أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - بوشعيب حمراوي - الجهوية بالمغرب... بين ورش البناء الديمقراطي وواجب استحضار الحكم الذاتي و الوحدة الترابية الكاملة















المزيد.....

الجهوية بالمغرب... بين ورش البناء الديمقراطي وواجب استحضار الحكم الذاتي و الوحدة الترابية الكاملة


بوشعيب حمراوي
استاذ كاتب وصحفي

(Bouchaib Hamraouy)


الحوار المتمدن-العدد: 8728 - 2026 / 6 / 6 - 22:24
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


بقلم: بوشعيب حمراوي

منذ أكثر من نصف قرن، والمغرب يخوض واحدة من أعقد وأعمق عمليات إعادة بناء الدولة الحديثة. لم تكن المعركة مقتصرة على بناء الطرق والسدود والموانئ والمطارات والمؤسسات، بل كانت في جوهرها معركة لإعادة تنظيم المجال الترابي الوطني بما يحقق التنمية والعدالة المجالية ويقرب القرار من المواطن ويجعل الدولة أكثر قدرة على الاستجابة لحاجيات مختلف جهات المملكة.
ومنذ الاستقلال، ظل التقسيم الترابي للمغرب يتطور باستمرار وفق متطلبات كل مرحلة. فانتقل المغرب من منطق الإدارة الترابية التقليدية إلى منطق التنمية الجهوية، ثم إلى الجهوية الموسعة، قبل أن يخطو خطوة تاريخية كبيرة مع دستور 2011 الذي ارتقى بالجهوية إلى مرتبة الاختيار الدستوري الاستراتيجي من خلال اعتماد مفهوم الجهوية المتقدمة باعتبارها أحد الأعمدة الأساسية للدولة الحديثة.

وفي هذا السياق تم تقليص عدد الجهات من ست عشرة جهة إلى اثنتي عشرة جهة، ليس بهدف التقليص العددي فقط، بل من أجل بناء وحدات ترابية أكثر انسجاماً وتكاملاً وقدرة على التخطيط والاستثمار والتنافسية. غير أن المسار لم يكن سهلاً، ولم تكن النتائج دائماً في مستوى الطموحات، لأن تنزيل الجهوية المتقدمة ظل يواجه تحديات قانونية ومالية وبشرية وإدارية وسياسية عديدة جعلت هذا الورش الكبير في حالة بناء مستمر إلى يومنا هذا.

واليوم، ومع ظهور القانون التنظيمي 31.26 المعدل والمتمم للقانون التنظيمي 111.14 المتعلق بالجهات، يجد المغرب نفسه أمام محطة جديدة من محطات هذا المسار الطويل. محطة تطرح أسئلة كبرى تتجاوز مجرد تعديل بعض المواد القانونية لتصل إلى جوهر النموذج الترابي الذي يريده المغرب لمستقبله.

عشر سنوات من الجهوية المتقدمة... ماذا تحقق وماذا تعثر؟

لا يمكن لأي متتبع موضوعي أن ينكر أن المغرب راكم خلال العقد الأخير تجربة مهمة في مجال تدبير الشأن الجهوي. فقد أصبحت الجهات فاعلاً أساسياً في إعداد البرامج التنموية والمساهمة في الاستثمار وجلب المشاريع وإعداد التصورات الترابية الكبرى.
لكن في المقابل، كشفت التجربة أيضاً أن العديد من الجهات ما زالت عاجزة عن ممارسة اختصاصاتها كاملة، وأن جزءاً مهماً من السلطة الفعلية والموارد المالية والقرارات الاستراتيجية ما زال متمركزاً في الإدارة المركزية. كما أن عدداً من المجالس الجهوية اصطدم بإكراهات مرتبطة بالتمويل والموارد البشرية وتعقيد المساطر وتداخل الاختصاصات.

ولهذا جاء القانون الجديد تحت عنوان معالجة الاختلالات وتطوير التجربة. لكن النقاش الحقيقي لا يتعلق فقط بفعالية التدبير، بل يتعلق بالاتجاه الذي تسير فيه الجهوية المغربية: هل نحو مزيد من نقل الاختصاصات أم نحو إعادة تركيز بعضها داخل المركز؟

القانون الجديد... تصحيح للمسار أم مراجعة للفلسفة؟

المدافعون عن القانون 31.26 يعتبرونه خطوة ضرورية لمعالجة أعطاب عشر سنوات من التجربة، وتطوير أدوات الحكامة، وتسريع إنجاز المشاريع، وتحسين العلاقة بين الدولة والجهات.
أما المنتقدون فيرون أن بعض مقتضياته قد تفتح الباب أمام عودة أشكال من الوصاية الإدارية التي حاول دستور 2011 تجاوزها، وقد تحد من هامش التدبير الحر الذي يعتبر جوهر الجهوية المتقدمة.

والحقيقة أن نجاح أي قانون جديد لن يقاس بعدد مواده ولا بحجم التعديلات التي جاء بها، وإنما بمدى قدرته على جعل الجهة فاعلاً حقيقياً في التنمية، لا مجرد وسيط إداري بين المواطن والدولة المركزية.
فالجهوية المتقدمة لم تُحدث من أجل توزيع المناصب والميزانيات فقط، وإنما من أجل إعادة توزيع السلطة التنموية داخل الوطن.

الحكم الذاتي... الثمرة الطبيعية لشجرة الجهوية

وأثناء الحديث عن الجهوية بالمغرب، لا يمكن القفز على أهم مشروع ترابي وسياسي ودبلوماسي ينتظر المملكة خلال العقود المقبلة، وهو مشروع الحكم الذاتي بالأقاليم الجنوبية.
فالحكم الذاتي ليس مشروعاً منفصلاً عن الجهوية المتقدمة، بل هو الامتداد الطبيعي والأكثر تطوراً لها. وإذا كانت الجهوية المتقدمة تمثل أعلى درجات اللامركزية المطبقة حالياً داخل المملكة، فإن الحكم الذاتي يمثل الصيغة الأكثر تقدماً التي يمكن أن تصل إليها هذه الجهوية داخل إطار السيادة الوطنية.
لقد أمضى المغرب سنوات طويلة في الإعداد لهذا الورش، ليس فقط عبر الترافع الدبلوماسي داخل الأمم المتحدة والمحافل الدولية، بل أيضاً عبر بناء الأرضية الاقتصادية والاجتماعية والقانونية والمؤسساتية التي ستجعل تنزيل الحكم الذاتي ممكناً وواقعياً وقابلاً للحياة.

فالأقاليم الجنوبية شهدت خلال العقود الأخيرة استثمارات ضخمة في البنية التحتية والطرق والموانئ والطاقة المتجددة والصيد البحري والسياحة والتعليم والصحة والتكوين المهني والسكن والتشغيل. كما تم تعزيز المؤسسات المنتخبة والتمثيلية الديمقراطية وتوسيع مشاركة الساكنة المحلية في تدبير شؤونها.
ولذلك فإن نجاح الجهوية المتقدمة اليوم يشكل في الواقع اختباراً لقدرة المغرب على إنجاح نموذج الحكم الذاتي غداً.

مغرب الجهات ووحدة ترابية لم تكتمل بعد

غير أن أي نقاش حول التقسيم الترابي للمغرب يظل ناقصاً إذا أغفل قضية أساسية تتمثل في أن الوحدة الترابية للمملكة، وفق الرؤية الوطنية المغربية، ما زالت تعرف ملفات مفتوحة لم تطو صفحاتها نهائياً في الذاكرة التاريخية والوطنية.
فإلى جانب قضية الصحراء المغربية التي تتجه نحو حل نهائي في إطار الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، ما تزال سبتة ومليلية والجزر الجعفرية وصخرة بادس وصخرة النكور وعدد من الجزر والثغور المغربية خاضعة للاحتلال الإسباني.
كما أن جزءاً واسعاً من النخب الوطنية المغربية ما زال يعتبر أن مناطق تندوف وبشار وأدرار ومجالات صحراوية أخرى اقتطعت من المغرب خلال المرحلة الاستعمارية وألحقت بالجزائر الفرنسية قبل استقلالها.
ومن حق الأجيال المغربية أن تعرف هذه الحقائق التاريخية، وأن تبقى حاضرة في الذاكرة الوطنية وفي الأدبيات الأكاديمية والثقافية والإعلامية، حتى لا تضيع مع الزمن.

نحو جهوية الذاكرة والسيادة

ولعل الوقت قد حان للتفكير في مقاربة جديدة تجعل الخرائط والوثائق الوطنية أكثر تعبيراً عن الذاكرة التاريخية للمملكة. فكما توجد دول عديدة تدرج ضمن وثائقها ومناهجها التعليمية مناطق متنازعاً عليها أو محتلة أو محل مطالب تاريخية، يمكن للمغرب أن يحافظ بدوره على هذا البعد الرمزي والحقوقي.
فلا شيء يمنع من تخصيص إشارات تفسيرية داخل الوثائق المرجعية والخرائط الوطنية للمجالات السليبة، بما يحفظ الذاكرة الوطنية ويؤكد استمرار التشبث بالحقوق التاريخية للمملكة.
فالخرائط ليست مجرد رسوم جغرافية، بل هي أيضاً وثائق سيادة وذاكرة وهوية.

من الجهوية المتقدمة إلى الدولة الترابية الجديدة

إن القانون التنظيمي 31.26 ليس مجرد تعديل قانوني عابر، بل هو حلقة جديدة في مسلسل طويل بدأ منذ عقود وما زال مفتوحاً على آفاق أوسع. فالمغرب اليوم لا يبني فقط نموذجاً للجهوية المتقدمة، بل يهيئ نفسه أيضاً لاحتضان نموذج الحكم الذاتي باعتباره أحد أكثر أشكال اللامركزية تطوراً في العالم المعاصر.
وبين الجهوية المتقدمة والحكم الذاتي، وبين التنمية الترابية والوحدة الوطنية، وبين الحاضر والمطالب التاريخية للمملكة، تتشكل ملامح مغرب جديد؛ مغرب الجهات القوية، ومغرب المؤسسات القوية، ومغرب السيادة الكاملة، ومغرب الذاكرة التي لا تنسى أرضاً ولا تاريخاً ولا حقاً.
إن المستقبل لا يصنعه الذين يكتفون بتدبير الحدود القائمة فقط، بل يصنعه أيضاً الذين يحافظون على ذاكرة الوطن ويواصلون بناء الدولة بثقة في الحاضر وإيمان بالمستقبل وتمسك ثابت بالوحدة الترابية للمملكة المغربية.



#بوشعيب_حمراوي (هاشتاغ)       Bouchaib_Hamraouy#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- البكالوريا : من مشروع نابليون لبناء الدولة إلى جسر يمهد لبنا ...
- برادة والخمسة آلاف حرامي جهوي .. في انتظار رواد الغش في الام ...
- القاصر ليس مادة إعلامية ... و الكاميرا أداة للتوعية وليست وس ...
- الإعدام.. ليس عقاب
- القطيع الرقمي.. حين يتحول الإنسان إلى أداة في يد الشاشة. ... ...
- بين لاهاي والرباط... من انتصر لحق الإضراب؟ ... هل تم تنظيم ح ...
- قصة : عاشق رسول الله ﷺ... لا توفت قراءتها..
- التكريم بين العرفان الحقيقي واستغلال الواجهة
- العالم بين “البولفاف” و”القديد” السياسي حين تحولت الحروب وال ...
- هولندا… حين تتحول الحرية إلى معول لهدم الإنسان من تشريع الشذ ...
- المغرب والسنغال…مباراة انتصرت فيها الأخوة على كرة القدم
- هذا عيد أضحى… وذاك عيد أمسى
- لهيب الحرب و شجع الشناقة : أضحية العيد من شعيرة دينية إلى مع ...
- الإعلام الإلكتروني والالعاب الالكترونية : بين صناعة الذكاء و ...
- المبادرة الوطنية للتنمية البشرية… مشروع ملكي اجتماعي يستحق ا ...
- الدولة الاجتماعية والدولة المغربية… بين طموح الخطاب الملكي و ...
- الجهوية المتقدمة بالمغرب : لترسيخ المساواة والإنصاف داخل الج ...
- على هامش اليوم العالمي للأسرة : العوالم الرقمية أطفات شموع ا ...
- المساكن الوظيفية .. عوالم خفية و فساد مستمر
- المغرب المنسي في الشمال والشرق : معركة الذاكرة والسيادة التي ...


المزيد.....




- مراهق على دراجة كهربائية يصطدم بدورية شرطة.. شاهد ما حدث
- مسؤول باكستاني في طهران لمواصلة جهود الوساطة في المحادثات مع ...
- 9 قتلى في غزة.. حماس تتهم إسرائيل بإفشال محادثات القاهرة وتل ...
- واشنطن تحذر أوروبا من -غزو أيديولوجي خطير- قادم عبر السواحل! ...
- جاد تابت : - استهداف المواقع الأثرية هدفه محو الذاكرة وعلاقة ...
- الاتحاد الدولي للنقل الجوي يشيد -بصمود- شركات الطيران الخليج ...
- -شربنا مياهاً فيها ديدان-.. شهادات لنازحين سودانيين خلال رحل ...
- مقتل قائد عسكري يمني بانفجار عبوة ناسفة في الحُديدة
- هل اقتربت ساعة التهجير الكبير في الضفة؟
- -ما وراء الخبر- يناقش تداعيات توسع عمليات المستوطنين في الضف ...


المزيد.....

- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - بوشعيب حمراوي - الجهوية بالمغرب... بين ورش البناء الديمقراطي وواجب استحضار الحكم الذاتي و الوحدة الترابية الكاملة