أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - بوشعيب حمراوي - قوة البرلمان من قوة الأحزاب... وجودة التشريع تبدأ من جودة النخب من التزكية الحزبية إلى تشكيل الحكومة... كيف تُصنع المؤسسة التشريعية في المغرب؟















المزيد.....


قوة البرلمان من قوة الأحزاب... وجودة التشريع تبدأ من جودة النخب من التزكية الحزبية إلى تشكيل الحكومة... كيف تُصنع المؤسسة التشريعية في المغرب؟


بوشعيب حمراوي
استاذ كاتب وصحفي

(Bouchaib Hamraouy)


الحوار المتمدن-العدد: 8772 - 2026 / 7 / 20 - 23:21
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


قوة البرلمان من قوة الأحزاب... وجودة التشريع تبدأ من جودة النخب
من التزكية الحزبية إلى تشكيل الحكومة... كيف تُصنع المؤسسة التشريعية في المغرب؟

بقلم: بوشعيب حمراوي

 تُغلق أبواب البرلمان وتُفتح أسئلة الديمقراطية..
ليس كل إغلاق نهاية، وليس كل افتتاح بداية جديدة بالضرورة. فهناك مؤسسات تُغلق أبوابها إيذانًا بانتهاء دورة من دوراتها الدستورية، لكنها في الحقيقة تفتح أبوابًا أوسع للنقاش والمراجعة والمساءلة والتفكير. وهذا ما يحدث اليوم مع اختتام الولاية التشريعية الحادية عشرة (2021-2026)، التي أسدل الستار على أشغالها، ودخلت البلاد معها مرحلة سياسية جديدة عنوانها الاستعداد لانتخابات تشريعية ستحدد ملامح المؤسسة التي ستتولى صناعة التشريع، ومراقبة العمل الحكومي، وتمثيل الإرادة الشعبية خلال السنوات الخمس المقبلة.
ومع اقتراب كل موعد انتخابي، يعلو ضجيج الشعارات، وتشتد المنافسة بين الأحزاب والمرشحين، وتمتلئ المنصات الرقمية والفضاءات العمومية بالوعود والاتهامات والاستقطابات، وكأن الانتخابات مجرد سباق نحو المقاعد، أو معركة للفوز بالأغلبية، أو منافسة على عدد الأصوات. غير أن هذا الضجيج، في كثير من الأحيان، يحجب السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن يتصدر النقاش الوطني، وهو: أي برلمان يحتاجه المغرب في هذه المرحلة؟ وأي نوع من الرجال والنساء ينبغي أن يحمل أمانة التشريع باسم الأمة؟
لقد اعتدنا أن نناقش أسماء المرشحين أكثر مما نناقش طبيعة المؤسسة التي يسعون إلى ولوجها، وأن ننشغل بالألوان الحزبية أكثر من انشغالنا بمستوى الكفاءات التي تقدمها الأحزاب للمغاربة. وكثيرًا ما يتحول النقاش إلى حسابات انتخابية ضيقة، بينما يغيب الحديث عن البرلمان باعتباره إحدى أهم المؤسسات الدستورية التي تتوقف عليها جودة القوانين، وفعالية الرقابة، واستقرار السياسات العمومية، وثقة المواطنين في مؤسسات دولتهم.
إن البرلمان ليس مجرد بناية تتوسط العاصمة، ولا منصة لإلقاء الخطب أو الظهور الإعلامي، ولا فضاءً لتبادل الاتهامات بين الأغلبية والمعارضة، كما تحاول بعض الصور النمطية أن تختزله. إنه المؤسسة التي تُترجم داخلها الإرادة الشعبية إلى قوانين، وتُناقش فيها السياسات العمومية، وتُراقب من خلالها الحكومة، وتُصادق فيها الاتفاقيات الدولية، وتُناقش الميزانيات الكبرى، وتُرسم فيها الأطر القانونية التي ستؤثر في حياة المواطنين، وفي الاقتصاد الوطني، وفي التعليم والصحة والاستثمار والعدالة، بل وفي مستقبل الأجيال القادمة.
ولذلك، فإن الحديث عن البرلمان لا ينبغي أن يبدأ يوم الاقتراع، ولا أن ينتهي بإعلان النتائج. فالبرلمان ليس لحظة انتخابية عابرة، وإنما هو مسار طويل يبدأ داخل الأحزاب السياسية، ويمر عبر اختيار المرشحين، وتأهيلهم، وتأطيرهم، ثم ينتهي بتشكيل المؤسسة التي ستتولى ممارسة واحدة من أخطر السلطات التي منحها الدستور لممثلي الأمة، وهي سلطة التشريع والرقابة.
ومن هنا، فإن أي نقاش جاد حول إصلاح العمل البرلماني لا يمكن أن يظل حبيس انتقاد النواب بعد انتخابهم، بل ينبغي أن يعود إلى المنبع الأول الذي تتشكل فيه النخب السياسية، وتُمنح فيه التزكيات، وتُرسم فيه لوائح المرشحين، وتُحدد فيه ملامح من سيجلسون تحت قبة البرلمان. فقبل أن يكون البرلمان مسؤولية النواب، فهو أيضًا مسؤولية الأحزاب التي اختارتهم، ومسؤولية الناخبين الذين منحوا لهم الثقة، ومسؤولية المجتمع الذي يراقب أداءهم ويحاسبهم.
إن المغرب، وهو يستعد لاستحقاقات كبرى، ويواصل تنزيل أوراشه التنموية، ويعزز حضوره الإقليمي والدولي، ويتهيأ لاحتضان كأس العالم 2030، يحتاج إلى مؤسسة تشريعية ترتقي إلى مستوى هذه التحولات. ولا يمكن تحقيق ذلك بمجرد تغيير الوجوه أو تبديل الأغلبية، وإنما بإعادة الاعتبار لمنطق الكفاءة، والجدية، والنزاهة، والتكوين، والخبرة، والمسؤولية، باعتبارها معايير أساسية لاختيار من يشرعون باسم الأمة.
هذه المقالة لا تنطلق من الرغبة في تقييم الولاية التشريعية المنتهية، ولا من الانتصار لحزب أو لمعارضة أو لأغلبية، وإنما تنطلق من قناعة راسخة بأن مستقبل البرلمان المغربي يبدأ قبل فتح صناديق الاقتراع، وأن جودة المؤسسة التشريعية ليست وليدة الصدفة، بل هي نتيجة مباشرة لجودة الأحزاب، وجودة النخب التي تفرزها، وجودة الاختيارات التي يقوم بها المواطن يوم التصويت.

أُغلِق البرلمان... وبقي السؤال الأكبر: من يستحق أن يدخله  مستقبلا ؟
مع انتهاء الولاية التشريعية وإغلاق أبواب البرلمان، قد يعتقد البعض أن الأمر لا يعدو أن يكون محطة دستورية عادية تتكرر كل خمس سنوات. غير أن المتأمل في عمق التجربة الديمقراطية يدرك أن نهاية ولاية برلمانية ليست مجرد إغلاق لبناية أو توقف لجلسات ولجان، وإنما هي لحظة وطنية تستوجب وقفة تأمل ومراجعة قبل أن تكون موعدًا لبدء حملة انتخابية جديدة.
ففي كل مرة يغلق فيها البرلمان أبوابه، يُفتح في المقابل باب أكبر للنقاش: هل قدمنا للمؤسسة التشريعية أفضل ما لدينا من كفاءات؟ وهل كانت معايير اختيار المرشحين في مستوى جسامة المسؤولية؟ وهل أصبح البرلمان في نظر المجتمع فضاءً لصناعة القرار والتشريع، أم ما زال البعض ينظر إليه باعتباره مجرد محطة انتخابية أو وسيلة لتحقيق المكاسب والمواقع؟
إن هذه الأسئلة لا تستهدف أشخاصًا بعينهم، ولا تتعلق بحزب دون آخر، بل تمس جوهر الحياة الديمقراطية. فالمؤسسة التشريعية ليست ملكًا للأغلبية ولا للمعارضة، وليست فضاءً للتنافس من أجل النفوذ، وإنما هي مؤسسة دستورية تمثل جميع المغاربة، ويجب أن تعكس مستوى طموحاتهم، وتواكب التحولات الكبرى التي تعرفها المملكة.
ولذلك، فإن السؤال الذي ينبغي أن يسبق كل حديث عن التحالفات، واللوائح، والحملات، والبرامج، هو سؤال بسيط في صياغته، لكنه عميق في دلالاته: من يستحق حقًا أن يدخل البرلمان القادم ؟ هل يكفي أن يكون المرشح قادرًا على الفوز في الانتخابات؟ أم أن التشريع يحتاج إلى كفاءات تمتلك المعرفة، والرؤية، والقدرة على الحوار، والاستعداد لخدمة المصلحة العامة بعيدًا عن الحسابات الضيقة؟
إن الجواب عن هذا السؤال هو الذي سيحدد، في النهاية، ليس فقط شكل البرلمان المقبل، بل أيضًا جودة القوانين، وفعالية الرقابة، وقوة الحكومة التي ستنبثق عنه، ومستقبل التجربة الديمقراطية المغربية بأكملها.

البرلمان لا يبدأ يوم الاقتراع... بل يبدأ داخل الأحزاب السياسية
من أكثر الأخطاء شيوعًا في النقاش العمومي أن كثيرًا من الناس يربطون البرلمان بيوم الاقتراع، وكأن المؤسسة التشريعية تولد صباح فتح مكاتب التصويت، ثم تكتمل بمجرد إعلان النتائج. والحقيقة أن البرلمان لا يبدأ يوم التصويت، بل يبدأ قبل ذلك بوقت طويل، داخل مقرات الأحزاب السياسية، حيث تُصنع القرارات الأولى التي سترسم ملامح المؤسسة التشريعية برمتها.
فالأحزاب السياسية ليست مجرد هيئات تخوض الانتخابات أو تبحث عن المقاعد، وإنما هي، وفق روح الدستور، مؤسسات للتأطير والتكوين والتأهيل، ومدارس لإعداد النخب، وجسور تربط بين المجتمع والدولة. ومن داخلها تبدأ أولى حلقات صناعة البرلمان، لأنها هي التي تبحث عن المرشحين، وتختبر قدراتهم، وتمنحهم التزكية، وتضع أسماءهم في مقدمة اللوائح أو مؤخرة الترتيب، وتحدد البرامج التي سيدافعون عنها أمام الناخبين.
ولذلك، فإن جودة البرلمان لا يمكن أن تكون أفضل من جودة الأحزاب التي أفرزته. فحين تضع الأحزاب الكفاءة والنزاهة والخبرة معيارًا في اختيار مرشحيها، فإنها تكون قد وضعت اللبنة الأولى لبناء مؤسسة تشريعية قوية. أما إذا غلبت الاعتبارات الظرفية، أو الحسابات الضيقة، أو منطق الولاءات الشخصية، فإنها تكون قد زرعت بذور الضعف داخل البرلمان قبل أن يفتح أبوابه.
إن المواطن يرى يوم الاقتراع الصورة الأخيرة، لكنه لا يرى ما سبقها من مراحل طويلة. لا يرى كيف تُحسم التزكيات، ولا كيف تُختار الأسماء، ولا كيف تُرتب اللوائح، ولا كيف يُفاضل بين الكفاءات. ومع ذلك، فإن هذه المراحل هي التي تحدد إلى حد بعيد مستوى المؤسسة التشريعية التي ستنبثق لاحقًا.
ولهذا، فإن إصلاح البرلمان يبدأ من إصلاح الأحزاب، لأن الأحزاب هي البوابة الأولى التي يعبر منها كل نائب أو مستشار نحو المؤسسة التشريعية.


الأحزاب... ليست آلات انتخابية بل مصانع للنخب الوطنية
في الديمقراطيات الراسخة، لا تُقاس قوة الحزب بعدد مقاعده فقط، وإنما بقدرته على إنتاج الكفاءات، وصناعة القيادات، وتجديد نُخبه، وإعداد أطر تمتلك المعرفة والخبرة والقدرة على تحمل المسؤولية. فالحزب السياسي ليس مكتبًا لتوزيع التزكيات، ولا لجنة موسمية تنشط مع اقتراب الانتخابات، وإنما مؤسسة يفترض أن تعمل طوال الولاية على تكوين مناضليها، وتأهيلهم، وإشراكهم في النقاش العمومي، وإعدادهم لتحمل المسؤوليات المحلية والجهوية والوطنية.
فإذا كانت الجامعة تُخرّج الأطباء والمهندسين والقضاة، فإن الأحزاب مطالبة بتخريج مشرعين قادرين على قراءة النصوص القانونية، وفهم التحولات الاقتصادية، واستيعاب القضايا الاجتماعية، ومواكبة التحديات الرقمية والبيئية والدبلوماسية التي أصبحت تفرض نفسها على التشريع الحديث.
إن البرلمان لا يحتاج إلى من يتقنون الخطابة فقط، بل إلى من يتقنون التفكير والتحليل وصياغة الحلول. فالنائب لا يُنتخب لإلقاء الكلمات، وإنما للمساهمة في صناعة القانون، ومراقبة الحكومة، والدفاع عن مصالح المواطنين بالحجة والمعرفة والاقتراح.
ومن هنا، فإن قوة الأحزاب لا تنعكس فقط على نتائج الانتخابات، بل تنعكس مباشرة على جودة البرلمان، وعلى صورة المؤسسة التشريعية في نظر المواطنين، وعلى ثقة المجتمع في العمل السياسي برمته.

من التزكية إلى تشكيل الحكومة... رحلة صناعة القرار الوطني
قد يعتقد كثير من المواطنين أن دور الأحزاب ينتهي بمجرد إعلان نتائج الانتخابات، بينما الحقيقة أن دورها الحقيقي يبدأ بعد ذلك.
فالأحزاب هي التي تشكل الفرق البرلمانية، وتختار رؤساءها ومكاتبها، وتقترح أعضاء اللجان الدائمة، وتحدد من سيمثلها في لجنة العدل، أو المالية، أو الخارجية، أو التعليم، أو الداخلية، أو القطاعات الإنتاجية، وغيرها من اللجان التي تُناقش داخلها مشاريع القوانين قبل وصولها إلى الجلسات العامة.
وهي كذلك التي تحدد موقعها داخل المؤسسة التشريعية، فتختار أن تكون ضمن الأغلبية الحكومية أو في صفوف المعارضة، وفق نتائج الانتخابات والمشاورات السياسية. ومن رحم هذه الأغلبية تنبثق الحكومة، وتتحدد ملامح البرنامج الحكومي، وتُوزع الحقائب الوزارية، ويبدأ تنفيذ السياسات العمومية.
وهذا يعني أن البرلمان والحكومة ليسا مؤسستين منفصلتين، بل حلقتان مترابطتان في منظومة دستورية واحدة، وأن الأحزاب تشكل الحلقة التي تربط بينهما. فإذا كانت هذه الحلقة قوية، انعكس ذلك على جودة التشريع، واستقرار الأغلبية، وفعالية العمل الحكومي. أما إذا كانت ضعيفة، فإن آثار هذا الضعف تمتد إلى المؤسسة التشريعية، ثم إلى الحكومة، ثم إلى مختلف السياسات العمومية.
ولهذا، فإن الحديث عن إصلاح البرلمان لا يمكن أن ينفصل عن إصلاح الحياة الحزبية، لأن الأحزاب هي التي تصنع الرجال والنساء الذين سيتحملون مسؤولية التشريع والرقابة، وهي التي تتحمل، أمام التاريخ والرأي العام، مسؤولية جودة النخب التي تقدمها لتمثيل الأمة.

اللجان البرلمانية... حيث يُصنع القانون قبل أن يراه الرأي العام
كثير من المواطنين لا يعرفون من البرلمان سوى الجلسات الأسبوعية التي تنقلها شاشات التلفزيون، أو المناقشات العمومية التي تتصدر عناوين الصحف والمنصات الرقمية. فيتشكل لديهم انطباع بأن العمل البرلماني ينحصر في إلقاء الكلمات، أو طرح الأسئلة الشفوية، أو التصويت برفع الأيدي. غير أن الحقيقة مختلفة تمامًا، لأن الجزء الأكبر، والأكثر أهمية، من العمل التشريعي لا يجري داخل الجلسات العامة، بل داخل اللجان البرلمانية الدائمة والمؤقتة، التي تشكل العقل التقني والتشريعي للمؤسسة.
فهناك تُحال مشاريع القوانين ومقترحاتها، وهناك تُناقش مادةً مادة، وفقرةً فقرة، وهناك يُستمع إلى الوزراء والخبراء والمؤسسات الدستورية والهيئات المهنية، وهناك تُقترح التعديلات، وتُقبل أو تُرفض، وهناك تُصاغ النصوص في صورتها النهائية قبل أن تصل إلى الجلسة العامة للتصويت.
ومن هنا، فإن جودة التشريع لا تبدأ تحت قبة البرلمان أثناء البث المباشر، بل تبدأ داخل هذه اللجان، حيث يحتاج البرلماني إلى معرفة قانونية، وقدرة على التحليل، وإلمام بالاقتصاد والإدارة والمالية والسياسات العمومية، حتى يكون قادرًا على فهم الأثر الحقيقي لكل نص قانوني.
فكم من مادة قانونية تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها قد تُغير مسار قطاع اقتصادي كامل، أو تُحدث تحولًا في التعليم، أو تؤثر في الاستثمار، أو تعيد تنظيم علاقة المواطن بالإدارة، أو تمس الحقوق والحريات. ولذلك فإن التشريع ليس عملاً ارتجاليًا، بل مسؤولية علمية ووطنية تتطلب الكفاءة والدقة وبعد النظر.

الفرق البرلمانية... مدارس للنقاش أم مجرد تجمعات عددية؟
بعد إعلان نتائج الانتخابات، لا يتحول النواب إلى أفراد مستقلين داخل البرلمان، بل ينتظمون في فرق ومجموعات برلمانية تعكس انتماءاتهم السياسية. وهذه الفرق ليست مجرد إطار تنظيمي، بل هي المحرك الحقيقي للعمل البرلماني، فمن خلالها تُحدد الأولويات، وتُوزع المهام، ويُنسق الموقف من مشاريع القوانين، وتُصاغ المبادرات التشريعية، وتُحدد الاستراتيجيات الرقابية.
ولذلك، فإن قوة الفريق البرلماني لا تُقاس بعدد أعضائه فقط، وإنما بقدرته على إنتاج الأفكار، وإعداد الملفات، والاستعانة بالكفاءات والخبراء، وتقديم مقترحات عملية تعزز جودة النقاش التشريعي.
وفي البرلمانات المتقدمة، تحيط بكل فريق برلماني فرق من الباحثين والخبراء والمستشارين القانونيين والاقتصاديين، لأن البرلماني، مهما بلغت خبرته، لا يستطيع وحده الإحاطة بكل تفاصيل الملفات المعقدة التي تعرض عليه. أما في عالم اليوم، الذي يشهد ثورات متلاحقة في الذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني، والاقتصاد الرقمي، والتغيرات المناخية، فإن الحاجة إلى الخبرة أصبحت أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى.

البرلمان ليس فضاءً للوجاهة... بل ورشة دائمة لصناعة المستقبل
من المؤسف أن جزءًا من الصورة المتداولة حول البرلمان اختزل دوره في الامتيازات، والتعويضات، والبروتوكول، والظهور الإعلامي. وهذه صورة مجحفة بالمؤسسة، كما أنها تسيء إلى العمل السياسي الجاد، لأنها تحجب حقيقة أن البرلماني يتحمل مسؤولية دستورية ثقيلة، وأن نجاحه أو إخفاقه لا ينعكس عليه وحده، بل يمتد أثره إلى المجتمع والدولة.
فالبرلماني الحقيقي لا يُقاس بعدد تصريحاته، ولا بحجم حضوره الإعلامي، وإنما بما يقدمه من مبادرات تشريعية، وما يساهم به من تعديلات، وما يمارسه من رقابة مسؤولة، وما ينجزه داخل اللجان، وما يبذله من جهد في متابعة قضايا المواطنين، وربطها بالرؤية الوطنية الكبرى.
ولهذا، فإن البرلمان لا ينبغي أن يكون محطة لمن يبحث عن لقب أو مكانة اجتماعية، وإنما فضاءً لمن يمتلك الكفاءة، والقدرة على التضحية بالوقت والجهد، والإيمان بأن خدمة الوطن مسؤولية قبل أن تكون امتيازًا.

برلمان مغرب 2030... تحديات جديدة تفرض نخبًا جديدة
يقف المغرب اليوم على أعتاب مرحلة مفصلية في تاريخه الحديث. فالأوراش الملكية الكبرى، والمشاريع الاستراتيجية، والإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية، والاستعداد لاحتضان كأس العالم 2030، وتعزيز مكانة المملكة كشريك موثوق إقليميًا ودوليًا، كلها رهانات تتطلب مواكبة تشريعية على أعلى مستوى.
فلم يعد مقبولًا أن يظل التشريع متأخرًا عن سرعة التحولات التي يعرفها العالم. ولم يعد كافيًا أن يمتلك البرلماني الحماس وحده، بل أصبح مطالبًا بفهم الاقتصاد العالمي، والتحول الرقمي، والذكاء الاصطناعي، والأمن الغذائي، والطاقات المتجددة، والاستثمار، والدبلوماسية البرلمانية، وغيرها من الملفات التي أصبحت تؤثر مباشرة في مستقبل الدول.
إن برلمان مغرب 2030 يحتاج إلى رجال ونساء يجمعون بين النزاهة والكفاءة، وبين الثقافة السياسية والعلمية، وبين القدرة على الإنصات للمواطنين واستيعاب التحولات الدولية، حتى يكون التشريع المغربي مواكبًا لطموحات الدولة، لا متأخرًا عنها.

الغياب ليس المشكلة الوحيدة... بل ضعف صناعة النخب
كثيرًا ما يتحول النقاش العمومي، مع نهاية كل ولاية تشريعية، إلى الحديث عن نسب الحضور والغياب داخل البرلمان، وكأن أزمة المؤسسة التشريعية تختزل في المقاعد الفارغة أو في عدد الجلسات التي حضرها هذا النائب أو ذاك. ولا شك أن احترام الحضور والانضباط واجب دستوري وأخلاقي، لأن البرلماني مؤتمن على تمثيل الأمة، وليس من حقه أن يتخلف عن أداء مسؤولياته دون مبرر. غير أن اختزال أزمة البرلمان في ظاهرة الغياب وحدها، يُعد تبسيطًا مخلًا لقضية أكثر تعقيدًا وعمقًا.
فقد يحضر البرلماني كل الجلسات، لكنه لا يقدم مبادرة تشريعية واحدة، ولا يساهم في تعديل قانون، ولا يتدخل داخل اللجان، ولا يتابع الملفات التي تمس مصالح المواطنين، ولا يواكب التحولات الاقتصادية والاجتماعية والتكنولوجية التي يعرفها العالم. كما قد يغيب آخر لعذر مشروع، لكنه يترك بصمة واضحة في التشريع والرقابة والعمل داخل اللجان.
ومن هنا، فإن المعيار الحقيقي لنجاح البرلماني لا ينبغي أن يقتصر على الحضور الجسدي، وإنما يجب أن يمتد إلى جودة العطاء، وقيمة المبادرات، وعمق المساهمة في صياغة القوانين، وفعالية الرقابة على العمل الحكومي، والقدرة على الدفاع عن القضايا الوطنية الكبرى.
لكن قبل محاسبة البرلماني، ينبغي أن نطرح سؤالًا أكثر جوهرية: كيف وصل أصلًا إلى البرلمان؟ ومن الذي اختاره؟ وعلى أي أساس مُنح التزكية؟ وهل خضع لتكوين وتأهيل يؤهله لتحمل مسؤولية التشريع؟ هنا تعود الأنظار مرة أخرى إلى الأحزاب السياسية، باعتبارها الحلقة الأولى في صناعة النخب البرلمانية.

الناخب... الشريك الذي لا تنتهي مسؤوليته عند صندوق الاقتراع
إذا كانت الأحزاب تتحمل مسؤولية اختيار المرشحين، فإن المواطن يتحمل مسؤولية اختيار من سيمثلونه. فصندوق الاقتراع ليس مجرد وسيلة لتغيير الأشخاص، بل هو آلية دستورية لصناعة مؤسسات الدولة.
ولذلك، فإن صوت الناخب ليس ورقة توضع في صندوق ثم تنتهي مهمتها، بل هو تفويض دستوري قد يمتد أثره خمس سنوات كاملة، بل وقد تنعكس نتائجه على أجيال متعاقبة، لأن القوانين التي يصادق عليها البرلمان لا تنتهي بانتهاء الولاية، وإنما قد تبقى نافذة لعقود طويلة.
إن الديمقراطية لا تُبنى فقط بارتفاع نسبة المشاركة، وإنما ترتبط كذلك بجودة الاختيار. فالمواطن الذي يمنح صوته لمرشح لا يملك الحد الأدنى من الكفاءة أو النزاهة، لا يساهم فقط في اختيار نائب، بل يشارك، من حيث يدري أو لا يدري، في تشكيل مؤسسة تشريعية قد تعجز عن مواكبة رهانات الوطن.
ولهذا، فإن الانتخابات ليست موسمًا للعواطف، ولا مناسبة للولاءات الضيقة، ولا فرصة لتصفية الحسابات، وإنما هي لحظة وطنية يقرر فيها المواطن، بوعيه ومسؤوليته، شكل البرلمان الذي سيشرع باسمه ويراقب الحكومة نيابة عنه.

برلمان قوي لا يولد بالصدفة... بل تصنعه أحزاب قوية ومواطنون واعون
لقد أثبتت التجارب الديمقراطية، في مختلف أنحاء العالم، أن المؤسسات لا تصبح قوية بقرارات إدارية، ولا بالنصوص القانونية وحدها، وإنما بمن يشغلونها، وبالثقافة السياسية التي تؤطر عملها.
فالبرلمان القوي لا يمكن أن ينبثق عن أحزاب ضعيفة، ولا عن تنظيمات موسمية تنشط فقط أثناء الانتخابات، ولا عن معايير اختيار يغلب عليها منطق الولاء أو الحسابات الضيقة. كما أن الأحزاب القوية لا يمكن أن تستمر من دون ديمقراطية داخلية، وتجديد للنخب، واستثمار في التكوين السياسي والفكري والقانوني لأعضائها.
ومن هنا، فإن أي حديث عن إصلاح المؤسسة التشريعية ينبغي أن يبدأ بإصلاح الحياة الحزبية، وتطوير آليات إنتاج النخب، وإرساء ثقافة الاستحقاق والكفاءة، حتى يصبح البرلمان مرآة حقيقية لمستوى تطور المجتمع، لا مجرد انعكاس لموازين القوى الانتخابية.
إن المغرب، الذي يواصل بناء نموذجه التنموي، ويعزز حضوره القاري والدولي، ويستعد لاستحقاقات عالمية كبرى، لا يحتاج فقط إلى مؤسسات دستورية قوية، بل يحتاج أيضًا إلى نخب سياسية قادرة على تحويل هذه المؤسسات إلى أدوات حقيقية للإصلاح والتنمية وصناعة المستقبل.

المغرب لا يحتاج إلى انتخابات ناجحة فقط... بل إلى برلمان يصنع المستقبل
لقد أغلق البرلمان أبوابه، لكن أبواب المسؤولية الوطنية ما زالت مفتوحة على مصراعيها. وما بين نهاية ولاية تشريعية وبداية أخرى، لا ينبغي أن ينشغل المغاربة فقط بمن سيربح الانتخابات، أو بمن سيقود الأغلبية، أو بمن سيجلس على مقاعد الحكومة، بل عليهم أن ينشغلوا، قبل ذلك كله، بالسؤال الذي سيحدد مستقبل المؤسسة التشريعية، ومستقبل التجربة الديمقراطية، ومستقبل التنمية في بلادنا.
فالبرلمان ليس غاية في حد ذاته، بل وسيلة لبناء دولة قوية، واقتصاد متين، ومجتمع تسوده العدالة والكرامة والفرص المتكافئة. وكلما ارتفع مستوى النخب التي تدخله، ارتفع مستوى التشريع، وتحسنت الرقابة، وتقوت الحكومة، وتعززت ثقة المواطنين في المؤسسات.
إن الطريق إلى برلمان قوي لا يبدأ يوم فتح مكاتب التصويت، ولا ينتهي بإعلان النتائج. إنه يبدأ داخل الأحزاب السياسية، حيث تُصنع النخب، وتُمنح التزكيات، وتُبنى البرامج، ويستمر داخل المجتمع الذي يراقب ويحاسب، ثم يكتمل داخل صناديق الاقتراع، حيث يختار المواطن، بكل حرية ومسؤولية، من يضع بين يديه أمانة تمثيل الأمة.
وإذا كانت الأحزاب هي التي تختار المرشحين، وهي التي تشكل الفرق البرلمانية، وتوزع أعضاء اللجان، وتحدد مواقع الأغلبية والمعارضة، وتشارك في تشكيل الحكومة، فإن قوة البرلمان لا يمكن فصلها عن قوة الأحزاب، ولا جودة الحكومة عن جودة البرلمان، ولا نجاح التجربة الديمقراطية عن جودة الحياة الحزبية.
ولذلك، فإن الإصلاح الحقيقي لا يبدأ بعد الانتخابات، بل قبلها؛ حين تتحول التزكية إلى مسؤولية وطنية، ويصبح اختيار المرشح قرارًا يخضع لمعايير الكفاءة والنزاهة والاستحقاق، لا لموازين النفوذ والمصلحة. وعندما يلتقي حزب قوي، بمرشح كفء، وبناخب واعٍ، يصبح البرلمان مؤسسة قادرة على مواكبة طموحات المغرب، والدفاع عن مصالحه، وصياغة قوانين تصنع المستقبل.
لقد أُغلِق البرلمان... لكن السؤال سيظل مفتوحًا أمام كل الأحزاب، وكل المرشحين، وكل المواطنين: من يستحق حقًا أن يعود إليه؟  ومن يستحق أن يدخله؟



#بوشعيب_حمراوي (هاشتاغ)       Bouchaib_Hamraouy#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بيغاسوس يعود في ساعة التقارب المغربي الفرنسي: ورقة قديمة رخي ...
- من قضية وسيم إلى محرقة الأيتام... نظام الجزائر يلاحق دعاية ا ...
- جزار الجزائر.. عندما يذبح النظام أحلام شعبه
- أسطول الصمود يفقد البوصلة... من كسر حصار غزة إلى منصة للإساء ...
- قضية علي لمرابط .. التضامنُ يسبق  القضاء و منصات التواصل تتح ...
- النظام الجزائري يشاهد أوراقه تحترق واحدة تلو الأخرى: من سقوط ...
- نعيب لاعبينا والعيب فينا... وما للاعبينا عيب سوانا أسود الأط ...
- القطيع الرقمي في خدمة التفاهة : من صناعة الرأي إلى صناعة الت ...
- وسيم والانتخابات التشريعية الجزائرية: تبون يرمي بكرة ثلج سيا ...
- في زمن الفوضى الرقمية : أين اختفت الأجناس الصحفية وأخلاقيات ...
- البكالوريا من امتحان تربوي إلى عملية أمنية : هل نحارب الغش أ ...
- برلمان 2026: ترحال الساسة ومزادات علنية أشعلت سوق النخاسة
- من الجهوية إلى الدولة الحديثة: الرسالة الملكية ترسم ملامح مغ ...
- التربية الوطنية حق كل المغاربة... أكبر من مجرد حقيبة في يد و ...
- على هامش اليوم العالمي للأرامل : نساء يرغمن على تحمل أعباء أ ...
- رفقا بالمحامين : عندما ترتدي العدالة بدلتها السوداء يستعيد ا ...
- الأب.. الوطن الذي نكتشف عظمته متأخرين ..
- كرة القدم في حاجة إلى الأخلاق : الكذب الرياضي صنع أمجاداً وا ...
- الحقيقة التي يحاولون تزييفها : المدرب محمد وهبي أحد ضحايا ال ...
- ترامب وحرب الخليج: بعد مذكرة التفاهم الفشل قائم والخسارة للت ...


المزيد.....




- -شوارع العين- كما لم ترها من قبل..مصور يوثق خبايا مدينة بالإ ...
- أرفع جائزة أدبية صينية تذهب إلى عامل توصيل أطعمة
- ما الملابس الأنسب لمقاومة موجات الحرّ؟
- ترامب يفرض رسوما جمركية بنسبة 50% على السلع الكندية بسبب نزا ...
- أوروبا تتراجع في مجال الذكاء الاصطناعي.. فما الحلول؟
- علماء ألمان يستخلصون الماء من الهواء.. كيف يتم ذلك؟
- قطر تعلن استئناف الملاحة البحرية ضمن نطاق 7 أميال
- ألمانيا وبريطانيا تتعهدان بمواصلة دعم أوكرانيا
- الوسطاء يقترحون هدنة 10 أيام لإنقاذ اتفاق طهران وواشنطن
- Oppo تطرح هاتفها المنافس قريبا


المزيد.....

- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - بوشعيب حمراوي - قوة البرلمان من قوة الأحزاب... وجودة التشريع تبدأ من جودة النخب من التزكية الحزبية إلى تشكيل الحكومة... كيف تُصنع المؤسسة التشريعية في المغرب؟