلال فترات الحرب الأخيرة لتوثيق هوية القتلى والمفقودين، في تجربة علمية هدفت إلى حفظ الكرامة الإنسانية ومنع ضياع الهوية في زمن الفوضى.
أما في إسرائيل، فقد جرى اعتماد التقنية ذاتها بدقة عالية لتوثيق هوية الجنود والمفقودين في الميدان.

هذه النماذج تؤكد أن إدارة الجثث مجهولة الهوية ليست شأنًا إنسانيًا فحسب، بل هي جزء من منظومة السيادة والعلم والعدالة، وأن غيابها يترك فراغًا أخلاقيًا لا تملؤه البيانات ولا الشعارات.

العلم لا ينتظر
في عالم اليوم، لم يعد التعرف على الجثث عملاً تشريحيًا أو جنائيًا فقط، بل عملاً علميًا بامتياز.

الحمض النووي هو بطاقة الهوية الأخيرة، وسجل التاريخ الذي لا يخطئ.
ومن خلاله يمكن التمييز بين مئات الجثث المتفحمة أو المجهولة وربطها بعائلاتها عبر قواعد بيانات بسيطة — شرط وجود مختبر وطني مجهز ومؤهل.

قبل الحرب، كانت الفحوصات الوراثية تُرسل إلى مختبرات في مصر أو الأردن أو إسرائيل، لكن الآن، ومع ظروف الحرب والحصار، لم تعد تلك القنوات متاحة، مما كشف هشاشة اعتمادنا على الخارج في أكثر الملفات حساسية وإنسانية.

من مشروع الأمراض الوراثية... إلى مشروع الكرامة الإنسانية
ما تحقق مؤخرًا على يد معالي وزير الصحة الفلسطينية د. ماجد ابورمضان بإطلاق السجل الوطني للأمراض الدموية الوراثية هو خطوة علمية كبرى، يجب أن تُبنى عليها منظومات أخرى.
فالسجل يمثل قاعدة بيانات جينية حقيقية، يمكن تطويرها مستقبلًا لتشمل المؤشر الوراثي للسكان، بما يمكّن من إنشاء بنك وطني للبصمة الوراثية يخدم أغراض الصحة العامة والبحث العلمي والعدالة الجنائية على السواء.

لقد أثبت هذا المشروع أن الإرادة المؤسسية قادرة على تحويل المبادرات الفردية إلى سياسة وطنية. وما بدأ كتوثيق شخصي بسيط قبل عشرين عامًا، أصبح اليوم مرجعًا علميًا معتمدًا في وزارة الصحة.

العودة للاعتماد على مختبرات الدول المجاورة لإجراء فحوصات الحمض النووي تمثل تخلياً عن ركن أساسي من أركان السيادة الوطنية، إذ تطرح أسئلة جوهرية حول:
أمن بياناتنا الوراثية الوطنية وحمايتها من الاستخدام الاستخباراتي.
إعاقة العدالة وتأخير البت في القضايا الجنائية والأسرية.
انتهاك الخصوصية الإنسانية في أدق صورها.
إن إنشاء مختبر وطني للبصمة الوراثية سيشكل حلاً لهذه التحديات، حيث يوفر:
دعم العدالة الجنائية والمدنية: عبر أدلة علمية قاطعة في الجرائم والنزاعات الأسرية.
أمن المعلومات والوقت: عبر حماية العينات الوطنية وتسريع النتائج.
الاستجابة للكوارث: عبر التعرف السريع على ضحايا الكوارث المدنية والحروب.
اليقين الذي لا يُؤجّل

إن تأسيس المختبر ليس مجرد شراء أجهزة، بل هو استثمار في العقول والكفاءات الوطنية القادرة على تشغيل وصيانة هذه التقنيات.

هو نقلة نوعية من الاعتماد على القرينة الظنية إلى اليقين العلمي المطلق، ومن التبعية التقنية إلى الاستقلال السيادي العلمي.

إن إنشاء مختبر فلسطيني للبصمة الوراثية بات اليوم ضرورة أخلاقية وقانونية وصحية، لا مجرد مشروع تقني، لكنه هو امتداد لمفهوم السيادة العلمية والكرامة الإنسانية.

فهو يعيد النظام إلى مسار العدالة في زمن الفوضى، ويمنح العائلات حق الوداع والمعرفة، ويُغني الوطن عن استعارة مختبرات الآخرين.
قد يكون السجل الوطني للأمراض الوراثية هو الخطوة الأولى في هذا الطريق، لكن المطلوب اليوم قرار وطني شجاع يجعل من البصمة الوراثية ركيزة في منظومة العدالة والصحة العامة،
لأن الكرامة لا تنتهي بالموت، ولأن الهوية آخر ما يجب أن نضيّعه

لأن الكرامة لا تنتهي بالموت، ولأن الهوية آخر ما يجب أن نضيّعه.
✍️ بقلم: د. نهاد رفيق السكني— باحث في الأمراض الوراثية والمعلوماتية الصحية



#نهاد_السكني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الجدي لا يلعب على تيس… درس القوة والسيطرة الرقمية
- احتلال إيران: طهران تحت الإدارة الرقمية الصامتة
- عصر «القلاع الرقمية»: ليلة سقوط طهران
- من برلين 1945 إلى غزة 2026: هل يُعاد رسم «الخطوط الصفراء»؟
- لا كل من خرج عن القطيع بطل ولا كل من صمت جبان
- رحلة إلى شبرا من السلام… مغامرات جمع الأجرة على الطريق الدائ ...
- لماذا تتمدّد القاهرة شرقًا وغربًا وجنوبًا… وتتوقف شمالًا؟ قر ...
- الإنسان بين العلم ووهْم المركزية : حتى لو انقرض البشر… ستستم ...
- تحليل الذكاء البشري: الخريطة الجينية، التحدي البيئي، وإرادة ...
- غزة بين الجوع والركام… والرحلة الغامضة من مطار رامون إلى نير ...
- الإمبراطورية اليابانية بين التاريخ والنهضة: ما الدروس الواقع ...
- الذين يعودون مع اكتمال القمر
- وزارة الصحة الفلسطينية: خطوات نحو رقمنة النظام الصحي وتعزيز ...
- سُرّة العالم التي لا تسقط، غزة… المدينة التي تُولد من رمادها
- الديكتاتورية الرقمية: حين يرى إيلون ماسك الحقيقة التي يريدها
- دور الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الرقمية في تشغيل المتحف ال ...
- الديكتاتورية الرقمية: بين الخوارزميات والجماهير
- الديكتاتورية الرقمية: المزرعة السعيدة كانت تدريبًا للسيطرة ع ...
- الديكتاتورية الرقمية: كيف تم استخدام هندسة البيانات والتحول ...
- الإنسان القادم من المختبرات


المزيد.....




- بين وعيد طهران وحشود واشنطن.. هل يخرج سيناريو المواجهة الشام ...
- الناتو: من يفكر بقدرة أوروبا على حماية نفسها دون أمريكا حالم ...
- ما أهمية فك الجيش السوداني الحصار عن -الدلنج- واستعادة -السل ...
- 4 أسئلة عن التطورات.. هل اقترب ضرب إيران؟
- محللون: نتنياهو يتلاعب باتفاق غزة وهذه ذريعته بعد ملف الجثة ...
- بغداد تقر خريطة لنقل عناصر داعش من سوريا و-تقديمهم للعدالة- ...
- إسرائيل تعلن تصفية مسؤول ميداني في حزب الله جنوب لبنان
- معركة قانونية قد تكلّف ميتا وتيك توك ويوتيوب مليارات الدولار ...
- هيفاء وهبي ترقص -السامري- في الرياض وأحمد سعد يدعم مهند البا ...
- بعد توجيه السيسي.. مصر تعمل على تشريع ينظم استخدام الأطفال ل ...


المزيد.....

- الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى ... / علي طبله
- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله
- الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل ... / علي طبله
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر / محمد جعفر ال عيسى
- اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات، ... / رياض الشرايطي
- رواية / رانية مرجية
- ثوبها الأسود ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- تداخل الاجناس الأدبية في رواية قهوة سادة للكاتب السيد حافظ / غنية ولهي- - - سمية حملاوي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - نهاد السكني - البصمة الوراثية… ملامح السيادة القادمة في دولة فلسطين