أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - التربية والتعليم والبحث العلمي - بوشعيب حمراوي - برادة والخمسة آلاف حرامي جهوي .. في انتظار رواد الغش في الامتحان الوطني















المزيد.....

برادة والخمسة آلاف حرامي جهوي .. في انتظار رواد الغش في الامتحان الوطني


بوشعيب حمراوي
استاذ كاتب وصحفي

(Bouchaib Hamraouy)


الحوار المتمدن-العدد: 8727 - 2026 / 6 / 5 - 16:40
المحور: التربية والتعليم والبحث العلمي
    


برادة والخمسة آلاف حرامي جهوي .. في انتظار رواد الغش في الامتحان الوطني


بقلم: بوشعيب حمراوي

منذ الإعلان عن اعتماد أجهزة وتقنيات جديدة لمحاربة الغش في امتحانات البكالوريا، لم تترك وزارة التربية الوطنية مناسبة إلا وقدمت فيها هذه التجهيزات باعتبارها إحدى أبرز أدوات الإصلاح والتحديث، وكأن المدرسة المغربية كانت على موعد مع ثورة تكنولوجية ستضع حداً لواحدة من أخطر الظواهر التي نخرت مصداقية الامتحانات وأضعفت الثقة في قيمة الشهادات التعليمية. وقد تابع المغاربة باهتمام كبير تلك التصريحات والبلاغات التي تحدثت عن إجراءات استثنائية وعن وسائل تقنية متطورة وعن مقاربة جديدة يفترض أن تنقل معركة محاربة الغش من مرحلة رد الفعل إلى مرحلة الاستباق، ومن منطق تسجيل المخالفات إلى منطق منع وقوعها أصلاً.
لكن ما إن أعلنت الوزارة عن حصيلة حالات الغش خلال الامتحانات الإشهادية الجهوية الخاصة بمستوى الأولى بكالوريا والمرشحين الأحرار، حتى وجد الرأي العام نفسه أمام رقم يصعب المرور عليه مرور الكرام، ويتعلق الأمر بضبط 4929 حالة غش، أي ما يقارب خمسة آلاف حالة في امتحان واحد، مع ارتفاع تجاوز 167 في المائة مقارنة بالسنة الماضية. وهنا بدأت المفارقة الكبرى التي تستحق التوقف عندها طويلاً، لأن الوزارة كانت تتحدث عن نجاح الأجهزة، بينما كان الرقم يتحدث عن شيء آخر تماماً، أو على الأقل يفتح الباب أمام قراءة مختلفة لا يمكن تجاهلها.
هذا عن الامتحانات الجهوية، فماذا سينتظرنا من مفاجآت خلال الامتحانات الإشهادية الوطنية لمستوى الثانية بكالوريا، وباقي الامتحانات الإشهادية الإقليمية الخاصة بمستوى السادس ابتدائي وتلك الجهوية الخاصة بمستوى الثالثة إعدادي ؟؟؟؟.

الأمن الوقائي الذي وصل متأخراً
في جميع الأنظمة الأمنية الحديثة، سواء تعلق الأمر بالمطارات أو بالملاعب أو بالمؤسسات الحساسة، تقوم فلسفة العمل على منع الخطر قبل وقوعه، لأن النجاح الحقيقي لا يقاس بعدد المخالفين الذين تم ضبطهم بعد ارتكاب المخالفة، وإنما بعدد المخالفات التي لم تتح الفرصة لوقوعها أصلاً. ولذلك كان المنتظر من الأجهزة الجديدة أن تمارس دورها في الأمن التربوي الوقائي، عند أبواب المؤسسات التعليمية، وأن تكون وظيفتها الأساسية هي منع أي هاتف ذكي أو سماعة إلكترونية أو وسيلة اتصال من الوصول إلى قاعات الامتحان، حتى يدخل المترشح إلى قاعة الاختبار مجرداً من كل وسيلة قد تمكنه من التواصل مع الخارج أو الحصول على أجوبة جاهزة.
أما أن يصل آلاف التلاميذ إلى مرحلة تحرير الأجوبة وهم يحملون وسائل للغش أو يحاولون استعمالها، فذلك يعني أن النقاش لم يعد مرتبطاً فقط بعدد الحالات المضبوطة، بل بمدى نجاح المقاربة الوقائية نفسها. فالمواطن العادي لا ينتظر من أجهزة الكشف أن تحرر المحاضر، وإنما ينتظر منها أن تجعل تحرير تلك المحاضر أمراً نادراً واستثنائياً.

بين نجاح الأجهزة وفشل المهمة

قد يخرج علينا من يعتبر أن الرقم الكبير دليل على نجاح الأجهزة وليس على فشلها، بحجة أن تلك الوسائل التقنية هي التي مكنت من ضبط هذا العدد غير المسبوق من المخالفات، وأن ارتفاع الحالات المسجلة يعكس ارتفاع فعالية المراقبة وليس ارتفاع حجم الغش. وقد يبدو هذا التفسير منطقياً للوهلة الأولى، غير أن التمعن فيه يكشف مفارقة عجيبة تجعلنا أمام وضع يشبه الاحتفال بعدد الحرائق التي تم تسجيلها بدل الاحتفال بعدد الحرائق التي تم منعها.
فالوزارة ليست مطالبة بإثبات أن الأجهزة قادرة على اكتشاف الغشاشين بعد وصولهم إلى قاعات الامتحان، وإنما مطالبة بإثبات أن هذه الأجهزة قادرة على منع وسائل الغش من الوصول إلى تلك القاعات أصلاً. ولذلك فإن النجاح الحقيقي لا يقاس بعدد المحاضر المحررة، بل بعدد المحاضر التي لم تكن هناك حاجة إلى تحريرها.

التكنولوجيا ليست بديلاً عن الحكامة

الرقم المعلن يطرح أيضاً نقاشاً آخر يتعلق بظروف تنزيل هذه التجربة على أرض الواقع، لأن التكنولوجيا مهما بلغت درجة تطورها تظل مجرد أدوات تحتاج إلى بيئة مناسبة وإلى موارد بشرية مؤهلة وإلى بنية تقنية قادرة على استيعابها وتشغيلها بالشكل المطلوب. ومن الصعب إقناع الرأي العام بأن جميع المؤسسات التعليمية كانت تتوفر بالدرجة نفسها على شروط التنزيل السليم، في وقت ما تزال فيه بعض المؤسسات تعاني اختلالات في التجهيزات الأساسية وفي الربط بالشبكات وفي الصيانة التقنية وفي الموارد البشرية.
ولهذا فإن السؤال لا يتعلق فقط بجودة الأجهزة، وإنما بجودة المنظومة التي احتضنت تلك الأجهزة. فكم من مشروع فشل ليس بسبب رداءة الوسيلة، بل بسبب سوء التنزيل والتدبير والمتابعة، وكم من تقنية متطورة تحولت إلى مجرد ديكور إداري لأنها وُضعت في بيئة غير قادرة على استثمار إمكاناتها الحقيقية.

جيل رقمي في مواجهة أجهزة مستوردة

المثير للسخرية أن الوزارة كانت تراهن على أجهزة حديثة لمحاصرة جيل وُلد أصلاً داخل العالم الرقمي، جيل يقضي ساعات طويلة يومياً مع الهواتف الذكية والتطبيقات والمنصات الإلكترونية، ويكتسب بشكل مستمر مهارات جديدة في التعامل مع التكنولوجيا تفوق أحياناً ما يتوفر لدى كثير من الراشدين. ولذلك لا يستبعد كثيرون أن تكون معركة الغش قد تحولت إلى سباق بين ذكاء التلميذ الرقمي وبين ذكاء الأجهزة المستعملة لمراقبته، وهي معركة لا يمكن حسمها بالأدوات التقنية وحدها مهما بلغت درجة تطورها.
فالغش لم يعد مجرد ورقة صغيرة مخبأة داخل الجيب كما كان الحال في الماضي، بل أصبح صناعة رقمية متجددة تتطور باستمرار، وهو ما يجعل الرهان على التكنولوجيا وحدها أشبه بمحاولة معالجة أعراض المرض دون الاقتراب من أسبابه الحقيقية.

هل نختبر التلاميذ أم نختبر الأجهزة؟

أكثر ما يثير الانتباه في هذه القصة أن النقاش العمومي انصرف بسرعة من الحديث عن مستوى التلاميذ والتحصيل الدراسي وجودة التعلمات إلى الحديث عن الأجهزة وأرقام المحاضر وعدد المضبوطات، وكأن البكالوريا تحولت فجأة من امتحان لتقييم المكتسبات إلى مختبر ضخم لاختبار فعالية التجهيزات المستوردة.
فالمغاربة لم يكونوا ينتظرون من المدرسة أن تثبت قدرة الآلات على الرصد والكشف، وإنما كانوا ينتظرون منها أن تثبت قدرتها على تكوين تلاميذ يؤمنون بقيمة الاستحقاق وبأن النجاح لا يصنعه الهاتف ولا السماعة ولا التطبيقات السرية. كما أن دافعي الضرائب لم يكونوا ينتظرون أن يتحول الاستثمار في التعليم إلى مناسبة لقياس أداء الأجهزة، وإنما كانوا ينتظرون أن ينعكس ذلك الاستثمار على جودة التعلمات وعلى مستوى القيم وعلى الثقة في المدرسة العمومية.

الراسب الأكبر

قد يكون من بين المترشحين من سقط بسبب الغش، وقد يكون من بينهم من ضُبط متلبساً باستعمال وسائل ممنوعة، لكن الراسب الأكبر في هذه القضية ليس بالضرورة ذلك التلميذ الذي انتهى اسمه في محضر مخالفة، بل هو كل تصور يعتقد أن أزمة الغش يمكن أن تُحل بالأجهزة وحدها، وأن المدرسة يمكن أن تستعيد هيبتها بمجرد اقتناء معدات جديدة مهما كانت متطورة... المنظومة التربوية هي الخاسر الأكبر.
فالمدرسة التي تنجح في التربية لا تحتاج إلى جيوش من أجهزة الكشف، والمجتمع الذي ينجح في غرس القيم لا يحتاج إلى تحويل الامتحانات إلى ما يشبه نقاط التفتيش الحدودية، والمنظومة التي تنجح في بناء الثقة بين التلميذ والعلم والعمل لا تجد نفسها مضطرة إلى الاحتفال بعدد المحاضر المحررة وكأنها مؤشرات نجاح.

الحقيقة التي لا تظهر في المحاضر

قد يختلف الناس حول قراءة رقم 4929 حالة غش، وهو بالمناسبة رقبم مؤقت سيتضاعف عند انتهاء باقي الامتحانات الإشهادية. وقد يراه البعض دليلاً على فعالية المراقبة، بينما يعتبره آخرون مؤشراً على عمق الأزمة، غير أن ما لا يمكن الاختلاف حوله هو أن التعليم لا يقاس بعدد الهواتف المحجوزة ولا بعدد المخالفات المسجلة ولا بعدد الأجهزة المستعملة، بل يقاس بعدد التلاميذ الذين يدخلون قاعات الامتحان وهم مقتنعون بأن النجاح لا يُسرق، وأن المعرفة لا تُختزل في نقطة، وأن الشهادة لا قيمة لها إذا لم تكن ثمرة جهد واستحقاق.
أما إذا استمر النقاش محصوراً في عدد الغشاشين الذين تم ضبطهم، فقد نجد أنفسنا بعد سنوات أمام أجهزة أكثر تطوراً، ومحاضر أكثر عدداً، وأرقام أكبر حجماً، دون أن نقترب خطوة واحدة من معالجة السؤال الحقيقي: لماذا أصبح آلاف التلاميذ يفكرون في الغش أصلاً، ولماذا أصبحت المدرسة منشغلة بعدّ المخالفين أكثر من انشغالها بصناعة الناجحين؟
هذه الصيغة أقرب إلى أسلوب المقالات الافتتاحية الطويلة التي تفضلها: تقديم ممتد، فقرات طويلة، سخرية مبطنة، وحجاج متدرج دون الإفراط في الأسئلة القصيرة.



#بوشعيب_حمراوي (هاشتاغ)       Bouchaib_Hamraouy#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- القاصر ليس مادة إعلامية ... و الكاميرا أداة للتوعية وليست وس ...
- الإعدام.. ليس عقاب
- القطيع الرقمي.. حين يتحول الإنسان إلى أداة في يد الشاشة. ... ...
- بين لاهاي والرباط... من انتصر لحق الإضراب؟ ... هل تم تنظيم ح ...
- قصة : عاشق رسول الله ﷺ... لا توفت قراءتها..
- التكريم بين العرفان الحقيقي واستغلال الواجهة
- العالم بين “البولفاف” و”القديد” السياسي حين تحولت الحروب وال ...
- هولندا… حين تتحول الحرية إلى معول لهدم الإنسان من تشريع الشذ ...
- المغرب والسنغال…مباراة انتصرت فيها الأخوة على كرة القدم
- هذا عيد أضحى… وذاك عيد أمسى
- لهيب الحرب و شجع الشناقة : أضحية العيد من شعيرة دينية إلى مع ...
- الإعلام الإلكتروني والالعاب الالكترونية : بين صناعة الذكاء و ...
- المبادرة الوطنية للتنمية البشرية… مشروع ملكي اجتماعي يستحق ا ...
- الدولة الاجتماعية والدولة المغربية… بين طموح الخطاب الملكي و ...
- الجهوية المتقدمة بالمغرب : لترسيخ المساواة والإنصاف داخل الج ...
- على هامش اليوم العالمي للأسرة : العوالم الرقمية أطفات شموع ا ...
- المساكن الوظيفية .. عوالم خفية و فساد مستمر
- المغرب المنسي في الشمال والشرق : معركة الذاكرة والسيادة التي ...
- أما آن الأوان لفتح معبر (وج بغال) وإنهاء معاناة شعبين شقيقين ...
- المطلب الأممي ب(التنازلات التاريخية) يرعب الجزائر ويدفع البو ...


المزيد.....




- مصدر لـCNN: الجيش الأمريكي دمر مسيرات أطلقتها إيران باتجاه م ...
- ترامب عن إيران: -أتحرك بسرعة كبيرة-.. وحرب فيتنام استمرت 19 ...
- -وادي موسى-.. سكان بلدة هولندية يعترضون على تسمية شوارعهم بأ ...
- لماذا تؤيد أوروبا دعوة زيلينسكي للمفاوضات المباشرة مع بوتين؟ ...
- كيف سيتصرف الأردن مع هذا المقترح الخبيث؟
- وسط مفاوضات إيران.. ويتكوف وكوشنر يلتقيان خبراء في منشأة نوو ...
- البنك الدولي يقر تمويلا بـ900 مليون دولار لتحديث طرق العراق ...
- أنتوني هيد يلحق بشريكة عمره.. رحيل -الحارس الهادئ- للدراما ا ...
- من جحيم الحرب إلى مخيمات بالدمازين.. نازحون سودانيون يروون ر ...
- إسلام علوش يوجه رسالة من سجنه بفرنسا للرئيس السوري.. فما قصت ...


المزيد.....

- فشل سياسات الاصلاح التربوي عربيا : تونس نموذجا / رضا لاغة
- العملية التربوية / ترجمة محمود الفرعوني
- تكنولوجيا التدريس / ترجمة محمود الفرعوني
- تقييم القراءة من النظريات إلى الفصول الدراسية [الجزء الأول] ... / ترجمة / أمل فؤاد عبيد
- تقييم القراءة من النظريات إلى الفصول الدراسية [الجزء الثاني] ... / ترجمة / أمل فؤاد عبيد
- أساليب التعليم والتربية الحديثة / حسن صالح الشنكالي
- اللغة والطبقة والانتماء الاجتماعي: رؤية نقديَّة في طروحات با ... / علي أسعد وطفة
- خطوات البحث العلمى / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- إصلاح وتطوير وزارة التربية خطوة للارتقاء بمستوى التعليم في ا ... / سوسن شاكر مجيد
- بصدد مسألة مراحل النمو الذهني للطفل / مالك ابوعليا


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - التربية والتعليم والبحث العلمي - بوشعيب حمراوي - برادة والخمسة آلاف حرامي جهوي .. في انتظار رواد الغش في الامتحان الوطني