أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - عالم الرياضة - بوشعيب حمراوي - أسود الأطلس يزأرون ... عندما تتحول كرة القدم إلى محكمة للأنساب















المزيد.....

أسود الأطلس يزأرون ... عندما تتحول كرة القدم إلى محكمة للأنساب


بوشعيب حمراوي
استاذ كاتب وصحفي

(Bouchaib Hamraouy)


الحوار المتمدن-العدد: 8739 - 2026 / 6 / 17 - 19:41
المحور: عالم الرياضة
    


أسود الأطلس يزأرون ...
عندما تتحول كرة القدم إلى محكمة للأنساب


بقلم : بوشعيب حمراوي


في كل مرة يحقق فيها المغرب إنجازاً رياضياً كبيراً، أو يلفت أنظار العالم بأداء جماعي راقٍ، أو يثبت أن أبناءه قادرون على منافسة كبار المنتخبات، تخرج من الظل أصوات لا تنشغل بما جرى فوق أرضية الملعب، ولا بما قدمه اللاعبون من عطاء وتضحيات، ولا بما حملته المباراة من رسائل رياضية وإنسانية وحضارية، بل تنشغل بشيء آخر تماماً: البحث في شهادات الازدياد، والتنقيب في الأصول العائلية، وإقامة محاكم تفتيش جديدة للانتماء والهوية والوطنية.
إنها عقلية غريبة لا ترى في كرة القدم لعبة تجمع الشعوب، ولا في الرياضة جسراً للتواصل الإنساني، بل تراها مناسبة لإحياء النعرات الضيقة، واستدعاء الأسوار النفسية والحدود الوهمية التي صنعتها السياسة والعصبيات والقبائل والمصالح المتصارع.
لقد شاهد العالم منتخب المغرب وهو يبدع أمام كبار المنتخبات، ويقدم كرة حديثة ومتطورة، ويثبت مرة أخرى أن العمل الجاد والتخطيط السليم قادران على صناعة المعجزات، لكن بعض العقول لم تر كل ذلك. لم تر التمريرات ولا التكتيك ولا الروح القتالية ولا الانضباط الجماعي، بل رأت فقط مكان ولادة هذا اللاعب أو ذاك، وكأن قيمة الإنسان تختزل في بقعة جغرافية خرج منها إلى الدنيا.

سقوط الفكر القبلي في زمن العولمة

المفارقة الكبرى أن أصحاب هذا الخطاب يعيشون في زمن العولمة لكنهم يفكرون بعقلية القبيلة. يستخدمون أحدث وسائل الاتصال في العالم للدفاع عن أكثر الأفكار انغلاقاً. يتحدثون عبر منصات تجمع البشرية كلها، لكنهم يصرون على تقسيم الناس إلى فئات ومراتب وهويات مغلقة.
لقد تجاوز العالم منذ زمن طويل فكرة نقاء الأعراق وصفاء الأنساب وأوهام التفوق العرقي والثقافي. فالدول الحديثة بنيت على المواطنة والكفاءة والاختيار الحر والانتماء الإرادي، لا على لون البشرة ولا على مكان الولادة ولا على اسم الجد الخامس أو السادس.

فهل يعقل أن يأتي شخص في القرن الحادي والعشرين ليقنعنا بأن اللاعب الذي اختار حمل قميص بلده والدفاع عنه والتضحية من أجله أقل انتماءً من غيره فقط لأنه ولد في مدينة أوروبية؟ وهل يمكن أن يصبح الانتماء الوطني مجرد إحداثية جغرافية بينما يغيب الحديث عن المشاعر والقيم والاختيارات والمواقف؟

ازدواجية المعايير وذاكرة الانتقاء

المثير للاستغراب أن الذين يهاجمون المغرب بسبب لاعبيه المولودين بالخارج يلتزمون الصمت عندما يتعلق الأمر بمنتخبات أخرى. فهم لا يرون التنوع البشري داخل المنتخبات الأوروبية الكبرى، ولا يتوقفون عند تجارب التجنيس الرياضي في دول عديدة، ولا يطرحون الأسئلة نفسها عندما يتعلق الأمر بفرق ومنتخبات أخرى.
إنهم لا يناقشون الظاهرة كمبدأ، بل يستعملونها كسلاح ظرفي عندما يكون المستهدف هو المغرب أو أي تجربة ناجحة يراد التقليل من شأنها.
وهنا تتحول القضية من نقاش رياضي مشروع إلى موقف نفسي وسياسي قائم على الرغبة في التشويش على النجاح أكثر من البحث عن الحقيقة.

الإنسانية أكبر من الحدود

لقد خلق الإنسان قبل أن تُخلق الدول، وعاش على هذه الأرض قبل أن تُرسم الحدود وتُرفع الأعلام وتُكتب الدساتير. والإنسانية ستظل دائماً أوسع من كل الخرائط وأكبر من كل الجوازات.
فالحدود التي نعتبرها اليوم حقائق مطلقة هي في كثير من الأحيان نتائج حروب واتفاقيات وصراعات وتحولات تاريخية متغيرة. أما القيم الإنسانية المشتركة فهي الثابت الحقيقي الذي يمنح للبشرية معناها.
ولهذا فإن الرياضة كانت دائماً من أجمل المجالات التي تذكر الناس بأن ما يجمعهم أكثر بكثير مما يفرقهم. فهي لغة عالمية يفهمها الجميع، وتمنح الملايين فرصة للالتقاء حول الفرح والحلم والإبداع والتنافس الشريف.
أما تحويلها إلى ساحة لتصفية الحسابات العرقية أو الثقافية أو السياسية فهو انتصار للعصبية على العقل، وللجهل على المعرفة، وللانغلاق على الانفتاح.

المنتخب المغربي... صورة لمغرب العالم

إن المنتخب المغربي الحديث لا يمثل فقط أحد عشر لاعباً داخل الملعب، بل يمثل قصة مغرب ممتد عبر القارات، مغرباً يعيش داخل حدوده وخارجها، مغرباً يحمل أبناءه في الدار البيضاء والرباط وطنجة كما يحملهم في أمستردام وبروكسيل وباريس ومدريد ومونتريال.
إنه نموذج لوطن استطاع أن يحافظ على ارتباط أبنائه به رغم المسافات، وأن يجعلهم يختارون حمل ألوانه بكل فخر واعتزاز.
وهذا ليس مصدر ضعف كما يحاول البعض تصويره، بل مصدر قوة حضارية وإنسانية نادرة، لأن الأوطان القوية ليست تلك التي تحبس أبناءها داخل الحدود، بل تلك التي تجعل أبناءها مرتبطين بها أينما وجدوا.

انتصار الإنسان على العصبية

المشكلة الحقيقية ليست في اللاعبين الذين ولدوا خارج أوطانهم الأصلية، بل في العقول التي ما زالت عاجزة عن استيعاب أن العالم تغير، وأن الإنسانية تتقدم كلما تراجعت العنصرية، وأن المجتمعات تزدهر كلما انتصرت قيم التعايش والتنوع والانفتاح.
لقد آن الأوان للتوقف عن محاكم الأنساب والولادات والجذور، والعودة إلى جوهر الرياضة ورسالتها النبيلة. فاللاعب يُقاس بما يقدمه داخل الملعب، والإنسان يُقاس بأخلاقه ومواقفه وأعماله، والأوطان تُقاس بقدرتها على احتضان أبنائها لا بعدد الكيلومترات التي تفصلهم عنها.
وحين يدرك العالم هذه الحقيقة البسيطة، ستصبح كرة القدم كما أرادها عشاقها دائماً: مساحة للفرح الإنساني المشترك، لا ساحة لإعادة إنتاج الأحقاد والعصبيات التي أرهقت البشرية قروناً طويلة.

جيوش رقمية ضد كل نجاح مغربي

ولعل أخطر ما يواجهه المغرب اليوم ليس فقط خصومه التقليديون، بل أيضاً تلك الجيوش الرقمية التي تستنفر عند كل نجاح مغربي، وعند كل مبادرة تنموية أو دبلوماسية أو رياضية أو ثقافية أو إنسانية، لتطلق حملات منظمة من التشكيك والتبخيس والتسفيه والتهويل. فهؤلاء لا يناقشون الوقائع بقدر ما يسعون إلى صناعة واقع بديل قائم على الإشاعة وتضليل الرأي العام ونشر الإحباط وفقدان الثقة. إنهم يرون وحدهم ما لا يراه ملايين المغاربة وآلاف المراقبين والخبراء والمؤسسات الدولية، ويدّعون اكتشاف الكوارث والمؤامرات والفضائح في كل خطوة يخطوها الوطن، بينما تأتي الوقائع والأرقام والشهادات الدولية لتكذب مزاعمهم الواحدة تلو الأخرى.
لقد تحول هؤلاء مأجوري العالم الآخر إلى تجار للأزمات الوهمية، يقتاتون على السلبية وينزعجون من كل خبر سار، لأن نجاح المغرب ينسف رواياتهم، وتقدم المغرب يفضح خطاباتهم، واستقرار المغرب يحرمهم من مادة الإلهاء التي يعيشون عليها. لذلك تجدهم يسارعون إلى تضخيم كل حادث معزول، وإعادة تدوير كل إشاعة، واختراع كل قصة قابلة لإثارة البلبلة، أملاً في زعزعة ثقة المغاربة في أنفسهم ومؤسساتهم ومستقبلهم. غير أن المشكلة الكبرى التي تواجههم هي أن الحقائق أقوى من الدعاية، وأن الإنجازات الملموسة لا تمحوها المنشورات المأجورة، وأن المغرب الذي يراه العالم من خلال استقراره ومشاريعه الكبرى ومكانته الدولية ليس هو المغرب الذي يحاول هؤلاء رسمه داخل غرف الكراهية ومصانع التضليل الرقمي. ولذلك فإن معركتهم الحقيقية ليست مع الحكومة أو مع مؤسسة أو مع مشروع بعينه، بل مع صورة وطن يواصل التقدم رغم كل محاولات التشويش والتشويه.



#بوشعيب_حمراوي (هاشتاغ)       Bouchaib_Hamraouy#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- على هامش اليوم العالمي لمناهضة عمل الاطفال : الطفل يحتاج إلى ...
- البرلمان الذي نريد : يفرض رقي الساسة والقضاء على أسواق النخا ...
- الفيفا تقصف ولا تبالي : فكرة كرسي الصحفي الفارغ تزعزع نظام ا ...
- الفكر الترامبي: هل هو قادر على إعادة صناعة العالم و تربية أن ...
- الجهوية بالمغرب... بين ورش البناء الديمقراطي وواجب استحضار ا ...
- البكالوريا : من مشروع نابليون لبناء الدولة إلى جسر يمهد لبنا ...
- برادة والخمسة آلاف حرامي جهوي .. في انتظار رواد الغش في الام ...
- القاصر ليس مادة إعلامية ... و الكاميرا أداة للتوعية وليست وس ...
- الإعدام.. ليس عقاب
- القطيع الرقمي.. حين يتحول الإنسان إلى أداة في يد الشاشة. ... ...
- بين لاهاي والرباط... من انتصر لحق الإضراب؟ ... هل تم تنظيم ح ...
- قصة : عاشق رسول الله ﷺ... لا توفت قراءتها..
- التكريم بين العرفان الحقيقي واستغلال الواجهة
- العالم بين “البولفاف” و”القديد” السياسي حين تحولت الحروب وال ...
- هولندا… حين تتحول الحرية إلى معول لهدم الإنسان من تشريع الشذ ...
- المغرب والسنغال…مباراة انتصرت فيها الأخوة على كرة القدم
- هذا عيد أضحى… وذاك عيد أمسى
- لهيب الحرب و شجع الشناقة : أضحية العيد من شعيرة دينية إلى مع ...
- الإعلام الإلكتروني والالعاب الالكترونية : بين صناعة الذكاء و ...
- المبادرة الوطنية للتنمية البشرية… مشروع ملكي اجتماعي يستحق ا ...


المزيد.....




- 24 ساعة فقط قبل بلجيكا.. تحديات لوجستية تربك استعدادات إيران ...
- إمام عاشور -يرفض أن يكون ضيفًا-.. ورسالة خاصة من مدربه الأول ...
- منتخب إيران ينتظر -انفراجة متأخرة- قبل مواجهة مصر بكأس العال ...
- مونديال 2026: ثنائية أونداف تقود ألمانيا إلى الفوز على ساحل ...
- المونديال.. ما حقيقة -سوء علاقة- حسام حسن مع محمد صلاح بعد ا ...
- أمير سعودي عن مباراة منتخب بلاده مع إسبانيا: أتمنى ألا تكون ...
- من هو -البديل الذهبي- الذي قاد ألمانيا إلى بلوغ دور الـ32 في ...
- لقطة مونديالية.. حارس كوراساو يبكي فرحاً وزملاؤه يثنون عليه ...
- في 40 ثانية.. مدرب إسكتلندا يثير الضجة بعد خسارة المغرب في م ...
- أرقام مذهلة لحارس كوراساو في ليلة التعادل التاريخي بالمونديا ...


المزيد.....

- مقدمة كتاب تاريخ شعبي لكرة القدم / ميكايل كوريا
- العربي بن مبارك أول من حمل لقب الجوهرة السوداء / إدريس ولد القابلة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - عالم الرياضة - بوشعيب حمراوي - أسود الأطلس يزأرون ... عندما تتحول كرة القدم إلى محكمة للأنساب