أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - نهاد السكني - فلسطيني يقطع 50 ألف كيلومتر في رحلة علاجه بمصر















المزيد.....

فلسطيني يقطع 50 ألف كيلومتر في رحلة علاجه بمصر


نهاد السكني

الحوار المتمدن-العدد: 8780 - 2026 / 7 / 28 - 21:19
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


بقلم د. نهاد رفيق السكني

حين وصلت إلى مصر قبل عامين، لم أكن أحمل حقيبة سائح، ولا كاميرا تلتقط المعالم، ولا برنامجا لزيارة الآثار... كنت أحمل ملفا طبيا، وأسئلة أكثر من الإجابات.

جئت في رحلة عنوانها العلاج، ومعركة كنت أتمنى أن أخرج منها منتصرا على السرطان.

لكنني لم أكن أعلم أن رحلة العلاج ستقودني إلى رحلة أخرى، لم تكن مكتوبة في أي تقرير طبي، ولم يصفها لي أي طبيب.

بين مواعيد المستشفيات، وجلسات العلاج، وثقل الجرعات الكيماوية والبيولوجية، وآثار الكورتيزون المزعجة، وحقن المناعة التي كانت تستنزف الجسد والنفس معا، كان البقاء بين أربعة جدران أشد قسوة من الخروج إلى الشارع. لذلك كنت أهرب إلى الطريق، لا لأن لدي موعدا، بل لأن الطريق نفسه كان يخفف عني وطأة الأيام، ويمنحني جرعة أمل لا تقل أثرا عن جرعات العلاج.

شيئا فشيئا، صار الطريق جزءا من العلاج.

وخلال عامين أو أكثر بقليل، قطعت أكثر من خمسين ألف كيلومتر داخل مصر.

خمسون ألف كيلومتر... مسافة تكفي للدوران حول الكرة الأرضية مرة وربع تقريبا، لكنني لم أغادر حدود هذا البلد يوما واحدا.

وللمفارقة، لم يحتج جواز سفري إلى ختم واحد طوال تلك الرحلة.

لم أتنقل بسيارة خاصة، بل عشت مصر كما يعيشها ملايين المصريين كل صباح؛ بالقطارات، والمترو، والميكروباصات، والأتوبيسات، والسوبر جيت، والتكاتك، والموتوسيكلات، والمونوريل، وقطار العاصمة، والأتوبيس الترددي الذي رأيت محطاته تبنى محطة بعد أخرى، حتى صار مشروعا يلتف حول الطريق الدائري بطول يتجاوز مئة كيلومتر.

رأيت القاهرة من زاوية لا يراها السائح، بل من الزاوية التي يراها ملايين المصريين كل صباح.

الساعة السادسة صباحا... رائحة القهوة تسبق أصحابها إلى رصيف المترو. عامل يحمل حقيبة أدواته، وطالب يراجع محاضرته للمرة الأخيرة، وسيدة تضم طفلها النائم إلى كتفها. يصل القطار، فتفتح الأبواب، ويبتلع الجميع في ثوان، ثم تستعيد المحطة هدوءها وكأن شيئا لم يكن. هناك أدركت أن المترو ليس مجرد وسيلة نقل، بل نبض مدينة كاملة يبدأ يومه قبل شروق الشمس.

عبرت باب البحر، وباب الشعرية، وباب اللوق، والأزبكية، والأزهر، والحسين، والسيدة زينب، والسيدة عائشة، ومجرى العيون، ورمسيس، والعباسية، وشبرا، وإمبابة، والهرم، والجيزة، ومصر الجديدة، ومدينة نصر، والسلام، وعدلي منصور... ثم حملتني الطرق إلى الإسكندرية، ومدن القناة، والدلتا، والصعيد، والعين السخنة، وغيرها من المدن.

لم تكن هذه مجرد أسماء على خرائط... كانت لكل منطقة رائحتها، ولهجتها، وإيقاعها، وحكايتها.

وفي باب الشعرية لا تمشي وحدك، حتى لو كنت وحدك. الأرصفة تضيق بالناس، والباعة ينادون على بضائعهم، وروائح الخبز والبهارات والقهوة تختلط في الهواء، فتشعر أن الحي لا يدرك بالعين وحدها، بل يسمع ويشم أيضا. هناك لا تكون مجرد عابر طريق، بل تصبح جزءا من المشهد، ولو لدقائق.

وعلى امتداد هذه الرحلات، لم أشاهد الطرق فقط، بل شاهدت مدينة تتغير أمام عيني.

استخدمت موقف السلام عندما كان بسيطا وعشوائيا، ثم رأيته يتحول إلى مجمع حديث متعدد الطوابق.

وكنت من رواد موقف السيدة عائشة عشرات المرات، وشهدت انتقاله إلى موقعه الجديد، ورأيت كيف أعيد تنظيم المنطقة وربطها بمحوري صلاح سالم والأوتوستراد، وكيف بدأت ملامح سور مجرى العيون تستعيد مكانتها التاريخية ضمن مشروع حضاري يعيد لهذا المكان هيبته.

ولم يكن سور مجرى العيون بالنسبة لي مجرد معلم تاريخي. فقد أعادني إلى زيارة قديمة للقاهرة قبل سنوات، حين جئت إليها برفقة زوجتي الحبيبة. يومها سرنا على امتداد السور القديم، نمشي بلا استعجال، نتأمل حجارة المكان ونستمع إلى حكايات القاهرة الصامتة، حتى وصلنا إلى شارع القصر العيني. لذلك، عندما عدت إلى المنطقة خلال رحلة علاجي، ورأيت حجم التحول الذي شهدته، شعرت وكأنني ألتقي بذكرى قديمة ترتدي ثوبا جديدا؛ فالذكريات بقيت كما هي، لكن المكان ولد من جديد.

وفي رمسيس، كنت أرى التغيير يحدث خطوة بعد خطوة، حتى ظهر الموقف الجديد بصورته الحالية.

وفي عدلي منصور، وقفت مبهورا أمام محطة تبادلية تربط المترو بالقطار ووسائل النقل المختلفة، ثم ركبت قطار العاصمة، وشاهدت كيف تمتد القاهرة نحو أفق جديد، وكأن المدينة تكتب فصلا آخر من تاريخها.

لكن أكثر ما أسرني لم يكن الحجر ولا الخرسانة.

كان الإنسان.

تعلمت لغة الميكروباص، حتى أصبحت أفهم إشارات السائقين قبل كلماتهم، وأشارك في جمع الأجرة وإعادة الباقي للركاب، وسط نظام عجيب قائم على الثقة بين أناس لا يعرف بعضهم بعضا.

تعلمت أن ورقة نقدية يمكن أن تنتقل من آخر الميكروباص إلى السائق عبر ستة أو سبعة ركاب، ثم يعود الباقي بالطريق نفسه، دون أن يسأل أحد أين ذهبت نقوده، لأن الثقة هنا ليست شعارا، بل ممارسة يومية.

وتعلمت أن مصر ليست مجرد شوارع وجسور ومحطات...

مصر هي الناس.

كم مرة عرف سائق أو محصل أنني من غزة، فأعاد إلي الأجرة أو رفض أن يأخذها أصلا.

وكم مرة وجدت من يدلني على الطريق، أو يحمل عني حقيبة، أو يطمئن علي بعد جلسة علاج كيماوي ثقيل، دون أن يسألني من أكون.

ولم تكن تلك المواقف استثناءات، بل تكررت حتى أصبحت أخجل أحيانا من كثرة الامتنان الذي أحمله في قلبي.

هذه المواقف لا تسجل في نشرات الأخبار، لكنها هي التي تصنع صورة الأوطان في القلوب.

قد يختلف الناس في السياسة، وقد تختلف الآراء في الاقتصاد أو الخدمات، لكن هناك حقيقة لا يستطيع أحد أن ينزعها من ذاكرتي:

أنني جئت إلى هذا البلد مريضا، فاحتضنتني شوارعه قبل مستشفياته، وخففت عني وجعي وجوه لم تكن تعرف اسمي، لكنها عرفت أنني غريب، وأنني من غزة، فاختارت أن تعاملني كأحد أبنائها.

لهذا، عندما أنظر اليوم إلى تلك الخمسين ألف كيلومتر، لا أراها مجرد مسافة... بل أراها آلاف الوجوه، ومئات المحطات، وعشرات المدن، وبلدا كاملا فتح لي طرقه وقلبه في أصعب سنوات حياتي.

وأقولها بكل صدق، لا مجاملة ولا مبالغة:

لم أتعرف إلى مصر من كتب التاريخ، ولا من نشرات الأخبار... بل عرفتها من نافذة الميكروباص، ومن رصيف المترو، ومن مقعد القطار، ومن دعوة أم مصرية لم ألتق بها إلا مرة واحدة.

وما زلت حتى اليوم أعيش بين أهلها، وما زلت أكتشف في كل أسبوع حكاية جديدة، ووجها جديدا، وسببا جديدا للامتنان.

فبعض الديون تسدد بالمال...

أما دين المحبة والإنسانية، فلا توفيه الكلمات، وسيبقى في عنقي ما حييت.

ولو طلب مني أحد أن أرسم خريطة مصر، فلن أرسم الطرق ولا المحافظات... سأرسم وجوه الناس الذين التقيتهم عليها.

للمتابعة والمزيد من المقالات :
https://www.facebook.com/share/p/1BqNPeSCJy/

#مصر 🇪🇬
#القاهرة
#فلسطين 🇵🇸
#غزة
#الخليج
#السعودية 🇸🇦
#الإمارات 🇦🇪
#الكويت 🇰🇼
#قطر 🇶🇦
#عمان 🇴🇲
#البحرين 🇧🇭
#رحلة_العلاج
#أدب_الرحلات
#السفر
#قصص_ملهمة
#السرطان
#معهد_ناصر
#نهاد_السكني
#د_نهاد_رفيق_السكني
#مذكرات_فلسطيني_في_مصر



#نهاد_السكني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ألف يوم على حرب غزة..!! هل ما زال التاريخ يُقاس بالسنوات؟
- الرهان على أوهام الخصوم
- شهادات دليفري ونخب وهمية: الفشلة الذين قادونا إلى الدمار
- باكستان قد تضرب إيران، وإلغاء موسم الحج 2026
- الأرامل في غزة بعد 7 اكتوبر
- الجعجعة في إيران… والطحين في مكان آخر
- الظلام يبتلع هافانا.. والثورة تنتحر على عتبات الجوع: نهاية ح ...
- غرور اليابان الذي دمر إمبراطورية!
- إيران: البديل أولاً… ثم الضربة كيف صنعت واشنطن -المرشد الجدي ...
- حرب النجوم 2026: حين يصبح الفضاء هو السحابة
- ليس كل من صمت قنوعا ، ولا كل من رضي حكيما
- هل الخوارزميات أقوى من الدستور؟
- واشنطن تسيطر على كل شيء في إيران… إلا النظام نفسه
- تشكيل الوعي في العصر الرقمي
- الثبات الانفعالي في زمن الاستفزاز الرقمي: حين يصنع الذكاء ال ...
- الدولار الضعيف، هندسة ترامب العكسية للعولمة: كيف يريد ترامب ...
- البصمة الوراثية… ملامح السيادة القادمة في دولة فلسطين
- الجدي لا يلعب على تيس… درس القوة والسيطرة الرقمية
- احتلال إيران: طهران تحت الإدارة الرقمية الصامتة
- عصر «القلاع الرقمية»: ليلة سقوط طهران


المزيد.....




- إيران تهدد بمنع سفن من عبور مضيق هرمز بسبب الأصول المجمدة
- البنتاغون يراجع وجوده العسكري بأوروبا
- عسكرة أوروبا.. التضحية بالصحة والغذاء
- طيران ألماني إلى دمشق وحلب.. ومفاوضات مصرية لاستئناف الرحلات ...
- العثور على فيديو تضمن اعترافات للمشتبه به في اعتداء برلين
- من الرقم 67 إلى الانفجار غضباً .. هل تفهم لغة شباب ألمانيا؟ ...
- القاهرة.. جولة جديدة من مفاوضات غزة
- سوريا.. العثور على رفات أربعة أشخاص في ريف دمشق وتحرك أمني ل ...
- مشاهد جوية لأضرار لحقت بمحافظة كوماموتو عقب أقوى زلزال يضرب ...
- برلماني إيراني: قرار زيلينسكي بضرب السفينة الإيرانية خطأ لا ...


المزيد.....

- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم
- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - نهاد السكني - فلسطيني يقطع 50 ألف كيلومتر في رحلة علاجه بمصر