أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - يونس متي - لا يبدأ فهم العراق من واشنطن أو بكين !!















المزيد.....

لا يبدأ فهم العراق من واشنطن أو بكين !!


يونس متي

الحوار المتمدن-العدد: 8784 - 2026 / 8 / 1 - 02:01
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


من أكثر المشكلات في قراءة الأزمة العراقية أن التحليل يبدأ غالباً من العالم قبل أن يبدأ من العراق. فعندما تصبح حركة القوى الكبرى، والصراع على النفوذ والطاقة والمواقع الاستراتيجية، نقطة الانطلاق لفهم ما يجري، يتحول العراق إلى مجرد مساحة تتقاطع فيها مصالح الآخرين، بينما تتراجع الأسئلة الأساسية المتعلقة بالدولة والمجتمع والاقتصاد إلى الخلف.
لا شك أن العالم يشهد تحولات كبيرة، وأن التنافس بين القوى الكبرى، ولا سيما بين الولايات المتحدة والصين، أصبح عاملاً مؤثراً في العلاقات الدولية. كما أن الدول التي تمتلك موارد استراتيجية أو مواقع جغرافية مهمة أصبحت جزءاً من هذا التنافس. والعراق، بحكم موقعه وثروته النفطية وأهميته الإقليمية، لا يمكن أن يكون بعيداً عن هذه التحولات.
لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول العامل الدولي من عنصر في تفسير الأزمة إلى التفسير الوحيد لها. فالصراع بين القوى الكبرى يفسر لماذا يحظى العراق باهتمام الآخرين، لكنه لا يفسر وحده لماذا أصبح العراق أكثر عرضة لضغوطهم وتأثيراتهم.
ولهذا فإن السؤال الأول لا ينبغي أن يكون فقط: ماذا تريد الولايات المتحدة من العراق؟ أو ماذا تريد الصين أو القوى الإقليمية الأخرى؟ بل يجب أن يسبقه سؤال آخر: ما طبيعة العراق الذي يتعامل مع هذه القوى؟
ففهم العراق لا يبدأ من واشنطن أو بكين أو غيرها، بل من بغداد.
إن القوى الدولية تتحرك دائماً وفق مصالحها، وهذا ليس جديداً في التاريخ ولا يخص منطقة دون أخرى. لكن تأثير هذه القوى لا يتحدد فقط بحجم قوتها، بل كذلك بدرجة قوة الدولة التي تتعامل معها. فالدول التي تمتلك مؤسسات قوية، واقتصاد منتج، ومجتمع منظم، تستطيع أن تتعامل مع التنافس الدولي من موقع مستقل. أما الدول التي تعاني من ضعف داخلي وانقسام في القرار، فإن موقعها وثرواتها قد تتحول من عناصر قوة إلى مصادر للتنافس عليها.
ومن هنا فإن السؤال الحقيقي ليس فقط: من يتنافس على العراق؟ بل : لماذا أصبح العراق مجالاً لهذا التنافس؟
إن الإجابة تقودنا إلى قراءة طبيعة الدولة العراقية نفسها.
فبعد عام 2003 تشكل نمط من بناء الدولة قام بالاساس على المحاصصة وتقاسم النفوذ بين القوى السياسية. مما أدى إلى إضعاف مؤسسات الدولة، كما و غيّر وظيفتها، إذ أصبحت الدولة في كثير من الأحيان مجال لتوزيع النفوذ والمصالح، بدل من أن تكون إطار لإدارة المصالح العامة على أساس المواطنة والكفاءة والرؤية الوطنية.
وهذه تعتبر واحدة من أهم حلقات الأزمة، فالدولة لا تصبح ضعيفة فقط عندما تتعرض لضغوط خارجية، بل تصبح عرضة لهذه الضغوط عندما تفقد القدرة الداخلية على إدارة شؤونها واتخاذ قراراتها على أساس المصلحة العامة.
العراق لا يعاني من نقص الموارد، بل من ضعف القدرة على تحويل هذه الموارد إلى قوة وطنية. فالثروة النفطية الكبيرة لم تتحول إلى اقتصاد متنوع ومنتج، بل بقي الاقتصاد العراقي أسير الريع النفطي، الأمر الذي أدى إلى إضعاف القطاعات الإنتاجية، وزيادة الاعتماد على الدولة كمصدر أساسي للعمل والدخل، وتقليص قدرة المجتمع على بناء قوى اقتصادية واجتماعية مستقلة.
والاقتصاد الريعي لا يضعف القطاعات الإنتاجية فقط، بل يساهم في إنتاج علاقة سياسية يصبح فيها المواطن معتمداً على الدولة في الحصول على فرص العمل والخدمات، وتصبح القوى السياسية قادرة على استخدام الموارد العامة لتعزيز نفوذها، بدل من أن تكون الدولة أداة للتنمية الشاملة وبناء القدرات.
كما أن أزمة الدولة لا تنفصل عن أزمة المجتمع. فضعف التعليم والبحث العلمي، وهجرة الكفاءات، وتراجع الطبقة الوسطى، وضعف النقابات والمنظمات الاجتماعية المستقلة، كلها عوامل تقلل من قدرة المجتمع على التأثير في مسار الدولة والدفاع عن المصلحة العامة.
لذلك فإن الحديث عن السيادة العراقية لا يمكن أن يقتصر على رفض التدخلات الخارجية أو مقاومة نفوذ هذه الدولة أو تلك. فالسيادة ليست نتيجة مواقف سياسية من الخارج، بل هي قبل ذلك قدرة داخلية.
فالدولة التي لا تستطيع إدارة اقتصادها، أو حماية مؤسساتها، أو تطوير مواردها البشرية، أو التفاوض على عقودها من موقع قوة، ستكون دائماً عرضة للتأثير الخارجي، أياً كان مصدره.
من هنا، فإن النقاش حول الاستثمارات الأجنبية أو الشركات الدولية يحتاج إلى رؤية متوازنة. فوجود الشركات الأجنبية لا يعني بالضرورة فقدان السيادة، كما أن رفض الاستثمارات لا يشكل ضمانة للاستقلال. القضية الأساسية ليست في جنسية الشركة، بل في طبيعة الدولة التي تتفاوض مع الشركات، وشروط العقود، ومستوى الشفافية، وقدرة المؤسسات الوطنية على حماية المصلحة العامة.
والدولة القوية تستطيع أن تجعل الاستثمارات الخارجية أداة للتنمية، بينما الدولة الضعيفة قد تتحول فيها هذه الاستثمارات إلى أدوات نفوذ طويل الأمد.
ولهذا، لا ينبغي أن يكون السؤال الذي يطرح نفسه على العراق: إلى أين يتوجه، إلى الولايات المتحدة أم إلى الصين أم إلى غيرهما؟ لأن اختزال المسألة في هذا الاختيار يحوّل القضية إلى صراع بين قوتين، بينما السؤال الحقيقي هو: كيف يبني العراق دولة قوية تمتلك قرارها الوطني، وتتعامل مع الجميع وفقاً لمصالحها الوطنية، من دون أن تبحث عن حماية خارجية بسبب ضعفها الداخلي؟
لقد اعتادت منطقتنا، طوال عقود طويلة، على نمط من التفكير يقدم العالم الخارجي باعتباره الفاعل الأساسي، وكأن شعوبها ودولها مجرد ساحات تتحرك فوقها إرادات الآخرين. وهذا النمط لا يقل خطورة عن الضغوط الخارجية نفسها، لأنه يضعف الإحساس بالقدرة على الفعل، ويحول السياسة من مشروع لبناء القوة الداخلية إلى انتظار دائم لما تقرره القوى الكبرى.
إن أخطر نتائج هذا النمط من التفكير ليست فقط أنه يخطئ في فهم العالم، بل أنه يضعف كذلك قدرة المجتمعات على رؤية نفسها كقوى قادرة على الفعل.
إن الاعتراف بوجود صراعات دولية ومصالح خارجية لا يعني القبول بأن نبقى مجرد بيادق في رقعة شطرنج يحركها الآخرون. فالتاريخ لا تصنعه القوى الكبرى وحدها، بل تصنعه المجتمعات التي تبني مؤسساتها، وتطور اقتصادها، وتنظم قواها الاجتماعية، وتمتلك رؤية واضحة لمصالحها الوطنية.
ولهذا فإن التحدي الأساسي أمام العراق ليس فقط كيف يواجه الضغوط الخارجية، بل كيف يبني الشروط الداخلية التي تجعل هذه الضغوط أقل قدرة على التأثير عليه.
فالعراق لا يحتاج فقط إلى تغيير علاقاته مع العالم، بل يحتاج قبل ذلك إلى إعادة بناء الدولة التي تتعامل مع هذا العالم.
إن الانتقال من موقع المتأثر إلى موقع الفاعل يبدأ من الداخل: من دولة القانون والمؤسسات، ومن اقتصاد منتج، ومن مجتمع حي، ومن مواطن يشعر بأنه شريك في صناعة مستقبل بلده.
فالمشكلة ليست أن العراق يعيش في عالم تحكمه موازين القوة، فهذا واقع كل الدول. المشكلة أن العراق دخل هذا العالم وهو لم يستكمل بعد بناء شروط القوة التي تمكنه من حماية مصالحه.
ولهذا لا يبدأ فهم العراق من واشنطن أو بكين، بل من قدرة العراقيين على بناء الدولة التي تجعلهم شركاء في صناعة التاريخ، لا مجرد متلقين لنتائجه.



#يونس_متي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الدولة أم السوق ... أم أن المشكلة في مكان آخر؟
- التهميش واغتراب الوجود في عالم (بشر نسيهم الله) للروائي ألبي ...
- هل يستطيع النظام السياسي العراقي إصلاح نفسه؟
- الصراع على الوعي أم الصراع على شروط إنتاجه؟ قراءة في دور الم ...
- التفاوت الاجتماعي وحدود تشكّل الوعي الطبقي في العراق
- أزمة الحركات اليسارية: من مشروع التغيير إلى إشكالية الإصلاح ...
- إشكالية النقابات المستقلة في العراق وآفاق العمل الجماهيري
- العراق بين الرفض الشعبي وغياب البديل السياسي
- العراق بين الدولة واللادولة
- حصر السلاح بيد الدولة… لكن أي دولة ؟
- أزمة المعايير في اليسار المعاصر
- إقصاء الآخر وإشكالية المواطنة
- عندما تُعامل الدولة ، كغنيمة لا كوطن
- -التحالفات- في تجربة الحزب الشيوعي العراقي
- حين تعجز السلطة عن تحويل العداء للإمبريالية إلى دفاع عن الوط ...
- رواية (ألوان العار) ومرارة التحوّلات الاجتماعية
- شرعية المشاركة والبيئة الانتخابية المختلّة في العراق
- نظام الكوتا بين فرص الإصلاح وحدود التطبيق في التجربة العراقي ...
- مقاومة أم نفوذ ؟ ميليشيات محور إيران وأثرها على السيادة الوط ...


المزيد.....




- تركيا تستعد لتهديد روسيا من الشمال الغربي
- من إيران إلى أوكرانيا.. حروب إقليمية توشك أن تتحول لمواجهة ع ...
- الحوثيون ينفون التخطيط لفرض رسوم على عبور مضيق باب المندب
- قتلى وجرحى بقصف روسي على كييف وزيلينسكي يبحث الدفاع الجوي مع ...
- -أحدهم سيلقى حتفه-.. -التحريض- ضد الصحفيين يثير القلق في إسر ...
- هل اقتربت نهاية إنفانتينو؟ ومن المرشح لخلافته؟
- -مسيرة الحماقة- التي تهدد مكانة واشنطن ومصالحها
- كوريا الشمالية: تحديث بنية الناتو اللوجستية يؤكد استعداده لح ...
- -بلومبرغ-: البنتاغون يطلب 18.2 مليار دولار من أموال الحرب لل ...
- توتر في منين على خلفية أعمال حفر.. والأمن يتدخل لاحتواء المو ...


المزيد.....

- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم
- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - يونس متي - لا يبدأ فهم العراق من واشنطن أو بكين !!