أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - بوشعيب حمراوي - قصة : عاشق رسول الله ﷺ... لا توفت قراءتها..















المزيد.....

قصة : عاشق رسول الله ﷺ... لا توفت قراءتها..


بوشعيب حمراوي
استاذ كاتب وصحفي

(Bouchaib Hamraouy)


الحوار المتمدن-العدد: 8721 - 2026 / 5 / 30 - 19:21
المحور: الادب والفن
    


قصة : عاشق رسول الله ﷺ... لا توفت قراءتها..

بقلم : بوشعيب حمراوي

كانت عقارب الساعة قد تجاوزت منتصف الليل.

ساد الصمت أرجاء المنزل، واختفت آخر الأصوات القادمة من الغرف المجاورة. تأكد الشاب أن الجميع قد استسلموا للنوم، فأغلق باب غرفته بهدوء، وخفّض ضوء المصباح إلى درجة جعلت المكان أشبه بكهف صغير لا يضيئه سوى وهج شاشة الحاسوب.

جلس أمام مكتبه الخشبي.

وضع سماعتيه على أذنيه.

وشغّل موسيقاه الليلية المفضلة.

تلك الموسيقى التي اعتاد أن تصاحبه كلما قرر الغوص في عالمه السري.

عالم لا يعرف فيه أحد اسمه الحقيقي.

ولا جنسيته.. ولا معتقده. . ولا أهدافه.

على يمينه استقر كأس نبيذ فاخر يلمع تحت الضوء الخافت.

وعلى يساره سيجارة إلكترونية تنبعث منها خيوط رقيقة من البخار.

ارتشف جرعة طويلة.... ثم رفع السيجارة إلى فمه.

نفث سحابة كثيفة نحو السقف.

وابتسم.

كانت تلك طقوسه المفضلة قبل بدء كل عملية جديدة.

قبل سنوات، تعرف عبر الشبكة العنكبوتية على مجموعة من المتطرفين العنصريين المنتشرين في بلدان مختلفة. كانوا يؤمنون بفكرة واحدة:

"إذا أردت تدمير أمة فلا تحاربها من الخارج... بل اجعل أبناءها يتقاتلون من الداخل."

أعجبته الفكرة... ثم تحولت إلى هواية... ثم إلى إدمان.

ومنذ ذلك الوقت وهو يقضي لياليه في البحث عن أكثر الملفات حساسية داخل المجتمعات الإسلامية.

فتح حسابه على الفيسبوك... ثم حسابه على منصة إكس.

أما اسمه الحقيقي فلم يكن يظهر في أي مكان.

فقد أخفاه خلف اسم مستعار اختاره بعناية:

"عاشق رسول الله ﷺ".

اسم يمنحه ثقة الناس قبل أن يقرأوا كلماته.

نظر إلى الشاشة للحظات.

ثم بدأت أصابعه تتحرك فوق لوحة المفاتيح.

كتب:

"من الأحق بالخلافة بعد وفاة الرسول ﷺ: أبو بكر الصديق أم علي بن أبي طالب رضي الله عنهما؟"

قرأ السؤال مرة...ثم مرتين...ثم ابتسم.

وضغط زر النشر.

عاد إلى مقعده.

احتسى واحتسى... ونفث ونفث...

وأخذ يراقب شاشته كما يراقب صياد محترف فخه بعد أن ألقى الطعم.

لم تمض دقائق حتى بدأت الإشعارات تتساقط تباعًا.

تعليق.ثم عشرة... ثم مئة.. ثم ألف.. ثم آلاف...

تحول السؤال إلى معركة... ثم إلى حرب.

السنة ضد الشيعة... الشيعة ضد السنة.

اتهامات... شتائم.. تكفير. . استفزازات.

صور...فيديوهات...نقاشات لا تنتهي.

وكان الشاب يزداد نشوة مع كل إشعار جديد.

كل تعليق غاضب كان بالنسبة إليه كأسًا إضافية من المتعة.

وكل شتيمة كانت انتصارًا شخصيًا.

وكل خصومة كانت وسامًا جديدًا يعلقه على صدره.

احتسى واحتسى... ونفث ونفث...

وضاع الليل وهو يتابع النيران وهي تتمدد من شاشة إلى أخرى.

حتى غلبه النعاس... فترك الحاسوب مفتوحًا واستسلم للنوم.

في الصباح. ..فتحت أمه باب الغرفة.

كانت امرأة بسيطة طيبة القلب.

لا تعرف شيئًا عن عالم المنصات الرقمية.

ولا عن الحسابات الوهمية.

ولا عن الحروب التي تبدأ بكلمات وتنتهي بدماء.

قالت وهي تزيح الستائر:

ـ استيقظ يا بني.

فتح عينيه بصعوبة.

وأضافت:

ـ الأخبار هذا الصباح مخيفة جدًا.

حروب هنا.. وتفجيرات هناك... وكراهية في كل مكان.

تنهدت بحزن.... وقالت:

ـ لا أفهم لماذا أصبح البشر عاجزين عن التعايش في سلام.

ثم غادرت الغرفة. وتركت خلفها صمتًا ثقيلًا.

جلس الشاب أمام حاسوبه.

فتح حسابه.. فتجمدت ملامحه.

لقد تجاوز الأمر كل توقعاته.

مئات الآلاف من التعليقات.

ملايين المشاهدات.

عشرات الصفحات أعادت نشر منشوره.

مؤثرون دخلوا على الخط.

وبرامج إعلامية بدأت تتحدث عن الجدل.

بل إن حسابات أخرى راحت تنشر منشورات أكثر تطرفًا مستندة إلى سؤاله الأصلي.

في البداية ضحك.

لقد تحقق حلمه.

بل تجاوز الحلم نفسه.

لكنه أثناء تجواله بين المنشورات صادف شيئًا مختلفًا.

شاب يعلن قطع علاقته بصديق عمره.

عائلة تتبادل الشتائم.

مجموعة شبابية تتفكك.

مشاجرة أمام مسجد.

فيديو لرجل يصرخ في وجه آخر بسبب خلاف مذهبي.

ثم صورة لطفل يبكي بعدما تعرض للإهانة بسبب انتمائه المذهبي.

اختفت الابتسامة شيئًا فشيئًا.

فتح منشورًا آخر.

ثم آخر.

ثم آخر.

في كل مكان كان يجد آثار النار نفسها.

النار التي أشعل شرارتها الأولى.

أغلق المنشور.

لكنه لم يستطع إغلاق نتائجه.

حذف سؤاله الأصلي.

لكنه اكتشف أن آلاف النسخ منه ما زالت تنتشر.

أغلق حسابه.

لكن مئات الحسابات الأخرى كانت تواصل المهمة.

حاول إيقاف العاصفة.

فاكتشف أنه لم يعد قادرًا على ذلك.

لقد خرج الوحش من القفص.

وأصبح يعيش حياة مستقلة.

وقف أمام المرآة.

حدق طويلًا في وجهه.

ثم همس:

ـ هل يعقل أن كل هذا بدأ من سؤال واحد؟

لم يجبه أحد.

لكن شاشة الحاسوب كانت ما تزال تومض.

وفجأة ظهرت أمامه رسالة جديدة من أحد متابعيه.

كتب صاحبها:

"بارك الله فيك يا عاشق رسول الله... لقد أيقظت فينا الغيرة على الدين."

ارتجفت يد ألكسندر.

لأن صاحب الرسالة لم يكن يعرف الحقيقة.

لم يكن يعرف أن الرجل الذي يصفق له الآن لا يؤمن بما يكتب.

ولا بما يدافع عنه.

ولا بما يحارب من أجله الناس.

بل كان مجرد متفرج يجلس بعيدًا يحتسي كأسه وينفث دخان سيجارته الإلكترونية مستمتعًا بمشهد الاحتراق.

أغلق الحاسوب.

لكن الإشعارات استمرت في الرنين داخل رأسه.

وأطفأ الضوء.

لكن النيران التي أشعلها لم تنطفئ.

واستلقي على فراشه.

إلا أن النوم الذي زاره بسهولة في الليلة الماضية رفض أن يقترب منه هذه المرة.

فكلما أغمض عينيه رأى أمامه آلاف الوجوه الغاضبة.

وكلما حاول الهروب من أفكاره سمع صوتًا واحدًا يطارده في الظلام:

"بعض الحروب لا تبدأ بدبابة...

ولا بصاروخ...

ولا برصاصة...

بل تبدأ بسؤال خبيث يكتبه شخص مجهول...

ثم يجلس بعيدًا ليستمتع بمشهد الحريق."



#بوشعيب_حمراوي (هاشتاغ)       Bouchaib_Hamraouy#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- التكريم بين العرفان الحقيقي واستغلال الواجهة
- العالم بين “البولفاف” و”القديد” السياسي حين تحولت الحروب وال ...
- هولندا… حين تتحول الحرية إلى معول لهدم الإنسان من تشريع الشذ ...
- المغرب والسنغال…مباراة انتصرت فيها الأخوة على كرة القدم
- هذا عيد أضحى… وذاك عيد أمسى
- لهيب الحرب و شجع الشناقة : أضحية العيد من شعيرة دينية إلى مع ...
- الإعلام الإلكتروني والالعاب الالكترونية : بين صناعة الذكاء و ...
- المبادرة الوطنية للتنمية البشرية… مشروع ملكي اجتماعي يستحق ا ...
- الدولة الاجتماعية والدولة المغربية… بين طموح الخطاب الملكي و ...
- الجهوية المتقدمة بالمغرب : لترسيخ المساواة والإنصاف داخل الج ...
- على هامش اليوم العالمي للأسرة : العوالم الرقمية أطفات شموع ا ...
- المساكن الوظيفية .. عوالم خفية و فساد مستمر
- المغرب المنسي في الشمال والشرق : معركة الذاكرة والسيادة التي ...
- أما آن الأوان لفتح معبر (وج بغال) وإنهاء معاناة شعبين شقيقين ...
- المطلب الأممي ب(التنازلات التاريخية) يرعب الجزائر ويدفع البو ...
- مأساة تؤرق إفريقيا: الاضطراب العقلي والإدمان والتشرد… ظواهر ...
- حول منع المعطي منجب من دخول معرض الكتاب… من يحرس المعنى؟
- الإدمان الإلكتروني للكبار… يفقد المربّي بوصلته ويُربك المجتم ...
- التخييم بالمغرب : تُختبر الطفولة بين النوايا الحسنة واختلالا ...
- سؤال اليوم العالمي للصحافة : أي إعلام نريد في زمن الضجيج وسل ...


المزيد.....




- -في أصول الفقه السياسي-.. كتاب يكشف مواطن القوة والضعف في مش ...
- بابل الرقمية.. كيف أنهى الذكاء الاصطناعي حاجز اللغة في الاتص ...
- من فوضى الألوان !! ..
- مسئولون أمنيون إسرائيليون ينتقدون حديث نتنياهو عن تجاوز اللي ...
- الفلسطيني «يموت» والإسرائيلي «يُقتل».. كيف تصنع اللغة انحياز ...
- إِخْترْنَا لَك نصّ سِيريالى (حين صِرْت سُؤالاً) الشاعرمحمداب ...
- مصر.. فيديو فنانة استعراضية يُعتدى عليها بغرفة فندق والأمن ي ...
- فيلم وثائقي ساحر يكشف التفاوت المناخي في الخليج الفارسي  
- متحدث الخارجية الإيرانية: لا ينبغي لأي من الأطراف الغربية اس ...
- اللغة والنهضة: لماذا لا يكفي التعريب وحده لبناء الحضارة؟


المزيد.....

- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - بوشعيب حمراوي - قصة : عاشق رسول الله ﷺ... لا توفت قراءتها..