أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - بوشعيب حمراوي - التكريم بين العرفان الحقيقي واستغلال الواجهة















المزيد.....

التكريم بين العرفان الحقيقي واستغلال الواجهة


بوشعيب حمراوي
استاذ كاتب وصحفي

(Bouchaib Hamraouy)


الحوار المتمدن-العدد: 8721 - 2026 / 5 / 30 - 00:38
المحور: المجتمع المدني
    


بقلم: بوشعيب حمراوي

حين يتحول التكريم إلى مرآة للمنظم لا للمُكرَّم

في المجتمعات الحية، لا يُقاس رقي المؤسسات بعدد الحفلات التي تنظمها، ولا بفخامة المنصات والكراسي والورود والعدسات، بل يُقاس بمدى قدرتها على حفظ كرامة الإنسان وتثمين عطائه والوفاء لمن صنعوا أمجادها بصمت وتضحيات وسنوات من الكفاح والعمل والإبداع. فالتكريم في جوهره ليس مجرد لحظة بروتوكولية عابرة، ولا مناسبة لالتقاط الصور وتبادل الابتسامات الرسمية، بل هو رسالة أخلاقية وإنسانية وحضارية تؤكد أن المجتمع لا ينسى أبناءه الذين أعطوا وبذلوا وتركوا بصماتهم في الحياة.

لكن المؤلم اليوم، أن الكثير من حفلات التكريم والتتويج والعرفان، تحولت إلى مسارح لتلميع المؤسسات والمسؤولين والمنظمين، أكثر مما هي فضاءات للاحتفاء الحقيقي بالمكرمين والمتوجين. فأصبح المكرَّم في كثير من الأحيان مجرد رقم داخل منصة، أو ديكور بشري يُستعمل لتجميل صورة جهة منظمة تبحث عن التصفيق الإعلامي، بينما يُترك صاحب الإنجاز الحقيقي في الظل، دون تقديم يليق بمساره، أو تعريف يوازي حجم عطائه، أو اهتمام يرقى إلى قيمة تضحياته.

وهنا تكمن المأساة الحقيقية؛ أن يتحول التكريم من لحظة إنصاف إلى لحظة خذلان، ومن مناسبة للاعتراف إلى مناسبة للتهميش المقنع، ومن احتفاء بالإنسان إلى احتفاء بالكاميرات والبروتوكولات والأسماء الثقيلة التي تحضر دقائق ثم تغادر وكأنها قامت بواجب إنساني عظيم.

عرسان الحفل في آخر الصفوف

أغرب ما في كثير من حفلات التكريم، أن “عرسان المناسبة” يصبحون آخر من يُلتفت إليهم. فتجد كل الأضواء موجهة نحو المسؤول الذي حضر، أو الضيف الذي صافح، أو المنتخب الذي ابتسم للكاميرا، بينما يُختزل المكرمون في لحظات صامتة، ينتظرون مناداة أسمائهم بسرعة من أجل تسلم شهادة أو هدية رمزية، ثم يُطلب منهم مغادرة المنصة لإفساح المجال لصورة جماعية جديدة مع “الشخصيات المهمة”.

كم من متقاعد أفنى عمره في التعليم أو الإدارة أو الأمن أو الصحة، ثم وجد نفسه في حفل تكريم لا يتجاوز دقائق معدودة، دون أن يسمع أحد تفاصيل رحلته الطويلة مع المعاناة والعطاء. وكم من تلميذ متفوق أو طالب نابغ أو فنان مبدع أو رياضي متألق، صعد المنصة دون أن يجد من يعرّف الجمهور بحلمه وكفاحه وإنجازاته وطموحاته.

بل الأخطر من ذلك، أن بعض المقالات والتغطيات الإعلامية التي تُنجز بعد تلك الحفلات، تتحول بالكامل إلى دعاية للجهة المنظمة، حيث تُملأ الصفحات بأسماء الحاضرين والبروتوكولات والكلمات الرسمية والأجواء العامة، بينما يغيب اسم المكرَّم أو المتوج، أو يُذكر في سطر يتيم وكأنه تفصيل ثانوي داخل الحفل الذي أُقيم أصلاً من أجله.

أي عبث هذا الذي يجعل من المسؤول “بطل المناسبة”، بينما يتحول صاحب الإنجاز الحقيقي إلى مجرد كومبارس في حفل تكريمه؟
الإعلام… شريك في الجريمة المعنوية

للأسف، ساهم جزء من الإعلام في ترسيخ هذه الثقافة المشوهة للتكريم. فبدل أن يكون الصحفي باحثًا عن الإنسان والقصة والمسار والتجربة الملهمة، أصبح أحيانًا مجرد ناقل بروتوكولي للأسماء الوازنة والكراسي الأمامية والتصريحات الرسمية.

ما الفائدة من عشرات المقالات التي تتحدث عن إشراف وزير أو عامل أو مسؤول على حفل تكريم، دون أن تخصص مقالة واحدة لسيرة المكرمين؟ ما الجدوى من فيديوهات تُظهر التصفيق والورود والديكورات، بينما تغيب فيها دموع الفرح الصادقة التي تسكن عيون متقاعد أنهكه الزمن، أو فرحة تلميذ فقير قاوم الظروف حتى صنع التميز؟

الإعلام الحقيقي لا يُقاس بعدد الصور مع المسؤولين، بل بقدرته على إنصاف المجهولين وصناعة القدوة وتوثيق قصص النجاح والإبداع. فالصحفي الذي يغوص في مسار المكرَّم، ويكشف معاناته وكفاحه وتفاصيل نجاحه، هو من يؤدي رسالته النبيلة. أما من يكتفي بذكر أسماء الحضور الرسميين، فإنه يشارك – ولو بشكل غير مباشر – في سرقة لحظة العرفان من أصحابها الحقيقيين.

التكريم الحقيقي يبدأ قبل الحفل

التكريم ليس شهادة تعلق على الجدار، ولا درعًا يُوضع فوق الرفوف، بل هو مسار متكامل من الاعتراف والإنصاف والتوثيق والتقدير. لذلك، فإن التكريم الحقيقي يبدأ قبل الحفل، حين يتم الاهتمام بالمبدعين والمتفوقين والمتقاعدين وهم في أوج عطائهم، وليس فقط عندما يقتربون من نهاية الطريق.

تكريم التلاميذ والطلبة يجب أن يكون بصناعة بيئة تحفزهم على الإبداع، وبإعطائهم الفرصة ليتحدثوا عن أحلامهم وتجاربهم، وبجعلهم أبطال المنصات لا مجرد أسماء تُتلى بسرعة. وتكريم المتقاعدين يجب أن يكون بتوثيق ذاكرتهم المهنية والإنسانية، وإنجاز روبورتاجات وأفلام قصيرة عن حياتهم ومساراتهم، وإعطائهم مساحة للكلام والشهادة والتأثير، لأنهم ليسوا أدوات استُهلكت ثم انتهت صلاحيتها، بل مدارس من التجارب والخبرات والحكمة.

كما أن تكريم المبدعين والنجوم الحقيقيين، يكون بحفظ حقوقهم المعنوية، وتأريخ أعمالهم، وتسويق إنجازاتهم للأجيال، وإصدار كتب ومنصات رقمية تعرف بهم، حتى لا يتحولوا إلى مجرد صور منسية داخل أرشيف المناسبات.

حين يصبح التكريم إعلانًا مبكرًا للنهاية

هناك نوع من التكريم الحزين، الذي يشعر فيه المكرَّم وكأنه يُدفع نحو زاوية النسيان. وخصوصًا عند بعض حفلات تقاعد الموظفين والأطر، التي تُقام بطريقة باردة ومكررة، تجعل الإنسان يشعر وكأن المؤسسة تقول له: “شكراً… لقد انتهى دورك.”

إنها لحظة قاسية حين يتحول التكريم إلى إعلان غير مباشر عن الإقصاء، بدل أن يكون فتحًا لباب جديد من الاحترام والاعتراف والاستفادة من الخبرة. لذلك، فالمجتمعات الذكية لا تتخلص من ذاكرتها البشرية بمجرد التقاعد، بل تحولها إلى قوة اقتراح وتأطير وتكوين واستشارة.

فالإنسان الذي أعطى سنوات عمره لمؤسسة أو وطن، لا يستحق أن يُختزل في درع خشبي أو صورة جماعية باهتة، ثم يُترك وحيدًا يصارع المرض والنسيان والعزلة.

التكريم الذي يصنع التنمية

التكريم الحقيقي ليس مجرد احتفال، بل هو صناعة للأمل وتحفيز للأجيال. فعندما يرى الطفل أن المجتمع يحتفي بالمجتهدين والمخلصين والمبدعين بطريقة تليق بهم، فإنه يقتنع بأن الاجتهاد له قيمة، وأن التضحية لا تضيع، وأن الوطن يعترف بأبنائه.
أما حين يرى الناس أن الأضواء كلها تُسرق لصالح المنظمين والمسؤولين، بينما يُهمش أصحاب الإنجاز، فإن الإحباط ينتشر، وتُقتل روح المبادرة، ويصبح النجاح مجرد محطة للاستغلال الإعلامي لا أكثر.

لذلك، فالتكريم والعرفان يجب أن يتحولا إلى ثقافة وطنية قائمة على الإنصاف والصدق والوفاء، لا إلى مناسبات موسمية لتلميع الصور والواجهات.

كل من عليها فان

في النهاية، سيغادر الجميع… المسؤول والمنظم والمكرَّم والحاضر والغائب. ولن يبقى من الإنسان سوى أثره الطيب، وكلمته الصادقة، وسيرته التي تركها في قلوب الناس.
لهذا، فإن أعظم تكريم يمكن أن نقدمه للإنسان، هو أن نعترف بفضله وهو حي، وأن نحفظ كرامته وهو قادر على الابتسام، وأن نكتب اسمه في ذاكرة الوطن قبل أن تكتبه شواهد القبور.
فالتكريم الحقيقي ليس حفلاً ينتهي بإطفاء الأضواء، بل ذاكرة وفاء لا تنطفئ… لأن كل من عليها فان، ويبقى فقط أثر العطاء الصادق والإنسان النبيل.



#بوشعيب_حمراوي (هاشتاغ)       Bouchaib_Hamraouy#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- العالم بين “البولفاف” و”القديد” السياسي حين تحولت الحروب وال ...
- هولندا… حين تتحول الحرية إلى معول لهدم الإنسان من تشريع الشذ ...
- المغرب والسنغال…مباراة انتصرت فيها الأخوة على كرة القدم
- هذا عيد أضحى… وذاك عيد أمسى
- لهيب الحرب و شجع الشناقة : أضحية العيد من شعيرة دينية إلى مع ...
- الإعلام الإلكتروني والالعاب الالكترونية : بين صناعة الذكاء و ...
- المبادرة الوطنية للتنمية البشرية… مشروع ملكي اجتماعي يستحق ا ...
- الدولة الاجتماعية والدولة المغربية… بين طموح الخطاب الملكي و ...
- الجهوية المتقدمة بالمغرب : لترسيخ المساواة والإنصاف داخل الج ...
- على هامش اليوم العالمي للأسرة : العوالم الرقمية أطفات شموع ا ...
- المساكن الوظيفية .. عوالم خفية و فساد مستمر
- المغرب المنسي في الشمال والشرق : معركة الذاكرة والسيادة التي ...
- أما آن الأوان لفتح معبر (وج بغال) وإنهاء معاناة شعبين شقيقين ...
- المطلب الأممي ب(التنازلات التاريخية) يرعب الجزائر ويدفع البو ...
- مأساة تؤرق إفريقيا: الاضطراب العقلي والإدمان والتشرد… ظواهر ...
- حول منع المعطي منجب من دخول معرض الكتاب… من يحرس المعنى؟
- الإدمان الإلكتروني للكبار… يفقد المربّي بوصلته ويُربك المجتم ...
- التخييم بالمغرب : تُختبر الطفولة بين النوايا الحسنة واختلالا ...
- سؤال اليوم العالمي للصحافة : أي إعلام نريد في زمن الضجيج وسل ...
- في حاجة إلى الأمن الرياضي الوقائي ونموذج وطني للتشجيع


المزيد.....




- خروقات مستمرة لاتفاق وقف إطلاق النار: قصف إسرائيلي يستهدف خي ...
- لقاء عسكري نادر في غوانتانامو وسط تصاعد التوتر بين واشنطن وه ...
- بالقرب من -غوانتانامو-.. تفاصيل اجتماع -نادر- بين جنرال أمري ...
- 3 شهداء في غارة استهدفت نقطة شرطية بخانيونس وتصعيد يطال خيام ...
- اجتماع نادر بين عسكريين أمريكيين وكوبيين قرب غوانتانامو
- بوركينا فاسو تغلق مسجدا بعد اعتقال مناصري إمام موقوف
- مع تصاعد الضربات الإسرائيلية.. اليونيسف تكشف حصيلة الضحايا ا ...
- برنامج الأغذية العالمي: 7.2 ملايين شخص في جنوب السودان بحاجة ...
- الأمم المتحدة تحذر: سيطرة إسرائيل على 70% من غزة تُفاقم معان ...
- الأمم المتحدة: غزة يجب أن تكون بالكامل للفلسطينيين


المزيد.....

- مدرسة غامضة / فؤاد أحمد عايش
- أسئلة خيارات متعددة في الاستراتيجية / محمد عبد الكريم يوسف
- أية رسالة للتنشيط السوسيوثقافي في تكوين شخصية المرء -الأطفال ... / موافق محمد
- بيداغوجيا البُرْهانِ فِي فَضاءِ الثَوْرَةِ الرَقْمِيَّةِ / علي أسعد وطفة
- مأزق الحريات الأكاديمية في الجامعات العربية: مقاربة نقدية / علي أسعد وطفة
- العدوانية الإنسانية في سيكولوجيا فرويد / علي أسعد وطفة
- الاتصالات الخاصة بالراديو البحري باللغتين العربية والانكليزي ... / محمد عبد الكريم يوسف
- التونسيات واستفتاء 25 جويلية :2022 إلى المقاطعة لا مصلحة للن ... / حمه الهمامي
- تحليل الاستغلال بين العمل الشاق والتطفل الضار / زهير الخويلدي
- منظمات المجتمع المدني في سوريا بعد العام 2011 .. سياسة اللاس ... / رامي نصرالله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - بوشعيب حمراوي - التكريم بين العرفان الحقيقي واستغلال الواجهة