أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - نهاد السكني - ألف يوم على حرب غزة..!! هل ما زال التاريخ يُقاس بالسنوات؟














المزيد.....

ألف يوم على حرب غزة..!! هل ما زال التاريخ يُقاس بالسنوات؟


نهاد السكني

الحوار المتمدن-العدد: 8770 - 2026 / 7 / 18 - 13:34
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


ألف يوم على حرب غزة..!!
هل ما زال التاريخ يُقاس بالسنوات؟

د. نهاد السكني

أكتب إليكم بعد غياب، وأنا أعدّ الجولات بدقة متناهية. ملايين الخلايا السرطانية في جسدي، أحصيها مع كل فحص. أحصي الانتصارات المؤقتة، والهزائم الموجعة. وكما أحصي خلاياي المتمردة، أحصي أيام الحرب على غزة، بل ومن الفضاوة ذهبت لأحصي لكم تاريخ البشرية ذاته.

ولأن الزمن وحدة عددية، فقد قضت البشرية معظم تاريخها في صراعات وحروب، بينما تركز الجزء الأعظم من التقدم العلمي والتقني في فترة قصيرة نسبيًا. كيف يكون هذا؟ احسبوها بأنفسكم، ودعوني أسأل، هل تسارع الزمن حقًا، أم أن التاريخ لم يعد يُحسب بالسنوات، بل بكثافة المعرفة، وسرعة التغيير... وسرعة الدمار؟

هنا، ومن داخلي، ومن عدّي الدقيق للخلايا والأيام، أكتب لكم نظرية فيزيائية جديدة لقياس الزمن. ليست معادلاتها في سرعة الضوء، بل في كثافة الألم والوجع.

لقد صغتها لكم بأبسط صورة رياضية:

كثافة الأحداث ÷ الزمن الفيزيائي = الإحساس بالزمن.

فإذا كان الزمن الفيزيائي ثابتاً (اليوم = 24 ساعة، والسنة = 12 شهراً)، فإن كثافة الأحداث هي المتغير الوحيد. كلما ازدادت المعرفة، وتضاعف الدمار، وتكاثرت القرارات المصيرية في يوم واحد، تضاعف "الإحساس بالزمن" حتى يبلغ مداه، لدرجة أن اليوم الواحد في غزة أصبح يعادل سنوات في أي مكان آخر. هذا السؤال هو ما دفعني إلى إعادة التفكير في معنى التاريخ نفسه.

حين نقرأ التاريخ، تدهشنا الأرقام.
الدولة الأموية والعباسية، على سبيل المثال، حكمتا قرابة ستة قرون (661-1258م). ستة قرون شهدت ازدهار العلوم، وبناء المدن، وتعاقب السلم والحرب، ثم انتهت بكارثة سقوط بغداد.

لكن ماذا لو نظرنا إلى التاريخ بمنظار مختلف؟ ليس بمنظار التقويم، بل بمنظار المعرفة والألم والوجع.

الزمن الفيزيائي لم يتغير: اليوم ما زال أربعًا وعشرين ساعة. لكن سرعة الحياة، وسرعة انتقال المعلومة، وسرعة إنتاج المعرفة، وسرعة الدمار، غيّرت كل شيء.

كان الإنسان القديم يعيش عمره كاملاً دون أن يرى إلا تغيرات محدودة. أما نحن، فنستيقظ على عالم وننام على عالم آخر. في يوم واحد تُنشر آلاف الأبحاث، وتُتخذ قرارات تغير مصائر دول، وتنتشر صور الدمار أمام مليارات البشر.

لهذا، وباستعمال معادلتنا الجديدة كثافة الأحداث ÷ الزمن الفيزيائي، قد تبدو الـ597 سنة الأموية-العباسية في نظرة "كثافة الأحداث" كأنها تعادل حرب غزة منذ السابع من أكتوبر في عصرنا. ليس لأن الزمن تغير، بل لأن الحضارة أصبحت تنتج — وتدمر — في أيام ما كان يحتاج قرونًا.

لم أصل إلى هذه الفكرة من كتاب تاريخ أو محاضرات يوتيوب، بل وصلت إليها وأنا أعدّ أيام غزة يوماً بعد يوم، كأنها قرن بعد قرن.

في البداية كنت أعدّها كالجميع: يوم، ثم يوم آخر. لكن بعد مئات الأيام، اكتشفت أنني لا أعدّ الزمن، بل أعدّ طبقات الألم. كل يوم جديد يضيف اسمًا إلى قوائم الشهداء، وعائلة إلى قوائم النازحين، وطفلًا يكبر قبل أوانه، وأمًا تنتظر خبرًا لم يأتِ.

عندها فهمت أن اليوم في غزة ليس أربعًا وعشرين ساعة، بل زمن مكثف، يحمل من الفقد والخوف والتحول ما كانت تحتاجه مدن بأكملها عبر سنوات.

التقدم لم يسرّع البناء وحده، بل سرّع الدمار أيضًا. قديمًا كانت الحضارات تُبنى جيلاً بعد جيل، والحروب — على قسوتها — تترك مساحات للحياة تعود. أما اليوم، فالحضارة قادرة على تدمير مدينة كاملة وتعطيل حياة ملايين في أيام.

والفارق الجوهري: تلك القرون لم تكن حربًا متواصلة. كانت الأسواق تعود، والمدارس تفتح، والأطفال يولدون في لحظات استقرار. أما غزة، فقد عاشت ألف يوم تحت حرب لا تهدأ: قصف، نزوح، جوع، انتظار الموت أو النجاة. تراكمت المآسي حتى أصبح اليوم الواحد يحمل ما كان يتوزع سابقًا على سنوات.

لم يعد اليوم مجرد وحدة زمنية، بل أصبح أرشيفًا كاملاً من الصور والشهادات والآلام.

ولهذا، فإن المقارنة ليست بين عدد السنوات وعدد الأيام، بل بين كثافة ما عاشه الإنسان فيها. الحضارة سرّعت إنتاج المعرفة، وسرّعت معها انتقال الألم وتراكمه.

سيكتب المؤرخ يومًا أن حرب غزة استمرت ألف يوم. وسيقرأ طالب بعد مئة عام هذا الرقم في سطر واحد. أما من عاشها — كما أعيش معركتي الخاصة — فلن يتذكر الرقم. سيذكر البيوت التي هدمت، والوجوه التي غابت، والأطفال الذين كبروا قبل أوانهم، والليالي التي كان فيها النجاة أمنية بعيدة.

التاريخ يحصي الأيام... أما الإنسان فيحصي ما فقده خلالها.

وربما سيكتشف المؤرخون بعد قرون أن التاريخ لم يعد يُقاس بطول الزمن، بل بكثافة ما يحمله من أحداث وألم. ألف يوم في القرن الحادي والعشرين لم تكن مجرد ألف يوم، بل زمنًا مضغوطًا، اجتمع فيه من المعرفة والدمار والفقد ما يجعل الإنسان يشعر أنه عاش أكثر من عمر في أقل من ثلاث سنوات.

فالزمن لم يتسارع... لكن الحضارة فعلت.



#نهاد_السكني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الرهان على أوهام الخصوم
- شهادات دليفري ونخب وهمية: الفشلة الذين قادونا إلى الدمار
- باكستان قد تضرب إيران، وإلغاء موسم الحج 2026
- الأرامل في غزة بعد 7 اكتوبر
- الجعجعة في إيران… والطحين في مكان آخر
- الظلام يبتلع هافانا.. والثورة تنتحر على عتبات الجوع: نهاية ح ...
- غرور اليابان الذي دمر إمبراطورية!
- إيران: البديل أولاً… ثم الضربة كيف صنعت واشنطن -المرشد الجدي ...
- حرب النجوم 2026: حين يصبح الفضاء هو السحابة
- ليس كل من صمت قنوعا ، ولا كل من رضي حكيما
- هل الخوارزميات أقوى من الدستور؟
- واشنطن تسيطر على كل شيء في إيران… إلا النظام نفسه
- تشكيل الوعي في العصر الرقمي
- الثبات الانفعالي في زمن الاستفزاز الرقمي: حين يصنع الذكاء ال ...
- الدولار الضعيف، هندسة ترامب العكسية للعولمة: كيف يريد ترامب ...
- البصمة الوراثية… ملامح السيادة القادمة في دولة فلسطين
- الجدي لا يلعب على تيس… درس القوة والسيطرة الرقمية
- احتلال إيران: طهران تحت الإدارة الرقمية الصامتة
- عصر «القلاع الرقمية»: ليلة سقوط طهران
- من برلين 1945 إلى غزة 2026: هل يُعاد رسم «الخطوط الصفراء»؟


المزيد.....




- انفجار أنبوب مياه رئيسي يخلف حفرة ضخمة في لوس أنجلوس.. شاهد ...
- الكويت تعلن استهداف محطة لتوليد الكهرباء بهجوم إيراني
- البحرين.. إطلاق صافرات الإنذار للمرة الخامسة خلال 12 ساعة
- عون يغادر إلى واشنطن للقاء ترامب
- تقرير عبري: امتلاك مصر منظومات -إس 400- الروسية يهدد إسرائيل ...
- سوريا.. أطفال حوض اليرموك يقطعون الطرق بالحجارة أمام القوات ...
- إسقاط خمس طائرات مسيرة في أربيل، بعد مقتل تسعة عناصر من حزب ...
- تعليق رياضي مفاجئ من ترامب حول خسارة إنجلترا أمام الأرجنتين ...
- لغز الكيتو والأورام.. حمية واحدة ونتيجتان متناقضتان
- المدارس الصيفية لتعويض الفاقد التعليمي ودعم أطفال الضفة نفسي ...


المزيد.....

- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - نهاد السكني - ألف يوم على حرب غزة..!! هل ما زال التاريخ يُقاس بالسنوات؟