|
|
تونس بعد خمس سنوات 25 تموز/يوليو 2021 - 2026
الطاهر المعز
الحوار المتمدن-العدد: 8782 - 2026 / 7 / 30 - 12:13
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
يُعاني المواطنون من الفئات الفقيرة ومُتوسّطة الدّخل – أي الأغلبية الساحقة من التونسيين - من ارتفاع أسعار إيجار السّكن وأسْعار السلع والخدمات الأساسية وتدهور الوضع بشكل عام، وازداد الوضع سوءًا خلال هذا الصيف ( 2026) حيث تواجه البلاد (وكذلك المغرب العربي وجنوب أوروبا) موجة حرّ غير مسبوقة مرفوقة بانقطاعات يومية متكرّرة للكهرباء واضطرابات في توزيع المياه لساعات عديدة كل يوم، ما أدّى إلى خسائر هامة تكبدها المواطنون والمخابز وشبكات تخزين وتوزيع الأغذية والعديد من القطاعات الإقتصادية، وتوقّف نشاط العديد من المؤسسات الإقتصادية والمستشفيات والخدمات العمومية والخاصة، مؤسّسات، ونشرت وسائل التّواصل الإجتماعي أخبارًا عن وفاة عدة أشخاص، بينهم مرضى، وراجت العديد من الأخبار عن الخسائر البشرية والمَادّية في غياب بيانات حكومية وتوضيحات رسمية بشأن الخسائر وبشأن أسباب ونتائج الإنقطاعات المتكرّرة التي لا يمكن تعليلها بارتفاع درجات الحرارة وزيادة استهلاك الكهرباء خلال فترة الصّيف، لأن ذلك كان مُتَوَقّعا منذ سنوات، فضلا عن التقصير في صيانة البُنْية التحتية لشبكات توزيع الماء والكهرباء – كما شبكات النقل العمومي والمستشفيات ومؤسسات التعليم وغيرها – وانتهجت الدّولة التّعتيم الإعلامي وعدم الإعلان عن جدول الإنقطاعات، ما فاقم غَضَبَ المواطنين الذين يجهلون أسباب وفترات الإنقطاع، لحماية مصالحهم وللحدّ من خسائر الأفراد والأُسَر والشركات والمتاجر التي تَوقّفَ نشاطها. اقتصرت السّلطة السياسية على تقديم تَعْليلات تقنية، في غياب القرار السياسي وفقدان الثقة في مؤسسات الدّولة، فملأت مواقع التواصل الاجتماعي الفراغ السياسي وأصبحت المصدر الإعلامي الرئيسي الذي ينشر بعض الحقائق والكثير من الشّائعات التي حلّت مَحلّ البيانات الواضحة والشفافة التي تُحدّد أسباب انقطاع الكهرباء، وتحديد المسؤوليات، فضلا عن إعلان خطّة لمعالجة الوضع… استغلت المعارضة ( أساسا الإخوان المسلمون والدّساترة) الفرصة لاستعراض القوة يوم 25 تموز/يوليو 2026، في ذكرى الإنقلاب الدّستوري الذي أزاح الإئتلاف الذي يقوده الإخوان المسلمون من السّلْطة، بعد تفاقم الغضب الشعبي والمظاهرات والإحتجاجات ضدّ تيار الإسلام السياسي وحُلَفائه، وأظهرت مظاهرات 25 تموز/يوليو 2025 اقتصار المعارضة على الصراعات السياسية الفوقية بزعامة الإسلام السياسي والدّستوريين ( أنصار بورقيبة وبن علي) والتيارات الليبيرالية، في غياب التيارات اليسارية والتقدّمية، وفي ظل تهميش مصالح الكادحين والمُعَطّلين عن العمل والمهمشين الذين حاولوا التعبير عن مطالبهم في عدد من المناطق الدّاخلية ( البعيدة عن العاصمة والمناطق الساحلية) حيث عادت إلى السّطح مطالب انتفاضة 2010/2011 المُتعلقة بتوفير الوظائف والعيش الكريم والحُريات الأساسية، وتعدّدت الإحتجاجات الليلية في عدد من مناطق البلاد والإعتصامات أمام محلات شركة للكهرباء وبعض المباني الرسمية، وتفاقمت الإحتجاجات بعد رواج أخبار ( حتى يوم السادس عشر من تموز/يوليو 2026) عن وفاة خمسة من المَرْضى المُصابين بصعوبة التنفس والذين يستخدمون أجهزة التنفس الاصطناعي التي توقفت عن العمل (ضخ الأكسجين) بسبب انقطاع الكهرباء، وتمثلت الإحتجاجات كذلك في إضراب النار في الإطارات المطاطية وغلق الطرقات، في مناطق عديدة من البلاد التي شهدت انقطاعات الكهرباء والمياه لساعات طويلة وأحيانا ليوم كامل، قبل نشر شركة الكهرباء بيانات عن الإرتفاع القياسي في استهلاك الكهرباء خلال فترة الحر الشديد، وعن جدول انقطاع التيار الكهربائي في مختلف أنحاء البلاد، وهو تعليل سطحي، ولا يحدّ من حجم الخسائر المتمثلة في تأجيل وإلغاء العديد من العمليات الجراحية في المستشفيات، وفي تَلَف المواد الغذائية وتوقف عمل المخابز والمتاجر والمصانع والمزارع التي تعتمد على الرّي… بعد فترة من الصّمت الرّسْمي المُريب قَرّر مكتب مجلس النّواب ( تم انتخاب النواب بنسبة ضعيفة جدّا من النّاخبين) عقد جلسة عامة يوم الإثنين 27 تموز/يوليو 2026 "لمناقشة الوضع العام في البلاد وانقطاع التيار الكهربائي"، ودعوة عدد من الوزراء ( وزير الاقتصاد والتخطيط ووزير الصناعة والطاقة والمناجم ووزيرة المالية ) لمساءلتهم على خلفية أزمة انقطاع الكهرباء، وانطلاق حركة احتجاجية في عدد من مناطق البلاد، وطالب بعض النواب بمساءلة بعض الوزراء حول "الأسباب الحقيقية لتكرار انقطاع الكهرباء، ومدى جاهزية منظومة الإنتاج والنقل والتوزيع لمجابهة ذروة الاستهلاك الصيفية". أمّا الرئيس قَيْس سعَيّد فقد اعتبر الرئيس التونسي، قيس سعيّد، "إن تزامن انقطاعات المياه والكهرباء مع اندلاع الحرائق في عدد من مناطق البلاد يمثل ظواهر غير عادية، وإن الدولة ستتعامل بحزم مع كل من يثبت تورطه في الإضرار بمصالح المواطنين أو السعي إلى تأجيج الأوضاع ( وأكّدّ إنه يُتابع) تطورات الأوضاع في مختلف أنحاء البلاد على مدار الساعة (وإن) استمرار انقطاع المياه والكهرباء في بعض المناطق لأكثر من 24 ساعة أمر غير مقبول ويجب وضع حد له فورًا"…
خَلْفيات الوضع الحالي يُمثل انقطاع التيار الكهربائي واحدًا من مظاهر أزمة أعمق وأَشْمَل بكثير من بعض المظاهر التي تطفو على السّطح من حين لآخر، لأن المواطنين يعانون منذ أكثر من عشر سنوات من فقدان المواد الغذائية الأساسية والأدوية فضلا عن البطالة وارتفاع الأسعار، أي إن انقطاع التيار الكهربائي ناتج عن أزمة سياسية عميقة وليست أزمة ظَرْفيّة عابرة، لم تُعرها الحكومات المتعاقبة منذ انتفاضة 2010/2011 اهتمامًا يُذْكَرُ، بل أدّت سياسات الحكومات المتعاقبة إلى ارتفاع حجم الدّيْن العام والفساد والبطالة التي دفعت شباب البلاد إلى مغادرة وطنهم، ضمن هجرة قانونية ( هجرة الأطباء والمُهندسين وذوي الكفاءات…) أو هجرة غير نظامية، كما أدّت إلى تشجيع المُضاربة والإحتكار ومراكمة الثروات، فيما ضَلت المُعارضة ( سواء خلال فترة حُكم الإسلام السياسي أو بَعْدَها) تُهْمل مسألة إلغاء الدّيُون الخارجية وتُهمل الحقوق الإقتصادية ومكافحة الفساد وتوزيع الثروة، وتُهْمل مصالح الجماهير التي أشعلت نيران الإنتفاضة التي استغلتها التيارات الرجعية والليبرالية، ولم تتولى الدّفاع عن العمال والفلاحين والمُعطّلين عن العمل والمُهَمّشين وعن حق المواطن في العمل والصحة والتعليم والسكن والنقل العمومي، وتُمثل هذه الحقوق أُسُسَ الكرامة والسيادة الوطنية وإلغاء الإمتيازات وإيجاد حلول للأزمة الاقتصادية التي تُمثل استمرارًا لما تم تطبيقه من أكثر من أربعة عُقُود من "التّكيف الهيكلي" وإعادة تشكل المجتمع من خلال التركيز على الإستثمار الخارجي – الذي زاد من التّبَعية ومن تقويض القطاعات المُنْتجة - وتقويض القطاع العام وخفض الإنفاق الحكومي على الصحة والتعليم والخدمات الأساسية، وتطبيق شروط الدّائنين، مثل صندوق النقد الدولي والبنك العالمي، ومن ضمن هذه الشروط : خصخصة القطاع العام وإلغاء دعم السلع والخدمات الأساسية وإلغاء سياسة ضَبْط الأسعار، وإلغاء القيود على السوق ورأس المال، وأدّى تطبيق هذه السياسات ( في تونس وفي جميع بلدان العالم، باسم "الإصلاح الإقتصادي" ) إلى تهميش قطاعات واسعة من المجتمع واتساع فجوة التفاوت الطبقي، وأصبح جهاز الدّولة مُدافعا بشكل واضح وصريح عن مصالح رأس المال وتأمين الأرباح المرتفعة لقطاع المصارف وحماية القطاعات غير المُنتجة والتي لا تُوفر الوظائف ولا تُنتج ما يحتاجه المواطنون ، وبذلك ارتبط "الإصلاح" أو "الإنفتاح" الإقتصادي بإملاءات المؤسسات المالية الدّولية، وبإعادة إنتاج الفوارق الطّبقية وتعميقها باسم "تحرير السوق والأسعار والعمل"، كما ارتبط "الإصلاح الهيْكَلي" بارتفاع حجم الدّيون الخارجية ( نسبة إلى الناتج المحلي الإجمالي) منذ أكثر من أربعة عُقُود، كما ارتفع عجز ميزانية الدّولة والعجز التجاري وارتفاع نسبة التضخم، مع انخفاض قيمة العملة المَحَلّيّة ( الدّينار) وخفض أو إلغاء دعم السلع والخدمات الأساسية، وتمت خصخصة المؤسسات العمومية وقطاع الخدمات والقطاعات الإنتاجية، وأصبحت البلاد تستورد ما كانت تنتجه من الحبوب والألبان والإسمنت وما إلى ذلك، عبر شركات خاصة يمتلكها رأسماليون مُقرّبون من السُّلْطة، ومعظمهم وُكَلاء لشركات احتكارية أجنبية، متّعَتْهُم الدّولة بقروض مُؤَمَّنَة وبإعفاءات جبائية وبأراضي وبُنية تحتية مجانية، بموازاة ارتفاع نسب البطالة والفقر، وتعزيز أجهزة القمع والرقابة، ما عزّز تحالف سلطة رأس المال والسلطة السياسية بإشراف الدّائنين ومُمثّلي رأس المال الأجنبي العابر للقارات، كصندوق النقد الدّولي والبنك العالمي، وبضغط من الإتحاد الأوروبي (السوق الأوروبية المُشتَرَكة سابقا) الذي اشترط تعزيز التبادل غير المتكافئ، عبر توقيع اتفاقية الشراكة منذ سنة 1995، والتي أدّت إلى إغلاق آلاف الشركات التونسية الصغيرة وزيادة عجز الميزان التجاري مع أوروبا التي تُمثل أكثر من ثلاثة أرباع حجم التبادل التجاري للبلاد التي أصبحت سوقاً لتصريف السلع الأوروبية وموطنا للعمالة الرخيصة، وأصبحت الدّولة جهازًا مَُسلّحا يُشرف على تنفيذ شروط رأس المال الأجنبي وممثلية المحليين، وينفذ سياسات تحويل الثروة من بلدان الأطراف أو المُحيط إلى البُلدان الإمبريالية ( بُلدان "المَرْكز" )… قلّصت الدّولة أو ألغت الإستثمار في اقتصاد التّنْمية وفي البُنية التحتية للأحياء الشعبية والتعليم والصحة والنقل العمومي الجماعي ( الحافلات والقطارات…) والخَدمات والحاجيات الإجتماعية للمواطنين أو في خلق وظائف مستدامة وبأُجور لائقة، وبالمقابل رفعت ميزانيات الضبط الإجتماعي والمراقبة والقمع، وارتفع حجم الإستثمار في المشاريع التي تم تسويقها كمشاريع سياحية من شأنها اجتذاب الإستثمارات الأجنبية، مثل الأحياء الجديدة ( البُحَيْرة) والمطارات ( النفيضة) والطرقات التي لا يستخدمها تسعة أَعْشار المواطنين، وتم إنجاز هذه المشاريع بأموال مُقْتَرَضَة، مما عَمّقَ علاقات التبعية المَبْنيّة على الإستعمار الإقتصادي، أو الإستعمار الجديد…
المُقاومة الشعبية لم يتمكن رأس المال والسلطة السياسية من تنفيذ مشاريع التبعية بسهولة، بل اعترضت الطبقة العاملة مُبكّرًا ( الإضرابات القطاعية والجهوية ثم الإضراب العام يوم 26/01/1978) واعترض الفُقراء في عدة مناسبات، أهمها انتفاضة نهاية سنة 1983 وبداية سنة وانتفاضة 2010/2011 وانتفاضة الحوض المنجمي سنة 2008 وغيرها من المحطات التي جمعت الفُقراء بالفئات الوُسْطى التي فقدت امتيازاتها القليلة التي كانت تُوفّرها "دولة الرّفاه" قبل إغلاق باب الوظيفة العمومية الذي أفْضى إلى صعوبة الإرتقاء في درجات السُّلَّم الطّبَقي، والعجز عن امتلاك مسكن أو سيارة، فارتبط برنامج "الإصلاح الهيكلي" أو "التكييف الهيكلي" بالحواجز التي حالت دون تحقيق طموحات البرجوازية الصغيرة ( الفئات الوُسْطى) وبتحويل الإقتصاد المُنتج إلى اقتصاد خدماتي هامشي هَشّ واستهلاكي قوامه السياحة والتجارة والمُضاربة والإقتصاد المُوازي، غير النّظامي والأسواق الفَوْضَوية، وأدّت هذه السياسات إلى توسع الفجوة الطبقية ( اللاّمُساواة) وارتفاع حجم ونَوْعيّة العُنف، وإلى الإنفجارات الإجتماعية التي تنطلق من المناطق المحرومة، من خارج المناطق الساحلية والمُدن الكبرى، من المناطق المحرومة من التصنيع والإستثمار المنتج والتي تعيش على الفلاحة والتهريب والإقتصاد المُوازي، وحيث يقتصر حضور الدّولة على أجهزة الرقابة والقمع، ولجأ عشرات الآلاف من الشباب إلى الهجرة غير النظامية والمُخاطرة بالحياة في الطريق إلى أوروبا، عبر البحر الأبيض المتوسّط، فضلا عن الهجرة القانونية لذوي المَهارات والإختصاصات من طب وهندسة…
انتشار الفساد
يُعْتَبَرُ الفساد – في درجاته الدّنيا - نتيجة منطقية للزبونية والمُحاباة ولغياب المُساواة في الحقوق والممارسة، حيث يضطر المواطنون لتسديد "ضريبة" غير مُعْلَنَة لقضاء حاجة أو للحصول على وثيقة إدارية أو للإفلات من المُساءلة والعقاب، والفساد دَرَجَات ويشمل الشركات التي تخالف القانون عَمْدًا ( قانون العمل أو حماية البيئة ) وتدفع رشاوى للحصول على امتيازات أو عقود حكومية أو رُخَص توريد وتصدير وما إلى ذلك، وعم الفساد البلاد خلال العقود الأخيرة، فأصبح بعض المُوظّفين الحكوميين يطلبون مبالغ مبالية مقابل تقديم خدمات يضمنها القانون أو خدمات أخرى مُخالفة للقوانين الجاري بها العمل، ما يُقَوّض مبدأ المُساواة بين المواطنين، فالشركة أو المواطن الذي يتمسّك بحقوقه دون الإضطرار إلى الرشوة يُصبح محرومًا من الحقوق التي يضمنها الدّستور والقوانين، وقد يُواجه تُهَمًا وقضايا مُفْتَعَلة، بسبب رفض دَفع المبلغ المَطْلُوب، لأن الرشوة والفساد أصبحا مرافقَيْن للحياة اليَوْميّة للمواطنين في تعاملاتهم داخل مؤسسات الدّولة وداخل المجتمع، واستغل الرئيس قيس سعيد انتشار الفساد والرشوة لتصفية وإقْصاء مُعارضيه ولتشويه واعتقال وسجن العديد من الصحافيين والمُثقفين والفنانين والقضاة وغيرهم، وحصل على دعم من فئات عديدة من المواطنين، وخصوصًا من الذين ضاقوا ذَرْعًا بالفساد "الرّبّاني" الذي نَشَره الإئتلاف الحاكم الذي تزعمه الإخوان المسلمون لفترة عشر سنوات، وبالمُحاباة والفساد "الدّستوري" قبل الإنتفاضة وتحويل الإبتزاز إلى طريقة حُكْم، فلم يكن الفساد استثناءً وتصرفا فرديا يمارسه بعض الأفراد والمُوظّفين "الضّالّين"، بل جُزْءًا من هياكل وبُنية النّظام الحاكم – رغم تغير الحكومات – والمُجتمع، وشَمل الإبتزاز بعض فئات الرأسماليين الذين يريدون الإستثمار في مناطق أو قطاعات احتكرها المُقرّبُون من السُّلْطة، ولم يختف الفساد بعد انتفاضة 2010/2011 بل تمت إعادة هيكلته… نَسَف الفساد والرشوة مبدأ المساواة ومبدأ سيادة القانون وأسدل غشاء من الضّبابية على العلاقة بين المواطن والدّولة بمختلف مُؤسّساتها، فتعدّدت شبكات الفساد والوساطات التي تمتصّ موارد المواطنين مقابل الحصول على بعض الحقوق الأساسية التي يُفْتَرَضُ إنها مَضْمونة أو مَكْفُولة، وأحيانا للإلتفاف على القوانين أو تَجاوُزها، وبذلك يتحول الفساد إلى منظومة تجعل المواطن مُضطرّا للتعايش مختلف أشكال الفساد الإداري والسياسي والإقتصادي، في طوابير الإنتظار ومكاتب الموظفين الحكوميين في مختلف القطاعات، لقضاء شؤون الحياة اليومية، والمُشاركة النّشطة أو السّلْبية ( الواعية وغير الواعية) في خرق القوانين وتجاوزها، وهو أمْرٌ غَيْر مُتاح بنفْس القَدْر للجميع، ما يُعيد إنتاج وتعزيز الفوارق الطبقية، في تناقض تام مع مفاهيم المُساواة والعدالة التي قامت على أساسها الإحتجاجات ومن ضمنها انتفاضة 2010/2011.
ملخص الوضع بعد خمس سنوات من الإنقلاب الدّستوري تزامن انقطاع المياه والكهرباء والحرائق مع الذكرى الخامسة لبداية مرحلة الإستفراد بالسّلطة بعد الإحتجاجات الشعبية ضدّ منظومة الحُكْم التي قادتها حركة الإخوان المسلمين ( النّهضة) وبالمناسبة اجتمع الرئيس قيس سعيد يوم الإربعاء 22 تموز/يوليو 2026 – بعد أسبوع من الصمت – بوزراء الداخلية والتجهيز والإسكان والصناعة والمناجم والطاقة والفلاحة "لبحث انقطاعات المياه والكهرباء والحرائق المتزامنة مع موجة حر شديدة"، ودَعا الرئيس "الجهات المختصة إلى إعلام المواطنين مسبقا عند الاضطرار إلى قطع الخدمات، واختيار توقيت لا يزيد معاناتهم، لا سيما في ظل الارتفاع الشديد في درجات الحرارة"، وفق بيان للرئاسة التونسية صدر يوم الخميس 23/07/2026، وتأتي هذه الإنقطاعات رغم إعلان السلطات ارتفاع إنتاج الكهرباء بنسبة 6 % خلال الأشهر الخمسة الأولى من العام 2026، مقارنة بالفترة نفسها من العام 2025، فيما ارتفع الإنتاج الموجه إلى السوق المحلية بنسبة 4 %… تزامن انقطاع الماء والكهرباء مع تراجع مستوى عيش معظم المواطنين ومع التراجع عن مكاسب الحُريات الديمقراطية التي تم الحصول عليها بعد انتفاضة 2010/2011 وأدّت موجة الحر الشديد وانقطاع الكهرباء والمياه إلى وفاة خمس أشخاص وفق مصادر إعلامية محلية، يوم السادس عشر من تموز/يوليو 2026، عقب توقف أجهزة التنفس الاصطناعي (الأكسجين) عن العمل، وقدّرت مصادر أخرى، بعد حوالي أسبوع عدد الوفيات بنحو خمسين وأشارت مصادر إعلامية فرنسية يوم السابع والعشرين من تموز/يوليو 2026 إلى ارتفاع حصيلة ضحايا الحر وانقطاع الكهرباء إلى مائة شخص، بينما أعلنت منظمة الأطباء الشبان في تونس تسجيل ما بين 150 و200 حالة وفاة بعد أسبوع واحد من بداية موجة الحر وانقطاعات الكهرباء، وتخللت الإنقطاعات احتجاجات المواطنين في العديد من مناطق البلاد تنديدا بتردّي مستوى الخدمات وغياب الإشعار المسبق والجداول الزمنية، وعلى عدم توفير المعلومات الدّقيقة والشّفّافة، في ظل وضع مُحتقن أصلا بسبب تعدد القضايا ضد المعارضين في أروقة المحاكم وإقالة القضاة والأحكام القياسية بسجن المعارضين والمُحامين والإعلاميين، فيما ظل الوضع الإقتصادي والإجتماعي سيئًا بل ازداد سوءًا بحلول الذكرى الخامسة لانقلاب 25 تموز/يوليو 2021، وإعلان الرئيس قيس سعيد مجموعة من القرارات الإستثنائية باسم "تصحيح" مسار انتفاضة 2010/2011، وشملت هذه الإجراءات تجميد اختصاصات مجلس نواب الشعب (البرلمان) لمدة 30 يومًا، ورفع الحصانة عن جميع أعضائه، وإقالة الحكومة، قبل إقرار دستور جديد سنة 2022 حَوَّلَ النّظام البرلماني إلى نظام رئاسي، فتغيرت طبيعة النظام السياسي من نظام قائم على تقاسم السلطة والصلاحيات بين رئيس الجمهورية والحكومة والبرلمان، إلى نظام يحتكر فيه الرئيس قرار الحل والربط باسم "وضع حد لحالة الجمود السياسي ولصراع الكُتَل" وأصبح الرئيس يحكم البلاد من خلال مراسيم وقرارات شملت المجالات السياسية والإقتصادية والتشريعية والقضائية، ويُشرف على عمل الحكومة، بعد تجريد البرلمان من صلاحياته وبعد حل مجلس القضاء، وتوسيع صلاحيات الرئيس ضمن دستور 2022 الذي تم إقراره بنسبة ضئيلة جدًا من النّاخبين، كما كانت نسبة المشاركة ضعيفة جدا في الإنتخابات التشريعية والرئاسية ( تشرين الأول/اكتوبر 2024) بالتوازي مع ارتفاع عدد الملاحقات القضائية بتهمة "التآمر على أمن الدولة" أو الفساد، وارتفاع عدد الأحكام الثقيلة بالسجن… اتسم الوضع الإقتصادي بغياب السلع الأساسية والأدوية وارتفاع الأسعار وتراجع حجم الإستثمارات وانخفاض معدلات النمو، وارتفاع عجز الميزانية وحجم الدّيْن العام وارتفاع الأسعار ونسب التضخم وغياب فُرَص التّوظيف، ووَعَدَ الرئيس قيس سعيد بتحسن الوضع بعد "استعادة القرار الوطني والتعويل على الذات وتقليص الارتهان للخارج، وتعبئة الموارد الداخلية وتعزيز دور الدولة في إدارة الاقتصاد"، وفي الأثناء ارتفع مستوى الدّيْن الحكومي وارتفع حجم البطالة إلى أكثر من 15 % وفق البيانات الرسمية ( نيسان/ابريل 2026) والفقر مما أدّى إلى ارتفاع حجم الهجرة المُنظمة للكفاءات وغير المُنَظّمة للفئات المُفَقّرة الأخرى بسبب تردّي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، وارتفاع أسعار السلع الغذائية والطاقة والأدوية والسلع والخدمات الأساسية وارتفاع نسبة التضخم إلى أكثر من 5 %، واستمر النظام التونسي في حراسة الحدود الأوروبية باسم "إدارة ملف الهجرة غير النظامية وأمن الضفة الجنوبية للمتوسط"، خصوصا منذ توقيع مذكرة التفاهم للشراكة الاستراتيجية بين تونس والاتحاد الأوروبي ( تموز/يوليو 2023 ) وأدّى خطاب الرئيس قيس سعيد، خلال شهر شباط/فبراير 2023، بشأن المهاجرين الإفريقيين العابرين لليلاد قبل التوجه نحو أوروبا، إلى توترات مع عدد من الدول الإفريقية، بسبب تصريحات الرئيس التونسي بشأن وجود "ترتيب إجرامي" لتغيير التركيبة الديمغرافية للبلاد ( وهي نفس العبارات التي يستخدمها اليمين المتطرف في أوروبا للتشهير بالمهاجرين) وأثارت تلك التصريحات انتقادات من الاتحاد الإفريقي وعدد من الحكومات الإفريقية، واعتُبرت ذات طابع تمييزي، كما دفعت عدة دول، من بينها ساحل العاج وغينيا ومالي، إلى تنظيم عمليات لإجلاء رعاياها من تونس عقب تعرّض مهاجرين لاعتداءات ومضايقات. من جهة أخرى، تراجع هامش الحريات، وملاحقة الإعلاميين بذريعة "مكافحة الأخبار الزائفة وحماية الأمن العام"
استمرارية أم قطيعة؟ ورث النظام الحالي وضعًا اقتصاديا سيئا وَوَعَدَ بإصلاحه، لكنه أظْهر بعد خمس سنوات افتقاده لأي خطة بديلة وعجزه عن توفير الحَدّ الأدنى من ظروف العيش الكريم للمواطنين… لم تتمكن انتفاضة 2010/2011 من فَرْض موازين قوى جديدة ومن إحْداث قطيعة مع خطط "الإصلاح (أو التّكّيّف) الهيكلي" الذي طبّقّتْه الحكومات المتعاقبة منذ منتصف ثمانينيات القرن العشرين، ولم تكن القوى التي حكمت البلاد ( بزعامة الإخوان المسلمين) سوى انعكاسًا لموازين القوى، فقد ظل الإخوان المسلمون ( النهضة) القوة المُنظّمة الوحيدة التي تمكنت من التعايش مع القمع الذي مارسه النظام "الدّستوري" ( نسْبَةً إلى حزب الدستور الذي حكم البلاد من 1956 إلى بداية 2011) وكانت القوة السياسية الوحيدة الجاهزة لقيادة ائتلاف سياسي حَكَمَ البلاد خلال الفترة الإنتقالية والتي حظيت بقبول القوى الإمبريالية ( الولايات المتحدة والإتحاد الأوروبي) والدّائنين، واستمرت النهضة طيلة عشر سنوات في تطبيق نفس السياسات السابقة التي أدّت إلى الإنتفاضة التي أوصلتها إلى السلطة ما أثار غضب الفئات الشعبية والوسطى التي تدهورت أوضاعها، وَوَعد الرئيس قيس سعيد ( المُنْتَخَب منذ 2019) يوم 25 تموز/يوليو 2021 ب"تحول جذري" لم يحدث منذ خمس سنوات، بل ازداد الوضع سوءًا، وبقيت الديمقراطية والسيادة الشعبية والعدالة الاجتماعية مُجَرّد شعارات منفصلة عن واقع الحياة اليومية لأكثر من تسعين بالمائة من المواطنين الذين تَبَخّرت أمانيهم وأحلامهم وآمالهم، لأنهم لا يمتلكون أداة سياسية ( حزب أو منظمة أو كيان سياسي) تُعبر عن طموحاتهم السياسية والإقتصادية والإجتماعية، فقد نشرت مختلف القوى السياسية أوهامًا تدّعي سقوط النظام يوم 14 كانون الثاني/يناير 2011، لكن لم يسقط النظام بل حدث تغيير شَكلي في مَظْهَره واستمر تطبيق وَصَفات صندوق النقد الدولي، سواء حصلت الدّولة على قُرُوض أم لم تَحْصُل… على المُستوى السياسي استمر التحالف الموضوعي بين الفئات البرجوازية الصاعدة ( النهضة) والبرجوازية التقليدية ( حزب الدّستور) والبرجوازية الجديدة التي راكمت ثروتها بسرعة قياسية، وهي فئات مرتبطة بالشركات العابرة للقارات وبرأس المال المُعَوْلَم، والتحقت فئات ليبرالية ( من ضمنها مجموعات يسارية) بهذا الإئتلاف للتنديد بقمع الحريات وتجميد أو إلغاء بعض المؤسسات الرسمية مثل مجلس القضاء أو هيئة مراقبة الإنتخابات وغيرها، وبقيت العديد من الفئات غير ممثلة لا في السلطة ولا في المُعارضة ( العُمال وصغار الفلاحين والمُعطّلون عن العمل والفُقراء والمُهَمّشون وسُكّان الأحياء الشعبية…) فيما ارتفعت الأسعار بشكل جنوني ( الغذاء والدّواء وإيجار السكن والنقل والطاقة…) وانخفض مستوى العيش والرعاية الاجتماعية والتعليم العمومي والصحة العمومية والنقل العمومي، ما أدّى إلى التحاق قطاعات من الفئات الوسطى بالحركة الجماهيرية الاحتجاجية، دون تمثيل سياسي، ولم تتمكن هذه الفئات من إبراز شعاراتها المتمثلة في العدالة والمساواة والسيادة الشعبية ( شعارات انتفاضة 2010/2011 : الشُّغل والحُرّيّة والكرامة الوطنية)، ما أدى إلى خلق وضع هجين تقوده حركات رجعية كالنهضة وحزب الدّستور، ويصطف وراءها طَيْف من الليبراليين وبعض اليسار الذي كان من مكونات الجبهة الشعبية، وأصبحت «الديمقراطية» شعارًا فضفاضًا يجتمع حوله اليمين واليسار، مع تحاشي تحديد مفهوم وماهية ومُحتوى هذه "الدّيمقراطية" المَنْشُودة التي يمكن اختزالها في إجراء انتخابات دورية والتداول على المناصب – ولو غابت البرامج أو تشابهت بين اليمين والَوَسَط واليسار – وفي تعدّد وسائط الإعلام واحترام الأشكال القانونية، ولم تهتم هذه المُعارضة بمسائل هامة كالتبعية والعولمة النّيُوليبرالية وفرض الدائنين والرأسمالية المالية العالمية قُيُودًا اقتصادية واجتماعية مجحفة على البلدان النامية ( الفقيرة ومتوسطة الدّخل) كما لم تهتم هذه المُعارضة بمسألة إلغاء الدّيُون واستنباط حُلُول لمشاكل البطالة والفقر والتنمية وإعادة توزيع الثروة… من جهة أُخْرى، دعم بعض اليسار ( من تيارات الوطنيين الدّيمقراطيين) انقلاب قيس سعيّد ليلة 25 تموز/يوليو 2021، ودعم بعضهم خطابه العُنصري ضد فُقراء إفريقيا، والقمع السافر باسم حماية أمن الدّولة أو باسم محاربة الفساد الذي لا يزال منتشرا داخل أجهزة الدّولة، ويتخذ شكل الإبتزاز وتكريس الظّلْم والتفرقة والإلتفاف على القوانين، ما يُعمّق الفجوة بين المواطن والدّولة التي يبتزُّهُ موظّفوها وينهبون موارده القليلة مقابل الحصول على وثيقة أو خدمة يُفْتَرَضُ إنها مَجانية…
بين الشعارات والواقع انقطعت المفاوضات من أجل الحصول على قرض من صندوق النقد الدولي بسبب "الشروط المجحفة بخصوص تحرير الإقتصاد وخفض الإنفاق الإجتماعي" ورفع الرئيس قيس سعيّد شعار «التعويل على الذات»، غير إن إجراءات التقشف وخفض الإنفاق الإجتماعي التي أقرّها نظام 25 تموز/يوليو 2021 تجاوزت إملاءات صندوق النقد الدولي، فضلا عن ارتفاع عجز الموازنة وغياب السلع الأساسية والأدوية من السوق، وعن تدهور الأوضاع المعيشية لمعظم الفئات الدُّنيا والوُسْطى بدل الرّفاه الذي وعدها به الرئيس، ما أدّى إلى هجرة قياسية للأطباء والمهندسين وذوي الإختصاص في مجالات الإتصال والمعلوماتية، وإلى الهجرة غير النظامية إلى جنوب أوروبا. تُكذب الأرقام، التي نشرها المرصد التونسي للإقتصاد، خطاب السيادة ورفض التّدخُّل الأجنبي، فقد صادق البرلمان خلال السنتين الماليتيْن 2023–2024 و2024–2025 على 35 قرضاً، ولجأت الحكومة إلى الإقتراض بالعملة الأجنبية من المصارف التجارية التونسية لتغطية عجز الميزانية، كما اقترضت الدولة أموالا من دُوَل عديدة، وفي مقدمتها السعودية وإيطاليا لسدّ العجز وليس للإستثمار في مشاريع مُنْتجة وبلغت قيمة خدمة الدين 3,8 مليارات دولار، ما يُشكل تدهورًا طويل الأمد.
الدولة في خدمة الأثرياء لم تبدأ الأزمة مع قيس سعيد ولكنه عجز عن حلها، بل فاقمها، وأخْلَفَ وُعُوده بشأن السيادة وتحقيق الرفاه ومكافحة الفساد، فتدَهْوَرَ الوضع الإقتصادي للبلاد والعباد، وارتفعت مؤشرات البطالة والفقر وعدم المساواة، وتمَيّز قيس سعيد عن سابقيه بخطابه الذي يُوحي للمُتلَقّي وكأن الرجل في المُعارضة وليس في قمة السّلطة التي أَخْلت السّاحة من قوى المُعارضة ومن القوى النقابية ومن مكونات المجتمع المدني، ويتهرب الرئيس وأنصاره من تحمّل مسؤولية تدهور الوضع الإقتصادي والإجتماعي وعدم مراقبة الأسعار والتضخم والعجز عن توفير السلع الأساسية بأسعار معقولة تتماشى مع دَخْل المواطنين… أما بخصوص السيادة فقد بلغت ميزانية سنة 2024 نحو 77,8 مليار دينار، وارتفع حجم الإقتراض الداخلي والخارجي من 21,9 مليار دينار سنة 2023 إلى 28,188 مليار دينار سنة 2024، وسدّده الدّولة ديوناً خارجية بقيمة 12,3 مليار دينار (3,9 مليار دولار) سنة 2024، وتخصص الدولة أكثر من 90 % من الديون الجديدة لتسديد خدمة الديون القديمة التي حصلت عليها الدولة من صندوق النقد الدولي والبنك العالمي والبنك الأوروبي للإنشاء والتعمير والبنك الأفريقي للتنمية، فيما تخسر الدّولة حوالي 25 مليار دينار سنويا أي قرابة ثُلُث موازنة الدّولة، بسبب التهرب الجبائي وخفض الضرائب على الثروة التي فرضها صندوق النقد الدّولي واستمرت حكومات قيس سعيد في تطبيقها وفي زيادة الضرائب غير المباشرة .... أدّت سياسة التقشف إلى تدهور الوضع وإلى تباطؤ الإستهلاك وزيادة التضخّم بفعل ارتفاع الأسعار، وتجد الدولة صعوبات في توفير العملة الأجنبية الضرورية لتوريد الوقود والغذاء والأدوية، ورغم هذه الإجراءات وخفض الإنفاق الحكومي لم تتمكن الحكومات المتعاقبة التي عينها قيس سعيد من الحفاظ على التوازن المالي، بل أصبحت الدّولة مهدّدة بالعجز عن السداد منذ أكثر من ثلاث سنوات، وتبخّرت وعود التوظيف وزيادة دخل الأُسَر والأفراد، وبالتالي يمكن الإستنتاج إن نظام قيس سعيد مُستمر في محاباة الرأسماليين وأصحاب الثروات والدخل المرتفع ويسمح لهم بالإستحواذ على حوالي 80 % من ثروة البلاد، ولا يُساهمون سوى بأقل من 20 % من إيرادات الضرائب، بذريعة تشجيع الأثرياء على الإستثمار من خلال الإستفادة من الإعفاء الجبائي ومن العمالة الرخيصة والأراضي المجانية والبنية التحتية التي تنفق الدولة على إنجازها…
أي بديل؟ اتفق الإخوان المسلمون على رفض الدّيمقراطية الإنتخابية "لأن شعبًا جاهلاً ينتخب جاهلا على شاكلته" وفق راشد الغنوشي ( تونس) وعلي بلحاج ( الجزائر)، لكنهم يُدافعون عن هذه الدّيمقراطية الإنتخابية الشّكلية عندما تخدم مصالحهم، ولما حصل الإخوان المسلمون في تونس على أغلبية نسبية وقادوا ائتلافًا برلمانيا وحكوميا طيلة عشر سنوات، نهبوا موارد الدّولة باسم التّعويض على معاناتهم خلال العقود السابقة، وتحالفوا مع الدّستوريين ( الباجي قائد السبسي) ورغم احترام المواعيد الانتخابية والتداول الحزبي على السلطة، ازداد الفساد ولم يضع الإخوان المسلمون وحلفاؤهم حدًّا للأزمة الاقتصادية والاجتماعية، بل ارتفع حجم الدّيُون الخارجية وعجز الميزانية، فضلا عن ارتفاع حجم الفساد ونهب المال العام وارتفاع نسبة البطالة والفقر، ما فاقم استياء المواطنين، وسمح لقيس سعيد بالمُزايدة على خُصُومه باسم الدفاع عن السيادة ومكافحة الفساد... إن دعم أو معارضة أي حكومة أو نظام سياسي ينطلق من مصالح من يدعم أو يُعارض أو ينقد بعض المظاهر والمُمارسات، فهل أنجزت حكومات ما بعد الإنتفاضة الحُرّيّة والديمقراطية الاقتصادية والكرامة والوظائف والسيادة الوطنية؟ هل تم إقرار الضريبة التصاعدية وهل شجعت الحكومات المتعاقبة الإقتصاد التّعاوني وهل دعمت صغار الفلاحين ليُساهموا في تحقيق السيادة الغذائية وهل شجعت على الزيادة في حجم المنتجات المحلية وبيعها في الأسواق المحلية ضمن أشكال الاقتصاد التضامني والاجتماعي؟ الجواب سلبي على كل هذه الأسئلة، منذ 2011 إلى 2026، أي إن هذه الحكومات استمرت في تطبيق وَصَفات الإقتصاد النيوليبرالي، رغم غياب القاعدة الإنتاجية، لكن المعارضة اليسارية تتحمل بعض المسؤولية في تركيزها على الحملات الإنتخابية ( غير المُوفّقة) وإهمال قضايا أساسية مثل إلغاء الديون، لأن الدّيُون تُلغي استقلالية القرار السيادي فضلا عن نهب الموارد وتحويلها من الجنوب إلى الشمال، واستثمار تلك المبالغ في خلق الثروة وزيادة الناتج المحلي الإجمالي وإعادة توزيعه بشكل أكثر عدالة بهدف تحسين ظروف معيشة المواطنين، بالتوازي مع إجراءات أخرى مثل إلغاء الإمتيازات الممنوحة للأثرياء وأرباب العمل ومكافحة التهرب الضريبي والفساد داخل أجهزة الدولة وخارجها… إن الهدف من إلغاء الديون ومكافحة تهريب الثروة إلى الخارج ومكافحة التهرب الضريبي هو إعادة توجيه المبالغ المُسْترجَعَة نحو الإقتصاد المنتج كالفلاحة لتأمين الغذاء الصحي والمتوازن، والصناعات التحويلية والبُنية التحتية وزيادة الإنفاق الإجتماعي، وما هذه الأمثلة سوى نماذج من كَسْر سلاسل التبعية والهيمنة التي يفرضها الدّائنون والتي تقوّض السيادة ( التي تشمل مشاركة المواطنين في تصميم ورسم وتنفيذ البرامج والخطط الإقتصادية والسياسية والإجتماعية) وتفرض سياسات معادية لمصالح أغلبية الشعب، خدمة لاحتكارات دول المركز ( الدول الإمبريالية) التي فرضت اتفاقيات التجارة الحرة وعلاقات الشراكة غير المتكافئة والتي تُعمق التّبعية، والمطلوب من القوى التقدمية وضع أسس مشروع اقتصادي وطني وإعادة هيكلة الاقتصاد وتعزيز إنتاج احتياجات السوق المحلية للحد من توريد السلع الأساسية، وكبديل لتوجيه الإنتاج ( الحمضيات والتمور والزيت والخضروات…) نحو التصدير، وتشجيع تعاونيات الإنتاج والتسويق والإستهلاك، والإعتماد التدريجي على الطاقات المتجددة المُولّدة من الشمس والرياح، مع ضمان استفادة المواطنين من مجانية التعليم والصحة في إطار تعزيز أنظمة الحماية الاجتماعية وتعزيز النمو الاقتصادي المستدام القادر على توظيف الطاقات المحلية وعلى الحد من نزيف هجرة الخبرات والكفاءات…
#الطاهر_المعز (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
أوروبا - اختلال التوازن بين رأس المال والعمل
-
الرياضة من منظور طَبَقي - كأس العالم 2026 والعنصرية الصريحة
-
الحرب التكنولوجية الجزء 2/2
-
الحرب التكنولوجية الجزء الأول من جُزْأَيْن
-
ثراء فاحش يُقابله فقْر مدقع
-
احتكار الثروة واللاّمُساواة 2 / 2
-
احتكار الثروة واللامساواة 1 / 2
-
دورة كأس العالم لكرة القدم 2026 – الجزء 7/7
-
دورة كأس العالم لكرة القدم 2026 – الجزء 6 /7
-
دورة كأس العالم لكرة القدم 2026 – الجزء 5 /7
-
دورة كأس العالم لكرة القدم 2026 – الجزء 4 /7
-
دورة كأس العالم لكرة القدم 2026 – الجزء 3 /7
-
دورة كأس العالم لكرة القدم 2026 – الجزء 2 /7
-
من تَبعات العدوان على إيران
-
الولايات المتحدة في الذكرى 250 لإعلان ميلادها
-
الولايات المتحدة وترويج المخدرات
-
أوروبا، ارتفاع الإنفاق العسكري وانخفاض الإنفاق الإجتماعي
-
الدّواء بين الحاجة البشرية وأرباح الشركات
-
تراجع اقتصاد أوروبا في ظل حرب أوكرانيا والخليج
-
السنغال - جرْد جُزْئي لتجربة سُلْطَة تقدّمية
المزيد.....
-
جسم مجهول يسقط وينفجر بعمق أراضي بولندا تزامنا مع هجوم روسي
...
-
شاهد رحّالة تقف على جناح -طائرة- عملاقة في شمال لبنان
-
التراث البحري في الإمارات يعود إلى الحياة عبر هذه الصور السا
...
-
بعد الضربات الأمريكية.. الحرس الثوري الإيراني يحدد شرط إعادة
...
-
أول تعليق إماراتي بعد الضربات الأمريكية السعودية في العراق
-
أمريكا تشن غارات جديدة على إيران بعد تصريح ترامب -دورنا قد ح
...
-
نتنياهو: بحثت مع ترامب 3 خيارات للتعامل مع إيران وصححت المفا
...
-
الولايات المتحدة تقصف عشرات الأهداف في إيران، والحرس الثوري
...
-
الولايات المتحدة تشنّ ضربات -مكثفة- على إيران.. وطهران تستهد
...
-
لبنان.. الأجهزة الأمنية توقف موظفين ورطوا قناة تلفزيونية لبن
...
المزيد.....
-
ابجديات العطاء
/ انتصار كامل جفلان الخشت
-
مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026
/ مجلة سلاح النقد
-
حقوق العصر
/ أحمد التاوتي
-
قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء
/ عدنان رضوان
-
Letters from the East
/ عدنان رضوان
-
العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس
/ فاخر جاسم
-
سياسة حفار الساق
/ د. خالد زغريت
-
الطائفية المتغلغلة في لبنان
/ حسين محمود صالح
-
صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ
...
/ رزكار عقراوي
-
كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال
...
/ احمد صالح سلوم
المزيد.....
|