أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - بوشعيب حمراوي - أما آن الأوان لفتح معبر (وج بغال) وإنهاء معاناة شعبين شقيقين ؟















المزيد.....

أما آن الأوان لفتح معبر (وج بغال) وإنهاء معاناة شعبين شقيقين ؟


بوشعيب حمراوي
استاذ كاتب وصحفي

(Bouchaib Hamraouy)


الحوار المتمدن-العدد: 8702 - 2026 / 5 / 9 - 18:53
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


بقلم: بوشعيب حمراوي
ليست كل الحدود مجرد خطوط ترسمها الخرائط، ولا كل المعابر مجرد بوابات لعبور الأشخاص والبضائع. هناك حدود تتحول مع الزمن إلى جروح نفسية، وإلى ذاكرة جماعية مثقلة بالأسئلة والخيبات والحنين. وهناك معابر تصبح أكبر من الحديد والإسمنت والأسلاك الشائكة، لأنها تختزن داخلها تاريخ شعوب، ودفء عائلات، وآمال أجيال، وأحلام وحدة تم إعدامها بقرارات سياسية وعسكرية لم يستشر فيها الشعبان.
باب (جوج بغال) ليس مجرد معبر حدودي مغلق بين المغرب والجزائر. إنه عنوان لعقود من التوتر المفتعل، ورمز لواحدة من أكثر المفارقات إيلاماً في العالم العربي والإفريقي: شعبان شقيقان تجمعهما اللغة والدين والتاريخ والمصير والجغرافيا والدم والعادات والتقاليد، لكنهما يعيشان منذ عقود خلف جدران الخوف والشك والتجييش السياسي والإعلامي.
حين يقف المغربي أو الجزائري قرب ذلك الباب الحديدي الصدئ، لا يرى فقط سياجاً أمنياً، بل يرى جزءاً من ذاكرته المغاربية الممزقة. يرى أرحاماً مقطوعة، وصداقات مبتورة، وعائلات لم تعد تستطيع زيارة قبور موتاها، ولا حضور أفراحها وأحزانها. يرى اقتصاداً مغاربياً ميتاً قبل أن يولد، ومشروع اتحاد مغاربي ظل حبيس الخطب والشعارات والقمم البروتوكولية.
إنه باب يحمل اسماً شعبياً ساخراً وبسيطاً: (جوج بغال)، لكنه يخفي خلفه واحدة من أعقد المآسي السياسية والإنسانية في المنطقة. اسم يبدو خفيفاً على اللسان، لكنه ثقيل على القلب والوجدان. وربما لهذا السبب أصبح هذا المعبر رمزاً للعبث السياسي الذي جعل شعبين يدفعان ثمن صراعات لا يريدانها، وحسابات نظام عسكري جزائري جائر يخشى أكثر ما يخشاه: شعوباً متصالحة ومتقاربة وواعية بحقيقة ما يجمعها.
اسم ساخر يخفي مأساة ثقيلة
من أغرب مفارقات هذا المعبر أن اسمه الشعبي يبدو أقرب إلى نكتة أو حكاية فلكلورية بسيطة، بينما يحمل في عمقه واحدة من أكثر القضايا إيلاماً في المغرب الكبير. فـ”جوج بغال” ليس مجرد تسمية حدودية، بل تحول مع الزمن إلى رمز سياسي ونفسي وثقافي وإنساني.
ورغم اختلاف الروايات حول أصل التسمية، فإن الثابت أن المكان كان في زمن ما فضاءً للتواصل والعبور والتبادل، قبل أن يتحول إلى رمز للإغلاق والانفصال. وكأن القدر أراد لهذا الاسم البسيط أن يتحول إلى عنوان لواحد من أكبر أشكال العبث السياسي في المنطقة.
إن المأساة الحقيقية ليست في الاسم، بل في المعنى الذي أصبح يختزله: حدود مغلقة بين شعبين لا توجد بينهما حرب معلنة، ولا خلاف حضاري أو ديني أو ثقافي أو عرقي، بل تجمعهما كل شروط الوحدة الطبيعية التي تجعل استمرار القطيعة أمراً غير مفهوم ولا مقبول إنسانياً وتاريخياً.
حدود ضد الجغرافيا والتاريخ
كل شيء في الجغرافيا يقول إن المغرب والجزائر بلدان متكاملان لا متواجهان. وكل شيء في التاريخ يؤكد أن الشعبين عاشا قروناً من التداخل الإنساني والاجتماعي والثقافي والديني. بل إن المقاومة ضد الاستعمار كانت في لحظات كثيرة مقاومة مشتركة، سالت فيها دماء المغاربة والجزائريين معاً دفاعاً عن الأرض والكرامة.
لكن السياسة حين تفقد بعدها الاستراتيجي والإنساني، تتحول إلى أداة لعزل الشعوب بدل توحيدها. وهذا ما وقع في ملف الحدود المغلقة. فبدل أن تكون الحدود جسراً للتعاون والتكامل الاقتصادي والثقافي والأمني، تحولت إلى خنادق وأسلاك وأسوار نفسية وإعلامية.
إن أخطر ما في الحدود المغلقة ليس منع العبور فقط، بل صناعة أجيال كاملة لا تعرف بعضها البعض إلا عبر خطاب التوتر والتخويف والاتهامات المتبادلة. وهنا تتحول الحدود من مجرد إجراء سياسي إلى مشروع لإنتاج القطيعة داخل الوعي الجماعي.
الشعبان يدفعان الثمن
حين تغلق الحدود لعقود، لا تتضرر الحكومات فقط، بل تتضرر الشعوب أولاً. آلاف العائلات المغربية الجزائرية دفعت ثمن هذا الإغلاق القاسي. أمهات حُرمن من رؤية أبنائهن، وإخوة فرقتهم السياسة، وأرحام تقطعت بسبب حسابات لا علاقة لها بالمواطن البسيط.
كما دفع الاقتصاد المغاربي ثمناً باهظاً. فالمنطقة المغاربية تعتبر من أضعف مناطق العالم اندماجاً اقتصادياً، رغم ما تتوفر عليه من ثروات وإمكانات بشرية وموقع استراتيجي هائل. والسبب بسيط: حين تُغلق الحدود بين أكبر بلدين في المنطقة، يصبح حلم التكامل مجرد شعار للاستهلاك السياسي.
لقد خسر المغرب والجزائر فرصاً تنموية ضخمة بسبب استمرار هذا الوضع. وخسر الشباب فرص شغل واستثمار وتبادل علمي وثقافي وسياحي. وخسرت المنطقة المغاربية مكانتها الطبيعية كقوة إقليمية قادرة على المنافسة.
الأمن الحقيقي لا يبنى بالأسلاك
الأنظمة التي تبالغ في بناء الجدران والأسلاك غالباً ما تكون خائفة من شيء أكبر من الحدود نفسها: خائفة من التقارب بين الشعوب. لأن الشعوب حين تتواصل مباشرة، تسقط الكثير من روايات التخويف والتضليل.
الأمن الحقيقي لا يصنعه الإغلاق الدائم، بل تصنعه الثقة والتعاون والتنمية المشتركة. فكل التجارب العالمية أثبتت أن الشعوب المتقاربة اقتصادياً وإنسانياً تصبح أقل قابلية للصراع وأكثر قدرة على حماية استقرارها المشترك.
أما تحويل الحدود إلى فضاءات عسكرية متوترة بشكل دائم، فهو لا ينتج إلا مزيداً من الاحتقان النفسي والتكاليف الاقتصادية والإنسانية.
جوج بغال .. رمز لفشل الإتحاد المغاربي
حين تأسس اتحاد المغرب العربي سنة 1989، كان الحلم كبيراً. شعوب المنطقة كانت تنتظر فضاءً مغاربياً موحداً يشبه التجارب الإقليمية الناجحة في العالم. لكن الحلم توقف سريعاً، وتحول الاتحاد إلى مؤسسة شبه مجمدة.
ومع مرور الزمن، أصبح (باب جوج بغال) رمزاً لفشل المشروع المغاربي كله. فكيف يمكن الحديث عن اتحاد مغاربي وحدود أكبر بلدين فيه مغلقة منذ عقود؟ وكيف يمكن بناء سوق مشتركة أو تعاون استراتيجي أو قوة إقليمية في ظل هذا الوضع؟
إن استمرار إغلاق المعبر لا يعكس فقط أزمة حدود، بل يعكس أزمة رؤية سياسية في المنطقة كلها.
من (جوج بغال) إلى (باب الوحدة والأمل)
ربما آن الأوان فعلاً للتفكير في المعنى الرمزي لهذا الباب. لماذا يبقى اسمه مرتبطاً بالسخرية والقطيعة؟ لماذا لا يتحول إلى رمز جديد للمصالحة والأمل والوحدة الإنسانية؟
فالأبواب لا تُخلق لكي تبقى مغلقة إلى الأبد. والأمم العاقلة لا تبني مستقبلها على القطيعة الدائمة. والتاريخ يعلمنا أن الشعوب التي تتصالح مع جغرافيتها وتاريخها هي القادرة على بناء المستقبل.
إن (باب الوحدة والأمل) ليس مجرد اسم رمزي، بل رؤية سياسية وإنسانية وثقافية جديدة. رؤية تعتبر أن ما يجمع المغاربة والجزائريين أكبر بكثير مما يفرقهم، وأن مستقبل المنطقة لن يبنى بالخنادق والأسلاك، بل بالثقة والتعاون والانفتاح.
الباب الذي ينتظر شجاعة شرفاء الشقيقة الجزائر
سيظل (باب جوج بغال) شاهداً على مرحلة مؤلمة من تاريخ المنطقة، لكنه قد يتحول يوماً إلى شاهد على لحظة تاريخية أخرى: لحظة انتصار الحكمة على التوتر، والشعوب على الحسابات الضيقة، والمستقبل على ذاكرة الصراع. فالحدود قد تغلق الطرق، لكنها لا تستطيع إغلاق التاريخ المشترك، ولا منع الحنين، ولا قتل الأمل في قلوب الشعوب. وربما سيأتي يوم يقف فيه أطفال مغاربة وجزائريون أمام ذلك الباب دون أن يفهموا كيف كان شعب واحد يحتاج إلى كل تلك الأسلاك لكي يُمنع من معانقة نفسه.



#بوشعيب_حمراوي (هاشتاغ)       Bouchaib_Hamraouy#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- المطلب الأممي ب(التنازلات التاريخية) يرعب الجزائر ويدفع البو ...
- مأساة تؤرق إفريقيا: الاضطراب العقلي والإدمان والتشرد… ظواهر ...
- حول منع المعطي منجب من دخول معرض الكتاب… من يحرس المعنى؟
- الإدمان الإلكتروني للكبار… يفقد المربّي بوصلته ويُربك المجتم ...
- التخييم بالمغرب : تُختبر الطفولة بين النوايا الحسنة واختلالا ...
- سؤال اليوم العالمي للصحافة : أي إعلام نريد في زمن الضجيج وسل ...
- في حاجة إلى الأمن الرياضي الوقائي ونموذج وطني للتشجيع
- الولوجيات… حق كوني واختبار حقيقي لضمير الإنسانية
- الصحة والتغذية تحت الوصاية .. بدون مفاتيح لهما تضيع السيادة ...
- مؤسسة الزواج تنهار : الشباب ليسوا في حاجة دعوة للزواج بل إلى ...
- الاستهانة بالزمن تعطل التنمية والوقت ثروة لا تُسترجع
- هل تعيد (مذكرة برادة ) للامتحانات الإشهادية هيبتها قبل أن تض ...
- الإعلام الدولي في زمن الحروب : من يُغطي الحقيقة ومن يُغطي عل ...
- مسار التنمية بالمغرب رهين بالعلاقة بين الحكم الذاتي والجهوية ...
- الفكر الترامبي: رئيس دولة بقبعة مدير شركة حوّل المفاوضات إلى ...
- حتى لا يتحول المظلوم الى ظالم ...للإنصاف جسور يؤثثها الدستور
- الانتخابات بالمغرب.. معركة إصلاح أم سباق نحو الكراسي؟
- هل يذكرنا بن الشيخ ب(ريمونتادا 1976 ) مولودية الجزائر التي ل ...
- الإرهاب… من يصنعه؟ ومن يستثمره؟ ومتى يولد الإرهابي؟
- الجزائر... حين تستثمر الدولة في صناعة العداء ويتسول الشعب ال ...


المزيد.....




- بلدة -لبنان- في أمريكا.. كيف تبدو الحياة في مركزالولايات الم ...
- تحاكي أحداثًا شهدناها.. لعبة -أركيد- مستوحاة من الحرب الإيرا ...
- صور معدلة ودعوات للملاحقة القضائية: ترامب يشعل -تروث سوشيال- ...
- عشية المفاوضات بين لبنان وإسرائيل.. غارات وإنذارات وتفجيرات ...
- -طلقة واحدة إصابة واحدة-: الجيش الأمريكي يتزود بأنظمة ذكاء ا ...
- كنزُ أم ممتلكات مسروقة؟ طفل يعثر على ثروة كبيرة في روضة بألم ...
- كيف مات جيفري إبستين.. انتحر أم قُتِل؟ تفاصيل جديدة
- استراتيجية الصمت التكتيكي .. هكذا غيّر الألماني فليك وجه برش ...
- بريطانيا: عاصفة سياسية تطالب ستارمر بالتنحي بعد النتائج الكا ...
- العوا يتحدث للجزيرة نت حول: وهم الحماية الأمريكية والردع الإ ...


المزيد.....

- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم
- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - بوشعيب حمراوي - أما آن الأوان لفتح معبر (وج بغال) وإنهاء معاناة شعبين شقيقين ؟