بوشعيب حمراوي
استاذ كاتب وصحفي
(Bouchaib Hamraouy)
الحوار المتمدن-العدد: 8708 - 2026 / 5 / 17 - 19:49
المحور:
المجتمع المدني
هل تحولت الدولة الاجتماعية إلى واقع يلمسه المغاربة أم إلى ورش ضخم اصطدم بضعف الحكامة واختلالات التدبير؟
لم يكن الحديث عن “الدولة الاجتماعية” بالمغرب مجرد شعار سياسي عابر أو ترف فكري فرضته التحولات الدولية، بل جاء في سياق وطني ودولي استثنائي هز العالم بأسره، بعدما كشفت جائحة كورونا هشاشة الأنظمة الصحية والاجتماعية حتى داخل الدول الكبرى، وأعادت ترتيب أولويات الحكومات، واضعة الإنسان في قلب السياسات العمومية. وفي المغرب، شكلت سنة 2020 منعطفاً حقيقياً في مسار التفكير الرسمي في إعادة بناء العلاقة بين الدولة والمواطن، بعدما انتقل مفهوم الدولة الاجتماعية من مجرد نقاش نظري داخل الأحزاب والنقابات والجامعات إلى مشروع استراتيجي أعلن عنه الملك محمد السادس بشكل واضح من داخل المؤسسة التشريعية، باعتباره ورشاً وطنياً غير مسبوق يهدف إلى تعميم الحماية الاجتماعية وضمان الكرامة والعدالة الاجتماعية لجميع المغاربة.
لكن، وبعد مرور سنوات على انطلاق هذا الورش الضخم، يطرح المغاربة اليوم سؤالاً مشروعاً ومقلقاً في الآن نفسه: هل نجحت الدولة فعلاً في تنزيل مشروع الدولة الاجتماعية على أرض الواقع؟ أم أن الأمر بقي حبيس الخطب والتقارير والأرقام الرسمية، بينما ما تزال المستشفيات تعاني، والمدرسة العمومية تتراجع، والقدرة الشرائية تنهار، والفوارق الاجتماعية تتعمق أكثر فأكثر؟
فالواقع اليوم يؤكد أن المغرب يعيش مفارقة صعبة بين طموح الخطاب الملكي وضخامة الأوراش الاجتماعية المعلنة، وبين اختلالات التنزيل الحكومي وضعف الحكامة وارتباك التدبير، خاصة داخل القطاعات الحيوية وعلى رأسها قطاع الصحة، الذي كان يفترض أن يكون القلب النابض للدولة الاجتماعية، فإذا به يتحول في نظر كثير من المغاربة والمهنيين إلى أحد أبرز عناوين الأعطاب البنيوية والتوترات الإدارية والاختلالات التدبيرية.
من خطاب العرش إلى البرلمان… لحظة ميلاد الدولة الاجتماعية بالمغرب
شكل خطاب العرش ليوم 29 يوليوز 2020 محطة مفصلية في تاريخ السياسات الاجتماعية بالمغرب، حين دعا الملك محمد السادس إلى تعميم الحماية الاجتماعية لفائدة جميع المغاربة خلال خمس سنوات، مؤكداً أن جائحة كورونا أبرزت الحاجة الملحة إلى منظومة اجتماعية أكثر عدلاً وإنصافاً.
غير أن الإعلان الأكثر قوة ووضوحاً جاء خلال افتتاح الدورة البرلمانية في أكتوبر 2020، حين تحدث الملك بشكل مباشر عن ضرورة إطلاق مشروع مجتمعي ضخم يقوم على تعميم التغطية الاجتماعية باعتباره “مشروعاً وطنياً غير مسبوق”، واضعاً بذلك الدولة الاجتماعية في صلب النموذج التنموي المغربي الجديد.
وقد حدد الملك أربعة محاور أساسية لهذا الورش الضخم:
تعميم التأمين الإجباري عن المرض.
تعميم التعويضات العائلية.
توسيع أنظمة التقاعد.
تعميم التعويض عن فقدان الشغل.
وكان واضحاً أن المغرب يحاول الانتقال من دولة تعتمد على الدعم المحدود والمساعدات الظرفية إلى دولة تسعى لبناء منظومة حماية اجتماعية شاملة تستهدف ملايين المغاربة، خاصة الفئات الهشة والعاملين في القطاع غير المهيكل الذين ظلوا لعقود خارج التغطية الصحية والاجتماعية.
جائحة كورونا… حين اكتشف المغرب هشاشته الاجتماعية العميقة
لقد كانت جائحة كورونا بمثابة زلزال اجتماعي كشف الحجم الحقيقي للهشاشة داخل المجتمع المغربي. فبمجرد فرض الحجر الصحي، وجدت ملايين الأسر نفسها بدون دخل قار أو حماية اجتماعية أو تغطية صحية، خاصة العاملين في القطاع غير المهيكل الذين يشكلون نسبة كبيرة من اليد العاملة بالمغرب.
وخلال تلك المرحلة، سارعت الدولة إلى إنشاء صندوق تدبير جائحة كورونا، وصرف مساعدات مباشرة للأسر المتضررة سواء عبر نظام “راميد” أو من خلال التصريحات الإلكترونية للأسر العاملة خارج القطاع المهيكل. وكانت تلك الخطوات أول اختبار عملي لفكرة الدولة الاجتماعية بالمفهوم الجديد، حيث لم يعد المواطن ينتظر فقط الأمن والاستقرار، بل أصبح ينتظر أيضاً الحماية الاقتصادية والاجتماعية والصحية في لحظات الأزمات.
ومن رحم تلك الأزمة، بدأت تتشكل ملامح الدولة الاجتماعية المغربية، المبنية على توسيع الحماية الاجتماعية، وإعادة هيكلة القطاعات الحيوية، وعلى رأسها قطاع الصحة.
قطاع الصحة… الورش الذي تحول إلى أكبر امتحان للدولة الاجتماعية
إذا كانت الدولة الاجتماعية تُقاس بمدى قدرة الدولة على حماية الإنسان وصون كرامته، فإن قطاع الصحة يبقى المعيار الحقيقي لنجاح أو فشل هذا المشروع. ولهذا، لم يكن غريباً أن يصبح إصلاح المنظومة الصحية أولى الأولويات بعد جائحة كورونا، خاصة بعدما كشفت الأزمة حجم الخصاص المهول في الموارد البشرية والتجهيزات والبنيات الصحية والتفاوت المجالي الصارخ بين المدن الكبرى والعالم القروي.
وقد أطلقت الدولة سلسلة من الإصلاحات الكبرى، تمثلت في:
تعميم التأمين الإجباري عن المرض.
إدماج ملايين المغاربة داخل منظومة التغطية الصحية.
تعويض نظام “راميد” تدريجياً بمنظومة التأمين الإجباري الأساسي عن المرض.
إحداث المجموعات الصحية الترابية.
إنشاء الهيئة العليا للصحة.
إعادة تنظيم العرض الصحي الوطني.
رقمنة الخدمات الصحية.
تشجيع الاستثمار في القطاع الصحي.
بناء وتأهيل مستشفيات جامعية وجهوية وإقليمية جديدة.
رفع الطاقة الاستيعابية لكليات الطب والصيدلة.
تحسين التكوين ورفع عدد الأطباء والممرضين.
لكن، رغم كل هذه الإجراءات والإعلانات الرسمية، فإن واقع الحال يؤكد أن عمليات التنزيل تعاني اختلالات عميقة، وأن القطاع الصحي ما يزال يعيش أزمة ثقة حقيقية، ليس فقط لدى المرتفقين، بل حتى لدى مهنيي القطاع أنفسهم.
أزمة ثقة داخل قطاع الصحة… حين يرفض الأطباء مناصب المسؤولية
من أخطر المؤشرات التي تكشف عمق الأزمة داخل قطاع الصحة بالمغرب، ذلك النفور المتزايد للأطر الطبية والكفاءات الصحية من تحمل مناصب المسؤولية داخل المستشفيات والمندوبيات الصحية والإدارات التابعة للقطاع.
فاليوم، أصبحت العديد من مناصب مندوبيات الصحة وإدارة المستشفيات تُسند بالتكليف، ليس بسبب غياب الكفاءات، بل لأن عدداً كبيراً من الأطباء والأطر الصحية، رغم كفاءتهم وخبرتهم، أصبحوا يتفادون الترشح لشغل تلك المناصب بسبب حجم الضغوط والإكراهات والتعقيدات الإدارية والاختلالات البنيوية التي يعيشها القطاع.
لقد تحول منصب المسؤولية داخل الصحة، في نظر كثير من المهنيين، من موقع للتدبير والإصلاح إلى منطقة ملغومة مليئة بالصراعات والاحتجاجات والخصاص والإكراهات والتدخلات والضغط النفسي والإداري، في ظل ضعف الإمكانيات وقلة الموارد البشرية والتجهيزات، وتضخم انتظارات المواطنين.
وهذا الواقع يكشف بوضوح أن أزمة قطاع الصحة ليست فقط أزمة ميزانيات أو بنايات وتجهيزات، بل هي أيضاً أزمة حكامة وثقة وتدبير إداري وإنساني.
الدولة الاجتماعية ليست بطاقة “آمو” ولا دعماً مباشراً فقط.
الخطأ الكبير الذي وقعت فيه بعض المقاربات الحكومية هو اختزال الدولة الاجتماعية في بطائق التغطية الصحية والدعم المباشر والتحويلات المالية، بينما المفهوم الحقيقي أعمق بكثير.
فالدولة الاجتماعية ليست مجرد مساعدات ظرفية أو إعانات موسمية، بل هي منظومة متكاملة تقوم على:
العدالة في توزيع الثروة.
تكافؤ الفرص.
حماية الطبقة الوسطى.
إصلاح التعليم والصحة.
محاربة الفساد والريع والاحتكار.
ضمان الكرامة الإنسانية.
ربط المسؤولية بالمحاسبة.
فلا معنى للحديث عن دولة اجتماعية بينما ما تزال المستشفيات تعاني الاكتظاظ، وطول المواعيد، ونقص الأدوية والأطر، وما يزال المواطن يضطر أحياناً للتنقل مئات الكيلومترات من أجل فحص طبي أو سرير استشفائي.
كما لا يمكن الحديث عن العدالة الاجتماعية في ظل استمرار الفوارق المجالية بين المدن والقرى، وبين المغرب النافع والمغرب المنسي، ووسط موجات الغلاء والتضخم التي تلتهم القدرة الشرائية للمواطنين.
المدرسة العمومية… الجبهة الثانية لفشل التنزيل الاجتماعي
إذا كان قطاع الصحة يعيش اختلالات عميقة، فإن المدرسة العمومية بدورها تعيش أزمة حقيقية تهدد جوهر الدولة الاجتماعية. فالتعليم ليس مجرد قطاع إداري، بل هو العمود الفقري للعدالة الاجتماعية، والوسيلة الوحيدة لضمان تكافؤ الفرص بين أبناء الأغنياء والفقراء.
لكن الواقع يكشف استمرار التفاوت الصارخ بين التعليم العمومي والخصوصي، وبين المدن والقرى، وهو ما يجعل آلاف الأسر المغربية تشعر بأن الدولة الاجتماعية ما تزال بعيدة عن تحقيق العدالة التعليمية الحقيقية.
بين رهانات كأس العالم 2030 ومعاناة القدرة الشرائية.
يعيش المغرب اليوم على وقع أوراش كبرى مرتبطة بالبنيات التحتية والاستثمارات والتحضير لكأس العالم 2030، لكن في المقابل يعيش المواطن ضغطاً اجتماعياً واقتصادياً خانقاً بسبب ارتفاع الأسعار والتضخم وتراجع القدرة الشرائية وتوالي سنوات الجفاف.
وهنا تبرز المفارقة الكبرى: كيف يمكن بناء دولة اجتماعية قوية بينما يشعر جزء كبير من المواطنين بأن كلفة العيش أصبحت أثقل من قدرتهم على التحمل؟ وكيف يمكن إقناع المواطن بثمار التنمية إذا لم تنعكس مباشرة على حياته اليومية؟
إن نجاح أي مشروع اجتماعي لن يقاس بعدد القوانين والخطب، بل بمدى شعور المواطن البسيط بتحسن حياته داخل المستشفى والمدرسة والإدارة والسوق.
الدولة الاجتماعية بين الحلم المشروع وواقع الاختلالات
لقد شكلت سنة 2020 بداية التحول الرسمي نحو بناء الدولة الاجتماعية بالمغرب بقيادة الملك محمد السادس، في محاولة لإعادة التوازن بين التنمية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية، وجعل الإنسان في قلب السياسات العمومية. غير أن السنوات الأخيرة أظهرت بوضوح أن الفجوة ما تزال كبيرة بين طموح المشروع الملكي وواقع التنزيل الحكومي.
فالواقع الحالي يؤكد أن عدداً من الأوراش الاجتماعية الكبرى ما يزال يصطدم بضعف الحكامة، واختلالات التدبير، ونقص الموارد البشرية، واستمرار البيروقراطية، وضعف آليات المراقبة والتتبع، خاصة داخل قطاع الصحة الذي تحول إلى مرآة حقيقية تكشف عمق الأزمة الاجتماعية والإدارية بالمغرب.
إن الدولة الاجتماعية الحقيقية ليست مجرد بطائق دعم أو شعارات حكومية، بل هي شعور المواطن بأن كرامته مصونة، وأن حقه في العلاج والتعليم والشغل والحياة الكريمة مضمون فعلاً، لا نظرياً فقط.
فإما أن تتحول الدولة الاجتماعية إلى واقع ملموس يشعر به المغاربة في تفاصيل حياتهم اليومية، وإما أن تبقى مجرد مشروع ضخم تلتهمه اختلالات التنزيل، وتُفرغه البيروقراطية وضعف الحكامة من معناه الحقيقي.
#بوشعيب_حمراوي (هاشتاغ)
Bouchaib_Hamraouy#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟