أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - بوشعيب حمراوي - أسطول الصمود يفقد البوصلة... من كسر حصار غزة إلى منصة للإساءة إلى الوحدة الترابية للمغرب















المزيد.....

أسطول الصمود يفقد البوصلة... من كسر حصار غزة إلى منصة للإساءة إلى الوحدة الترابية للمغرب


بوشعيب حمراوي
استاذ كاتب وصحفي

(Bouchaib Hamraouy)


الحوار المتمدن-العدد: 8769 - 2026 / 7 / 17 - 02:31
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


بقلم: بوشعيب حمراوي

  التضامن لا يمنح أحداً رخصة المساس بأوطان الآخرين

لم يكن انخراط المغاربة، أفراداً وهيئات وفعاليات مدنية وحقوقية وسياسية، في دعم الشعب الفلسطيني، موقفاً طارئاً فرضته لحظة عابرة، ولا رد فعل انفعالياً مرتبطاً بتطورات الحرب على قطاع غزة، بل هو موقف تاريخي متجذر في الوجدان المغربي، يجد امتداده في الدولة والمجتمع، وفي المبادرات الرسمية والشعبية، وفي حضور القضية الفلسطينية داخل الوعي الوطني باعتبارها قضية عدل وكرامة وحق في الأرض والحياة.
ولهذا، فإن ما صدر عن «أسطول الصمود العالمي» بشأن الصحراء المغربية لا يمكن التعامل معه بوصفه مجرد هفوة إعلامية عابرة، أو خطأ تقني في إعداد خريطة، أو سوء اختيار لمصطلح سياسي. فالأمر يتعلق بمغالطات خطيرة أقحمت هذه المبادرة الدولية في نزاع لا يدخل ضمن أهدافها المعلنة، ولا صلة له بالمهمة التي تأسست من أجلها، والمتمثلة في المساهمة في كسر الحصار المفروض على قطاع غزة، ونقل رسالة تضامن إنسانية وأخلاقية إلى الشعب الفلسطيني..
لقد تأسس «أسطول الصمود العالمي» بفضل انخراط فعاليات تنتمي إلى دول وجنسيات وخلفيات مختلفة، اجتمعت، وفق ما أعلنته، على هدف واحد: دعم غزة، ورفض الحصار، والدفاع عن المدنيين، وإدانة ما يتعرض له الشعب الفلسطيني من قتل وتجويع وتهجير. ولم يكن من بين أهدافه المعلنة إصدار أحكام سياسية بشأن النزاعات الإقليمية، أو التدخل في قضايا السيادة الوطنية للدول، أو تبني أطروحات أطراف بعينها في ملفات معقدة تخضع لمسار أممي وسياسي خاص.
ومن المؤكد أن كثيراً من الأحرار الذين انخرطوا في هذه المبادرة، ودعموها مادياً أو معنوياً أو إعلامياً، ما كانوا ليشاركوا فيها لو علموا أنها ستنحرف عن الهدف الذي جمعتهم حوله، وستسمح بتحويل اسم التضامن مع غزة إلى غطاء لتمرير مواقف تمس الوحدة الترابية للمملكة المغربية، وتسيء إلى شعب ظل من أكثر شعوب العالم وفاءً لفلسطين وقضيتها..
إن أخطر ما في القضية ليس فقط مضمون ما نُشر، بل الطريقة التي جرى بها إقحام موضوع الصحراء المغربية داخل خطاب يفترض أنه إنساني جامع. فحين تتحول مبادرة تضامنية إلى منبر لفرض تصورات سياسية لا علاقة لها بهدفها، فإنها تفقد حيادها الأخلاقي، وتعرض وحدتها الداخلية للتصدع، وتضرب الثقة التي وضعتها فيها شعوب وفعاليات كثيرة.
أي علاقة بين كسر حصار غزة والمس بوحدة المغرب؟
السؤال الأول الذي يفرض نفسه بقوة هو: ما علاقة الصحراء المغربية بمهمة أسطول أُنشئ لكسر الحصار عن غزة؟
ما الذي يدفع هيئة دولية يفترض أنها منشغلة بإيصال رسالة إنسانية إلى الفلسطينيين، إلى فتح ملف سياسي وإقليمي لا يدخل ضمن اختصاصها ولا أهدافها ولا طبيعة تحركها؟
هل تحولت مهمة الإبحار نحو غزة إلى مناسبة لتوزيع الاعترافات السياسية، وإعادة رسم الحدود، وإصدار الأحكام في النزاعات الدولية؟
وهل صار التضامن مع فلسطين مشروطاً بالاصطفاف وراء مواقف أيديولوجية جاهزة بشأن قضايا أخرى؟
إن الدفاع عن الشعب الفلسطيني لا يحتاج إلى افتعال خصومات مع شعوب أخرى، ولا إلى المساس بثوابتها، ولا إلى استيراد أجندات جانبية من شأنها أن تفرق المتضامنين بدل أن توحدهم. كما أن القضية الفلسطينية أكبر من أن توضع في خدمة صراعات إقليمية أو حسابات ضيقة، وأسمى من أن تتحول إلى جسر لتمرير مواقف لا علاقة لها بغزة ولا بحصارها ولا بمعاناة أهلها.
كان يفترض في القائمين على الأسطول أن يدركوا أن قوته تكمن في وضوح هدفه ووحدة رسالته. فكلما اتسع نطاق تدخله خارج هذا الهدف، فقد جزءاً من مشروعيته، وأثار الشك في الجهات التي تتحكم في خطابه وقراراته.
هل نحن أمام خطأ عابر أم انحياز سياسي مقصود؟..
من حق الرأي العام المغربي أن يسأل: هل ما صدر عن «أسطول الصمود العالمي» مجرد خطأ غير مقصود، أم تعبير عن توجه سياسي داخل هياكله؟
الجواب عن هذا السؤال لا يكون بالصمت، ولا بتجاهل ردود الفعل، ولا بتقديم تبريرات عامة وغامضة، بل بتوضيح رسمي وصريح يحدد المسؤوليات.
إذا كان الأمر خطأً مهنياً أو تقنياً، فمن السهل تصحيحه: سحب المحتوى، توضيح الحقيقة، الاعتذار للمغاربة، والتأكيد على أن مهمة الأسطول لا تشمل اتخاذ مواقف من قضية الصحراء المغربية.
أما إذا كان ما نُشر يعبر عن موقف سياسي متبنى من داخل قيادة الأسطول، فإن المسألة تصبح أخطر بكثير؛ لأنها تعني أن هذه المبادرة لم تعد إطاراً إنسانياً جامعاً، بل تحولت إلى فضاء تتسلل إليه أجندات سياسية متعارضة، وأن القضية الفلسطينية أصبحت تُستعمل لتوفير الشرعية لمواقف أخرى.
ولا يكفي هنا القول إن الأسطول يضم جنسيات متعددة وآراء مختلفة. فالتعدد لا يعفي المؤسسة من مسؤوليتها، بل يفرض عليها قواعد واضحة تمنع أي طرف من توظيف اسمها ومصداقيتها لخدمة قناعاته الخاصة.
حين ينشر المحتوى عبر قناة أو منصة رسمية، فإنه لا يبقى رأياً شخصياً لأحد الأعضاء، بل يصبح مادة محسوبة على المؤسسة كلها، ما لم يصدر عنها توضيح ينفي ذلك ويحدد مصدر الخلل..
أين الوفد المغربي داخل هذا الأسطول؟
لعل أكثر الأسئلة إحراجاً يتعلق بموقع الوفد المغربي داخل «أسطول الصمود العالمي».
هل كان أعضاء الوفد المغربي على علم بالمادة قبل نشرها؟
هل عرضت عليهم لمراجعتها أو مناقشتها؟
هل نبهوا إلى ما تتضمنه من مغالطات؟
هل اعترضوا على إقحام قضية الوحدة الترابية للمملكة في عمل لا علاقة له بها؟
أم أنهم فوجئوا بما نُشر مثل باقي المغاربة؟
كل احتمال من هذه الاحتمالات يثير إشكالاً خاصاً.
فإذا كان الوفد المغربي لا يعلم بما يجري داخل الجهاز الإعلامي أو السياسي للمنصة، فما قيمة وجوده داخلها؟ وهل يقتصر دوره على المشاركة الرمزية دون أن تكون له قدرة على التأثير أو الاطلاع أو الاعتراض؟
وإذا كان قد علم واعترض، فمن واجبه أن يوضح للرأي العام المغربي طبيعة اعتراضه، ومتى قدمه، وكيف تجاوبت معه القيادة الدولية.
أما إذا كان يعلم ولم يتحرك، فإن الصمت هنا يصبح موضع مساءلة سياسية وأخلاقية، لأن المشاركة في مبادرة دولية لا تعني التخلي عن واجب الدفاع عن ثوابت الوطن.
لا أحد يطلب من الوفد المغربي أن يحول قضية غزة إلى ساحة صراع داخلي، ولا أن يشوش على الرسالة الإنسانية للأسطول. لكن من حق المغاربة أن ينتظروا منه موقفاً واضحاً عندما يُمس بلدهم، خصوصاً إذا تم ذلك من داخل الهيئة التي يمثلون المغرب في صفوفها.
إن الدفاع عن فلسطين لا يتعارض مع الدفاع عن المغرب، والتضامن مع غزة لا يقتضي الصمت عن الإساءة إلى الوحدة الترابية للمملكة. بل إن أول شروط التضامن الصادق أن يكون متبادلاً، وألا يُطلب من طرف أن يتنازل عن كرامته الوطنية حتى يثبت دعمه لقضية عادلة.
هل جرى التضليل بعلم الوفد المغربي أم بجهله؟
السؤال ليس اتهاماً مسبقاً، بل مطالبة مشروعة بالشفافية: هل صدرت المغالطات بعلم الوفد المغربي أم في غيابه؟
إذا كانت المادة قد أُعدت دون إشراكه، فإن ذلك يكشف عن ضعف خطير في بنية القرار داخل الأسطول، وعن وجود دوائر تتحكم في المحتوى دون اعتبار للوفود الوطنية أو لحساسية القضايا التي تتناولها.
أما إذا جرى إشعاره ولم يتخذ موقفاً، فإن الأمر يستوجب تفسيراً واضحاً. فلا يمكن لمن يمثل المغرب داخل إطار دولي أن يتعامل مع قضية الوحدة الترابية باعتبارها تفصيلاً قابلاً للتجاوز، أو موضوعاً ثانوياً يمكن السكوت عنه حفاظاً على علاقات تنظيمية عابرة.
وإذا قيل إن أعضاء الوفد المغربي كانوا يجهلون خلفيات المادة أو مصطلحاتها أو دلالاتها، فإن الجهل نفسه لا يصلح مبرراً، لأن من يدخل فضاء دولياً بهذا الحجم مطالب باليقظة، وبفهم ما يُنشر، وبالانتباه إلى كل ما يمكن أن يُستعمل ضد مصالح بلده.
المسؤولية لا تعني التخوين، لكنها تعني المحاسبة. والمحاسبة تبدأ بالسؤال عن الأدوار، وحدود الصلاحيات، وآليات اتخاذ القرار، وموقع المغاربة داخل قيادة الأسطول، وهل هم شركاء حقيقيون أم مجرد واجهة عددية تمنح المبادرة صفة التعدد الدولي؟

هل أثرت جنسيات بعض الأعضاء في توجيه الخطاب؟
تضم قيادة «أسطول الصمود العالمي» أعضاء من جنسيات وخلفيات سياسية وفكرية متعددة، وهو أمر طبيعي داخل مبادرة دولية. لكن هذا التنوع يطرح سؤالاً مشروعاً حول مدى تأثير المواقف الوطنية لبعض الأعضاء في الخط التحريري للمؤسسة.
هل نجحت بعض الأطراف في تسريب مواقف دولها أو تياراتها بشأن الصحراء المغربية إلى خطاب الأسطول؟
هل توجد داخل المنصة شخصيات تحمل مواقف مسبقة من المغرب وتستعمل المشروع الفلسطيني لتسويقها؟
هل جرى استغلال غياب اليقظة لدى وفود أخرى لتمرير محتوى منحاز؟
هذه الأسئلة لا يجوز أن تتحول إلى اتهامات جماعية على أساس الجنسية، لأن المسؤولية فردية ومؤسساتية، ولا يمكن تحميل شعب أو دولة بأكملها مسؤولية تصرف عضو أو مجموعة أعضاء. لكن في الوقت نفسه، من السذاجة تجاهل أن بعض النزاعات الإقليمية تجد طريقها إلى المنظمات الدولية عبر الأشخاص واللوبيات والشبكات الأيديولوجية.
من هنا، ينبغي على إدارة الأسطول أن تكشف للرأي العام عن الجهة التي أعدت المادة (الفيديو) ، ومن راجعها، ومن وافق على نشرها، حتى لا تبقى الشكوك معلقة، وحتى لا تتحول المبادرة كلها إلى موضع اتهام بسبب سلوك طرف داخلها.
الشفافية هنا ليست ترفاً، بل ضرورة لحماية الأسطول نفسه من التوظيف السياسي.
من يحرس الخط التحريري لمنصة تزعم جمع شعوب العالم؟
لا يمكن لمنصة دولية أن تعمل دون قواعد تحريرية ومؤسساتية واضحة. فكل محتوى يتناول قضايا الحدود والسيادة والنزاعات الدولية يجب أن يخضع لمراجعة دقيقة، لأن الخطأ فيه لا يشبه الخطأ في خبر عابر.
من يقرر داخل «أسطول الصمود العالمي» ما الذي يُنشر وما الذي لا يُنشر؟
هل توجد لجنة تحرير؟
هل تضم ممثلين عن الوفود الوطنية؟
هل هناك ميثاق يمنع الخوض في القضايا الخارجة عن مهمة الأسطول؟
هل تخضع المواد الحساسة لمراجعة قانونية وسياسية؟
إذا لم تكن هذه الآليات موجودة، فإن الأسطول أمام خلل بنيوي حقيقي. وإذا كانت موجودة، فإن ما وقع يعني أنها فشلت أو جرى تجاوزها عمداً.
إن المنظمات التي تبني شرعيتها على الثقة الأخلاقية مطالبة بأن تكون أكثر صرامة من غيرها، لأن خطأها لا يضر بصورتها فقط، بل يسيء إلى القضايا التي تدعي خدمتها.
والقضية الفلسطينية ليست بحاجة إلى منصات مرتجلة، بل إلى مبادرات منضبطة تعرف حدودها، وتحترم الدول والشعوب، ولا تسمح بتحويل العمل الإنساني إلى ساحة لتصفية الحسابات السياسية.
المغرب ليس مطالباً بأداء ضريبة تضامنه مع فلسطين
منذ عقود، ظل المغرب، ملكاً وشعباً، حاضراً في دعم القضية الفلسطينية. ولم يكن هذا الحضور مجرد بيانات ومواقف خطابية، بل تجسد في مبادرات إنسانية واجتماعية وسياسية، وفي عمل لجنة القدس برئاسة جلالة الملك محمد السادس، وفي المشاريع التي تنجزها وكالة بيت مال القدس لفائدة السكان والمؤسسات داخل المدينة المقدسة.
كما أن الشارع المغربي ظل من أكثر الشوارع العربية والإسلامية دفاعاً عن فلسطين، وتنظيماً للمسيرات والوقفات والحملات التضامنية، دون أن يطلب مقابلاً، ودون أن يجعل من فلسطين ورقة تفاوضية.
ولهذا، فإن المغاربة لا يقبلون أن يتحول دعمهم التاريخي إلى نقطة ضعف، أو أن يُطلب منهم الصمت عن الإساءة إلى وطنهم حتى لا يُتهموا بالتراجع عن نصرة فلسطين.
المغرب ليس مطالباً بأداء ضريبة على تضامنه. ولا يحق لأي جهة أن تضع المغاربة أمام خيار زائف: إما دعم فلسطين وإما الدفاع عن الصحراء المغربية.
القضيتان لا تتناقضان في الوعي المغربي. فالمغربي يمكنه أن يكون فلسطينياً في وجدانه، ومغربياً في ثوابته، مدافعاً عن حق الفلسطينيين في دولتهم، وفي الوقت نفسه متمسكاً بوحدة بلده وسيادته على أقاليمه الجنوبية.
من يحاول خلق تعارض بين الموقفين، فهو لا يخدم فلسطين، بل يضر بها، لأنه يحولها من قضية جامعة إلى أداة للفرقة والابتزاز.
الصحراء المغربية ليست مادة دعائية مجانية
قضية الصحراء المغربية ليست فراغاً سياسياً يمكن لأي منظمة أن تملأه بما تشاء، وليست موضوعاً مفتوحاً للمزايدات الإيديولوجية.
إنها قضية وطنية لها تاريخها ومسارها ومرجعياتها، وتدبر داخل إطار أممي معروف. والمغرب تقدم بمبادرة الحكم الذاتي باعتبارها حلاً سياسياً واقعياً وذا مصداقية، ويحظى موقفه بدعم دولي متزايد.
كما أن الأقاليم الجنوبية ليست مجرد خطوط على خريطة، بل فضاء يعيش فيه مواطنون مغاربة، ينتخبون ممثليهم، ويديرون شؤونهم داخل مؤسسات وطنية وجهوية، ويشاركون في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية للمملكة.
ومن غير المقبول أن تأتي منصة تأسست لغزة، فتمحو كل هذا الواقع، وتتبنى سردية أحادية، ثم تقدمها للعالم تحت غطاء «النضال المشترك».
من منحها هذا الحق؟
ومن فوضها للحديث باسم سكان الأقاليم الجنوبية؟
ومن سمح لها باختزال ملف معقد في شعارات أيديولوجية جاهزة؟
إن الشعارات لا تصنع حقائق، وتكرار مقولات طرف واحد لا يحولها إلى حقيقة نهائية.
فلسطين أكبر من أن تُختطف لخدمة أجندات انفصالية
ما يجب أن يفهمه القائمون على الأسطول هو أن فلسطين ليست ملكاً لحزب أو تيار أو دولة أو أيديولوجيا. إنها قضية إنسانية وقومية ودولية، ولا يجوز اختطافها لتصفية حسابات أخرى.
إن ربط فلسطين بنزاعات انفصالية في دول أخرى يسيء إليها قبل أن يسيء إلى تلك الدول، لأنه يعطي خصومها فرصة للقول إن التضامن معها ليس إنسانياً، بل جزء من مشروع أيديولوجي عابر للحدود.
كما أن تحويل شعار «النضال الواحد» إلى وسيلة لجمع قضايا مختلفة بلا تمييز، أمر بالغ الخطورة. فليست كل النزاعات متشابهة، وليست كل الحالات متطابقة، ولا يمكن نقل مفاهيم الاستعمار والاحتلال والتحرر بصورة آلية من ملف إلى آخر.
الفكر الجاد يميز بين الوقائع والسياقات، أما الدعاية فتضع كل شيء في سلة واحدة.
وإذا كان الأسطول يريد حماية مصداقيته، فعليه أن ينأى بنفسه عن هذا التبسيط المخل، وأن يعود إلى مهمته الأصلية: غزة، والحصار، والحق في الحياة، لا إصدار الفتاوى السياسية بشأن حدود الدول.
المطلوب ليس تبريراً بارداً... بل موقفاً واضحاً ومسؤولاً
لم يعد كافياً أن يقال إن الأمر مجرد سوء فهم، أو إن المادة أعدها ناشط معين، أو إن تعدد الجنسيات يجعل ضبط المواقف صعباً.
المطلوب اليوم واضح:
سحب المحتوى المسيء، وتصحيح المغالطات، وتقديم اعتذار صريح للمغاربة، وفتح تحقيق داخلي يحدد كيف جرى إقحام موضوع الصحراء المغربية، ومن كان وراء ذلك، ولماذا غابت المراجعة المؤسسية.
كما يجب على الوفد المغربي أن يخرج من صمته، ويوضح موقفه ودوره وما إذا كان قد اعترض أو لم يُستشر.
فالصمت لا يحمي المبادرة، بل يضعفها. والغموض لا يطفئ الجدل، بل يغذي الشكوك. أما الاعتراف بالخطأ وتصحيحه، فهو وحده القادر على إعادة جزء من الثقة.
لا أحد يطلب من «أسطول الصمود العالمي» أن يتبنى الموقف المغربي أو أن يتحول إلى منصة للدفاع عن الصحراء المغربية. المطلوب أبسط من ذلك: أن يحترم اختصاصه، وألا يتدخل فيما لا يعنيه، وألا يتبنى أطروحات سياسية تمس سيادة بلد كان شعبه من بين أبرز المتضامنين مع القضية التي أنشئ الأسطول لخدمتها.
خاتمة: لا صمود بلا احترام... ولا تضامن على حساب الأوطان
إن ما حدث يجب ألا يمر كحادث عابر، لأن السكوت عنه قد يفتح الباب أمام تكراره، وقد يحول العمل التضامني الدولي إلى مساحة مباحة لاختراق الأجندات والحسابات الإقليمية.
لقد تأسس «أسطول الصمود العالمي» ليكسر حصار غزة، لا ليحاصر حق المغاربة في الدفاع عن وطنهم. تأسس لينقل رسالة حياة وحرية، لا لينشر مغالطات تمس وحدة دولة وشعب. تأسس ليجمع الأحرار، لا ليفرقهم بين مؤيد لقضية فلسطين ومدافع عن سيادة بلده.
المغاربة لا يحتاجون إلى دروس في التضامن مع فلسطين، فقد أثبتوا موقفهم في الشارع والمؤسسات والمبادرات الإنسانية. لكنهم، في الوقت نفسه، لن يقبلوا أن تتحول فلسطين إلى ذريعة للإساءة إلى المغرب، أو أن يستعمل اسم غزة لتبرير الانحياز إلى أطروحات معادية لوحدته الترابية.
وعلى أعضاء الأسطول من مختلف الدول أن يسألوا أنفسهم: هل كانوا سينخرطون في هذه المبادرة لو قيل لهم منذ البداية إنها ستتحول إلى منصة للخوض في الحدود والسيادات والنزاعات الإقليمية؟ وهل كانوا سيقبلون أن يتخذ الأسطول موقفاً يمس وحدة بلدانهم؟
إن الجواب الصادق عن هذا السؤال يكشف حجم الانحراف الذي وقع.
اليوم، أصبح «أسطول الصمود العالمي» أمام امتحان أخلاقي وتنظيمي حاسم. إما أن يثبت أنه قادر على تصحيح أخطائه، واحترام الدول والشعوب التي احتضنت رسالته، والعودة إلى هدفه الأصلي، وإما أن يصر على الصمت والمراوغة، فيتحول من مبادرة تضامنية إلى فضاء فاقد للبوصلة، تسيطر عليه أجندات لا علاقة لها بغزة.
أما الوفد المغربي، فهو مطالب بدوره بموقف لا لبس فيه. فالوجود داخل المنظمات الدولية ليس صورة تذكارية ولا لقباً شرفياً، بل مسؤولية ومساءلة ودفاع عن الوطن عند الحاجة. ومن لا يملك القدرة على الاعتراض حين يُمس بلده، فعليه أن يوضح للرأي العام معنى وجوده وحدود دوره.
نعم لفلسطين، ونعم لكسر الحصار عن غزة، ونعم لكل مبادرة إنسانية صادقة. لكن لا وألف لا لاستعمال القضية الفلسطينية جسراً للإساءة إلى المغرب، ولا لتحويل التضامن إلى مقايضة، ولا للصمت حين تُمس الوحدة الترابية للمملكة.
فالتضامن الذي لا يحترم أوطان الآخرين ليس تضامناً، والصمود الذي ينحرف عن هدفه يفقد معناه، ومن يطالب العالم بالعدالة لفلسطين عليه أولاً أن يكون عادلاً مع المغرب.
يمكن اعتماد عنوان بديل أكثر حدة: «أسطول بلا بوصلة: كيف تحول مشروع كسر حصار غزة إلى منصة للمساس بوحدة المغرب؟».



#بوشعيب_حمراوي (هاشتاغ)       Bouchaib_Hamraouy#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قضية علي لمرابط .. التضامنُ يسبق  القضاء و منصات التواصل تتح ...
- النظام الجزائري يشاهد أوراقه تحترق واحدة تلو الأخرى: من سقوط ...
- نعيب لاعبينا والعيب فينا... وما للاعبينا عيب سوانا أسود الأط ...
- القطيع الرقمي في خدمة التفاهة : من صناعة الرأي إلى صناعة الت ...
- وسيم والانتخابات التشريعية الجزائرية: تبون يرمي بكرة ثلج سيا ...
- في زمن الفوضى الرقمية : أين اختفت الأجناس الصحفية وأخلاقيات ...
- البكالوريا من امتحان تربوي إلى عملية أمنية : هل نحارب الغش أ ...
- برلمان 2026: ترحال الساسة ومزادات علنية أشعلت سوق النخاسة
- من الجهوية إلى الدولة الحديثة: الرسالة الملكية ترسم ملامح مغ ...
- التربية الوطنية حق كل المغاربة... أكبر من مجرد حقيبة في يد و ...
- على هامش اليوم العالمي للأرامل : نساء يرغمن على تحمل أعباء أ ...
- رفقا بالمحامين : عندما ترتدي العدالة بدلتها السوداء يستعيد ا ...
- الأب.. الوطن الذي نكتشف عظمته متأخرين ..
- كرة القدم في حاجة إلى الأخلاق : الكذب الرياضي صنع أمجاداً وا ...
- الحقيقة التي يحاولون تزييفها : المدرب محمد وهبي أحد ضحايا ال ...
- ترامب وحرب الخليج: بعد مذكرة التفاهم الفشل قائم والخسارة للت ...
- الكراهية تبدأ بكلمة... وتنتهي بحريق يلتهم الإنسانية
- أسود الأطلس يزأرون ... عندما تتحول كرة القدم إلى محكمة للأنس ...
- على هامش اليوم العالمي لمناهضة عمل الاطفال : الطفل يحتاج إلى ...
- البرلمان الذي نريد : يفرض رقي الساسة والقضاء على أسواق النخا ...


المزيد.....




- التحقيق مع مُشغِّل جهاز التلقين الخاص بترامب قبل خطابه المُر ...
- RT تكشف إرهاب نظام كييف العابر للحدود
- تحالفات طهران في ميزان التحولات الإقليمية
- إسبانيا تكافح حريقا ضخما في أراغون وسط موجة حر
- الكشف عن -السبب المأساوي- لحادث مميت قرب جزيرة ألكاتراز الأم ...
- مسؤول أمريكي يثير الجدل بفيديو دعائي يظهر فيه فوق دبابة وبحو ...
- CNN نقلا عن مصادر: الجيش الأمريكي لم يجر حتى الآن مراجعة كام ...
- -ليس من هذا العالم-.. راكون غامض يتحول إلى حديث سكان سياتل ا ...
- إيران تتوعد برد أقوى وأشد في حال استهداف بنيتها التحتية وتحذ ...
- تقارير: مقاتلة أمريكية من طراز F-35 تعلن حالة طوارئ خلال الع ...


المزيد.....

- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - بوشعيب حمراوي - أسطول الصمود يفقد البوصلة... من كسر حصار غزة إلى منصة للإساءة إلى الوحدة الترابية للمغرب