|
|
برلمان 2026: ترحال الساسة ومزادات علنية أشعلت سوق النخاسة
بوشعيب حمراوي
استاذ كاتب وصحفي
(Bouchaib Hamraouy)
الحوار المتمدن-العدد: 8751 - 2026 / 6 / 29 - 17:06
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
السياسة التي نريد... والسياسة التي نعيشها
لم تعد السياسة، في نظر كثير من المواطنين، ذلك الفضاء النبيل الذي تتنافس داخله الأفكار، وتتبارى فيه البرامج، وتتقاطع فيه الرؤى من أجل خدمة الوطن وتحقيق التنمية وصيانة كرامة الإنسان. ولم تعد الأحزاب السياسية، في نظر شريحة واسعة من الرأي العام، مدارس للتأطير والتكوين وصناعة النخب وإعداد الكفاءات القادرة على تدبير الشأن العام. بل إن المشهد الذي يتكرر مع اقتراب كل استحقاق انتخابي يجعل الكثيرين يشعرون بأن السياسة، في بعض تجلياتها، أصبحت موسماً للمفاوضات أكثر منها موسماً للمحاسبة، ومناسبة لإعادة توزيع المواقع أكثر منها فرصة لتقييم الحصيلة، وسوقاً مفتوحة للاستقطاب أكثر منها مجالاً للتنافس حول المشاريع المجتمعية.
ومع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المرتقبة، بدأت ملامح هذا الموسم السياسي تطفو على السطح في عدد من المدن والقرى، وفي المجالس المنتخبة، وداخل مقرات الأحزاب، وفي الفضاءات الرقمية، وحتى في المقاهي والأسواق والتجمعات العائلية ومواقع التواصل الاجتماعية . فالحديث لم يعد يدور حول ما تحقق خلال الولاية التشريعية الحالية، ولا حول ما تعثر من مشاريع، ولا حول أسباب تعثر التنمية في عدد من المناطق، ولا حول تقييم أداء المنتخبين في البرلمان أو الجماعات الترابية أو الجهات، وإنما أصبح الحديث ينصب، في الغالب، على أسماء الأشخاص، وتحركاتهم، وتحالفاتهم، وانتقالاتهم، وحظوظهم في الفوز، وكأن السياسة اختزلت في أسماء، واختفت منها المبادئ والبرامج والمؤسسات.
ولعل أخطر ما في هذا المشهد أن المواطن، الذي يفترض أن يكون محور العملية الديمقراطية، أصبح في كثير من الأحيان آخر من يُفكر فيه. فبدل أن تنشغل بعض النخب السياسية بإعداد حصيلة واضحة تقدمها للناخبين، أو بصياغة برامج واقعية تستجيب لانتظارات المجتمع، انشغلت بإعادة ترتيب الأوراق، وحساب موازين القوة، واستقطاب المنتخبين، وبناء تحالفات جديدة، استعداداً ليوم الاقتراع، وكأن السنوات الخمس الماضية لم تكن سوى مرحلة تمهيدية للوصول إلى هذه اللحظة الفاصلة.
ما أكتبه ليس موجها ضد حزب معين، ولا ضد شخص بعينه، كما أننا لا ننكر وجود رجال ونساء يمارسون السياسة بصدق وإخلاص ويؤدون واجبهم الوطني بكفاءة ونزاهة. لكنها محاولة لقراءة عدد من الظواهر التي تتكرر مع كل استحقاق انتخابي، والتي أصبحت، للأسف، تؤثر في صورة العمل السياسي، وتعمق أزمة الثقة بين المواطن والمؤسسات المنتخبة، وتدفع فئات واسعة، خاصة من الشباب، إلى الاعتقاد بأن السياسة لم تعد فضاءً لخدمة الوطن، بل أصبحت عند البعض طريقاً نحو النفوذ والمكانة والمصالح.
موسم الانتخابات: تتوقف السياسة ويعلق تدبير الشأن المحلي والوطني.. وينطلق سباق المقاعد
قبل أشهر من فتح مكاتب التصويت، تبدأ انتخابات من نوع آخر، لا يراها المواطن في وسائل الإعلام الرسمية، ولا تنقل تفاصيلها البلاغات الحزبية، لكنها تدور في الكواليس بكل تفاصيلها. لقاءات مغلقة، واتصالات متواصلة، ووساطات، ومفاوضات، وحسابات دقيقة، واستطلاع لموازين القوى، ومحاولات لاستقطاب هذا المنتخب أو ذاك، وإقناع شخصية نافذة بالترشح تحت هذا اللون الحزبي أو ذاك، وإعادة رسم خرائط النفوذ داخل الدوائر الانتخابية.. وطبعا تعلق المشاريع ومهام تدبير الشأن المحلي والوطني.
إنها مرحلة تتحرك فيها الآلة السياسية بكامل طاقتها، ليس من أجل مناقشة البرامج أو تقييم الحصيلة أو البحث عن حلول لمشكلات المواطنين، أو تسريع إنهاء الوعود السابقة و المشاريع العالقة، وإنما من أجل تأمين أفضل المواقع قبل انطلاق السباق الرسمي. وكأن السياسة أصبحت، عند البعض، لعبة شطرنج يتحرك فيها اللاعبون وفق حسابات الربح والخسارة، بينما يبقى المواطن مجرد متفرج ينتظر نهاية المباراة.
وفي هذه المرحلة، تتراجع ملفات التنمية المحلية، ويخفت النقاش حول جودة الخدمات العمومية، وتتوقف المبادرات التي كان يفترض أن تستمر حتى آخر يوم من الولاية الانتدابية، لأن الأولوية تتحول إلى شيء آخر بديل.. إلى المحافظة على القواعد الانتخابية، واستمالة المترددين، وتقوية النفوذ، وضمان أفضل موقع ممكن في الخريطة المقبلة.
وهنا تبرز مفارقة مؤلمة؛ فالمواطن الذي منح ثقته لمنتخبيه من أجل الدفاع عن مصالحه، يجد نفسه أمام مسؤولين أصبحت عيون بعضهم تتجه إلى صناديق الاقتراع المقبلة أكثر مما تتجه إلى الملفات العالقة فوق مكاتبهم.
الساسة وسوق النخاسة... مزادات علنية ومفاوضات حارقة في الكواليس
قد يبدو العنوان قاسياً، لكنه يعكس، من باب المجاز السياسي، واقعاً يراه كثير من المتابعين مع اقتراب كل محطة انتخابية. فالمشهد يشبه أحياناً سوقاً كبيرة، تعرض فيها الأسماء، وتُقاس فيها قيمة بعض المرشحين بما يعتقد أنهم يملكونه من أصوات، أو بما يمثلونه من نفوذ انتخابي، لا بما قدموه من عمل أو بما يحملونه من مشروع سياسي. هناك مزادات تُدار في العلن، عندما تتنافس الأحزاب على استقطاب أسماء معروفة، وهناك مفاوضات أكثر سخونة تجري بعيداً عن الأضواء، حيث تُطرح الشروط، وتُناقش الضمانات، وتُوزن المصالح، ويصبح السؤال المطروح: من يستطيع أن يحقق الفوز؟ لا من يستطيع أن يخدم الوطن بصورة أفضل.
والمؤسف أن هذه الأجواء تجعل البرامج في المرتبة الثانية، بل وربما الثالثة، بينما يحتل الأشخاص واجهة المشهد. فتتحول بعض الأحزاب إلى باحثة عن مرشحين جاهزين، بدل أن تكون صانعة للكفاءات، ويتحول بعض المرشحين إلى باحثين عن أحزاب تمنحهم أفضل فرصة للفوز، بدل أن يكونوا مؤمنين بمشروع سياسي واضح.
وحين تصبح المفاوضات أهم من المبادئ، والاستقطاب أهم من التأطير، والنتائج أهم من القيم، فإن السياسة تفقد جزءاً من رسالتها الأخلاقية، وتتحول، في نظر المواطنين، إلى ساحة للمساومات أكثر منها مدرسة لخدمة الصالح العام.
الترحال السياسي: يفقد الانتماء معناه ويصبح الحزب مجرد محطة عبور
إذا كان الاختلاف في الرؤى والبرامج أمرًا طبيعيًا داخل أي نظام ديمقراطي، فإن الطبيعي أيضًا أن يكون الانتماء الحزبي مبنيًا على قناعة فكرية ومشروع سياسي ورؤية مجتمعية، لا على حسابات ظرفية تتغير بتغير موازين القوى أو فرص الفوز. غير أن ما أصبح يلفت الانتباه مع اقتراب كل استحقاق انتخابي هو عودة ظاهرة الترحال السياسي بقوة، حتى غدا الانتقال من حزب إلى آخر، عند بعض المنتخبين، أمرًا اعتياديًا لا يثير الاستغراب، وكأن الانتماء الحزبي لم يعد سوى لباس سياسي يُغيَّر كلما تغيرت الظروف، أو كلما ظهرت فرصة أوفر حظًا للفوز. المؤلم في هذه الظاهرة ليس فقط انتقال بعض المنتخبين من حزب إلى آخر، وإنما الرسائل السلبية التي تبعثها إلى المواطنين، وخاصة الشباب الذين يبحثون عن معنى الالتزام السياسي. فكيف يمكن إقناع الناخب بأن البرامج هي أساس الاختيار، إذا كان بعض المرشحين مستعدين للدفاع اليوم عن برنامج كانوا بالأمس القريب يهاجمونه؟ وكيف يمكن الحديث عن المبادئ إذا كانت الألوان والشعارات تتبدل بسرعة، بينما تبقى الوجوه نفسها، والخطابات نفسها، والأهداف نفسها؟
لقد أصبح بعض الساسة ينتقلون بين الأحزاب كما ينتقلون بين الأزقة والدروب، لا يتوقفون عند تاريخ الحزب، ولا عند مرجعيته، ولا عند مناضليه الذين أفنوا سنوات طويلة في بنائه، وإنما ينظرون إليه باعتباره وسيلة للوصول إلى المقعد الانتخابي، فإذا ضاقت بهم السبل فيه، بحثوا عن محطة أخرى، وحزب آخر، ولون جديد، ورمز مختلف، دون أن يشعروا بأي حرج أمام المواطنين الذين سبق أن خاطبوهم باسم حزب آخر، ودافعوا أمامهم عن أفكاره، وأقسموا على الوفاء لبرنامجه.
والأخطر من ذلك أن بعض الأحزاب أصبحت، بدورها، تتعامل مع هذه الظاهرة ببراغماتية مفرطة، فتفتح أبوابها في آخر لحظة أمام أسماء كانت إلى وقت قريب خصومًا سياسيين، لا لاقتناعها بما يحملونه من أفكار أو كفاءات، وإنما لأنها ترى فيهم مفاتيح انتخابية قد ترفع عدد المقاعد، حتى وإن كان الثمن هو إحباط مناضلي الحزب الذين صبروا سنوات طويلة، ثم وجدوا أنفسهم في آخر المطاف يتراجعون إلى الخلف لصالح وافدين جددز
الأحزاب غائبة... والأشخاص يحتلون المشهد
المتتبع للنقاش الدائر اليوم، سواء في المجالس الخاصة أو في الفضاءات العامة أو على مختلف منصات التواصل الاجتماعي، يلاحظ أن الأحزاب السياسية تكاد تكون الغائب الأكبر عن الحديث، بينما يحتل الأشخاص واجهة المشهد بالكامل. فلا أحد يسأل عن البرامج الاقتصادية أو الاجتماعية، ولا عن التصورات المتعلقة بالصحة أو التعليم أو التشغيل أو التنمية المجالية، وإنما ينصب الاهتمام على سؤال واحد: من سيرشح؟ وتحت أي رمز؟ وإلى أي حزب سينتقل؟ لقد أصبح اسم المرشح، عند شريحة من الناخبين، أهم من اسم الحزب، وأصبح الرمز الانتخابي مجرد تفصيل صغير يمكن تغييره في كل استحقاق، دون أن يؤثر في سلوك عدد من المصوتين الذين لا يربطون اختيارهم بالمشروع السياسي، وإنما بولائهم للشخص نفسه.
هذه الظاهرة تكشف، في جانب منها، عن أزمة تأطير حقيقية، لأن الحزب الذي لا يستطيع أن يجعل الناخب يصوت لبرنامجه أكثر مما يصوت لأشخاصه، يفقد تدريجيًا دوره كمؤسسة سياسية، ويتحول إلى مجرد إطار قانوني يمنح التزكية، بينما تصبح الانتخابات منافسة بين شبكات النفوذ، لا بين المشاريع المجتمعية.
إن الأحزاب لا تُقاس بعدد المقاعد التي تحصل عليها فقط، بل بقدرتها على إنتاج الأفكار، وتأطير المجتمع، وتكوين القيادات، وتجديد نخبها، وترسيخ ثقافة الديمقراطية الداخلية. أما عندما يصبح همها الأول هو البحث عن الأسماء القادرة على جلب الأصوات، مهما كان تاريخها أو انتماؤها السابق، فإنها تساهم، دون أن تشعر، في إضعاف نفسها، وفي تعميق الفجوة بينها وبين المواطنين.
ليس كل من يجيد الفوز يجيد تمثيل الأمة
الفوز في الانتخابات لا يعني بالضرورة النجاح في أداء المهمة التي من أجلها انتُخب البرلماني أو المنتخب المحلي. فالمعيار الحقيقي لا يقاس بعدد الأصوات التي حصل عليها المرشح، وإنما بما قدمه بعد وصوله إلى المؤسسة التي يمثل فيها المواطنين. ومن المؤسف أن تجارب متعددة أظهرت أن بعض المنتخبين الذين يحققون نتائج انتخابية كبيرة، لا يتركون الأثر نفسه داخل المؤسسات المنتخبة. فمنهم من يغيب عن النقاش العمومي، ومنهم من يكون حضوره التشريعي أو الرقابي محدودًا، ومنهم من لا يعرف المواطنون عن أنشطته سوى الصور والمنشورات، بينما تبقى حصيلته الفعلية أقل من مستوى الانتظارات.
والأكثر إيلامًا أن بعض الدوائر الانتخابية ظلت تعيد انتخاب الوجوه نفسها، رغم أن حصيلتها كانت محل انتقاد واسع من السكان، ورغم أن كثيرًا من الوعود التي قُدمت في الحملات الانتخابية السابقة بقيت حبيسة الشعارات. إن البرلمان ليس قاعة شرفية، ولا بطاقة امتياز اجتماعي، ولا لقبًا يسبق الاسم، وإنما مؤسسة دستورية تضطلع بمهام جسيمة في التشريع، ومراقبة العمل الحكومي، والترافع عن قضايا المواطنين، والمساهمة في رسم السياسات العمومية. ولذلك فإن النجاح الحقيقي يبدأ بعد إعلان النتائج، لا قبلها، ويقاس بما ينجزه المنتخب داخل المؤسسة وخارجها، لا بعدد اللافتات التي حملت صورته أثناء الحملة الانتخابية.
ذاكرة انتخابية قصيرة... وغضب يتبخر عند أول موسم انتخابي
من أغرب المفارقات التي يفرزها المشهد الانتخابي، وربما من أكثرها إثارة للحيرة، أن شريحة غير قليلة من المواطنين تقضي سنوات الولاية الانتدابية في انتقاد بعض المنتخبين والبرلمانيين، وتوجيه سهام الغضب إليهم، وتحميلهم مسؤولية تعثر المشاريع، وضعف الترافع عن قضايا الإقليم، وغيابهم عن التواصل مع الساكنة، بل إن بعضهم لا يتردد في اتهامهم بالفشل في أداء أدوارهم داخل مجلس النواب أو داخل المجالس المنتخبة، وفي التعبير عن خيبة أمله من حصيلتهم التي لا ترقى إلى حجم الوعود التي أغدقوا بها خلال الحملات الانتخابية السابقة. وتزداد حدة الانتقادات كلما ظهرت مشاريع متعثرة، أو خدمات متدهورة، أو مشاكل يومية تمس حياة المواطنين، فتتحول المقاهي والمنتديات وصفحات التواصل الاجتماعي إلى محاكم شعبية تصدر أحكامها القاسية على المنتخبين، ويعلو صوت المطالبة بالتغيير، وبإفساح المجال أمام كفاءات جديدة قادرة على تحمل المسؤولية. لكن، ما إن تقترب الانتخابات حتى يحدث تحول غريب يصعب تفسيره بمنطق السياسة وحده. فالغضب الذي استمر سنوات يبدأ في التلاشي، والانتقادات تخفت، والذاكرة تصبح أقل حدة، ويعود بعض من كانوا بالأمس أشد المنتقدين إلى الاصطفاف خلف الوجوه نفسها، والدفاع عنها، والترويج لها، بل والعمل على إقناع الآخرين بالتصويت لها من جديد.
وكأن السنوات الخمس الماضية لم تكن سوى سحابة صيف، وكأن الوعود التي لم تتحقق، والمطالب التي بقيت معلقة، والشكاوى التي ملأت المجالس والفضاءات الرقمية، قد اختفت فجأة من الذاكرة الجماعية.
ولا يتعلق الأمر دائمًا بالاقتناع بحصيلة جديدة، بل أحيانًا بعوامل اجتماعية أو شخصية أو قبلية أو مصلحية، تجعل بعض الناخبين يقدمون الولاء على التقييم، والعلاقة الشخصية على المصلحة العامة، والاعتياد على التغيير. وهنا تطرح الديمقراطية سؤالًا مؤرقًا: كيف يمكن محاسبة المنتخب إذا كان جزء من الناخبين مستعدًا لتجاوز الحصيلة بمجرد انطلاق الحملة الانتخابية؟ وكيف يمكن تجديد النخب إذا كانت الذاكرة الانتخابية قصيرة إلى هذا الحد؟ فالمساءلة ليست مسؤولية المؤسسات وحدها، بل هي أيضًا مسؤولية الناخب الذي يمتلك أقوى وسيلة للتغيير، وهي صوته.
المال الانتخابي يجعل الأصوات استثمارًا لا اختيارًا
لا يمكن الحديث عن نزاهة الانتخابات دون التوقف عند تأثير المال على العملية الانتخابية. فالمال، عندما يتحول إلى وسيلة للتأثير في إرادة الناخب، لا يفسد المنافسة فقط، بل يضرب في العمق مبدأ تكافؤ الفرص، ويجعل الكفاءة والبرنامج في مواجهة غير متكافئة مع النفوذ والإمكانات المالية. وليس المقصود هنا المال بمعناه المباشر فقط، وإنما مختلف أشكال صناعة الولاءات، سواء عبر الخدمات، أو الامتيازات، أو استغلال الحاجة الاجتماعية، أو بناء شبكات من المصالح تجعل التصويت، في بعض الحالات، امتدادًا لعلاقة منفعة أكثر منه تعبيرًا عن قناعة سياسية.
وعندما يصبح المقعد الانتخابي استثمارًا، فإن البعض ينظر إليه بعد الفوز باعتباره وسيلة لاسترجاع ما أنفق، بدل اعتباره تكليفًا لخدمة المواطنين، وهنا تكمن بداية الانحراف عن جوهر العمل السياسي.
وسائل التواصل الاجتماعي... حملات انتخابية لا تتوقف
أصبحت المنصات الرقمية لاعبًا رئيسيًا في تشكيل الرأي العام، لكنها تحولت أيضًا، عند بعض الفاعلين، إلى حملات انتخابية مفتوحة على مدار السنة. فالصور، ومقاطع الفيديو، والبث المباشر، والمنشورات الممولة، والصفحات التي لا يعرف أحد من يقف وراءها، كلها أصبحت أدوات لصناعة صورة المرشح، أحيانًا بصورة تتجاوز حجم حضوره الحقيقي على الأرض. وفي المقابل، يمكن أن تتحول هذه الوسائل إلى أدوات لتشويه المنافسين، أو نشر الإشاعات، أو تضليل الناخبين، وهو ما يجعل الحاجة ملحة إلى رفع مستوى الوعي الرقمي، حتى لا تتحول التكنولوجيا إلى وسيلة للتأثير غير المشروع على الاختيار الحر للمواطن.
الأحزاب تبحث عن المقاعد أكثر من المناضلين
من الأسئلة التي تفرض نفسها بإلحاح: لماذا تصمت بعض الأحزاب أمام ظاهرة الترحال السياسي؟ ولماذا تقبل، في أحيان كثيرة، بضم أسماء كانت إلى وقت قريب تنافسها أو تنتقدها؟ هل لأن الفوز أصبح أولوية تتقدم على المشروع السياسي؟ أم لأن الأحزاب نفسها تعيش أزمة في استقطاب الكفاءات وصناعة القيادات؟ إن الحزب القوي هو الذي يبني رجاله ونساءه من داخله، ويمنح الفرصة لمناضليه، ويجعل الكفاءة والالتزام معيارًا للترشح، لا أن يتحول، مع اقتراب كل انتخابات، إلى محطة استقبال للوافدين الباحثين عن أفضل فرصة للفوز.
المواطن بين العزوف الانتخابي وفقدان الثقة
ليس من الصعب أن نفهم لماذا يعزف عدد من المواطنين، وخاصة الشباب، عن المشاركة السياسية، عندما يشاهدون المشهد نفسه يتكرر في كل استحقاق. وجوه تتغير ألوانها الحزبية ولا تتغير ممارساتها، ووعود تتكرر، وخطابات متشابهة، وتحالفات يصعب فهم منطقها، ومواطن يشعر بأن صوته قد لا يغير الكثير.
لكن العزوف ليس حلًا، لأن ترك الساحة فارغة لا يؤدي إلا إلى تكريس الواقع نفسه. والديمقراطية لا تُصلح بالمقاطعة وحدها، بل بالمشاركة الواعية، وباختيار من يستحق الثقة على أساس الحصيلة والكفاءة والنزاهة.
رسائل قبل فتح صناديق الاقتراع
رسالة إلى الأحزاب: استعيدوا دوركم الحقيقي كمؤسسات للتأطير وصناعة النخب، ولا تجعلوا عدد المقاعد أهم من جودة الرجال والنساء الذين يمثلونكم.
رسالة إلى المنتخبين: اعلموا أن المقعد ليس ملكية خاصة، بل أمانة منحها لكم المواطن، وسيظل من حقه أن يسائلكم عن كل وعد، وعن كل مشروع، وعن كل يوم قضيتموه في خدمة الصالح العام أو بعيدًا عنه.
رسالة إلى الدولة ومؤسسات الرقابة: إن حماية نزاهة الانتخابات، وتكافؤ الفرص، والتصدي لكل الممارسات التي تسيء إلى الثقة في المؤسسات، ليست مسؤولية قانونية فقط، بل مسؤولية وطنية مرتبطة بمستقبل الديمقراطية.
رسالة إلى الناخبين: لا تجعلوا القرابة، أو الصداقة، أو الانتماء القبلي، أو المصالح العابرة، تحجب عنكم حق الوطن عليكم. اسألوا كل مرشح: ماذا قدم؟ ماذا أنجز؟ كيف دافع عن دائرته؟ وما الذي يجعله يستحق فرصة جديدة؟ فالصوت الانتخابي ليس مجاملة، وليس هدية، وليس دينًا يُرد، بل هو أمانة، وأثره قد يمتد لسنوات.
السياسة مسؤولية... لا مزاد مفتوح
ستظل الانتخابات واحدة من أهم تجليات الديمقراطية، لكنها لن تحقق أهدافها إذا تحولت إلى مجرد سباق للفوز، أو إلى موسم للمساومات، أو إلى مناسبة يتراجع فيها الحديث عن البرامج لصالح الأشخاص، وعن المبادئ لصالح الحسابات، وعن الوطن لصالح المصالح الضيقة.
إن قوة أي تجربة ديمقراطية لا تُقاس بعدد الأحزاب المشاركة، ولا بنسبة المشاركة وحدها، وإنما تُقاس بقدرة المجتمع على إنتاج نخب سياسية تحترم ذكاء المواطنين، وتؤمن بأن السلطة وسيلة لخدمة الناس، لا غاية في حد ذاتهاز
فالأوطان لا تنهض بالولاءات العابرة، ولا تبنى بالمفاوضات التي تشتعل في الكواليس، ولا تستقيم حين تصبح المقاعد غنائم، والأحزاب محطات عبور، والناخب مجرد رقم يُستدعى كل خمس سنوات.
إن الأوطان القوية هي التي تجعل من السياسة مدرسة للأخلاق قبل أن تكون ساحة للمنافسة، وتجعل من البرلمان صوتًا للمواطنين قبل أن يكون منصة للوجاهة، وتجعل من الجماعات الترابية ورشًا للتنمية لا ساحات للصراع حول النفوذ. وعندما يصبح معيار الاختيار هو الكفاءة، والحصيلة، والنزاهة، والقدرة على خدمة الوطن، سيكتشف الجميع أن الديمقراطية ليست صندوق اقتراع يُفتح في يوم واحد، بل ثقافة تُبنى كل يوم، ومسؤولية يتقاسمها الحزب، والمنتخب، والدولة، والمواطن على حد سواء. وعندها فقط، ستغلق أسواق المزايدات السياسية، وتُفتح أبواب المنافسة الحقيقية على خدمة الوطن، لأن الوطن لا يحتاج إلى مزيد من الصفقات، بل يحتاج إلى مزيد من رجال ونساء الدولة، وإلى مواطنين يجعلون من أصواتهم ميزانًا للحق، لا جسرًا لعودة من لم يحسن حمل الأمانة.
الساسة وسوق النخاسة... عندما يشارك الجميع في صناعة المشهد
الأزمة ليست أزمة الساسة وحدهم... بل أزمة منظومة كاملة
بعد كل ما قيل عن الترحال السياسي، وعن المفاوضات التي تشتعل في الكواليس، وعن المزادات العلنية والخفية، وعن اختفاء البرامج أمام هيمنة الأشخاص، قد يعتقد البعض أن الأزمة السياسية تختزل في سلوك بعض المنتخبين أو في ممارسات بعض الأحزاب. غير أن الحقيقة أكثر تعقيداً من ذلك بكثير، لأن المشهد السياسي لا يصنعه طرف واحد، ولا يمكن تحميل مسؤوليته لفئة بعينها، بل هو نتاج تفاعل منظومة كاملة تتقاسم المسؤولية بدرجات متفاوتة، تبدأ من الأحزاب السياسية، وتمر عبر المنتخبين والبرلمانيين، ولا تتوقف عند الإدارة والمؤسسات الرقابية، بل تصل أيضاً إلى الناخب نفسه، الذي يملك، في نهاية المطاف، الكلمة الأخيرة داخل صندوق الاقتراع.
إن الديمقراطية لا تضعف فقط عندما يسيء بعض السياسيين استعمالها، وإنما تضعف أيضاً عندما تتراجع الأحزاب عن أدوارها التأطيرية، وعندما يصمت المجتمع عن الاختلالات، وعندما تتحول الانتخابات إلى مجرد طقس يتكرر كل خمس سنوات دون أن يسبقه أو يواكبه نقاش حقيقي حول الحصيلة والمحاسبة، ودون أن يعقبه تقييم موضوعي لما تحقق وما لم يتحقق.
لقد اعتدنا، مع اقتراب كل محطة انتخابية، أن نوجه أصابع الاتهام إلى هذا الحزب أو ذاك، وإلى هذا المنتخب أو ذلك البرلماني، لكننا نادراً ما نتوقف لنسأل أنفسنا سؤالاً بسيطاً: من يعيد إنتاج هذا المشهد؟ ولماذا تتكرر الأسماء نفسها، والممارسات نفسها، والوعود نفسها، والنتائج نفسها، رغم أن المجتمع يعلن، في كل مناسبة، غضبه من الواقع السياسي؟
إن الجواب لا يوجد عند طرف واحد، لأن الأزمة، في جوهرها، ليست أزمة أشخاص فقط، بل أزمة ثقافة سياسية، وأزمة ذاكرة انتخابية، وأزمة أحزاب، وأزمة ثقة، وأزمة مواطن لم يعد، في كثير من الأحيان، يصوت انطلاقاً من تقييم موضوعي للحصيلة، وإنما تحكمه اعتبارات أخرى تتداخل فيها العلاقات الشخصية، والانتماءات العائلية، والحسابات المحلية، وأحياناً المصالح المباشرة، فتختلط السياسة بالاجتماع، والانتخاب بالمجاملة، والمحاسبة بالولاءز
المنتخب الموسمي... ضيف يظهر كل خمس سنوات
من أغرب الظواهر التي أصبحت مألوفة في الحياة السياسية، ذلك المنتخب الذي يختفي عن الأنظار بمجرد انتهاء الانتخابات، فلا يكاد المواطن يسمع صوته داخل المؤسسة التي انتخب من أجلها، ولا يراه في الأحياء والدواوير التي وعد بخدمتها، ولا يجد له أثراً في متابعة الملفات التي حملها على كتفيه أثناء الحملة الانتخابية، ثم لا يلبث أن يعود فجأة، قبل أشهر قليلة من موعد الاقتراع، وكأنه لم يغادر الساحة يوماً.
يصبح حضوره مفاجئاً في كل مكان؛ في الأعراس، وفي الجنائز، وفي المواسم، وفي الأنشطة الرياضية والثقافية، وفي حفلات التكريم، وفي اللقاءات الجمعوية، وفي الزيارات الاجتماعية، وحتى في الأماكن التي لم تطأها قدماه طوال سنوات الولاية الانتدابية. يبتسم للجميع، ويصافح الجميع، ويستعيد لغة القرب من المواطنين، ويعيد فتح دفتر الوعود، وكأن الزمن توقف عند آخر يوم من الحملة الانتخابية السابقة. ولا أحد يعترض على أن يكون المنتخب قريباً من المواطنين، فذلك جزء من واجبه، لكن الاعتراض يبدأ عندما يصبح هذا القرب موسماً انتخابياً لا سلوكاً دائماً، وعندما تتحول الزيارات إلى وسيلة لاستعادة الأصوات، لا إلى ممارسة طبيعية تفرضها المسؤولية التمثيلية.
إن المنتخب الحقيقي لا يحتاج إلى موسم انتخابي حتى يتذكر ناخبيه، لأن علاقته بهم لا تنتهي بإغلاق صناديق الاقتراع، بل تبدأ من تلك اللحظة، حيث يصبح مسؤولاً عن الدفاع عن مصالحهم، وتتبع ملفاتهم، والترافع عن قضاياهم، والعودة إليهم بحصيلة واضحة، لا بوعود جديدة.
والناخب الواعي هو الذي يميز بين من ظل حاضراً طوال خمس سنوات، ومن تذكر الطريق إلى المواطنين فقط عندما اقترب موعد الانتخابات.
ليس كل من يفوز يستحق أن يفوز مرة ثانية
الديمقراطية لا تعني منح الثقة إلى الأبد، ولا تجعل الفوز في انتخابات سابقة شهادة دائمة بالنجاح. فالمنتخب، سواء كان برلمانياً أو عضواً في مجلس جماعي أو جهوي، يخضع، مثل أي مسؤول آخر، لمنطق التقييم والمحاسبة. ومن حق المواطنين أن يسألوا كل من يطلب تجديد الثقة: ماذا أنجزت؟ وما الذي تحقق من وعودك؟ وما هو أثرك الحقيقي داخل المؤسسة التي مثلتنا فيها؟ لكن ما يحدث في بعض الأحيان يثير الاستغراب؛ إذ نجد منتخبين تعرضوا طوال سنوات لانتقادات واسعة بسبب ضعف حضورهم، أو محدودية مساهمتهم، أو تقصيرهم في التواصل مع المواطنين، أو عدم قدرتهم على الترافع عن قضايا دوائرهم، ثم يعودون ليجدوا أبواب الدعم مفتوحة من جديد، وكأن شيئاً لم يكن. وهنا لا يتعلق الأمر بإدانة أشخاص بعينهم، وإنما بطرح سؤال جوهري: لماذا لا تتحول الانتخابات إلى لحظة تقييم للحصيلة؟ ولماذا لا يصبح الإنجاز هو المعيار الأول لتجديد الثقة؟ إن الديمقراطية لا تكتمل إلا عندما يشعر المنتخب بأن سنوات ولايته ستكون محل تدقيق من المواطنين، وأن الحملة الانتخابية المقبلة لن تُبنى على الشعارات وحدها، بل على ما تحقق فعلاً على أرض الواقع.
عندما ينتصر الولاء على الحصيلة نعيد إنتاج المشهد نفسه
إذا كان من حق أي منتخب أن يطلب تجديد الثقة، فمن حق المجتمع أيضاً أن يتساءل: كيف يعاد انتخاب بعض الوجوه رغم أن حصيلتها كانت محل انتقاد واسع؟ ولماذا تتكرر النتائج نفسها رغم أن كثيراً من المواطنين كانوا، طوال سنوات، يعبرون عن استيائهم من أداء بعض البرلمانيين أو المنتخبين؟ الجواب لا يرتبط دائماً بغياب البدائل، وإنما يكمن، في حالات متعددة، في طبيعة السلوك الانتخابي نفسه. فهناك من يصوت بدافع القرابة العائلية، وآخر بدافع الانتماء القبلي، وثالث حفاظاً على علاقة مصلحة، ورابع لأنه اعتاد التصويت للشخص نفسه مهما تغير حزبه، وخامس لأنه يعتقد أن "المجرب خير من المجهول"، بينما يصوت آخرون بدافع الوفاء الشخصي، لا بناءً على تقييم موضوعي للحصيلة.
وهكذا، ينتصر الولاء أحياناً على الكفاءة، والعلاقة الشخصية على المصلحة العامة، وتصبح الانتخابات مناسبة لإعادة إنتاج الواقع نفسه بدل تغييره. ولا يمكن، في مثل هذه الحالات، تحميل المنتخب وحده مسؤولية استمرار المشهد، لأن الناخب نفسه يتحمل جزءاً من المسؤولية عندما يمنح صوته لمن سبق أن اقتنع بعدم قدرته على تمثيله بالشكل المطلوب، ثم يعود، بعد أشهر قليلة، ليجدد له الثقة دون أن يطالبه بكشف حصيلته أو تفسير أسباب الإخفاقات السابقة. إن الديمقراطية لا تعاقب الفاشلين تلقائياً، بل تعاقبهم عندما يمتلك الناخب ذاكرة سياسية يقظة، وعندما يتحول صندوق الاقتراع إلى أداة للمحاسبة، لا إلى مناسبة لتجديد الولاءات.
الأحزاب... بين صناعة النخب واستقطاب الأعيان
كان من المفترض أن تكون الأحزاب السياسية مدارس لتكوين القيادات، ومختبرات لإعداد البرامج، وفضاءات لإنتاج الأفكار وتأطير المواطنين. غير أن الواقع أظهر، في حالات متعددة، أن بعض الأحزاب أصبحت، مع اقتراب الانتخابات، تنشغل أكثر بالبحث عن الأسماء التي تملك قواعد انتخابية جاهزة، بدل الاستثمار في مناضليها الذين قضوا سنوات في العمل الحزبي. ولذلك لم يعد غريباً أن يشعر كثير من المناضلين بالإحباط، عندما يجدون أنفسهم يتراجعون إلى الصفوف الخلفية، بينما تتقدم شخصيات التحقت بالحزب قبل أسابيع قليلة فقط لأنها تملك فرصاً أوفر للفوز. وهنا يفقد الحزب إحدى أهم وظائفه، لأنه يتحول من مؤسسة تصنع النخب إلى مؤسسة تستوردها، ومن فضاء للتكوين السياسي إلى منصة تمنح التزكيات. ولا يمكن لحياة حزبية قوية أن تُبنى بهذه الطريقة، لأن المناضل الذي أفنى سنوات في خدمة حزبه يحتاج إلى أن يشعر بأن الالتزام والكفاءة والعمل الميداني هي المعايير الحقيقية للترشح، لا النفوذ ولا القدرة على حصد الأصوات فقط. البرلمان ليس قاعة تشريف... بل مؤسسة للمحاسبة والتشريع يخطئ من يعتقد أن مهمة البرلماني تنتهي بمجرد الفوز في الانتخابات. فالفوز ليس سوى بداية لمسؤولية دستورية ثقيلة، تتجسد في التشريع، ومراقبة العمل الحكومي، والترافع عن قضايا المواطنين، والمساهمة في تطوير السياسات العمومية. ولذلك، فإن تقييم أداء البرلماني ينبغي أن يقوم على معايير واضحة، من بينها مدى حضوره داخل المؤسسة، ومشاركته في مناقشة مشاريع القوانين، وإسهامه في المبادرات التشريعية، وأسئلته الرقابية، وتواصله المستمر مع المواطنين، وقدرته على الدفاع عن مصالح دائرته الانتخابية.
ولا يصح أن يبقى الناخب أسيراً للصورة أو للشعارات، بينما يغيب عنه تقييم العمل الحقيقي الذي أُنجز داخل البرلمان. فالمواطن لا ينتخب صورة، ولا ينتخب لقباً، وإنما ينتخب ممثلاً للأمة، مسؤولاً عن الدفاع عن مصالحها بكل جدية والتزام. وينطبق الأمر نفسه على الجماعات الترابية والجهات، حيث يجب أن تكون حصيلة الإنجاز، وجودة التدبير، واحترام الالتزامات، هي الأساس الذي تُبنى عليه الثقة، بعيداً عن أي اعتبارات أخرىز
وسائل التواصل الاجتماعي... بين التأثير المشروع وصناعة الوهم
لم تعد الحملات الانتخابية تبدأ مع الإعلان الرسمي عنها، بل أصبحت تمتد طوال سنوات الولاية عبر منصات التواصل الاجتماعي، التي تحولت إلى ساحة مفتوحة لبناء الصورة، وصناعة الحضور، والتأثير في الرأي العام. ولا شك أن هذه الوسائل تمثل فرصة مهمة للتواصل مع المواطنين، لكنها قد تتحول أيضاً إلى وسيلة لتضخيم الإنجازات، أو لتقديم صورة لا تعكس دائماً الواقع، أو إلى فضاء تنتشر فيه الأخبار غير الدقيقة، والمعلومات المبتورة، والاستقطاب الحاد. ولذلك أصبح من الضروري أن يتعامل المواطن مع المحتوى الرقمي بوعي ونقد، وأن يميز بين العمل الحقيقي على أرض الواقع، وبين الصورة التي قد تُصنع باحتراف داخل الفضاء الافتراضي.
من يراقب المنتخب بين انتخابين؟
من أكبر الاختلالات التي تعاني منها الممارسة السياسية أن الحديث عن تقييم المنتخب يبدأ غالباً قبل أشهر قليلة من الانتخابات، بينما تختفي ثقافة المتابعة والمساءلة خلال السنوات الأربع أو الخمس التي تسبقها. إن الديمقراطية الحقيقية لا تنتظر نهاية الولاية حتى تبدأ المحاسبة، بل تجعلها عملية مستمرة، يتابع خلالها المواطن أداء ممثليه، وتُعرض الحصيلة بشفافية، وتُناقش المنجزات والإخفاقات أمام الرأي العام. وعندما تصبح الحصيلة منشورة ومعروفة، لن يحتاج المواطن إلى الوعود الكثيرة، لأنه سيكون قادراً على الحكم بنفسه على من يستحق تجديد الثقة ومن لا يستحقها.
ما الذي نريده من برلمان 2026؟
لا يحتاج المغرب إلى برلمانيين يكتفون برفع الأيادي للتصويت، ولا إلى مجالس منتخبة تنشغل بالصراعات الجانبية أكثر من انشغالها بالتنمية. إن المغرب يحتاج إلى منتخبين يمتلكون الكفاءة، والاستقلالية، والقدرة على التشريع، والتواصل، والترافع، والإنصات للمواطنين، وإلى أحزاب تقدم برامج واقعية، وتفتح المجال أمام الكفاءات الشابة، وتربط التزكية بالاستحقاق لا بالنفوذ. كما يحتاج إلى ناخب يجعل صوته أداة لبناء المستقبل، لا وسيلة لتكرار أخطاء الماضي.
الديمقراطية لا تبدأ من صندوق الاقتراع بل من ضمير الناخب
في نهاية هذه السلسلة، يبقى السؤال الأكبر: هل تكمن أزمة السياسة في السياسي وحده؟ أم في الحزب؟ أم في الإدارة؟ أم في الناخب؟ والحقيقة أن الديمقراطية منظومة متكاملة، إذا اختل أحد أركانها انعكس ذلك على الجميع. فالمنتخب مسؤول عن أدائه، والحزب مسؤول عن اختياراته، والدولة مسؤولة عن حماية نزاهة العملية الانتخابية وتكافؤ الفرص، لكن الناخب أيضاً مسؤول عن صوته، لأنه هو من يمنح الشرعية، وهو من يملك، كل خمس سنوات، فرصة إعادة رسم الخريطة السياسية. ولا يمكن أن نطالب بوجوه جديدة إذا كنا نعيد إنتاج الاختيارات نفسها، ولا يمكن أن ننتظر نتائج مختلفة إذا ظلت معايير التصويت ثابتة لا تتغير. فالمحاسبة ليست شعاراً، بل ممارسة تبدأ من لحظة الوقوف أمام صندوق الاقتراع، عندما يضع المواطن جانباً كل الاعتبارات الشخصية، ويسأل نفسه سؤالاً واحداً: من خدم المصلحة العامة حقاً؟ وعندما يصبح هذا السؤال هو معيار الاختيار، ستتغير طبيعة المنافسة، وستستعيد الأحزاب دورها، وسيدرك المنتخب أن الفوز ليس امتيازاً دائماً، بل ثقة مشروطة بالإنجاز. وحينها فقط ستغلق أبواب المزايدات، وتتراجع المفاوضات التي تشتعل في الكواليس، ويصبح السباق الحقيقي ليس نحو المقاعد، بل نحو خدمة الوطن، لأن الأوطان لا تبنيها كثرة الشعارات، وإنما تبنيها نزاهة الممارسة، وصدق الالتزام، ووعي المواطن بأن صوته أمانة، وأن الأمانات لا تُمنح إلا لمن يستحقها.
#بوشعيب_حمراوي (هاشتاغ)
Bouchaib_Hamraouy#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
من الجهوية إلى الدولة الحديثة: الرسالة الملكية ترسم ملامح مغ
...
-
التربية الوطنية حق كل المغاربة... أكبر من مجرد حقيبة في يد و
...
-
على هامش اليوم العالمي للأرامل : نساء يرغمن على تحمل أعباء أ
...
-
رفقا بالمحامين : عندما ترتدي العدالة بدلتها السوداء يستعيد ا
...
-
الأب.. الوطن الذي نكتشف عظمته متأخرين ..
-
كرة القدم في حاجة إلى الأخلاق : الكذب الرياضي صنع أمجاداً وا
...
-
الحقيقة التي يحاولون تزييفها : المدرب محمد وهبي أحد ضحايا ال
...
-
ترامب وحرب الخليج: بعد مذكرة التفاهم الفشل قائم والخسارة للت
...
-
الكراهية تبدأ بكلمة... وتنتهي بحريق يلتهم الإنسانية
-
أسود الأطلس يزأرون ... عندما تتحول كرة القدم إلى محكمة للأنس
...
-
على هامش اليوم العالمي لمناهضة عمل الاطفال : الطفل يحتاج إلى
...
-
البرلمان الذي نريد : يفرض رقي الساسة والقضاء على أسواق النخا
...
-
الفيفا تقصف ولا تبالي : فكرة كرسي الصحفي الفارغ تزعزع نظام ا
...
-
الفكر الترامبي: هل هو قادر على إعادة صناعة العالم و تربية أن
...
-
الجهوية بالمغرب... بين ورش البناء الديمقراطي وواجب استحضار ا
...
-
البكالوريا : من مشروع نابليون لبناء الدولة إلى جسر يمهد لبنا
...
-
برادة والخمسة آلاف حرامي جهوي .. في انتظار رواد الغش في الام
...
-
القاصر ليس مادة إعلامية ... و الكاميرا أداة للتوعية وليست وس
...
-
الإعدام.. ليس عقاب
-
القطيع الرقمي.. حين يتحول الإنسان إلى أداة في يد الشاشة. ...
...
المزيد.....
-
جريمة مروعة تهز تايلاند.. مراهقة تُقتل وسائح أجنبي خلف القضب
...
-
عون يبحث مع القيادة المركزية الأمريكية تحضير بدء تنفيذ اتفاق
...
-
الرئيس الإسرائيلي: نسعى للسلام مع سوريا وفتح فصل جديد في الع
...
-
كيف تحكم نبتة القات حياة ملايين اليمنيين؟
-
بعد نفي إيران.. ترامب يؤكد عقد اجتماع هذا الأسبوع في الدوحة
...
-
إسرائيل تصدر تحذيراً عاجلاً من خطورة -نظام الطيبات- الغذائي
...
-
وزيرة خارجية فنلندا تدعو أوروبا لتوحيد موقفها قبل الخوض في م
...
-
كاتس يحدد سببا منع حزب الله من الانهيار ودفع إسرائيل لتطبيق
...
-
اليمن.. إتلاف أكثر من 27 طنا من الحشيش و26 مليون حبة مخدرة ب
...
-
سبب صادم يودي بحياة 5 أمريكيين كل ساعة!
المزيد.....
-
سياسة حفار الساق
/ د. خالد زغريت
-
الطائفية المتغلغلة في لبنان
/ حسين محمود صالح
-
صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ
...
/ رزكار عقراوي
-
كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال
...
/ احمد صالح سلوم
-
الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير!
/ شاكر الناصري
-
كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية
...
/ احمد صالح سلوم
-
k/vdm hgjydv hg-;-gdm
/ أمين أحمد ثابت
-
كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام
/ احمد صالح سلوم
-
كتابات غير.. ساخرة
/ حسين جداونه
-
يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية
/ حسين جداونه
المزيد.....
|