بوشعيب حمراوي
استاذ كاتب وصحفي
(Bouchaib Hamraouy)
الحوار المتمدن-العدد: 8692 - 2026 / 4 / 29 - 08:23
المحور:
الفساد الإداري والمالي
بقلم : بوشعيب حمراوي
يُقال إن الثروات الطبيعية تصنع فرصًا، وإن الأموال تبني مشاريع، وإن الخطط تفتح الآفاق، لكن الحقيقة التي تؤكدها تجارب الأمم أن كل ذلك يظل محدود الأثر إذا غاب عنصر حاسم اسمه ( الوقت). فالوقت ليس مجرد دقائق وساعات تمر على الجدران أو في شاشات الهواتف، بل هو رأس مال الشعوب، ومحرك التنمية، وسر النجاح الفردي والجماعي. وكل مجتمع يستهين بالزمن، يتأخر ولو امتلك الذهب والنفط والموارد. وكل أمة تحترم الوقت، تتقدم ولو بدأت من الصفر.
إن مشكلتنا في كثير من الأحيان ليست في نقص الإمكانات فقط، بل في سوء تدبير الزمن، وفي التساهل مع التأخر، وفي اعتبار المواعيد أمرًا ثانويًا، وفي هدر الساعات داخل الإدارات، والمؤسسات التعليمية، واللقاءات، والأنشطة، وحتى داخل البيوت. لذلك أصبح من الضروري أن نعيد طرح سؤال جوهري: هل نريد تنمية حقيقية؟ إذن لنبدأ أولًا بثقافة احترام الوقت.
الزمن بوصفه القوة الخفية الأكثر نفاذًا
ومن هنا تتجلى حقيقة الزمن بوصفه القوة الخفية الأكثر نفاذًا في الوجود؛ فهو لا يمر فقط، بل يغيّر ويهدم ويعيد تشكيل كل شيء. الزمن يقتل الكائن والمكنون، يطوي الأعمار، ويبدل الوجوه، ويُفني القوة، ويُخرج ما كان مستورًا إلى العلن، ثم يبتلع ما كان ظاهرًا في صمت. وهو كذلك قاهر الأمكنة؛ يحول القصور إلى أطلال، والحقول إلى صحاري، والمدن العامرة إلى ذاكرة، ثم يمنح أمكنة أخرى حياة جديدة. لا سلطان يوقفه، ولا جدار يحبسه، ولا ثروة تشتري منه دقيقة واحدة. لذلك كان وعي الإنسان بالزمن هو بداية الحكمة، لأن من فهم قسوته أدرك قيمة اللحظة، ومن استهان به اكتشف متأخرًا أن أقوى خصم في الحياة ليس الفقر ولا المرض ولا المنافسة… بل الوقت حين يضيع.
الوقت ثروة لا تُسترجع
المال إذا ضاع يمكن تعويضه، والصحة إذا تراجعت قد تستعاد بالعلاج، لكن الوقت إذا مرّ لا يعود أبدًا. وهذه الحقيقة البسيطة هي التي صنعت الفرق بين شعوب جعلت من الزمن مقدسًا، وأخرى اعتبرته شيئًا قابلاً للتبذير. إن الدقيقة الواحدة قد تكون سبب نجاح صفقة، أو إنقاذ مريض، أو فوز طالب، أو تفادي حادث، أو اقتناص فرصة تغير مسار الحياة.
حين يهدر الإنسان يومه في الكسل والتسويف، لا يخسر ساعات فقط، بل يخسر جزءًا من عمره ومن إمكاناته ومن مستقبله. وحين تهدر الدولة وقت مواطنيها في الانتظار والتعطيل والبيروقراطية، فإنها تهدر التنمية نفسها. فالوقت الفردي إذا ضاع كان خسارة شخصية، أما الوقت الجماعي إذا ضاع فهو نزيف وطني.
التنمية لا تُبنى بالعشوائية
كثيرًا ما نتحدث عن المشاريع الكبرى، والاستثمارات، والبنيات التحتية، والإصلاحات، لكننا نغفل أن هذه الأوراش تحتاج أولًا إلى عقل منظم يحترم الزمن. فلا تنمية مع اجتماعات تبدأ متأخرة، ولا إصلاح مع برامج تُنجز في آخر لحظة، ولا جودة مع ثقافة الارتجال.
إن بعض المجتمعات المتقدمة لم تصل إلى ما وصلت إليه فقط بسبب التكنولوجيا، بل لأنها جعلت الالتزام بالمواعيد سلوكًا يوميًا، واحترام الجدولة قاعدة عامة، وربطت النجاح بالانضباط. بينما ما زلنا في كثير من الأحيان نعتبر التأخر أمرًا عاديًا، والتأجيل سلوكًا مألوفًا، والاعتذار عنه مزحة اجتماعية. التنمية الحقيقية تبدأ عندما يصبح الوصول في الوقت المحدد قيمة، وعندما يشعر كل مسؤول أن تأخره ليس شأنًا شخصيًا بل تعطيل لمصالح الناس.
الزمن المدرسي والجامعي… مستقبل يُهدر بصمت
من أخطر أنواع هدر الوقت ما يقع داخل المدرسة والجامعة، لأن الزمن هناك ليس مجرد ساعات، بل هو زمن بناء الإنسان. كل دقيقة تضيع في بداية موسم دراسي مرتبك، أو في تأخر التحاق، أو في غياب أستاذ، أو في سوء استعمال الحصص، هي دقيقة تُقتطع من مستقبل التلميذ والطالب.
حين يتأخر الدخول المدرسي، أو تضيع أسابيع في إجراءات شكلية، أو يُستهلك الوقت في الفوضى بدل التعلم، فإن الخسارة لا تُقاس في حينها، بل تظهر لاحقًا في ضعف الكفاءات، وفي بطالة الخريجين، وفي هشاشة التكوين. لذلك فالإصلاح الحقيقي للتعليم لا يبدأ من المقررات فقط، بل يبدأ من احترام الزمن المدرسي والجامعي، واستثماره بكفاءة وجدية.
زمن الندوات واللقاءات… بين الفائدة والاستعراض
كم من ندوة تبدأ متأخرة ساعة أو أكثر، وكم من لقاء يُهدر نصفه في كلمات بروتوكولية، وكم من يوم دراسي يخرج منه الحاضرون بلا فكرة جديدة ولا توصية نافعة. إن هذا النوع من الأنشطة قد يكون أداة للتطوير وصناعة الأفكار، لكنه قد يتحول أيضًا إلى مساحة لهدر الزمن إذا غاب التنظيم وضعف المحتوى.
المشكل ليس في عقد الندوات، بل في طريقة تدبيرها. حين تُحترم المواعيد، ويُختار المتدخلون بعناية، ويُركز على الجوهر، ويُختصر الهامش، تتحول الندوة إلى مدرسة. أما حين تُغلب المجاملة على الجودة، والاستعراض على الفائدة، فإنها تصبح عبئًا على الناس وعلى المؤسسات. نحن بحاجة إلى ثقافة جديدة: لقاءات قصيرة، دقيقة، مفيدة، تحترم وقت المشاركين وتقدم قيمة حقيقية.
الأسرة أيضًا مدرسة للوقت
احترام الزمن لا يُتعلم فقط في الإدارة أو المدرسة، بل يبدأ من البيت. الطفل الذي يرى أسرته لا تحترم المواعيد، ولا تنظم يومها، ولا تفرق بين وقت الجد ووقت الراحة، سيكبر على الفوضى. بينما الأسرة المنظمة تربي أبناءها على الانضباط، وعلى التوازن بين العمل والترفيه، وعلى تقدير قيمة الدقيقة.
كما أن البيت الذي يهدر ساعاته في مشاهدات الشاشات التلفزيونية والرقمية بلا هدف، أو في نزاعات تافهة، أو في تأجيل دائم للواجبات، يفقد جزءًا من استقراره ومن إنتاجيته. لذلك فإن أول إصلاح زمني وجب أن يبدأ من الأسرة.
الترفيه حق… لكن بعد الواجب
الإنسان يحتاج إلى الراحة، والفرح، والترفيه، والاسترخاء، وهذا أمر طبيعي وصحي. لكن الخطأ أن يتحول الترفيه إلى هروب من المسؤولية، أو أن يُقتطع من وقت الدراسة والعمل والرعاية الأسرية. فالمتعة الجميلة هي التي تأتي بعد الإنجاز، لا بدل الإنجاز. يمكن للإنسان أن يخصص وقتًا للراحة والسهرات والمناسبات والرحلات، لكن ضمن توازن واضح، حتى لا يصبح أسير المتعة اللحظية وخاسر المستقبل الطويل.
كيف نصنع ثورة الوقت؟
نحن في حاجة إلى ثورة هادئة وعميقة، لا بالشعارات بل بالسلوك اليومي. ثورة تبدأ حين نصل في الموعد. حين نحضر قبل البداية لا بعدها. حين نُنجز واجبات اليوم بدل تأجيلها إلى الغد. حين نحترم وقت الآخرين كما نحترم وقتنا. حين نخطط لأيامنا، ونقيم أعمالنا، ونراجع أخطاءنا. كما نحتاج إلى رقمنة الخدمات لتقليص الانتظار، وإلى تبسيط المساطر، وإلى تكوين إداري يربط المسؤولية بالسرعة والجودة، وإلى إعلام وتربية يعيدان الاعتبار لقيمة الزمن.
لن تتغير أوضاعنا كثيرًا إذا ظللنا نبحث عن الحلول الكبرى ونُهمل التفاصيل الصغيرة، وأهم تلك التفاصيل هو الوقت. فالأمم لا تنهض بالقفزات المفاجئة فقط، بل بعادات يومية متراكمة، أولها احترام الساعة والدقيقة والموعد.
إذا أردنا مستقبلًا أفضل، ومدرسة أقوى، وإدارة أنجع، واقتصادًا أكثر تنافسية، وحياة أكثر توازنًا، فعلينا أن نبدأ من هنا: أن نتصالح مع الزمن، وأن نحميه من الهدر، وأن نجعله حليفًا لا خصمًا. فالوقت لا ينتظر أحدًا… ومن لا يقُد زمنه، سيقوده التأخر.
الوقت سيف ذو حدين… فلسفة العمر بين الفعل والندم
تبدو مقولة “الوقت سيف ذو حدين، إن لم تقطعه قطعك” أقرب إلى حكمة شعبية بسيطة، لكنها في عمقها رؤية فلسفية حادة لعلاقة الإنسان بعمره. فالوقت ليس سيفًا لأنه يؤذي بطبيعته، بل لأنه لا يعرف التوقف ولا المجاملة ولا الانتظار. إنه يمضي في صمت، لكنه يترك آثاره بقسوة على من لم يحسن التعامل معه. والحدّ الأول من هذا السيف هو حدّ الإنجاز؛ تقطعه حين تملؤه بالعمل، والتعلم، والإبداع، وبناء الذات وخدمة الناس. أما الحدّ الثاني فهو حدّ الندم؛ يقطعك حين تتركه يمر فارغًا، فيحوّل الفرص إلى ذكريات، والأحلام إلى حسرة، والنوايا إلى أعذار متأخرة. لذلك فالمعنى العميق للمقولة لا يدعو إلى حرب ضد الزمن، لأن الإنسان لا يستطيع هزيمة الوقت، بل يدعو إلى مصاحبته بذكاء، وتوجيهه قبل أن يتحول إلى قوة غامضة تحاكمنا في نهاية الطريق. فمن (يقطع) الوقت لا يقتله، بل يمنحه معنى. ومن يتركه يقطعه، لا يُصاب بجرح ظاهر في الجسد، وإنما بجراح خفية في المستقبل: شهادة لم تُنجز، مهنة لم تُبنَ، علاقة أُهملت، وطن لم يُخدم، وموهبة دُفنت تحت ركام التسويف. وهنا تكمن القسوة الفلسفية للمقولة: الزمن لا يعاقبنا بالصوت، بل بالنتائج. لا يصرخ في وجوهنا حين نضيعه، لكنه يظهر لاحقًا في ضعف الحصيلة، وفي تأخر المسار، وفي تلك اللحظة المؤلمة التي يكتشف فيها الإنسان أنه لم يكن ينقصه الوقت، بل كانت تنقصه الإرادة والتنظيم واليقظة.
إن لم تحضر في وقت السفر… لا تُقبل منك شكاية
كانت تلك العبارة المكتوبة على تذكرة الحافلة (الكار المغربي) تبدو إدارية بسيطة، لكنها تحمل فلسفة صارمة في احترام الزمن. من تأخر عن الموعد، لا يملك حق محاكمة الوقت ولا لوم الآخرين. فالحافلة، مثل الحياة، لا تنتظر المترددين ولا تؤجل مسارها من أجل من لم يحترم موعد الانطلاق. إنها تمضي لأن هناك ركابًا آخرين حضروا في وقتهم، ولأن الطريق له نظام، ولأن التأخر الفردي لا ينبغي أن يتحول إلى عقوبة جماعية. ولربما حتى مقعدك سيكون من نصيب من خرج يسعى قبلك.
هنا تكمن قوة العبارة: إنها لا تعاقب المتأخر فقط، بل تعلّمه أن الحقوق مرتبطة بالواجبات، وأن الشكاية لا تكون عادلة حين يكون صاحبها هو من أضاع شرطها الأول. فالذي يصل بعد انطلاق الحافلة لا يستطيع أن يتهم السائق بالقسوة، ولا الشركة بالإهمال، ولا الركاب بعدم التضامن؛ لأن الزمن كان واضحًا منذ البداية، والموعد كان مكتوبًا، والفرصة كانت قائمة.
والرسالة هنا واضحة وعميقة: كل من فاته موعد السفر سيكون وحده الخاسر، لأنه خسر الرحلة والوقت والفرصة معًا. والأمر نفسه في ميادين الحياة الكبرى؛ فكل من فاته وقت التربية، أو أهمل زمن التعليم، أو ضيّع سنوات التكوين، سيجد نفسه متأخرًا عن ركب انطلق منذ زمن. فهناك أعمار مناسبة للتعلم، ومراحل ذهبية لبناء الشخصية، ومحطات لا تُعوَّض بسهولة إذا مرت. ومن يستهين بها، لا يخسر يومًا عابرًا فقط، بل قد يخسر مسارًا كاملًا. لذلك فالحكمة القديمة على تذكرة الحافلة لم تكن تخص السفر وحده، بل كانت درسًا مبكرًا في أن الحياة نفسها لها مواعيد، ومن لا يحضرها في وقتها، يدفع الثمن وحده.
#بوشعيب_حمراوي (هاشتاغ)
Bouchaib_Hamraouy#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟