أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - زياد الزبيدي - ألكسندر دوغين - الجنيّ الأحادي القطب. كيف إنتهى نظام يالطا وبدأ عصر الأحادية القطبية؟ (برنامج إيسكالاتسيا على راديو سبوتنيك)















المزيد.....



ألكسندر دوغين - الجنيّ الأحادي القطب. كيف إنتهى نظام يالطا وبدأ عصر الأحادية القطبية؟ (برنامج إيسكالاتسيا على راديو سبوتنيك)


زياد الزبيدي

الحوار المتمدن-العدد: 8782 - 2026 / 7 / 30 - 16:43
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


ألكسندر دوغين
فيلسوف روسي معاصر


إعداد وترجمة د. زياد الزبيدي بتصرف


31 تموز يوليو 2026


تمهيد تحريري

في هذه المقابلة المطولة، يعرض الفيلسوف والمفكر الروسي ألكسندر دوغين رؤيته للتحولات التي شهدها النظام الدولي منذ نهاية الحرب الباردة، منتقداً ما يصفه بمشروع الأحادية القطبية الذي أعقب إنهيار الإتحاد السوفياتي، ومقدماً تفسيره لطبيعة المواجهة الراهنة بين روسيا والغرب. كما يتناول مستقبل الأمم المتحدة، وصعود مجموعة «بريكس»، وأزمة الدبلوماسية التقليدية، وتأثير فلسفات ما بعد الحداثة في السياسة والحرب.

1) كيف إنتهى نظام يالطا وبدأ عصر الأحادية القطبية؟

سؤال - نود أن نستهل حديثنا اليوم بما قاله الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال لقائه أفراداً من سلاح البحرية في سانت بطرسبورغ. فالرئيس لم يطرح، في الواقع، أفكاراً جديدة بقدر ما أعاد التذكير بموقف يكرره منذ سنوات، وهو أن عدداً من الدول الغربية يتجاوز، في كثير من الأحيان، ميثاق الأمم المتحدة ويضعه جانباً، ساعياً إلى فرض تصوراته الخاصة للنظام الدولي.
وقد شبّه بوتين هذا المسار بإطلاق «جني من قمقمه»، محذراً من أن السيطرة عليه تصبح شبه مستحيلة بعد ذلك. وقد حمل هذا التشبيه دلالات متعددة، كما تضمن اللقاء جملة من الرسائل السياسية المهمة.
ما أبرز ما لفت إنتباهكم في هذا الحديث؟ وكيف يمكن فهم هذه الرسائل؟

ألكسندر دوغين - هناك جانب إعلاني في هذا الموقف، يتمثل في تأكيد روسيا تمسكها بمنظومة الأمم المتحدة، وبالنظام الدولي الذي نشأ عقب مؤتمر يالطا ونتائج الحرب العالمية الثانية، بإعتباره الإطار الذي تنطلق منه في مقاربتها للعلاقات الدولية.
ويستند نظام يالطا، بحسب دوغين، إلى بنية ثنائية القطبية، قامت على توازن بين قوتين عظميين فقط هما الولايات المتحدة والإتحاد السوفياتي، بينما إصطفّت بقية الدول ضمن أحد المعسكرين، مع وجود حركة عدم الإنحياز التي ضمت دولاً عديدة، لكنها لم تتحول، في رأيه، إلى قطب دولي مستقل، بل إكتفت بالمناورة بين الطرفين.
ويرى أن هذه المنظومة كانت مقبولة لكل من موسكو وواشنطن في ذلك الوقت، وأن الرئيس بوتين يحذر اليوم من أن تفكيكها، وهو ما يعتبر أن الغرب يسعى إليه منذ ما يقارب أربعة عقود، ينطوي على مخاطر كبيرة.
ويضيف أن عملية تفكيك النظام الثنائي بدأت، في رأيه، منذ أواخر ثمانينيات القرن الماضي، وأن الإتحاد السوفياتي نفسه أسهم في ذلك من خلال حل حلف وارسو، ثم تفككه لاحقاً، وهو ما أدى، بحسب تقديره، إلى قبول روسيا عملياً بقيام نظام أحادي القطبية عقب إنتهاء الحرب الباردة.
ويصف دوغين تلك المرحلة بأنها لحظة «إستسلام جيوسياسي»، معتبراً أن موسكو تخلت طوعاً عن موقعها كقطب عالمي، بينما شرع الغرب في إعادة تشكيل النظام الدولي وفق تصوره الخاص، عبر مفاهيم مثل «النظام القائم على القواعد» وغيرها من المؤسسات التي رآها بديلاً عملياً لمنظومة يالطا.
ويقول إن روسيا، خلال السنوات الأولى التي أعقبت إنهيار الإتحاد السوفياتي، شاركت، بحسب رأيه، في هذا المسار، إلى أن وصل فلاديمير بوتين إلى السلطة وبدأ، كما يرى دوغين، مساراً مختلفاً يقوم على إستعادة السيادة الروسية.
ويذهب إلى أن الأمم المتحدة فقدت، منذ ذلك الوقت، دورها الحقيقي بوصفها الإطار الناظم للعلاقات الدولية، لكنها بقيت، في رأيه، رمزاً لمرحلة تاريخية كانت فيها روسيا أحد المركزين الرئيسيين للقوة في العالم.
ويحمّل دوغين القيادة السوفياتية السابقة، ولا سيما ميخائيل غورباتشوف، إضافة إلى بوريس يلتسين والتيار الليبرالي الروسي، مسؤولية ما يصفه بـ«الإنتحار الجيوسياسي» الذي أدى إلى إنهيار أحد قطبي النظام الدولي، وفتح الطريق أمام هيمنة غربية أحادية.
ويضيف أن الغرب إستغل هذا التحول لإعادة صياغة قواعد العلاقات الدولية بما ينسجم مع مصالحه، غير أن هذا المشروع واجه لاحقاً مقاومة متزايدة.
ويرى أن هذه المقاومة بدأت مع روسيا في عهد فلاديمير بوتين، الذي رفض، بحسب وصفه، إستمرار بلاده في موقع التابع أو «المقاطعة الغربية»، وشرع في إعادة بناء سيادتها السياسية والعسكرية.
وينتهي دوغين إلى أن هذه التحولات أعادت، من وجهة نظره، فتح باب المنافسة على شكل النظام الدولي، بعد مرحلة إعتقد فيها كثيرون أن الأحادية القطبية أصبحت أمراً نهائياً.

2) الصين كسرت وهم العالم أحادي القطب وبدأت ملامح النظام الجديد

الصين... الطريق المختلف نحو الإستقلال عن الغرب

ويتابع ألكسندر دوغين - في الوقت نفسه، سلكت الصين مساراً مختلفاً تماماً. فقد إندمجت تقريباً داخل المنظومة الغربية، وأظهرت أنها تقبل قواعدها بالكامل. ففي المجال الإقتصادي خضعت إلى حد كبير لمنطق العولمة الغربية، أما في المجال السياسي فحافظت على بعض مواقفها الخاصة، لكنها كانت، بصورة عامة، مستعدة لأن تصبح جزءاً من العالم المعولم الذي يقوده الغرب.
لكن تبين لاحقاً أن الصين كانت تمتلك خطة مختلفة تماماً عنا. فقد أرادت الإستفادة من منهجيات العالم أحادي القطب التي طورها الغرب، وتقليدها، بل والإستفادة منها بأقصى درجة، ثم بناء قوتها الخاصة إعتمادًا على عناصر تفوقها الداخلية: حجمها السكاني الهائل، وإنضباط شعبها، وقدرته على العمل، والقدرة الإنتاجية التي يمتلكها المجتمع الصيني.
لقد نجحت الصين في نقل هذه الخبرات والتقنيات إلى الداخل، وعندما أدرك الغرب حقيقة ما يحدث، كان أمامه بالفعل منافس حضاري ضخم.
وهكذا، مرة أخرى، أصبحت الأحادية القطبية موضع تساؤل.
لقد حدث أن مقاومة روسيا لوضعها كـ«مقاطعة غربية» — بعدما كنا، في تسعينيات القرن الماضي، قد أصبحنا عملياً جزءاً تابعاً للغرب، وكان يُطلب منا أن نستمتع بهذا الوضع — بدأت تمثل تمرداً روسياً ضد هذا الموقع، وهو تمرد ما زال مستمراً حتى اليوم.
أما الصين فسلكت طريقاً مختلفاً، ومن خلال هذا المسار تمكنت من إيجاد مسافة خاصة بينها وبين الغرب.
وإذا أضفنا إلى ذلك قوتين أساسيتين أخريين، هما إيران وكوريا الشمالية، اللتان لم تنحنيا أمام الضغوط، فإننا نصل إلى البدايات الأولى لتشكل عالم متعدد الأقطاب، وهو العالم الذي نعمل اليوم، بحسب رؤيتي، على بنائه.

الأمم المتحدة بين الماضي والحاضر

لقد إكتشفنا فجأة أنه، رغم وجود هذه الأقطاب الأربعة التي لم تعد تعتبر نفسها مقاطعات تابعة — أو على الأقل لم تعد تقبل بهذا الوصف — ورغم مواجهتها للنظام الأحادي القطبية، ما زالت هناك منظمة الأمم المتحدة.
هذه المنظمة لم يُعاد تشكيلها بالكامل وفق نموذج العالم أحادي القطب. وأنا لا أعتقد أن أحداً يؤمن بجدية بإمكانية إنقاذ هذا «الألم الوهمي» لنظام الثنائية القطبية الذي ورثناه من مرحلة يالطا.
لكن، على الأقل، تمثل الأمم المتحدة غطاءً دبلوماسياً يسمح بالإنتقال نحو نظام جديد تماماً يقوم على أساس مجموعة «بريكس».
أما المنظومة القديمة للأمم المتحدة، فهي لا تزال موجودة، لكنها لم تعد تحمل المعنى السابق نفسه.
ويواصل الغرب، بحسب رؤيتي، الدفع بإتجاه تكريس الأحادية القطبية، وحتى دونالد ترامب — رغم الآمال التي علقها البعض عليه بإعتباره قد يسلك طريقاً مختلفاً — لم يتحول إلى بديل حقيقي، بل واصل، في النهاية، المسار نفسه نحو الهيمنة الأحادية.
في المقابل، لا تزال مجموعة «بريكس» تواجه صعوبة في بناء نظامها الخاص، رغم أن العمل على ذلك مستمر.
ولهذا أعتقد أن الأمم المتحدة تمثل مرحلة إنتقالية فقط. فنحن نحتفظ ببقايا وآثار وصور رمزية لنظام الثنائية القطبية الذي لم يعد قائماً، وذلك إلى أن ننتقل إلى نظام جديد متعدد الأقطاب يقوم على قواعد مختلفة للقانون الدولي.


الجنيّ الذي خرج من القمقم

لكن الجني خرج بالفعل من القمقم.
والأمر الأكثر إزعاجاً، بحسب رؤيتي، هو أنه لم يُطلق فقط من قبل أعدائنا، أي الغرب، بل شاركنا نحن أيضاً في ذلك.
لقد قمنا نحن بتدمير أنفسنا.
عندما يرتكب الإنسان فعل الإنتحار، فإنه يرتكب خطأ مزدوجاً: بحق نفسه، لأنه لا يملك الحق في الإستسلام بهذه السهولة، وبحق الله، لأن الإنتحار خطيئة عظيمة.
وهذا ما حدث، في رأيي، عندما ألغى الإتحاد السوفياتي نفسه، وسلم السلطة إلى إدارة ليبرالية موالية للغرب ذات طابع إستعماري.
وهنا تكمن المشكلة الأساسية.

روسيا وبداية التمرد على الهيمنة الغربية

سؤال - إذا نظرنا إلى الوضع الجيوسياسي الراهن، فمن الصعب فهمه من دون التوقف عند ظاهرة مثل منشورات دميتري ميدفيديف على شبكات التواصل الإجتماعي.
هناك من ينظر إليها بطرق مختلفة، لكنها تمثل، إلى حد ما، وسيلة لتفريغ الغضب، كما أنها تحمل رسائل مباشرة وقوية للغاية.
فهي تذكّر بأن روسيا ما زالت دولة كبرى، تمتلك السلاح النووي وإقتصاداً قوياً، وأن التعامل معها لا يمكن أن يكون بإستخفاف.
ميدفيديف، إذا جاز التعبير، يتحدث بلغة مباشرة جداً، محذراً من العواقب التي ستأتي، ومؤكداً أن التعامل مع العالم الروسي الكبير ليس أمراً يمكن الإستهانة به.
وفي المقابل، هناك الخطاب الدبلوماسي الرسمي للقيادات الروسية، حيث تُصاغ المواقف بلغة أكثر تحفظاً.
وهنا يأتي السؤال: هل ما زال هناك في الغرب من يمكن التفاوض معه فعلاً؟
نرى، على سبيل المثال، من يقود الدبلوماسية الأوروبية اليوم، مثل كايا كالاس، التي يمكن تقييمها بطرق مختلفة، بل إن مستوى تعليمها وخبرتها تعرض لإنتقادات حتى داخل الإتحاد الأوروبي نفسه.
وفي ظل التصريحات المعادية لروسيا، يزداد تقديرنا للعمل الذي يقوم به الدبلوماسيون الروس، الذين يضطرون إلى إختيار كلماتهم بعناية، بينما يستطيع دميتري ميدفيديف التعبير بصورة أكثر مباشرة.

ألكسندر دوغين - ينبغي ألا ننسى أن دميتري ميدفيديف ليس مجرد رئيس سابق للإتحاد الروسي، رغم أن هذه الصفة مهمة جداً، بل هو أيضاً نائب رئيس مجلس الأمن القومي الروسي.
وكثيرون يعتقدون أنه مجرد نائب لوزير الدفاع السابق سيرغي شويغو، الذي كان يشغل منصب أمين مجلس الأمن القومي، لكن الأمر ليس كذلك.
لقد أُنشئت هذه الوظيفة خصيصاً لميدفيديف بإعتباره ممثلاً مفوضاً للرئيس داخل مجلس الأمن. فهو، عملياً، يمثل الجانب الآخر من شخصية الرئيس داخل هذه المؤسسة.
وهذه واحدة من أهم المناصب في الدولة.
وعندما يتحدث شخص بهذا المستوى، فإن كلماته يجب أن تؤخذ بجدية.
وأعترف أنني في البداية شعرت بشيء من الصدمة تجاه اللغة التي إستخدمها ميدفيديف في وصف الأحداث. لكن عندما نتحدث عن إحترام عمل الدبلوماسيين الروس، فإن الصورة، في رأيي، مختلفة تماماً.
فهو يستخدم لغة شديدة القسوة تجاه أوكرانيا والدبلوماسية الغربية، ويوجه تهديدات قاسية إلى بريطانيا.
لكن، رغم حدة أسلوبه، فهو يصف، بحسب إعتقادي، الواقع كما يراه.
أما الدبلوماسيون، فهم يصفون واقعاً آخر؛ واقعاً يقوم على فكرة أننا يجب أن نعيش جميعاً بسلام، بينما الحقيقة، من وجهة نظره، هي أن هناك حرباً دائرة.

3) نحن في مواجهة مع الغرب... والدبلوماسية تعيش أزمة فهم

ميدفيديف ولغة الحرب

ويتابع ألكسندر دوغين - ميدفيديف يذكّر بأننا في حالة حرب مع الإتحاد الأوروبي، ومع بريطانيا، ومع دولة أوكرانية يصفها بأنها فقدت، من وجهة نظره، شرعيتها وتحولت إلى كيان يستخدم الإرهاب، ويقارنها بتنظيمات إرهابية مثل «داعش» التي يحظرها القانون الروسي.
وبحسب رؤيته، فإن أوكرانيا تمثل كياناً من هذا النوع، وهو يرى أن وجودها بالشكل الحالي لا يمكن أن يستمر.
إن ميدفيديف يتحدث من موقع مجلس الأمن القومي الروسي، أي من موقع ما يعتبره الوعي الحقيقي للدولة.
فنحن، بحسب تقديري، في حالة حرب مع الغرب، والسبب في ذلك أن روسيا ثارت ضد هيمنته.
لقد تعامل الغرب معنا بإعتبارنا قوة متمردة خرجت عن الطاعة، ورفضت الإستمرار في موقع التابع.
فهم يقولون: كيف يمكن أن يحدث ذلك؟ أنتم جزء منا، ونخبكم تعيش في الغرب، وأنتم كنتم فرعاً تابعاً لنا، فكيف تتحولون الآن إلى قوة معارضة؟
أما من وجهة نظرنا، فنحن نرى أنفسنا قوة متمردة ضد الهيمنة الغربية.
نحن في مواجهة معهم، وهم لا يعترفون بذلك، بل يريدون إلحاق هزيمة إستراتيجية بنا.
وهذه الحرب، بحسب رؤيتي، تمس الدولة بأكملها، لأن الطائرات المسيّرة المعادية يمكن أن تصل إلى عمق الأراضي الروسية، ولا يستطيع أحد أن يعزل نفسه عنها.

كيف نسمي الخصم أثناء الحرب؟
وكيف ينبغي أن نطلق على أعدائنا؟

إذا كنا سنستمر في إستخدام عبارات المجاملة، فتخيلوا مثلاً فترة الحرب الوطنية العظمى: هل كان السوفيات يقولون: «السيد غوبلز المحترم، السيد هتلر المحترم، شريكنا السيد غيرينغ، ومفاوضنا السيد هيملر»؟
بالطبع لا.
لم تكن هذه هي اللغة المستخدمة آنذاك.
ما يقوله ميدفيديف هو أن كايا كالاس، والقيادة البريطانية، وحلف الناتو، وأوكرانيا، يجب أن تُسمى بأسمائها.
خلال الحرب العالمية الثانية كان الألمان يوصفون بأوصاف عدائية، وبعد إنتهاء الحرب تغيرت اللغة وأصبحت أكثر تحفظاً، وبدأ الحديث عن «الشعب الألماني» و«العلاقات الطبيعية».
عندما تنتهي الحرب في أوكرانيا، يمكن عندها، بحسب رأيه، العودة إلى لغة أكثر لياقة.
أما الآن، فإن التصرف وكأننا نتحدث مع «السيد هيملر والسيد هتلر» بلغة الشراكة والإحترام هو، في نظره، أمر غير منطقي.

الدبلوماسية بين الواقع والوهم

للأسف، فإن جزءاً من الدبلوماسية الروسية والنخبة السياسية، خصوصاً أولئك الذين ما زالت لديهم مصالح وأصول مهمة في الغرب، يواصلون مخاطبة الخصم بلغة أشبه بلغة التابع الخائف.
أما ميدفيديف، فهو يتحدث بلغة الواقع.
نعم، لغته خشنة، لكنها تعكس، في رأيي، الطريقة التي يفكر بها أولئك الذين يديرون مؤسسات أعيد تنظيمها وفق ظروف الحرب.
لن أكرر العبارات التي يستخدمها ميدفيديف، لكن من المؤكد أنه لا يستخدم تعبيرات مثل: «شركاؤنا المحترمون»، أو «السيدة كالاس الرائعة»، أو «رئيس الوزراء البريطاني العظيم».
إنه يصفهم بعبارات قاسية.
وأعتقد أن المواطن الروسي يفهم ذلك جيداً، أو يستطيع الإطلاع على منشوراته مباشرة، لأنها تمثل، في رأيه، وصفاً صريحاً للواقع.
وفي مقابل هذا الخطاب، يبدو ما تقوم به الدبلوماسية الروسية أحياناً، بحسب تقديري، ملتبساً.

هل إنخفض مستوى الدبلوماسية العالمية؟

سؤال - إذا نظرنا إلى الدبلوماسية العالمية المعاصرة، يبدو أن مستواها يتراجع.
يكفي أن ننظر إلى مستوى إعداد بعض القادة الغربيين الجدد، مثل كايا كالاس، وهي مسألة يناقشها حتى بعض الأوروبيين أنفسهم.
في المقابل، يحاول الدبلوماسيون الروس الحفاظ على الأطر التقليدية، والإلتزام بقواعد الإحترام والثقافة السياسية.
هل نحن أمام واقع جيوسياسي جديد لم تعد القوالب القديمة قادرة على تفسيره؟

ألكسندر دوغين - هذا سؤال مهم جداً، وأقترح أن نتناوله بتفصيل أكبر.

لكن يمكنني القول بإختصار إننا أحياناً نلتقط بعض الإنتقادات التي يوجهها دونالد ترامب أو غيره من الشخصيات الغربية إلى زيلينسكي أو كايا كالاس، وننظر إليها وكأنها دليل على وجود خلاف داخل المعسكر الآخر.
لكن الأمر يشبه، خلال الحرب العالمية الثانية، أن نتابع صراعاً داخلياً بين غوبلز وهيملر ونقول: أنظروا، كم هو رائع هيملر لأنه كشف أخطاء غوبلز!
أي أننا نحاول، بحسب رأيي، الدخول في أجندة منظومة نحن في حالة حرب أيديولوجية مباشرة معها، ونبحث عن شخصيات داخلها يمكن التعاطف معها.
لكن هل يمكن تسمية ذلك ثقافة سياسية عالية أو دبلوماسية مفرطة في التهذيب؟
أترك للمستمعين أن يحكموا بأنفسهم: هل هذا تعبير عن الدبلوماسية فعلاً، أم أن له إسماً آخر؟

الدبلوماسية في زمن الحرب

سؤال - بالعودة إلى موضوع مستوى الدبلوماسية ومبادئها: هل نحن أمام نوع جديد يمكن تسميته «الدبلوماسية ما بعد الحداثية»؟
أم أن المبادئ القديمة ما زالت قائمة، لأن كثيراً من خبراء القانون الدولي يقولون إنه لا يوجد بديل عنها، وأن التعامل خارج هذه الأطر غير ممكن؟
بل إننا نرى أحياناً أن الحوار ما زال ممكناً في بعض المجالات، مثل التعاون في مواجهة تهديدات الأمن السيبراني وتقنيات المعلومات، حيث توجد مصالح مشتركة بين مختلف الدول.

ألكسندر دوغين - هنا توجد مجموعة من الأسئلة الجدية.
أولاً: كيف يمكن الحديث عن الأمن الرقمي أو الأمن السيبراني مع من نخوض حرباً معه، ومن يمثل، في نظرنا، التهديد الأساسي لنا؟
كيف يمكن التعاون مع من يخترق شبكاتنا ويحاول الوصول إليها بهدف إلحاق هزيمة إستراتيجية بنا؟
هذا يشبه تماماً وضعاً خلال الحرب العالمية الثانية، حين كان من الغريب أن تناقش دولتان في حالة حرب قضايا التحديات المشتركة بينهما.

4) الغرب دخل عصر ما بعد الحداثة... ونحن نحارب نظاماً لا نفهمه

الدبلوماسية أثناء الحرب

ويتابع ألكسندر دوغين - يقول لنا دميتري ميدفيديف، وكذلك دميتري بيسكوف، بوضوح إننا في حالة حرب مع الغرب.
نحن نواجهه في أوكرانيا، بينما يسمح الغرب للأوكرانيين، بإستهداف عمق الأراضي الروسية، ويقدم لهم الأسلحة والتمويل، بل ويستعد، خلال السنوات المقبلة، للإنخراط بصورة أوسع في هذه المواجهة.
لا أحد يفكر فعلياً في التفاوض معنا؛ ما يُعرض علينا هو الإستسلام، ونحن نرفض ذلك بشكل قاطع.
حاول دونالد ترامب، في مرحلة ما، تعديل المسار المتشدد لحلف الناتو، لكنه، على ما يبدو، لم يتمكن من ذلك أو لم يبذل الجهد الكافي، وأصبح هذا المسار خارج جدول الأعمال.
وفي ظل حرب حقيقية، نتحدث عن «دبلوماسية مهذبة».
أعتقد أن هذا يعكس، من جانبنا، إما سوء فهم عميقاً لطبيعة المرحلة أو عدم إدراك لبعض الحقائق الأساسية.
كيف يمكن أن نخوض حرباً، ثم نقدم في الوقت نفسه يد الصداقة إلى الطرف الذي نواجهه مباشرة؟
بعد الإنتصار يمكن تقديم يد الصداقة، أو ربما لا تقدم، فهذا أمر آخر.
لكن هناك قاعدة قديمة في السياسة الدولية تقول: عندما تتحدث المدافع، يصمت الدبلوماسيون.
وطالما أن المدافع لا تزال تتحدث، فإن المهمة الأساسية هي معرفة كيف ستنتهي المواجهة، وأين ستُرسم خطوط الواقع الجديدة.
يرى ميدفيديف، بحسب دوغين، أن القضية لا تتعلق فقط بمواجهة ما يسميه «التطرف الأوكراني»، بل بإزالة الأداة الجيوسياسية التي تمثلها أوكرانيا في هذا الصراع.
وبعد أن تهدأ المدافع — وربما ليس فوراً بعد ذلك — يأتي دور الدبلوماسية.
أما الدبلوماسية الروسية الحالية، فيرى دوغين أنها تعيش أحياناً في واقع مختلف؛ واقع يقع في الوقت نفسه قبل الحرب وبعدها، وفي عالم أحادي القطبية سابق أو متخيل.
إنها تتعامل مع الخصم كما لو أنه مجرد منافس أو طرف سياسي أو شريك محترم.
لكن المشكلة، بحسب رأيه، ليست في وزير الخارجية سيرغي لافروف.
فلافروف، من وجهة نظر دوغين، يتبع سياسة صحيحة ويؤدي دوره بصورة كاملة.
لكن الإشكالية تكمن، كما يقول، في وعي جزء من النخبة السياسية الروسية، حيث تُفهم الدبلوماسية أحياناً بإعتبارها إحتراماً مفرطاً للخصوم، أو إحتفاءً بلقاءات لا تحقق نتائج حقيقية.
ويشير إلى أن بعض النخب الروسية، رغم إعلانها دعم الخط الرسمي للدولة، تحمل داخلياً مواقف مختلفة تجاه الحرب.
ويرى أن هذا التناقض يؤدي إلى حالة من الإنقسام في الوعي السياسي: «جانب من الدولة يخوض الحرب، وجانب آخر يتصرف وكأن التفاوض الطبيعي ما زال ممكناً».

أزمة الدبلوماسية التقليدية

في الفهم الكلاسيكي، تعمل الدبلوماسية عندما تفشل إمكانية التفاهم وتبدأ الحرب، ثم تعود بقوة بعد إنتهاء الحرب.
أما محاولة الجمع بين الحرب والتفاوض في الوقت نفسه، فهي، بحسب دوغين، أمر غير قابل للإستمرار.
يقول: «علينا أولاً أن ننهي الحرب، ونحدد حدودنا وخطوطنا النهائية، وبعد ذلك يمكن الدخول في مفاوضات.»
ويرى أن أحد أعمق مشكلات المجتمع الروسي هو أن جزءاً من النخب لا يزال يعيش، بحسب وصفه، داخل «الأنماط الإستعمارية» التي نشأت في تسعينيات القرن الماضي، لكنه يقدمها اليوم تحت عنوان الدبلوماسية واللياقة السياسية.

الغرب الذي لا نفهمه

ويضيف دوغين أن المشكلة الثانية — وربما الأهم — هي أن روسيا لا تفهم الغرب الذي تواجهه.
فهذا، بحسب رأيه، ليس الغرب الحديث التقليدي، بل غرب ما بعد الحداثة.
وهذا التحول، كما يقول، يغير طبيعة الدبلوماسية والقانون الدولي.
فعندما يقال إن القانون الدولي لا بديل له، يشير دوغين إلى نظريات الباحثين في العلاقات الدولية مثل باري بوزان وريتشارد ليتل، اللذين درسا تغير الأنظمة الدولية عبر التاريخ، موضحاً أن طبيعة القانون والدبلوماسية تتغير تبعاً لتغير موازين القوى والحقب الحضارية.
ففي مراحل سابقة كانت العوامل الدينية تؤثر في السياسة الدولية، ثم جاء عصر الحداثة الذي رسخ مفهوم السيادة الوطنية، وخصوصاً بعد نظام وستفاليا.
لكن العالم اليوم، وفق رؤيته، ينتقل من الحداثة إلى ما بعد الحداثة، وهو إنتقال يولد قواعد مختلفة تماماً.
ويرى أن الدبلوماسيين الروس ما زالوا يتعاملون مع العالم وفق مفاهيم تعود إلى أربعين عاماً مضت.
فالعالم الذي يحاولون التعامل معه لم يعد موجوداً، لا من الناحية السياسية ولا الفلسفية ولا الإقتصادية.
ويقول إن المشكلة ليست في فهم روسيا لذاتها، بل في فهمها للخصم.
فالغرب، بحسب قوله، يتحرك في إتجاه مختلف، ولا يريد إصطحاب روسيا معه، بل يواجهها ويسعى إلى إلحاق هزيمة إستراتيجية بها.
ويرى أن موسكو ما زالت تتعامل مع هذا الغرب كما لو أنه غرب القرن التاسع عشر أو غرب مرحلة يالطا في منتصف القرن العشرين.
لكن ذلك الغرب لم يعد موجوداً.

ما بعد الحداثة: المفتاح لفهم الصراع

ويؤكد دوغين أن روسيا لا تبذل جهداً كافياً لفهم الفكر الغربي المعاصر، وأنها تتعامل مع مفكرين مثل جيل دولوز، وفيليكس غواتاري، وجاك دريدا، بإعتبارهم مجرد أسماء فلسفية بعيدة عن السياسة.
لكن، بحسب رأيه، هذه ليست أفكاراً هامشية أو ترفاً فكرياً، بل تمثل الأساس النظري لتحولات عميقة في السياسة والثقافة والإستراتيجية الغربية.


5) ما بعد الحداثة غيّرت طبيعة الحرب والدبلوماسية

ما بعد الحداثة... التحول الذي لم تفهمه روسيا

ويضيف ألكسندر دوغين: إن مرحلة ما بعد الحداثة تمثل إنتقالاً من فلسفة الحداثة التي هيمنت على الغرب خلال نحو خمسة قرون.
إنها ليست مجرد تيار فلسفي محدود، بل هي منظومة فكرية واسعة تشمل العلم، والسياسة، والثقافة، والفلسفة، والجندر، وعلم النفس، والتصورات المتعلقة بالإنسان والمادة.
إنها ترتبط أيضاً بالانتقال من مفهوم الفرد (Individual) إلى مفهوم الذات المتشظية أو الفرد المنقسم (Dividual)، وبظهور توجهات ما بعد إنسانية جديدة.
كل هذه التحولات لا تتطور في الغرب على المستوى الفكري فقط، بل يجري دمجها أيضاً في التكنولوجيا العسكرية.
ونحن، في المقابل، نواجه هذه الظواهر في كل مرة وكأنها تظهر أمامنا للمرة الأولى.
عندما بدأت العمليات العسكرية في أوكرانيا، دخلنا بثلاث طائرات مسيّرة، بينما واجهنا أسراباً كاملة من المسيّرات.
ثم إحتجنا سنوات حتى نفهم طبيعة ما واجهناه.
هذه هي الحروب الشبكية (Network-Centric Warfare - NCW)، وهي نظرية عسكرية ومفهوم عملياتي شرحه البنتاغون بصورة واضحة منذ نهاية تسعينيات القرن الماضي.
إنها تطبيق مباشر لفلسفة ما بعد الحداثة وعلم الإجتماع والتكنولوجيا الحديثة في المجال العسكري.
والأمر نفسه ينطبق على الدبلوماسية.

الدبلوماسية الجديدة في عالم ما بعد الحداثة

عندما يجتمع زيلينسكي وماكرون وميرتس وكايا كالاس، فإن ذلك يمثل، بحسب رؤيتي، نوعاً جديداً من التواصل السياسي في عالم ما بعد الحداثة؛ أي طقساً من طقوس الدبلوماسية الجديدة القائمة على العلاقات المتغيرة والشبكات المتحركة.
حتى بعض الظواهر المرتبطة بالنخب الغربية المعاصرة، مثل جزيرة إبستين التي زارها عدد من الشخصيات الأمريكية والأوروبية، تمثل، من وجهة نظري، شكلاً من أشكال هذا الواقع الجديد.
أما كل ما يرتبط بترامب وطريقته في السلوك السياسي، فهو نموذج واضح لما بعد الحداثة.
فهو قد يعلن إنتصاراً على إيران عدة مرات في اليوم، ثم يهددها، ثم يقول بعد ذلك إنه ذاهب للتفاوض معها.
هذا يشبه تماماً سيناريوهات كوينتن تارانتينو.
كثيرون عندنا يشاهدون أفلام ديفيد لينش أو تارانتينو بإعتبارها مجرد غرابة فنية أو سخرية، لكن السخرية في عصر ما بعد الحداثة ليست أمراً سطحياً، بل ظاهرة عميقة.
أنظروا إلى طبيعة الخصم الذي نواجهه.
على رأس أوكرانيا يوجد شخص، إذا تذكرنا عروض زيلينسكي «الحي 95»، فإن أسلوبه وحضوره كان يبدو بعيداً عن الصورة التقليدية للسياسي.
ومع ذلك، أصبح هذا الشخص رئيساً، وأصبحت النخب العالمية كلها تتعامل معه.
ما طبيعة هذا العالم؟


نهاية السياسي التقليدي

في عصر الحداثة الكلاسيكية، كان السياسيون يُفترض أن يظهروا بمظهر جاد، وأن يمتلكوا منظومة أخلاقية وسلوكية واضحة، خصوصاً في مجال الدبلوماسية.
لكن هذا النوع من السياسة لم يعد موجوداً.
يمكننا أن نستمر في التعامل معه، لكننا سنجد أنفسنا معزولين تماماً.
إن الأمر يشبه أن يكون الجميع من حولنا يلعبون الهوكي، بينما نصر على أن اللعبة هي كرة القدم أو الشطرنج.
لن نستطيع المنافسة بهذه الطريقة.
الدبلوماسية التي تراهن عليها سياستنا العقلانية والودية لم تعد موجودة بالشكل القديم.
فالتعامل مع ظواهر متغيرة بإستمرار، ومع تدفقات سياسية وإجتماعية متحركة، يختلف تماماً عن التفاوض مع كيانات ثابتة ومستقرة.
فكرة عدم البقاء مخلصاً لذاتك، وتحويل كل شيء إلى حالة من التحول المستمر، هي جوهر ما بعد الحداثة.
كانت هناك بدايات لهذه الفكرة في عصر الحداثة، لكنها وصلت في ما بعد الحداثة إلى أقصى درجاتها.


نحارب خصماً لا نعرفه

نحن نحارب من لا نعرفه.
ونتفاوض مع من لا نفهمه.
نحن لا نعرف جيداً من هو بيتر ثيل، ولا نفهم بصورة كاملة حتى شخصية إيلون ماسك.
يأتي إلينا والده إيرل ماسك، ونتحدث عن أشياء كثيرة، لكننا لا نطرح السؤال الأساسي: ما طبيعة العالم الذي نتعامل معه؟ وما طبيعة العالم الذي نواجهه؟
نحن نطرح الأسئلة الخاطئة في كل مكان.
إننا لا نحارب الخصم الحقيقي، لأن أوكرانيا، بحسب رؤيتي، مجرد محاكاة أو واجهة تقف خلفها بنى أكثر عمقاً.
كما أننا لا نتفاوض مع الأشخاص الحقيقيين، لأننا لا نعرف من يقف فعلاً في الطرف الآخر.
لقد قلت سابقاً إن زبيغنيو بريجنسكي كان يرى أن الشطرنج لعبة لشخص واحد.
أما نحن فما زلنا نعتقد أنها لعبة لشخصين.
منذ خمسين أو ستين عاماً، أصبح الشطرنج بالنسبة للغرب لعبة طرف واحد، بينما ما زلنا نحن نعتقد أنها مواجهة متكافئة بين طرفين.
علينا أن نثبت أنها لعبة لشخصين.
لكن لتحقيق ذلك يجب، على الأقل، أن ننتصر في الحرب مع الغرب، أو في الحرب مع حلف الناتو، وليس فقط أن نحسم المسألة في أوكرانيا.

الحرب التي تتجاوز أوكرانيا

هناك رأي شائع يقول إننا إذا سيطرنا على دونباس، مهما طال الوقت، فإن كل شيء سينتهي.
ربما ينتهي الأمر بالنسبة لنا، لكن بالنسبة للخصم لن يكون ذلك نهاية الصراع.
فالخطوط الفاصلة بالنسبة لهم لا تعني شيئاً كبيراً.
إن السؤال ليس متعلقاً فقط بالمساحات الجغرافية، بل بطبيعة الصراع نفسه.
وأنا مقتنع بأنه لا توجد إمكانية لإنهاء هذه الحرب من دون تحقيق النصر فيها.
هذا بالضبط ما يقوله ميدفيديف، وما يدركه كثير من العسكريين، وبعض المثقفين الذين يفهمون الوضع، وما يشعر به، بحسب رأيي، الشعب الروسي.

بين خطاب الحرب ووهم الإستقرار

إن كثرة العمليات الإرهابية، بحسب دوغين، ترتبط أيضاً بوجود أشخاص يحملون رؤية مختلفة للواقع، ويمكن التأثير عليهم من خلال خطاب معادٍ للدولة.
ويرى أن الخطاب الذي يتحدث عن «الشركاء الغربيين» و«الإحترام العميق» للخصوم يؤدي إلى إرباك الوعي التاريخي للمجتمع.
ويقول إن الشعب يثق بالدولة والرئيس والجيش، لكنه يصبح أقل ثقة بمثل هذا الخطاب.
ولا يفهم دوغين لماذا تستمر، خلال حرب قد تؤدي إلى نتائج كبرى، أو حتى تغييرات تاريخية عميقة، حالة من الإحساس بأن الأمور طبيعية تماماً.

فكرة أن كل شيء على ما يرام، وأن الحياة اليومية يمكن أن تستمر دون إدراك خطورة المرحلة، يعتبرها نوعاً من الوهم.

ويشبه ذلك بتجربة في علم الأحياء حول مستعمرات النمل؛ إذ لا يعمل فعلياً سوى جزء من النمل، بينما يبقى الآخر في حالة نشاط ظاهري.

لكن عندما يختفي العمال الأساسيون، يدخل الآخرون إلى العمل.

ويرى دوغين أن بعض الفئات التي تعيش بعيداً عن أجواء الحرب قد تجد نفسها لاحقاً مضطرة إلى المشاركة عندما تستنفد الموارد البشرية الأساسية.


الخلاصة: خطاب ميدفيديف كمرآة للواقع

ولهذا السبب، يرى دوغين ضرورة الإستماع إلى خطاب دميتري ميدفيديف.

ويقول: «أنا شخصياً لا أستخدم عادةً اللغة القاسية في حياتي الخاصة، لكن من حيث المعنى يجب أن نأخذ خطابه بجدية».


فهو يرى أن خطاب ميدفيديف لا يمثل مجرد إنفعال أو غضب، بل محاولة لوضع الواقع في بؤرة التركيز.

إنه، بحسب دوغين، لا يتحدث بصفته شخصاً عادياً، بل بصفته رئيساً سابقاً ونائباً لرئيس مجلس الأمن القومي الروسي، وهي مؤسسة يعتبرها من أهم مؤسسات الدولة في زمن الحرب.

ولهذا، فإن نصوصه يجب أن تؤخذ بمنتهى الجدية.

وربما تحتاج لغته إلى تعديل أدبي، لكن حدتها، بحسب دوغين، تعكس رغبته في إيصال رسالة واضحة إلى المجتمع.

إنها، وفق رؤيته، «حقيقة الدولة، وحقيقة الشعب، وحقيقة التاريخ».
*****



#زياد_الزبيدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- من «إبتزاز» الحلفاء إلى «جاهزية 2030»... كيف تعيد واشنطن هند ...
- «النصر على الذات قبل العدو»
- حرب هرمز الكبرى: حين تصبح الممرات البحرية أغلى من حقول النفط
- من صفحات التاريخ - 22 حزيران يونيو 1941: اليوم الذي أعاد رسم ...
- أوكرانيا: مختبر الحرب الكبرى أم ضحية الجغرافيا؟
- حرب إختيارية وإنتصار إلزامي
- ألكسندر دوغين - المواجهة مع الغرب دخلت مرحلة جديدة... والمحو ...
- مونديال 2026: حين كشفت كرة القدم أزمة الغرب مع العالم ومع نف ...
- ألكسندر دوغين - إغتيال ليندسي غراهام... ومن بعده «إئتلاف الر ...
- «المحكمة السرّية»... وفاة ليندسي غراهام تشعل مهرجان نظريات ا ...
- ألكسندر دوغين - ليندسي غراهام... «عدوّ البشرية»
- أوروبا على حافة الهاوية: سيناريو الحرب المقبلة مع روسيا
- عندما تتآكل هيبة الجيوش: ماذا تكشف معركة علي الطاهر عن تحولا ...
- روسيا من الداخل – من الإخفاقات العسكرية إلى الإنفجار الإجتما ...
- إعتراف إسرائيل بالإبادة الأرمنية... الذاكرة التاريخية في خدم ...
- نهاية «السلام البارد» في اليمن؟
- ألكسندر دوغين - نظرية الحرب العادلة: من سيزر إلى دونالد ترام ...
- المقال الذي أغضب ترامب - بعد 120 يوما من الحرب: ماذا تغيّر ف ...
- ألكسندر دوغين - اللعبة الأخيرة للإمبراطورية
- كيف يمكن إنقاذ التحالف الأمريكي–الإسرائيلي؟


المزيد.....




- أغنية -Choosin’ Texas- تجعل من إيلا ناغلي نجمة صاعدة في أمري ...
- صحفي في -هآرتس- لـCNN: ما يحدث بالضفة -تطهير عرقي بكل معنى ا ...
- الحوثيون ينفون استهداف سفينة غاز في ميناء دمياط بمصر
- -التزمت بقواعد إيران-.. سفينة غاز قطرية تعبر مضيق هرمز لأول ...
- قائد -سنتكوم- يحذّر جنوده: هذا الأمر يساعد إيران على استهداف ...
- مصر تعلن نتائج التحقيقات الأولية بشأن حريق ميناء دمياط: هجوم ...
- استطلاع: 73% من الأمريكيين يرون أن ترامب لا يولي اهتمامًا كا ...
- رغم التصعيد العسكري.. باكستان: المفاوضات بين واشنطن وطهران - ...
- حرائق غابات في كريت تودي بحياة اثنين من رجال الإطفاء مع امتد ...
- بعد تصريحات دقلو الأخيرة.. هجوم بمسيّرة يخلّف قتلى مدنيين في ...


المزيد.....

- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم
- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - زياد الزبيدي - ألكسندر دوغين - الجنيّ الأحادي القطب. كيف إنتهى نظام يالطا وبدأ عصر الأحادية القطبية؟ (برنامج إيسكالاتسيا على راديو سبوتنيك)