الطاهر المعز
الحوار المتمدن-العدد: 8779 - 2026 / 7 / 27 - 11:23
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
تُمثل الولايات المتحدة القاطرة التي تَجُرّ وراءها قطار الرّأسمالية العالمية خلال حقبة الإحتكارات والإمبريالية، لكن أوروبا تُمثل مَهْدَ الرّأسمالية وموطن المُسْتَعْمرين المُستوطنين الذين أبادوا الشعوب الأصلية في القارة الأمريكية (شمالها وجنوبها) وأستراليا ونيوزيلندة وموطن الإشكناز الصهاينة والرأسماليين العنصريين الذين لا زالوا يحكمون قبضتهم على جنوب إفريقيا والمُستعمَرات التي استقلت شكلاً وبقيت تحت هيمنة الشركات الإحتكارية العالمية… كما تُمثل أوروبا وجْهَة عشرات الآلاف من المهاجرين سنويا، يموت المئات منهم في البحر الأبيض المتوسط أو في الصحراء قبل بلوغ شواطئ جنوب أوروبا التي تُشكل جنة للأثرياء، حيث يرتفع عدد الفقراء وتتسع الفجوة الطّبَقية بين أصحاب الثروات الفاحشة والأغلبية الساحقة من المواطنين، وكشف تقرير الثروة لعام 2026 الصادر عن شركة «نايت فرانك» عن ارتفاع كبير في عدد الأفراد ذوي الثروات الفائقة في أوروبا، وهم الأشخاص الذين تتجاوز ثرواتهم ثلاثين مليون دولار، وزاد عدد الأثرياء الفائقي الثراء في أوروبا بنسبة 25% خلال خمس سنوات، حيث ينْضَمُّ في المتوسط أكثر من عشرين شخصا يوميا إلى نادي من يملكون أكثر من ثلاثين30 مليون دولار، بينما يتجاوز 89 شخصا حول العالم هذه العتبة كل يوم، مع استمرار توسع هذه الفئة في معظم الدول الأوروبية، وتصدرت ألمانيا القائمة الأوروبية بأكثر من 38 ألف شخص من أصحاب الثروات الضخمة، تلتها بريطانيا ثم فرنسا، كما سجلت سويسرا وإيطاليا أرقاما مرتفعة أيضا، وشهدت أوروبا، وفق نفس التقرير، زيادة بنسبة 26% في عدد الأثرياء الفائقين خلال السنوات الخمس الماضية، مع انضمام عشرات الآلاف إلى هذه الفئة المالية، ولئن تصدّرت ألمانيا القائمة من حيث العدد الإجمالي للأثرياء وتُعد ألمانيا، صاحبة أكبر اقتصاد في أوروبا، ثالث أكبر اقتصاد في العالم من حيث الناتج المحلي الإجمالي بعد الولايات المتحدة والصين، بحسب صندوق النقد الدولي، فإن أسرع معدلات النمو سجلت في بولندا وتركيا ورومانيا، حيث تضاعفت تقريبا أعداد الأثرياء الفائقين خلال الفترة الأخيرة، بسبب توَسُّع الاستثمارات وارتفاع قيم الأصول والأسواق المالية، إضافة إلى تنامي قطاعات التكنولوجيا والصناعات الحديثة في عدد من الاقتصادات الأوروبية…
تُخْفي هذه الثروات الفاحشة توسّع الفجوة، حيث لا تزال فجوة الثروة بين الدول الأوروبية وداخلها واسعة، وفق تقرير صادر عن المصرف المركزي الأوروبي، سنة 2023، إذ بلغ متوسط الثروة الصافية للأسر في منطقة اليورو 123.500 يورو، لكن هذا المتوسط يخفي تفاوتا كبيرا، ولا تتجاوز ثروة 20% من السكان أَلْفَيْ يورو، مقابل 1.010.000 يورو لنسبة 20% من المَيْسُورين، وارتفع عدد الأشخاص الذين يمتلكون على الأقل ثلاثين مليون دولار (25,7 مليون يورو) بنسبة 26% خلال الأعوام 2021 - 2025، وعلى مستوى العالم، ازداد عدد "الأفراد ذوي الثروات الفائقة" بـ 162.191 شخصا بين 2021 و2026، أي ما يعادل 89 عضوا جديدا يوميا، ليصل الإجمالي العالمي إلى 713.626 شخصا، ويصنفهم تقرير "نايت فرانك" للثروة لعام 2026 ضمن فئة "الأفراد ذوي الثروات الفائقة" ("UHNWIs").
في الولايات المتحدة، ينضم شخص إلى فئة الأثرياء الفاحشين كل 90 دقيقة، وتضم الولايات المتحدة بفارق كبير أكبر عدد من الأشخاص الذين يمتلكون ما لا يقل عن ثلاثين مليون دولار، إذ بلغ عدد "الأفراد ذوي الثروات الفائقة" فيها 251.352 شخصا في 2026، فيما حلت الصين في المرتبة الثانية بـ 121.677، وتحتل ألمانيا المرتبة الثالثة عالميا، بينما تُعد الهند (4,2) وأستراليا (2,2) الدولتين غير الأوروبيتين الوحيدتين ضمن أكبر عشرة بلدان في العالم من حيث عدد الأثرياء الفاحشين، وتؤكّد البيانات التي وردت في تقرير "نايت فرانك" إن الولايات المتحدة "لا تزال المُحَرّك المهيمن، رغم تنامي قوة الهند ومجموعة من الاقتصادات التي تعيد تشكيل المشهد العالمي"، وأكّدت تقارير أخرى نشرها مصرف "يو بي إس" العالمي للثروة للعام 2025 وبيانات إضافية نشرتها مؤسسة "يورونيوز" إن العالم يشهد واحدا من أهم التحولات في توزيع الثروة في التاريخ الحديث، حيث انخفضت الأجور الحقيقية في جميع أنحاء العالم سنة 2022 لأول مرة منذ 20 عاما، وأدّى ارتفاع نسبة التضخم إلى تآكل القيمة الحقيقية لأجور العاملين التي انخفضت بنسبة 0,9% في جميع أنحاء العالم خلال الفترة 2020 - 2022، وفقا لمنظمة العمل الدولية، وفي الاتحاد الأوروبي، انخفضت الأجور الحقيقية بنسبة 2,4 % فيما بلغ انخفاض الأجور الحقيقية للعمال 6,9% في بولندا، و6,8 % في قبرص، و5,9% في إيطاليا، و5 % في هولندا، و 3,5 % في إسبانيا، و 3,4 % في السويد، و 3,2 % في بريطانيا… أما في البلدان متوسطة الدخل مثل البرازيل فإن القيمة الحقيقية للأجور انخفضت بنسبة 6,9% في البرازيل و7,6% في المكسيك…
تراجع مستوى الأجور الحقيقية في دول الإتحاد الأوروبي بنحو 2% في منطقة اليورو بين مطلع 2021 ومطلع 2026، وفق "يورونيوز بزنس" الذي يؤكد على التناقض بين ارتفاع عدد "الأفراد ذوي الثروات الفائقة" وانخفاض قيمة أجُور العاملين في أوروبا ( وغيرها) حيث لا تزال الأجور الحقيقية في عدد من الإقتصادات الأوروبية عاجزةعن استعادة مستوياتها المسجلة قبل موجة التضخم، بعدما التهم ارتفاع الأسعار معظم الزيادات الاسمية التي حصل عليها العاملون بين سنَتَيْ 2021 و2026، وفق بيانات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، وتُظهر البيانات الواردة في تقرير "آفاق التوظيف للعام 2026"، الذي أصدرته المنظمة خلال شهر تموز/يوليو 2026، أن متوسط الأجور الحقيقية في منطقة اليورو كان في نهاية الربع الأول أقل بنسبة 1,8% من مستواه في الربع الأول من العام 2021، وتقيس الأجور الحقيقية تطور رواتب العاملين بعد احتساب التضخم، ما يجعلها مؤشراً أكثر دقة على قدرتهم الفعلية على شراء السلع والخدمات، وقد ترتفع الأجور بالقيمة الاسمية، فيما تتراجع القدرة الشرائية إذا كانت الزيادة في الأسعار أسرع من نمو الرواتب، ولا تشمل بيانات منظمة التعاون الإقتصادي والتنمية ( تضم 34 من أغنى دول العالم)، التي توقفت عند نهاية الربع الأول من سنة 2026 كامل أثر ارتفاع أسعار الطاقة الناتج عن العدوان الأمريكي الصهيوني على إيران، وظهر الجزء الأكبر من هذه الزيادة خلال الربع الثاني، ما يرجح تعرض القدرة الشرائية للأسر الأوروبية ( وغير الأوروبيية) لمزيد من الضغوط خلال بقية العام 2026، وتختلف النتائج بصورة كبيرة بين دول الاتحاد الأوروبي. فقد ارتفعت الأجور الحقيقية في المجر بنحو 30% مقارنة بالعام 2021، مدفوعة بنقص العمالة وزيادة الحد الأدنى للأجور، فيما سجلت بولندا نمواً بلغ 16,5%، وفي المقابل، بقيت الأجور الحقيقية شبه راكدة في أكبر اقتصادات منطقة اليورو، وأظهرت بيانات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أنها ارتفعت في فرنسا بنسبة 0,1% فقط خلال خمس سنوات، فيما بلغت الزيادة في ألمانيا 0,9%، وتتوقع المنظمة أن يؤدي ارتفاع تكاليف الطاقة إلى تراجع جديد في الأجور الحقيقية خلال سنة 2026، وانخفضت الأجور الحقيقية في إيطاليا بنهاية آذار/مارس 2026، بنسبة 6,1% مقارنة بمستواها خلال الربع الأول من العام 2021، فضلا عن توقعات بانخفاضها بنسبة إضافية تبلغ 0,9% بنهاية العام 2026، وكان التراجع كبيرا بين أصحاب الرواتب المنخفضة، إذ هبطت أجور شريحة الـ10% الأقل دخلاً بنسبة 40,8%، فيما ارتفعت أجور شريحة الـ10% الأعلى دخلاً بنسبة 3,3%، بفعل انتشار العمل بدوام جزئي، ما يجعل بيانات معدل البطالة مُضلّلة ولا تعكس مستوى دخل الأفراد والأُسَر، حيث تُشير الأرقام إلى انخفاض معدل البطالة وارتفاع معدل التوظيف إلى مستوى قياسي في بعض البلدان (مثل إيطاليا وإسبانيا) وتكشف هذه المفارقة أن زيادة عدد الوظائف لا تكفي وحدها لتحسين مستوى معيشة العاملين إذا كانت الوظائف منخفضة الأجر أو بدوام جُزْئي، وإذا ظل نمو الإنتاجية ضعيفاً، ولا تتوقع منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية تعافياً سريعاً، في ظل اعتماد جزء مهم من النشاط على قطاعات خدمية منخفضة الإنتاجية، مثل قطاع الفلاحة أو السياحة بسبب اعتماد هذه القطاعات على وظائف موسمية ومؤقتة ومنخفضة الأجر، ووفق تقرير نقابي يحصل العاملون في السياحة الإسبانية على متوسط أجر إجمالي يبلغ 1818 يورو شهرياً، أي أقل بنحو 400 يورو من متوسط الأجر الإجمالي في البلاد البالغ 2273 يورو، وأظهر تقرير مؤشرات الإنتاجية الصادر عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية يوم 21 حزيران/يونيو 2026 ، أن إنتاجية العمل انكمشت في إيطاليا بنسبة 1,4% وفي ألمانيا بنسبة 0,4% خلال 2024، فيما سجلت فرنسا تحسناً محدوداً بلغ 0,4%، ومع ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء خلال سنة 2026، يبقى العامل معرضاً لمزيد من تآكل الدخل الحقيقي، خصوصاً في الدول التي تعاني ضعف الإنتاجية وانتشار الوظائف المؤقتة ومحدودية قدرة الأجور الاسمية على مواكبة التضخم، وأشار تقرير منظمة التعاون الإقتصادي والتنمية الصادر بنهاية شهر أيار/مايو 2026 إلى ارتفاع نسبة التضخم في بلدان منطقة اليورو بنسبة 3,2% على أساس سنوي، وبالتالي فإن وتيرة زيادة الأسعار تتجاوز وتيرة نمو الأجور، والتي يجب أن تكون 2,6% سنة 2026، كما انخفض مستوى الأجور الحقيقية بشكل محسوس في معظم بلدان العالم، كما في الولايات المتحدة وبريطانيا، ناهيك عن البلدان الفقيرة ومتوسطة الدّخل، خصوصا بعد العدوان الأمريكي الصهيوني على إيران ومضاعفة أسعار النفط والغاز، حيث بلغت الزيادة السنوية في أسعار الطاقة 10,9%، بنهاية شهر أيار/مايو 2026، ولم ترتفع الأجور بما يكفي لتعويض الزيادات في تكلفة المعيشة المسجلة على مدى السنوات الخمس الماضية في جميع أنحاء العالم، ولذلك انخفضت قيمة الأجور الحقيقية، ولا تعكس الأرقام المنشورة بنهاية الربع الأول من سنة 2026 الارتفاع الحاد في أسعار الطاقة…
#الطاهر_المعز (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟