|
|
لا أحد يملك حق تقرير لحظة رحيل الروح البشرية ؟ المساعدة على الموت، والقتل الرحيم، والإعدام القضائي، والانتحار... طرق مختلفة لقتل النفس بدون وجه حق
بوشعيب حمراوي
استاذ كاتب وصحفي
(Bouchaib Hamraouy)
الحوار المتمدن-العدد: 8779 - 2026 / 7 / 27 - 19:37
المحور:
الغاء عقوبة الاعدام
الموت ليس قرارا بشريا
ليست كل المعارك التي تخوضها الإنسانية اليوم معارك حول الحدود أو الثروات أو النفوذ أو التكنولوجيا. فهناك معركة أكثر عمقًا، تدور في صمت داخل المستشفيات، وقاعات المحاكم، ومكاتب البرلمانات، وداخل النفوس المنهكة بالألم واليأس. إنها معركة تتعلق بأغلى ما يملكه الإنسان... الحياة نفسها.
ولأول مرة في تاريخ البشرية الحديث، لم يعد السؤال المطروح هو كيف نحمي الحياة، أو كيف نطيلها، أو كيف نعالج الأمراض التي تهددها، بل أصبح السؤال في بعض المجتمعات: متى ينبغي أن تنتهي الحياة؟ ومن يملك حق اتخاذ هذا القرار؟ هكذا ظهرت في القوانين الحديثة مصطلحات لم تكن متداولة قبل عقود قليلة؛ المساعدة على الموت، والقتل الرحيم، والمساعدة الطبية على الانتحار. وفي المقابل، ظل الإعدام القضائي حاضرًا في تشريعات عدد من الدول باعتباره عقوبة قصوى، بينما بقي الانتحار أحد أكثر المآسي الإنسانية إيلامًا وتعقيدًا. قد تبدو هذه القضايا متباعدة، لكنني أراها تلتقي جميعًا عند نقطة واحدة: إنها جميعًا تتعلق بإنهاء حياة إنسان عوض انتظار نهايتها بطريقة طبيعية، مع اختلاف الجهة التي تتخذ القرار وتنفذه. ففي المساعدة على الموت، تتدخل المنظومة الطبية والقانونية لتوفير الوسيلة. وفي القتل الرحيم، يتدخل الطبيب مباشرة لإنهاء الحياة وفق شروط يحددها القانون. وفي الإعدام القضائي، تصدر الدولة قرارها باسم العدالة. أما في الانتحار، فإن الإنسان يجمع في لحظة واحدة بين صفات الضحية، والقاضي، والجلاد، ومنفذ الحكم.
تختلف الوسائل، لكن السؤال الأخلاقي يبقى واحدًا: هل يملك الإنسان أصلًا حق التصرف في روحه كما يتصرف في ممتلكاته؟ أم أن الروح ليست ملكًا لأحد، وإنما أمانة أودعها الله في الإنسان، وحدد وحده لحظة بدايتها ونهايتها؟
هذه المقالة لا تسعى إلى إدانة الدول التي اختارت تشريعات معينة، ولا إلى محاكمة المجتمعات التي تبنت رؤى مختلفة، وإنما تحاول أن تفتح بابًا للتأمل في قضية تمس جوهر الوجود الإنساني، وأن تقدم موقفي الشخصي الذي يقوم على رفض كل أشكال إنهاء الحياة عمدًا، مهما اختلفت المبررات، لأنني أؤمن بأن الحق في منح الحياة وسلبها ليس من اختصاص البشر، وإنما هو من اختصاص الخالق وحده.
حين تتغير وظيفة الطب... من إنقاذ الحياة إلى تنظيم نهايتها
منذ نشأة الطب، ارتبطت رسالة الطبيب بحماية الإنسان من المرض، وتخفيف الألم، والسعي إلى إنقاذ الأرواح. وكان نجاح الطب يقاس بعدد المرضى الذين عادوا إلى الحياة الطبيعية، لا بعدد الذين غادروها. لكن السنوات الأخيرة حملت تحولًا غير مسبوق. ففي عدد من الدول الغربية، لم يعد دور الطبيب يقتصر على العلاج، بل أصبح القانون يجيز له، في حالات محددة، أن يكون جزءًا من عملية إنهاء الحياة نفسها. بدأ الأمر بهولندا، ثم تبعتها بلجيكا ولوكسمبورغ وإسبانيا وكندا ونيوزيلندا، بينما اعتمدت سويسرا نظامًا خاصًا يسمح بالمساعدة الطبية على الانتحار ضمن شروط معينة، وأقرت فرنسا مؤخرًا قانونًا للمساعدة على الموت بعد نقاشات مجتمعية وسياسية طويلة. وتشترك هذه القوانين في أنها لا تفتح الباب على مصراعيه، بل تضع شروطًا صارمة، من بينها أن يكون المريض بالغًا، وأن يعاني مرضًا خطيرًا وغير قابل للشفاء وفق التقييم الطبي، وأن تكون معاناته شديدة، وأن يطلب ذلك بكامل وعيه وإرادته، وبعد سلسلة من المراجعات الطبية والقانونية. ورغم هذه الضوابط، فإن الجدل لم يتوقف، لأن السؤال لم يعد متعلقًا بالإجراءات، بل بالمبدأ نفسه: هل يجوز أن يتحول الطبيب، ولو في حالات استثنائية، من صانع أمل إلى منفذ لنهاية الحياة؟
المساعدة على الموت والقتل الرحيم... تشابه في النتيجة واختلاف في الوسيلة
عندما بدأت بعض البرلمانات الغربية تناقش تشريعات جديدة تتعلق بإنهاء حياة المرضى الذين يعانون أمراضًا عضالًا، برز مصطلح «المساعدة على الموت» إلى جانب المصطلح الأقدم، وهو «القتل الرحيم». وقد اعتقد كثيرون أن الأمر يتعلق بالمفهوم نفسه، بينما يميز القانون في عدد من الدول بينهما، وإن كانا يلتقيان في النتيجة النهائية. فالقتل الرحيم يقوم، في صورته القانونية، على تدخل الطبيب نفسه لإنهاء حياة المريض، من خلال إعطائه دواءً أو حقنة تؤدي مباشرة إلى الوفاة، وذلك بعد استيفاء شروط قانونية وطبية دقيقة في الدول التي تجيز هذا الإجراء.
أما المساعدة على الموت، أو المساعدة الطبية على إنهاء الحياة، فتقوم غالبًا على أن يوفر الطبيب الوسيلة الطبية، بينما يكون المريض هو من يقوم بالفعل الأخير بنفسه، بعد سلسلة طويلة من الفحوصات، والاستشارات، والتأكد من سلامة إدراكه وإرادته. وقد تبدو هذه الفروق القانونية ذات أهمية بالنسبة للمشرعين، لكنها، من وجهة نظري، لا تغير جوهر القضية، لأن النتيجة في الحالتين واحدة، وهي إنهاء حياة إنسان بقرار بشري، قبل أن تصل إلى نهايتها الطبيعية. ولذلك، فإن الاختلاف هنا ليس اختلافًا في المآل، وإنما في الطريقة، وفي الجهة التي تضغط على الزر الأخيرز
الدول التي شرعت إنهاء الحياة... بين الحرية الفردية وقدسية الحياة
لم تعد هذه القضية حكرًا على النقاشات الأكاديمية أو الفلسفية، بل أصبحت واقعًا قانونيًا في عدد من الدول. كانت هولندا أول دولة في العالم تشرع القتل الرحيم بصورة قانونية، ثم تبعتها بلجيكا ولوكسمبورغ، وبعدها إسبانيا وكندا ونيوزيلندا، بينما اختارت سويسرا نموذجًا مختلفًا يقوم على السماح بالمساعدة على الانتحار وفق ضوابط خاصة أما فرنسا، فقد اختارت شهر يوليوز من سنة 2026 اعتماد قانون خاص بالمساعدة على الموت بعد نقاشات سياسية وأخلاقية استمرت سنوات، في محاولة للتوفيق بين احترام حرية المريض ووضع ضوابط صارمة تحد من إساءة استعمال هذا الحق. ورغم اختلاف التشريعات، فإن معظم هذه الدول تشترط أن يكون المريض بالغًا، وأن يكون واعيًا ومدركًا لما يطلبه، وأن يكون مصابًا بمرض خطير وغير قابل للشفاء وفق التقييم الطبي، وأن تكون معاناته شديدة، مع إخضاع الطلب لمراجعات متعددة قبل الموافقة عليه. لكن، ورغم كل هذه الشروط، فإن الجدل لم يتوقف، لأن جوهر الخلاف لا يتعلق بالإجراءات، وإنما بالسؤال الفلسفي والأخلاقي: هل يمكن للقانون أن يمنح الإنسان حق إنهاء حياته، أو أن يفوض هذا الحق إلى غيره؟
رأيي... لا أرى فرقًا جوهريًا بين الطريقتين
قد يرى رجال القانون أن هناك فرقًا بين أن ينفذ الطبيب الفعل بنفسه، أو أن يقوم به المريض بعد الحصول على المساعدة. وقد يرى الأطباء أن هذا التفريق ضروري من الناحية المهنية. لكنني، من زاوية فلسفية وأخلاقية، لا أجد فرقًا جوهريًا بين الطريقتين. فالغاية واحدة، والنتيجة واحدة، وهي إنهاء حياة إنسان بفعل بشري. إن تغيير المصطلحات، أو استبدال كلمة بأخرى، لا يغير حقيقة الفعل. فقد يسمى ذلك قتلًا رحيمًا، أو مساعدة على الموت، أو مساعدة طبية على إنهاء الحياة، لكن تعدد الأسماء لا يبدل جوهر المسألة. إنني لا أنظر إلى القضية من زاوية قانونية فقط، وإنما أنظر إليها من زاوية أوسع، تتعلق بعلاقة الإنسان بالحياة التي لم يصنعها، وبالروح التي لم يخلقها، وبالجسد الذي لم يمنحه الوجود. فالحياة ليست مشروعًا طبيًا حتى يحدد الطب نهايتها. لقد قدم الطب للبشرية خدمات لا يمكن إنكارها. أنقذ ملايين الأرواح. وقضى على أمراض كانت تعني الموت قبل عقود قليلة. وزرع الأعضاء وأعاد البصر والسمع والحركة إلى كثير من المرضى. لكن كل هذه الإنجازات العظيمة لا تجعل الطب مالكًا للحياة. فالمفروض في الطب أنه يبحث عن العلاج، لكنه لا يخلق الحياة. ويخفف الألم، لكنه لا يهب الروح ويؤخر الموت، لكنه لا يمنع وقوعه. ولهذا أرى أن وظيفة الطبيب تنتهي عند بذل أقصى ما يستطيع من أسباب العلاج والرعاية والتخفيف من المعاناة، ولا ينبغي أن تتحول إلى تقرير موعد الرحيل، لأن الإنسان، مهما بلغ علمه، يظل عاجزًا عن الإحاطة بكل أسرار الحياة التي أودعها الله في خلقه.
المستحيل كلمة بشرية... وليست إلهية
كلما قرأت عن تشريعات المساعدة على الموت أو القتل الرحيم، لاحظت أن مبرراتها تكاد تتكرر في مختلف الدول. فهناك حديث عن مرض عضال، أو حالة ميؤوس منها، أو معاناة لا تُحتمل، أو ألم لا يملك الطب وسيلة لتخفيفه. وهي أوصاف قد تبدو مقنعة من زاوية العلم، لكنها تطرح في ذهني سؤالًا آخر أكثر عمقًا: هل عجز الطب يعني استحالة الشفاء؟. أليس من البشرية أن تحظى بالمزيد من البحث العلمي، للنقص من الأمراض المزمنة، وتلك التي يستحيل الآن علاجها؟.
إنني أفرق بين الحقيقة العلمية في لحظة معينة، وبين الحقيقة المطلقة. فالطبيب، مهما بلغت خبرته، والعالم، مهما اتسعت معارفه، لا يستطيعان أن يقولا إن الشفاء مستحيل على الإطلاق، وإنما يقولان إن العلم، بما يملكه اليوم من وسائل، لا يعرف طريقًا إلى العلاج. وهذا فرق كبير. فالمرض الذي يوصف اليوم بأنه مزمن أو غير قابل للشفاء، هو مرض مزمن في نظر الأطباء، وفي حدود ما وصل إليه البحث العلمي، لكنه ليس بالضرورة كذلك في ميزان القدرة الإلهية. لقد علمنا التاريخ أن كثيرًا من الأمراض التي كانت قبل عشرات السنين تعني الموت الحتمي، أصبحت اليوم تعالج بأقراص صغيرة أو بحقنة أو بعملية جراحية بسيطة. بل إن الطب نفسه يراجع بين الحين والآخر كثيرًا من المسلمات التي كان يعتبرها حقائق نهائية. فكيف يجوز لنا أن نحول محدودية العلم البشري إلى حكم نهائي على مصير الإنسان؟ إن كلمة «المستحيل» هي كلمة بشرية بامتياز، لأنها تعبر عن حدود الإنسان، وعن حدود أدواته، وعن حدود علمه. أما الله سبحانه وتعالى، فلا يخضع علمه ولا قدرته لقوانين المختبرات، ولا لتقارير الأشعة، ولا لنتائج التحاليل، ولا لإجماع الأطباء. إن الذي خلق المرض، قادر على رفعه. والذي أوجد الداء، قادر على أن يوجد له دواء، سواء عرفه البشر أم جهلوه. » ولذلك، فإن الإيمان بالله لا يتعارض مع الطب، بل يدعو إلى الأخذ بأسبابه، وإلى البحث عن العلاج، وإلى تطوير العلوم، لكنه في الوقت نفسه يذكر الإنسان بأنه ليس سيد الكون، ولا مالك الحياة، ولا صاحب القرار الأخير فيها.
الشفاء ليس قرارًا طبيًا... كما أن الموت ليس قرارًا بشريًا
قد ينجح الطبيب في علاج مريض كان الجميع يعتقد أنه هالك. وقد يعجز عن إنقاذ آخر كانت حالته تبدو بسيطة. وهذا وحده يكفي ليؤكد أن الطب سبب من الأسباب، وليس صاحب القرار. الرحمة الحقيقية لا تكون بإنهاء الإنسان، وإنما بمرافقته، وبذل كل أسباب العلاج والرعاية، وتخفيف الألم، وإحاطته بالمحبة والكرامة، وعدم تركه يشعر بأنه أصبح عبئًا على أسرته أو مجتمعه. إن أخطر ما قد تصل إليه بعض المجتمعات هو أن يصبح إنهاء الحياة أسهل من الاستثمار في الرعاية التلطيفية، أو في البحث العلمي، أو في تطوير وسائل تخفيف الألم. فعندما يصبح الموت علاجًا، أخشى أن يتراجع البحث عن العلاج. وعندما يصبح إنهاء الحياة خيارًا قانونيًا، قد يضعف الإصرار على اكتشاف وسائل جديدة لإنقاذها. إن الحضارات لا تقاس بسرعة اتخاذ قرار الموت، وإنما بقدرتها على حماية الحياة، حتى في أصعب الظروف، وباستمرار الأمل، ولو كان ضئيلًا، لأن الأمل نفسه جزء من العلاج، وجزء من كرامة الإنسان.
الإعدام القضائي... تمنح الدولة نفسها حق إنهاء الحياة البشرية
إذا كانت بعض الدول قد شرعت المساعدة على الموت بدافع ما تعتبره رحمة بالمريض، فإن دولًا أخرى ما تزال تمنح نفسها حق إنهاء حياة الإنسان باسم العدالة، من خلال عقوبة الإعدام. ورغم اختلاف المبررات بين الحالتين، فإن السؤال الأخلاقي يبقى واحدًا: هل يملك البشر، أفرادًا كانوا أم دولًا، حق إنهاء حياة إنسان؟ لقد انقسم العالم منذ عقود حول عقوبة الإعدام. فمنذ اعتماد الأمم المتحدة الدعوات المتكررة إلى الحد من تطبيقها، ثم إعلان العاشر من أكتوبر يومًا عالميًا لمناهضة عقوبة الإعدام، أخذ عدد متزايد من الدول يتجه إلى إلغائها أو تعليق تنفيذها، بينما ما تزال دول أخرى تتمسك بها باعتبارها العقوبة القصوى في مواجهة الجرائم الأشد خطورة. وتشير المعطيات الدولية إلى أن أغلبية دول العالم لم تعد تنفذ الإعدام، سواء بإلغائه نهائيًا أو بتجميد تطبيقه، في حين لا يزال عدد أقل من الدول يواصل إصدار أحكام الإعدام وتنفيذها في جرائم محددة، تختلف من دولة إلى أخرى. وهذا التحول لا يعكس مجرد تغيير في النصوص القانونية، بل يكشف أن الضمير الإنساني ما يزال يعيش حيرة حقيقية أمام هذه العقوبة، حتى داخل الدول التي لا تزال تحتفظ بها.
هل الإعدام عقوبة... أم إنهاء للعقوبة؟
منذ سنوات، وأنا أطرح على نفسي سؤالًا بسيطًا: هل الإعدام عقوبة فعلًا؟ قد يبدو السؤال غريبًا، لكنه يستحق التأمل. فالعقوبة، في معناها الإنساني والقانوني، يفترض أن يعيشها المحكوم عليه، وأن يشعر بثقلها، وأن يراجع نفسه خلالها، وأن يدرك نتائج أفعاله، وأن يتحمل تبعات جرائمه. أما عندما يُعدم الإنسان، فإن كل شيء ينتهي في لحظة واحدة بالنسبة له. تنتهي القضية بالنسبة إليه. ينتهي الإحساس بالعقوبة، وينتهي الألم وينتهي الوجود الدنيوي كله. فكيف يمكن وصف الإعدام بأنه عقوبة، إذا كان المحكوم عليه لا يعيشها أصلًا؟ إنني أرى أن العقوبة الحقيقية هي التي تجعل الجاني يواجه نتائج أفعاله كل يوم، وأن يتحمل مسؤولية ما اقترفته يداه، وأن يعيش مع ذاكرته، ومع ندمه إن وجد، وأن يبقى حاضرًا أمام المجتمع الذي أضر به. أما الإعدام، فإنه يطوي الصفحة نهائيًا. وقد يكون، بالنسبة لبعض المجرمين، نهاية كانوا يتوقعونها أو حتى يسعون إليها.
القاضي... بشر وليس مالكًا للحقيقة المطلقة
هناك سبب آخر يجعلني أرفض عقوبة الإعدام، وهو أن القضاء، مهما بلغ من الاستقلال والنزاهة والكفاءة، يبقى عملًا بشريًا. والإنسان معرض للخطأ. قد تخطئ الأدلة. وقد يكذب الشهود. وقد تُفبرك القرائن. وقد تظهر حقائق جديدة بعد سنوات. وقد يتبين أن شخصًا أُدين ظلمًا. وقد عرف التاريخ، في أكثر من دولة، قضايا حُكم فيها بالإعدام، ثم ظهرت لاحقًا أدلة قاطعة أثبتت براءة المحكوم عليهم، لكن بعد فوات الأوان. وهنا يكمن الفرق بين الإعدام وغيره من العقوبات. فالسجن يمكن مراجعته، والتعويض ممكن، ورد الاعتبار، وإن كان لا يمحو الألم، يظل ممكنًا. أما الإعدام فلا رجعة فيه، إنه الحكم الوحيد الذي لا يسمح بتصحيح الخطأ، فهل يمتلك القاضي إمكانية عودة الحياة البشرية؟؟؟. ولهذا، فإن مجرد احتمال الخطأ البشري، مهما كان ضئيلًا، يجعلني أرى أن الاحتياط للحياة أولى من المجازفة بإنهائها.
هل تحقق العدالة بإنهاء حياة أخرى؟ أتفهم تمامًا مشاعر أسر الضحايا، وأتفهم الغضب الذي تثيره الجرائم البشعة، خاصة تلك التي تستهدف الأطفال أو الأبرياء أو ترتكب بوحشية. لكن العدالة لا تُبنى على الغضب وحده ، ولا على الرغبة في الانتقام، ولا على مبدأ «حياة مقابل حياة» بوصفه الحل الوحيد. فالعدالة الحقيقية لا تقتصر على معاقبة الجاني، بل تهدف أيضًا إلى حماية المجتمع، ومنع تكرار الجريمة، وإصلاح ما يمكن إصلاحه، وترسيخ سيادة القانون. وأعتقد أن السجن المؤبد الحقيقي، المصحوب بالعمل والإصلاح والتأهيل وتحمل المسؤولية، قد يكون في كثير من الحالات أشد وقعًا من إنهاء الحياة في دقائق معدودة.
السجون... للعقاب والإصلاح لا للراحة ولا للتصفية
إذا كان المجتمع يرى أن بعض المجرمين يشكلون خطرًا دائمًا، فإن الحل لا ينبغي أن يكون إنهاء حياتهم، بل عزلهم عن المجتمع، ومنعهم من تكرار جرائمهم، مع إخضاعهم لنظام عقابي صارم يحقق الردع ويحفظ الأمن. وأرى أن السجن ينبغي أن يعود إلى وظيفته الأصلية؛ مؤسسة للعقوبة والإصلاح والتقويم، لا فضاءً للفراغ أو لإعادة إنتاج الجريمة. فالعقوبة لا تكون بإزهاق روح الإنسان، وإنما بإلزامه بتحمل نتائج أفعاله، والعمل، والانضباط، وخدمة الصالح العام في حدود ما يسمح به القانون، مع المحافظة على كرامته الإنسانية. والأكيد أنه عند رحيله الطبيعي سيجد الحساب الكامل والشامل الذي يعطي تأشيرة الجنة أو النار.
إن الدولة القوية ليست تلك التي تكثر من تنفيذ الإعدامات، وإنما تلك التي تنجح في حماية المجتمع، وخفض معدلات الجريمة، وإقامة عدالة لا يختلط فيها الردع بالانتقام، ولا يتحول فيها القضاء إلى سلطة تمنح نفسها حقًا لا أعتقد أن أحدًا من البشر يملكه، وهو تقرير نهاية حياة إنسان.
الانتحار... يتحول الإنسان إلى قاضٍ وجلاد وضحية في آن واحد
لا يمكن أن نختزل الانتحار في قرار فردي فقط. فالمجتمع، والأسرة، والمدرسة، والإعلام، والمؤسسات الصحية، والدولة، جميعها تتحمل جزءًا من المسؤولية عندما تترك إنسانًا يغرق في العزلة أو الاكتئاب أو الإدمان أو الإحساس بعدم القيمة، دون أن يجد من يسمعه أو يسانده أو يوجهه إلى العلاج المناسب. إن الوقاية من الانتحار لا تبدأ عند حافة الجسر أو غصن شجرة، ولا عند نافذة مرتفعة، ولا عند لحظة الأزمة الأخيرة، بل تبدأ قبل ذلك بسنوات، داخل الأسرة، وفي المدرسة، وفي أماكن العمل، وفي بناء مجتمع يعترف بالصحة النفسية جزءًا أساسيًا من صحة الإنسان. كما تبدأ بإزالة الوصمة عن طلب المساعدة النفسية، حتى لا يشعر من يعاني بأنه مضطر إلى الصمت حتى يصل إلى مرحلة الخطر. فالحياة أمانة وليست ملكية خاصة. أؤمن بأن الإنسان حر في كثير من اختياراته، لكنه ليس مالكًا للحياة التي بين جنبيه. فالذي لم يختر يوم ميلاده، ولا مكان ولادته، ولا أسرته، ولا كثيرًا من تفاصيل وجوده، لا يملك أيضًا أن يعتبر الحياة ملكية خاصة يتصرف فيها كما يتصرف في أمواله أو ممتلكاته. إنها أمانة. والأمانة لا يملك صاحبها حق إتلافها متى شاء. ولهذا فإنني أرفض الانتحار، كما أرفض المساعدة على الموت، والقتل الرحيم، والإعدام القضائي، لأنها، وإن اختلفت دوافعها وأسماؤها، تشترك في أمر واحد، وهو أن قرار إنهاء الحياة يصدر من البشر، بينما أؤمن بأن هذا الحق ليس من حقوق البشر أصلًا.
الحياة هبة... وليست قرارًا بشريًا
بعد تأمل طويل في هذه القضايا الأربع، وصلت إلى قناعة لم تتغير، وهي أن اختلاف التسميات لا يغير حقيقة الفعل. قد تختلف النوايا؛ فهناك من يقصد الرحمة، ومن يقصد العدالة، ومن. يهرب من الألم، لكن النتيجة تبقى واحدة. إنني أؤمن بأن الإنسان مطالب بالبحث عن كل أسباب العلاج، وبالاجتهاد في البحث العلمي، وبالتخفيف من معاناة المرضى، وبإقامة عدالة قوية تحفظ أمن المجتمع، وبمساندة كل من يمر بأزمة نفسية أو يأس شديد، لكنني لا أرى أن أيًا من ذلك يمنحنا حق إنهاء الحياة عمدًا. لقد استطاع الإنسان أن يكتشف أسرارًا كثيرة في الكون، لكنه لم يستطع أن يخلق روحًا واحدة، ولم يستطع أن يعيد روحًا فارقت جسدها. ولهذا، فإن تواضع الإنسان أمام سر الحياة هو أول مظاهر الحكمة.
فالحياة ليست ملكًا لنا
وإنما هي هبة من الله، وأمانة بين أيدينا، والواجب علينا أن نصونها، وأن ندافع عنها، وأن نبذل كل ما نستطيع للمحافظة عليها، حتى يأتي اليوم الذي يسترد فيه واهبها أمانته، بإرادته، وفي الوقت الذي كتبه، لا في الوقت الذي يختاره البشر لأنفسهم أو لغيرهم.
#بوشعيب_حمراوي (هاشتاغ)
Bouchaib_Hamraouy#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
مؤسسة وسيط المملكة... محامي المواطن في مواجهة الإدارة المُخِ
...
-
بعد الباكالوريا... من يصنع نخب المغرب؟ ليست المشكلة في الشها
...
-
مات عبد الرحيم فقير تحت قبضة الشرطة الإيطالية .. لكن قضيته أ
...
-
فرنسا تتحرك لحماية أطفالها رقميًا... فمتى يتحرك المغرب لوقف
...
-
كلما اقترب عيد العرش ..تنشط مصانع التشهير والارتزاق ويشتد ال
...
-
قوة البرلمان من قوة الأحزاب... وجودة التشريع تبدأ من جودة ال
...
-
بيغاسوس يعود في ساعة التقارب المغربي الفرنسي: ورقة قديمة رخي
...
-
من قضية وسيم إلى محرقة الأيتام... نظام الجزائر يلاحق دعاية ا
...
-
جزار الجزائر.. عندما يذبح النظام أحلام شعبه
-
أسطول الصمود يفقد البوصلة... من كسر حصار غزة إلى منصة للإساء
...
-
قضية علي لمرابط .. التضامنُ يسبق القضاء و منصات التواصل تتح
...
-
النظام الجزائري يشاهد أوراقه تحترق واحدة تلو الأخرى: من سقوط
...
-
نعيب لاعبينا والعيب فينا... وما للاعبينا عيب سوانا أسود الأط
...
-
القطيع الرقمي في خدمة التفاهة : من صناعة الرأي إلى صناعة الت
...
-
وسيم والانتخابات التشريعية الجزائرية: تبون يرمي بكرة ثلج سيا
...
-
في زمن الفوضى الرقمية : أين اختفت الأجناس الصحفية وأخلاقيات
...
-
البكالوريا من امتحان تربوي إلى عملية أمنية : هل نحارب الغش أ
...
-
برلمان 2026: ترحال الساسة ومزادات علنية أشعلت سوق النخاسة
-
من الجهوية إلى الدولة الحديثة: الرسالة الملكية ترسم ملامح مغ
...
-
التربية الوطنية حق كل المغاربة... أكبر من مجرد حقيبة في يد و
...
المزيد.....
-
تصعيد إسرائيلي جنوب سوريا: توغلات في درعا واعتقالات بريف الق
...
-
مفوض حقوق الإنسان: رصدنا انتهاكات إسرائيلية للقانون الدولي ف
...
-
القاهرة تجمع 12 دولة لتأهيل قيادات المجتمع المدني الأفريقي و
...
-
الجيش الإسرائيلي: اعتقال أربعة فلسطينيين متهمين بسرقة سلاح ج
...
-
انطلاق الاجتماع الـ17 للتعاون العام بين جامعة الدول العربية
...
-
مداهمات واعتقالات وفتح للطرق بالقوة.. إسرائيل تصعّد توغلاتها
...
-
تونس.. تزايد الضغوط الإدارية والمالية يهدد بقاء منظمات المجت
...
-
تشاد تعلن رسميا انسحابها من المحكمة الجنائية الدولية
-
الجيش الإسرائيلي يعلن اعتقال مدنيين عبرا الحدود إلى سوريا
-
رايتس ووتش تدعو الحكومات لحماية استقلال الجنائية الدولية بعد
...
المزيد.....
-
نحو – إعدام! - عقوبة الإعدام
/ رزكار عقراوي
-
حول مطلب إلغاء عقوبة الإعدام في المغرب ورغبة الدولة المغربية
...
/ محمد الحنفي
-
الإعدام جريمة باسم العدالة
/ عصام سباط
-
عقوبة الإعدام في التشريع (التجربة الأردنية)
/ محمد الطراونة
-
عقوبة الإعدام بين الإبقاء و الإلغاء وفقاً لأحكام القانون الد
...
/ أيمن سلامة
-
عقوبة الإعدام والحق في الحياة
/ أيمن عقيل
-
عقوبة الإعدام في الجزائر: الواقع وإستراتيجية الإلغاء -دراسة
...
/ زبير فاضل
-
عقوبة الإعدام في تونس (بين الإبقاء والإلغاء)
/ رابح الخرايفي
المزيد.....
|