أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - بوشعيب حمراوي - من الجهوية إلى الدولة الحديثة: الرسالة الملكية ترسم ملامح مغرب جديد يصنع التنمية من قلب المجالات















المزيد.....


من الجهوية إلى الدولة الحديثة: الرسالة الملكية ترسم ملامح مغرب جديد يصنع التنمية من قلب المجالات


بوشعيب حمراوي
استاذ كاتب وصحفي

(Bouchaib Hamraouy)


الحوار المتمدن-العدد: 8748 - 2026 / 6 / 26 - 04:40
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


بقلم : بوشعيب حمراوي

الرسائل الملكية .. خرائط طريق لبناء الدولة الحديثة

الرسائل الملكية ليست مجرد كلمات تُلقى في مناسبة وطنية أو دولية ثم تُحفظ في الأرشيف، بل إنها تشكل وثائق مرجعية ترسم ملامح السياسات العمومية، وتحدد اتجاهات الإصلاح، وتبعث برسائل واضحة إلى مختلف مؤسسات الدولة والمنتخبين والإدارة والقطاع الخاص والمجتمع المدني. ومن هذا المنطلق، تأتي الرسالة السامية التي وجهها صاحب الجلالة الملك محمد السادس إلى المشاركين في الدورة الثامنة للمؤتمر العالمي للمدن والحكومات المحلية المتحدة المنعقد بمدينة طنجة، لتؤكد مرة أخرى أن المغرب لا ينظر إلى التنمية الترابية باعتبارها مجرد توزيع للمشاريع أو تحويل للاختصاصات، وإنما باعتبارها مشروعاً حضارياً متكاملاً لإعادة بناء علاقة الدولة بالمجال والمواطن، وإرساء نموذج جديد للحكامة يجعل من الجماعات الترابية والجهات رافعة أساسية للتنمية، وشريكاً فعلياً في صناعة القرار، ومسؤولاً مباشراً عن تحسين جودة الحياة اليومية للمواطنين.

فالرسالة الملكية لا تتحدث عن الجهوية المتقدمة باعتبارها إصلاحاً إدارياً معزولاً، بل تقدمها كاختيار استراتيجي يروم تحديث الدولة، وترسيخ الديمقراطية المحلية، وتحقيق العدالة المجالية، وتحرير الطاقات، وإطلاق دينامية تنموية تجعل لكل جهة خصوصيتها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وتمنحها القدرة على ابتكار حلولها وفق مؤهلاتها وإمكاناتها وحاجيات ساكنتها.
وفي العمق، فإن هذه الرسالة لا تخاطب المشاركين في المؤتمر وحدهم، بل توجه خطاباً إلى كل مسؤول ترابي، وكل منتخب، وكل إدارة عمومية، وكل فاعل اقتصادي ومدني، مفاده أن زمن التدبير التقليدي قد ولى، وأن المغرب يدخل مرحلة جديدة عنوانها: الدولة الترابية الحديثة، التي يصبح فيها المواطن محور التنمية، والمجال فضاءً للإبداع والاستثمار، والجماعات الترابية شريكاً كاملاً في تحقيق النهضة الوطنية.

الدولة الحديثة لا تُقاس بقوة المركز وحده... بل بقدرة المجالات على صناعة التنمية

من بين أقوى الرسائل التي حملها الخطاب الملكي، تلك التي أكدت أن الدولة الحديثة لم تعد تُقاس فقط بقوة مؤسساتها المركزية، وإنما أيضاً بقدرتها على تمكين مجالاتها الترابية من المبادرة، وتقريب القرار العمومي من المواطنين، وجعل التنمية ثمرة للتكامل بين الدولة والجهات والجماعات الترابية وباقي الفاعلين.

وهنا ينتقل المغرب من منطق الدولة المركزية التي تحتكر التخطيط والتنفيذ، إلى منطق الدولة التي تمنح الثقة لمجالاتها الترابية، وتعتبر أن التنمية الحقيقية لا يمكن أن تُفرض من المكاتب المركزية، بل تُبنى انطلاقاً من معرفة دقيقة بخصوصيات كل إقليم وكل جهة وكل جماعة.

فحاجيات المناطق الجبلية ليست هي حاجيات المدن الكبرى، ومتطلبات الأقاليم الساحلية تختلف عن متطلبات المناطق الصحراوية، كما أن فرص الاستثمار في الجهات الفلاحية تختلف عن تلك التي تمتلك مؤهلات صناعية أو سياحية أو لوجستية. ومن هنا يصبح احترام الخصوصيات الترابية أساساً لكل سياسة تنموية ناجحة، بدل اعتماد حلول موحدة لا تراعي اختلاف الواقع المحلي.
إن قوة الدولة لا تكمن في كثرة القرارات المركزية، بل في قدرتها على خلق مؤسسات ترابية قوية، تمتلك الكفاءات والوسائل والاختصاصات التي تجعلها قادرة على اتخاذ القرار المناسب في الوقت المناسب، وتحويل الإمكانات المحلية إلى مشاريع تنموية ملموسة يشعر المواطن بآثارها في حياته اليومية.

الجهوية المتقدمة... انتقال من تدبير الشأن المحلي إلى صناعة المستقبل

حين يؤكد جلالة الملك أن الجهوية المتقدمة خيار استراتيجي لتحديث الدولة وترسيخ الديمقراطية المحلية، فإنه يضع هذا الورش في مكانته الحقيقية، باعتباره أحد أكبر الإصلاحات المؤسساتية التي عرفها المغرب خلال العقود الأخيرة.
فالجهوية ليست مجرد تقسيم إداري جديد، ولا مجرد نقل بعض الاختصاصات من الوزارات إلى الجهات، بل هي فلسفة جديدة في تدبير الدولة تقوم على توزيع السلطة والمسؤولية، وربط التنمية بالمجال، ومنح الجهات القدرة على رسم أولوياتها وفق إمكاناتها.
غير أن نجاح هذا الورش يظل رهيناً بوجود مجالس ترابية قوية، وإدارات مؤهلة، وكفاءات قادرة على التخطيط الاستراتيجي، واستقطاب الاستثمار، وتعبئة الموارد، وتتبع المشاريع، وتقييم نتائجها. فالجهوية لا يمكن أن تنجح إذا بقيت الجماعات الترابية رهينة ضعف الموارد البشرية، أو محدودية الإمكانات المالية، أو غياب الحكامة، أو هيمنة الحسابات السياسية الضيقة.

كما أن الجهوية المتقدمة تفرض الانتقال من ثقافة تدبير الملفات اليومية إلى ثقافة بناء المستقبل، حيث يصبح المنتخب مطالباً بأن يكون صانعاً للرؤية، وقائداً للتنمية، لا مجرد مسير للاجتماعات أو مانح للرخص أو وسيط لقضاء المصالح الإدارية.
وهذا التحول يتطلب تغييراً عميقاً في العقليات، وفي طرق اشتغال المؤسسات، وفي علاقة المنتخب بالإدارة والمواطن، حتى تصبح التنمية مشروعاً جماعياً، لا رهينة المبادرات الفردية أو الحسابات الانتخابية الضيقة.

العدالة المجالية... عندما تصبح الجغرافيا فرصة للتنمية لا سبباً في التفاوت
من أهم الرسائل التي حملها الخطاب الملكي تأكيده على أن العدالة المجالية ليست شعاراً سياسياً أو مطلباً ظرفياً، وإنما هي أحد أعمدة الدولة الحديثة. فالعدالة لا تتحقق فقط أمام القضاء، ولا تقتصر على المساواة في الحقوق والواجبات، بل تمتد أيضاً إلى حق كل مواطن، أينما كان، في الاستفادة من فرص متكافئة في التعليم، والصحة، والشغل، والنقل، والسكن، والثقافة، والخدمات العمومية.

ولسنوات طويلة، عانت بعض المجالات الترابية من اختلالات واضحة في توزيع المشاريع والاستثمارات، فظهرت جهات استفادت من الدينامية الاقتصادية، في مقابل مناطق أخرى ظلت تعاني من ضعف البنيات التحتية، وهشاشة الخدمات، وهجررة الكفاءات، وارتفاع نسب البطالة، مما عمق الفوارق المجالية وأثر على التماسك الاجتماعي.
ومن هنا، فإن العدالة المجالية التي يدعو إليها جلالة الملك لا تعني توزيعاً متساوياً للموارد بين جميع الجهات، وإنما تعني توزيعاً عادلاً يأخذ بعين الاعتبار حاجيات كل مجال، ومستوى الخصاص الذي يعانيه، والإمكانات التي يزخر بها، حتى تتحول التنمية إلى وسيلة لتقليص الفوارق، لا إلى عامل لتكريسها.

إن الجماعة الترابية التي تتوفر على مؤهلات سياحية ينبغي أن تُواكب بمشاريع تعزز هذا القطاع، والجهة التي تزخر بالمؤهلات الفلاحية يجب أن تحظى باستثمارات ترفع من القيمة المضافة لمنتوجاتها، والمناطق الصناعية ينبغي أن تتوفر على شبكات نقل ولوجستيك حديثة، كما أن العالم القروي يحتاج إلى مدارس ومستشفيات وطرق وماء صالح للشرب وشبكات رقمية تضمن له نفس فرص التنمية التي تستفيد منها المدن.

فالعدالة المجالية ليست إنفاقاً مالياً فقط، بل هي رؤية متكاملة تجعل من كل شبر من الوطن فضاءً للإنتاج والعطاء، وتمنح لكل مواطن الإحساس بأنه شريك في التنمية، وليس مجرد متفرج عليها.

الجماعات الترابية... من تدبير الشؤون اليومية إلى قيادة التحولات الكبرى

من بين أهم الأفكار التي تستحق الوقوف عندها في الرسالة الملكية، الدعوة إلى إقامة تنظيم ترابي خلاق لا يكتفي بتدبير الحاجيات اليومية، بل يمتلك القدرة على استباق التحولات، وتوجيه الاستثمار، ومواكبة الانتقالين الرقمي والبيئي، وتحسين جودة الخدمات العمومية .
وهنا ينتقل دور الجماعات الترابية من وظيفة تقليدية كانت ترتبط أساساً بتدبير النظافة والإنارة والطرق والرخص، إلى دور أكثر اتساعاً وعمقاً، يجعلها فاعلاً اقتصادياً وتنموياً حقيقياً، مسؤولاً عن خلق بيئة جاذبة للاستثمار، وتشجيع المقاولة، وخلق فرص الشغل، وتحسين تنافسية المجالات الترابية.

ولذلك، فإن الجماعة الناجحة في المستقبل لن تكون تلك التي تكثر من الاجتماعات والبلاغات، وإنما التي تستطيع أن تستقطب المستثمرين، وتُيسر المساطر، وتحسن الخدمات الرقمية، وتوفر فضاءات اقتصادية وصناعية وسياحية وثقافية ورياضية، وتجعل من المواطن محور كل قرار.

كما أن المنتخب المحلي لم يعد يقاس بعدد تدخلاته داخل الدورات، بل بما يحققه من أثر حقيقي في حياة المواطنين، وبقدرته على تحويل الإمكانيات الطبيعية والبشرية إلى مشاريع تخلق الثروة وتحسن ظروف العيش.

إن الرسالة الملكية تدعو بوضوح إلى تجاوز ثقافة التدبير الإداري البسيط، والانتقال إلى ثقافة القيادة الترابية، حيث يصبح كل رئيس جماعة، وكل رئيس جهة، وكل مسؤول ترابي مطالباً بأن يكون صاحب رؤية، ومهندساً للتنمية، لا مجرد مسير للمرفق العمومي.

التخطيط العلمي... الإنصات للمواطن نقطة الانطلاق
أكد جلالة الملك أن برامج التنمية الترابية يجب أن تنطلق من التشخيص الدقيق لحاجيات الساكنة، والإنصات للفاعلين المحليين، وترتيب الأولويات وفق أثرها المباشر على حياة المواطن.
وهذا التوجيه يحمل في طياته نقداً غير مباشر لبعض التجارب التي كانت تعتمد على إعداد البرامج داخل المكاتب، بعيداً عن الواقع الميداني، مما أدى في أحيان كثيرة إلى إنجاز مشاريع لا تستجيب للأولويات الحقيقية، أو إلى تأخر مشاريع أكثر إلحاحاً بالنسبة للسكان.
إن التخطيط الناجح يبدأ بمعرفة دقيقة للواقع، من خلال الدراسات العلمية، والإحصائيات الموثوقة، واللقاءات التشاورية، والإنصات الحقيقي للمواطنين والجمعيات والمهنيين والقطاع الخاص، لأن التنمية التي لا تنطلق من حاجيات الناس، يصعب أن تحقق أهدافها.

كما أن ترتيب الأولويات أصبح ضرورة ملحة، لأن الموارد المالية ليست بلا حدود، وبالتالي فإن الحكامة الجيدة تقتضي توجيه الاستثمارات نحو القطاعات التي يكون أثرها الاجتماعي والاقتصادي أكبر، وفي مقدمتها التعليم، والصحة، والماء، والتشغيل، والنقل، والتأهيل الترابي، وهي المجالات التي تمس الحياة اليومية للمواطن بشكل مباشر.

وهنا تتحول التنمية إلى عملية مبنية على المعطيات والنتائج، لا على الارتجال أو الضغوط أو الحسابات السياسية، وهو ما يعزز الثقة بين المواطن والمؤسسات، ويجعل كل مشروع قابلاً للتقييم والمساءلة.

الحكامة الجديدة... من ثقافة الإنفاق إلى ثقافة النتائج والأثر

لم يكن من قبيل الصدفة أن يركز جلالة الملك في رسالته على مفاهيم التشاور، والتعاقد، والتتبع، والتقييم، والنجاعة في استعمال الموارد، وربط الأهداف بالنتائج، لأن هذه المفاهيم أصبحت اليوم تشكل جوهر الحكامة العمومية الحديثة، ولم تعد التنمية تقاس بعدد المشاريع التي يتم الإعلان عنها، أو بحجم الاعتمادات المالية المرصودة لها، وإنما بالأثر الحقيقي الذي تتركه في حياة المواطنين.
لقد عانت العديد من البرامج التنموية، سواء بالمغرب أو في دول أخرى، من ظاهرة تضخم الميزانيات مقابل محدودية النتائج، حيث تُنجز المشاريع في آجال متأخرة، أو تتوقف بسبب سوء التخطيط، أو ترتفع كلفتها بشكل غير مبرر، أو تُنفذ دون أن تحقق الغايات التي أُنشئت من أجلها. ولذلك فإن الرسالة الملكية تؤسس لثقافة جديدة تجعل تقييم الأداء جزءاً لا يتجزأ من تدبير الشأن العام، بحيث لا يكفي أن تُبرمج المشاريع، بل ينبغي تتبع مراحل إنجازها، وقياس أثرها، وتصحيح الاختلالات في الوقت المناسب، وربط المسؤولية بالمحاسبة كلما ثبت وجود تقصير أو سوء تدبير.
إن الحكامة التي يدعو إليها جلالة الملك هي حكامة قائمة على الكفاءة والفعالية، لا على الاكتفاء بتدبير الملفات الإدارية، وهي حكامة تجعل المال العام أمانة يجب أن يُصرف بأقصى درجات النجاعة، وأن يُترجم إلى مدارس أفضل، ومستشفيات أكثر جودة، وطرق أكثر أماناً، ونقل أكثر فعالية، ومرافق عمومية تحفظ كرامة المواطن، لأن الغاية من كل السياسات العمومية ليست الأرقام المجردة، وإنما الإنسان.

التحول الرقمي والانتقال البيئي... رهان المستقبل الذي لا يحتمل التأجيل

من الرسائل المهمة التي حملتها الرسالة الملكية أيضاً، الدعوة إلى مواكبة الانتقال الرقمي والبيئي، باعتبارهما من أكبر التحولات التي يعرفها العالم في القرن الحادي والعشرين.
فالرقمنة لم تعد ترفاً إدارياً، بل أصبحت ضرورة لضمان الشفافية، وتبسيط المساطر، ومحاربة البيروقراطية، وتقليص آجال معالجة الملفات، والحد من الاحتكاك المباشر الذي قد يفتح الباب أمام بعض مظاهر الفساد أو المحاباة. والإدارة الترابية التي لا تنخرط في الرقمنة ستجد نفسها عاجزة عن مواكبة تطلعات المواطنين والمستثمرين، الذين أصبحوا ينتظرون خدمات سريعة، واضحة، وآمنة.

أما الانتقال البيئي، فهو لم يعد مجرد شعار يرتبط بحماية الطبيعة، بل أصبح جزءاً من الأمن الاقتصادي والاجتماعي. فالتغيرات المناخية، وندرة المياه، والضغط على الموارد الطبيعية، تفرض على الجماعات الترابية اعتماد سياسات جديدة في تدبير الماء، والطاقة، والنفايات، والمساحات الخضراء، والتعمير، والنقل المستدام، بما يضمن الحفاظ على الموارد لفائدة الأجيال القادمة.
وهكذا، فإن الجماعة الترابية الحديثة هي التي تستثمر في التكنولوجيا كما تستثمر في الإنسان، وتحمي البيئة كما تحفز الاستثمار، لأنها تدرك أن التنمية المستدامة لا يمكن أن تتحقق على حساب الموارد الطبيعية أو جودة الحياة.

الشباب والنساء والفئات الهشة... التنمية التي لا تشمل الجميع ليست تنمية حقيقية
حين دعا جلالة الملك إلى إدماج الشباب والنساء والفئات الهشة في دينامية التنمية، فإنه أكد أن التنمية لا تُقاس بحجم المشاريع فقط، وإنما بمدى قدرتها على إشراك جميع فئات المجتمع في صنعها والاستفادة من ثمارها.
فالشباب المغربي يمثل أكبر رصيد بشري للمملكة، لكنه يحتاج إلى فرص حقيقية في التكوين، والتشغيل، وريادة الأعمال، والابتكار، والمشاركة في تدبير الشأن العام، حتى يتحول إلى قوة اقتراح وإنتاج، لا إلى ضحية للبطالة أو الهجرة أو الإقصاء.
كما أن تمكين المرأة لا ينبغي أن يظل محصوراً في الشعارات أو الأرقام، بل يجب أن يترجم إلى سياسات عمومية تضمن تكافؤ الفرص، ودعم المقاولة النسائية، وتعزيز المشاركة في مراكز القرار، وتوفير الظروف التي تمكنها من التوفيق بين دورها الأسري ومساهمتها الاقتصادية والاجتماعية.
أما الفئات الهشة، من أشخاص في وضعية إعاقة، وأسر معوزة، ومسنين، وسكان المناطق النائية، فإن إدماجهم في التنمية ليس عملاً إحسانياً، بل هو واجب دستوري وأخلاقي، لأن الدولة القوية هي التي تقاس بمدى عنايتها بالفئات الأكثر حاجة، وليس فقط بما تحققه من مؤشرات اقتصادية.
ومن هنا، فإن الرسالة الملكية تؤكد أن التنمية المنشودة هي تنمية دامجة، لا تترك أحداً خلفها، وتجعل الكرامة الإنسانية أساس كل السياسات العمومية.
الأقاليم الجنوبية... نموذج عملي للتنمية الترابية وربط الجغرافيا بالسيادة

لم يكن تخصيص جلالة الملك حيزاً مهماً من رسالته للحديث عن الأقاليم الجنوبية للمملكة مجرد استحضار لمنطقة عزيزة من الوطن، بل كان تأكيداً على أن هذه الأقاليم أصبحت اليوم نموذجاً عملياً لما يمكن أن تحققه الرؤية الاستراتيجية عندما تلتقي بالإرادة السياسية والاستثمار العمومي والتعبئة الجماعية. فالصحراء المغربية لم تعد تُقدم فقط باعتبارها قضية وطنية ترتبط بالوحدة الترابية، وإنما أصبحت تُطرح أيضاً باعتبارها فضاءً تنموياً واعداً، ومنصة اقتصادية ولوجستيكية، وجسراً يربط المغرب بعمقه الإفريقي وامتداده الأطلسي.

لقد عرفت مدن الأقاليم الجنوبية خلال السنوات الأخيرة تحولات عميقة، سواء من حيث البنيات التحتية، أو الموانئ، أو الطرق، أو الطاقات المتجددة، أو الخدمات الاجتماعية، أو تشجيع الاستثمار، الأمر الذي جعلها تستقطب مشاريع استراتيجية كبرى، وتتحول تدريجياً إلى أقطاب للتنمية والاستقرار. وهذا ما يفسر تأكيد الرسالة الملكية على أن هذه الأقاليم أصبحت مركزاً لتعزيز التعاون الإفريقي والأطلسي، لأن التنمية الاقتصادية والاجتماعية أصبحت اليوم أحد أقوى عناصر ترسيخ السيادة الوطنية، وإبراز مصداقية النموذج المغربي أمام المنتظم الدولي.

إن الرسالة تحمل أيضاً دلالة سياسية عميقة، مفادها أن الدفاع عن الوحدة الترابية لا يتم فقط عبر المواقف الدبلوماسية، وإنما كذلك عبر بناء الإنسان، وتوفير فرص الشغل، وتحسين جودة الحياة، وإنجاز المشاريع التي تجعل المواطن يشعر بأن التنمية حقيقة يعيشها كل يوم، وليس مجرد شعار يُرفع في المناسبات.

إفريقيا في صلب الرؤية الملكية... من التعاون التقليدي إلى الشراكة المنتجة
إذا كانت الرسالة قد ركزت على الشأن الداخلي، فإنها في الوقت نفسه أبرزت البعد الإفريقي باعتباره امتداداً طبيعياً للدور الذي اختاره المغرب لنفسه داخل القارة.

فالمبادرات الملكية، وعلى رأسها مبادرة تمكين دول الساحل من الولوج إلى المحيط الأطلسي، ومشروع أنبوب الغاز الإفريقي الأطلسي، ومبادرة الدول الإفريقية الأطلسية، لا يمكن النظر إليها باعتبارها مشاريع اقتصادية فقط، بل هي رؤية جيواستراتيجية متكاملة تروم إعادة رسم فضاءات التعاون داخل القارة الإفريقية، وربط التنمية بالأمن والاستقرار والتكامل الاقتصادي.

فدول الساحل، التي تعاني من تحديات أمنية واقتصادية وجغرافية، تحتاج إلى منافذ بحرية وأسواق جديدة وشراكات مستقرة، والمغرب، بحكم موقعه الجغرافي واستقراره السياسي وخبرته التنموية، يطرح نفسه شريكاً موثوقاً يسعى إلى بناء تعاون قائم على تقاسم المنافع، وليس على منطق الهيمنة أو الاستغلال.

إن هذه المبادرات تجعل من المغرب جسراً بين إفريقيا وأوروبا، وبين إفريقيا والعالم الأطلسي، وتمنحه مكانة متقدمة داخل القارة، ليس فقط من خلال الدبلوماسية الرسمية، بل أيضاً عبر الاقتصاد، والاستثمار، والتكوين، والتعاون اللامركزي، وتبادل الخبرات.
الدبلوماسية اللامركزية... عندما تصبح الجماعات الترابية سفراء للتنمية
من الجوانب التي تستحق التوقف عندها في الرسالة الملكية، تأكيدها على أهمية التعاون الدولي اللامركزي بين الجماعات الترابية، وخاصة مع نظيراتها الإفريقية.
وهذا التوجه يعكس تطوراً مهماً في مفهوم الدبلوماسية، إذ لم تعد العلاقات الدولية حكراً على الحكومات ووزارات الخارجية، بل أصبحت الجهات والجماعات الترابية بدورها قادرة على بناء شراكات، وتبادل الخبرات، واستقطاب الاستثمارات، وإنجاز مشاريع مشتركة في مجالات البيئة، والنقل، والتخطيط الحضري، والتحول الرقمي، والثقافة، والتكوين، والتنمية المحلية.

ويأتي الصندوق الإفريقي لدعم التعاون الدولي اللامركزي، الذي أحدثه المغرب سنة 2020، ليجسد هذه الرؤية الجديدة، من خلال تمويل ومواكبة مشاريع ذات أثر ملموس، وتعزيز قدرات الجماعات الترابية الإفريقية، وتقوية جسور التعاون بينها وبين نظيراتها المغربية.
إن هذه المقاربة تجعل الجماعات الترابية المغربية فاعلاً في السياسة الخارجية للمملكة، وتسهم في نقل التجربة المغربية في مجالات الحكامة واللامركزية والتنمية المحلية إلى شركائها الأفارقة، بما يعزز الحضور المغربي داخل القارة، ويكرس صورة المملكة كبلد يتقاسم خبراته وإمكاناته مع أشقائه، في إطار تعاون يقوم على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة.

الرسالة الملكية... دعوة إلى الانتقال من حسن النوايا إلى حسن الإنجاز

تكشف الرسالة الملكية الموجهة إلى المؤتمر العالمي للمدن والحكومات المحلية المتحدة أن المغرب قد حسم اختياره في بناء دولة حديثة، قوامها الحكامة الجيدة، والجهوية المتقدمة، والعدالة المجالية، والتنمية المندمجة، والشراكة مع مختلف الفاعلين. وهي رسالة تؤكد أن المستقبل لن تصنعه القرارات المركزية وحدها، بل ستصنعه أيضاً الجهات والجماعات الترابية التي تمتلك رؤية، وإدارة كفؤة، ومنتخبين يتحلون بالكفاءة والنزاهة وروح المسؤولية.

غير أن نجاح هذه الرؤية يظل رهيناً بسرعة تنزيلها على أرض الواقع، لأن المواطن لا يقيس نجاح السياسات بما يُكتب في التقارير أو يُعلن في المؤتمرات، وإنما بما يلمسه في جودة المدرسة، وكفاءة المستشفى، وسهولة التنقل، ونظافة المدينة، وشفافية الإدارة، وتوفر فرص الشغل، وعدالة توزيع المشاريع بين مختلف الجهات والأقاليم.
إن الرسالة الملكية تحمل، في جوهرها، دعوة صريحة إلى جميع الفاعلين من أجل تجاوز منطق التدبير اليومي الضيق، والانتقال إلى ثقافة الإنجاز والتخطيط والاستباق، وجعل كل درهم من المال العام استثماراً في الإنسان، وكل مشروع لبنة في بناء مغرب أكثر قوة وعدلاً وتوازناً.

كما أنها تضع المنتخبين والمسؤولين الترابيين أمام مسؤولية تاريخية، مفادها أن المرحلة المقبلة لن تُقاس بعدد الاجتماعات أو البلاغات أو الوعود، بل بقدرتهم على تحويل التوجيهات الملكية إلى واقع ينعكس على حياة المواطنين، ويعيد الثقة في المؤسسات، ويجعل الجماعات الترابية فضاءات للإبداع والاستثمار والابتكار.

لقد رسم جلالة الملك، من خلال هذه الرسالة، ملامح مغرب الغد؛ مغربٍ تُبنى فيه التنمية من داخل المجالات، ويصبح فيه المواطن شريكاً في القرار، وتتحول فيه الجهوية المتقدمة من نصوص قانونية إلى ممارسة يومية، ومن مشروع مؤسساتي إلى ثقافة وطنية. ويبقى الرهان الأكبر اليوم هو أن تتحول هذه الرؤية الطموحة إلى برامج قابلة للقياس، وإلى نتائج يلمسها المواطن في كل قرية ومدينة وجهة، لأن نجاح أي نموذج تنموي لا يقاس بما يُعلن عنه، بل بما يغيره فعلاً في حياة الناس، ويمنحهم الأمل في مستقبل أكثر كرامة وإنصافاً واستدامة.



#بوشعيب_حمراوي (هاشتاغ)       Bouchaib_Hamraouy#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- التربية الوطنية حق كل المغاربة... أكبر من مجرد حقيبة في يد و ...
- على هامش اليوم العالمي للأرامل : نساء يرغمن على تحمل أعباء أ ...
- رفقا بالمحامين : عندما ترتدي العدالة بدلتها السوداء يستعيد ا ...
- الأب.. الوطن الذي نكتشف عظمته متأخرين ..
- كرة القدم في حاجة إلى الأخلاق : الكذب الرياضي صنع أمجاداً وا ...
- الحقيقة التي يحاولون تزييفها : المدرب محمد وهبي أحد ضحايا ال ...
- ترامب وحرب الخليج: بعد مذكرة التفاهم الفشل قائم والخسارة للت ...
- الكراهية تبدأ بكلمة... وتنتهي بحريق يلتهم الإنسانية
- أسود الأطلس يزأرون ... عندما تتحول كرة القدم إلى محكمة للأنس ...
- على هامش اليوم العالمي لمناهضة عمل الاطفال : الطفل يحتاج إلى ...
- البرلمان الذي نريد : يفرض رقي الساسة والقضاء على أسواق النخا ...
- الفيفا تقصف ولا تبالي : فكرة كرسي الصحفي الفارغ تزعزع نظام ا ...
- الفكر الترامبي: هل هو قادر على إعادة صناعة العالم و تربية أن ...
- الجهوية بالمغرب... بين ورش البناء الديمقراطي وواجب استحضار ا ...
- البكالوريا : من مشروع نابليون لبناء الدولة إلى جسر يمهد لبنا ...
- برادة والخمسة آلاف حرامي جهوي .. في انتظار رواد الغش في الام ...
- القاصر ليس مادة إعلامية ... و الكاميرا أداة للتوعية وليست وس ...
- الإعدام.. ليس عقاب
- القطيع الرقمي.. حين يتحول الإنسان إلى أداة في يد الشاشة. ... ...
- بين لاهاي والرباط... من انتصر لحق الإضراب؟ ... هل تم تنظيم ح ...


المزيد.....




- صور قبل وبعد تظهر الدمار الهائل الذي خلفته زلازل فنزويلا
- شجار وصراخ بين وزير الأمن الداخلي ومشرعة أمريكية: -لا تشيري ...
- عراقجي يبيّن سبب إجلال الشيعة للإمام الحسين ويضرب مثلا بعلي ...
- مقتل 235 شخصا وإصابة أكثر من 4300 جراء زلزال فنزويلا وواشنطن ...
- روسيا تؤيد طلب بيلاروس عقد جلسة طارئة لمجلس الأمن الدولي
- محكمة اتحادية أمريكية تطالب وزارة العدل برفع السرية عن أسماء ...
- المعارضة التركية تتهم الحكومة بتحويل أنقرة إلى -مدينة أشباح- ...
- الحوثي يتوعد باستهداف أي تمركز إسرائيلي بإقليم أرض الصومال
- غروسي: مستعدون للمضي قدما في أداء عملنا الفني في إيران
- CNN: إسرائيل تعلن خفضا مؤقتا لقواتها في لبنان ضمن خطة لإعادة ...


المزيد.....

- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - بوشعيب حمراوي - من الجهوية إلى الدولة الحديثة: الرسالة الملكية ترسم ملامح مغرب جديد يصنع التنمية من قلب المجالات