|
|
في زمن الفوضى الرقمية : أين اختفت الأجناس الصحفية وأخلاقيات المهنة؟
بوشعيب حمراوي
استاذ كاتب وصحفي
(Bouchaib Hamraouy)
الحوار المتمدن-العدد: 8754 - 2026 / 7 / 2 - 18:55
المحور:
الصحافة والاعلام
بقلم: بوشعيب حمراوي
الصحافة سلطة ُبنى بالكلمة ومسؤولية تُصان بالأخلاق
لم تكن الصحافة، في أي مرحلة من تاريخها، مجرد مهنة لنقل الأخبار، أو وسيلة لإشباع فضول الجمهور، أو منصة لتبادل المعلومات بين الناس. فمنذ ظهور أولى الصحف في العالم، ارتبطت الصحافة بمشروع حضاري متكامل، يقوم على البحث عن الحقيقة، وصناعة الوعي، وسلطة مدنية من مهامها مراقبة باقي السلطات، والدفاع عن الحقوق، وتوجيه الرأي العام، والمساهمة في بناء الإنسان قبل بناء الخبر.
ولذلك لم يكن غريباً أن تُلقب الصحافة بـ"السلطة الرابعة"، لأنها لم تكن تملك الجيوش ولا المال ولا أجهزة الدولة، وإنما امتلكت ما هو أقوى من ذلك كله : الكلمة الصادقة، والمعلومة الدقيقة، والقدرة على التأثير في العقول وصناعة النقاش العمومي.
ولعقود طويلة، كانت المؤسسات الإعلامية مدارس حقيقية لتكوين الصحفيين. لم يكن أحد يستطيع أن يحمل صفة "صحفي" قبل أن يتعلم كيف يكتب خبراً، وكيف ينجز تحقيقاً، وكيف يصنع روبورتاجاً، وكيف يحاور، وكيف يحترم المصادر، وكيف يفرق بين الخبر والرأي، وبين التعليق والتحليل، وبين المعلومة والإشاعة. وكان رئيس التحرير، وسكرتير التحرير، وهيئة التحرير، يشكلون منظومة مهنية متكاملة، تراجع وتدقق وتصوب وتحاسب قبل أن يصل أي سطر إلى القارئ.
أما اليوم، فقد تغير المشهد بصورة مقلقة. لم تعد المنافسة بين المؤسسات الإعلامية تقوم على جودة التحقيقات، ولا على قوة الروبورتاجات، ولا على عمق التحليلات، وإنما أصبحت تقوم في كثير من الأحيان على من ينشر أولاً، ومن يجذب أكبر عدد من النقرات، ومن يحقق أعلى نسب مشاهدة، ولو كان الثمن التضحية بالحقيقة، أو بانتهاك الحياة الخاصة، أو بتشويه سمعة الأبرياء، أو بتغييب أبسط قواعد المهنة.
لقد جاءت الثورة الرقمية لتمنح الصحافة فرصاً هائلة لم تكن متاحة من قبل. فقد أصبح الوصول إلى المعلومة أسرع، وأصبحت أدوات النشر أكثر تطوراً، وأصبح بإمكان الصحفي أن يخاطب ملايين القراء في لحظات. غير أن هذه الثورة، في المقابل، كشفت هشاشة البنية المهنية لعدد كبير من المؤسسات الإعلامية، وفضحت ضعف التكوين، وغياب الرؤية التحريرية، وانهيار منظومة الأخلاق المهنية لدى فئات من العاملين في الحقل الإعلامي.
ولعل أخطر ما أصاب الصحافة اليوم هو أنها بدأت تفقد روحها شيئاً فشيئاً. لم يعد كثير من المنابر يصنع صحافة بالمعنى الحقيقي للكلمة، وإنما يصنع محتوى سريع الاستهلاك، يلهث وراء الإثارة أكثر مما يبحث عن الحقيقة، ويطارد الفضائح أكثر مما يطارد المعلومة، ويقيس النجاح بعدد المشاهدات لا بعدد القضايا التي ساهم في كشفها، ولا بعدد العقول التي أنارها، ولا بعدد الإصلاحات التي ساهم في تحقيقها.
لقد أصبحنا نعيش زمناً اختلطت فيه الصحافة بصناعة المحتوى، واختلط فيه الصحفي بالمؤثر، واختلطت المؤسسة الإعلامية بالصفحة الشخصية، حتى فقدت المهنة كثيراً من ملامحها التي صنعت مجدها لعقود طويلة.
ولذلك فإن السؤال الذي ينبغي أن نطرحه اليوم ليس: كيف نطور الإعلام الرقمي؟ بل هو سؤال أكثر عمقاً وإلحاحاً: هل ما ننتجه اليوم يُعد فعلاً صحافة، أم أننا أمام محتوى رقمي فقد هوية الصحافة ورسالتها وأخلاقها؟ ذلك هو السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن يشغل كل صحفي، وكل مؤسسة إعلامية، وكل معهد لتكوين الصحفيين، وكل هيئة مهنية تؤمن بأن الصحافة ليست تجارة للمشاهدات، وإنما رسالة لصناعة الإنسان، وحماية المجتمع، وترسيخ دولة الحق والقانون.
الأجناس الصحفية في خبر كان ... اختفت المدارس وضاع التخصص
إذا أردنا أن نحدد اللحظة التي بدأت فيها الصحافة تفقد هويتها، فلعل أول ما يستوقفنا هو الاختفاء التدريجي للأجناس الصحفية من صفحات الجرائد الورقية والمنابر الرقمية. لم يكن الأمر مجرد تغير في أسلوب الكتابة، بل كان تحولاً عميقاً مسّ جوهر العمل الصحفي نفسه. في الماضي، كان القارئ يفتح الجريدة وهو يدرك أنه سيجد خبراً يطلعه على المستجدات، وتحقيقاً يكشف له ما خفي من الحقائق، وروبورتاجاً ينقله إلى قلب الحدث، وبورترياً يعرفه بشخصية صنعت الفرق، وحواراً يستنطق أصحاب القرار، ومقالاً تحليلياً يفسر له ما وراء الأحداث، وافتتاحية تعبر عن موقف المؤسسة الإعلامية. أما اليوم، فقد أصبح كل شيء يحمل الشكل نفسه. نصوص قصيرة، متشابهة، بلا هوية تحريرية واضحة، لا هي أخبار مكتملة الأركان، ولا تقارير تفسيرية، ولا تحقيقات استقصائية، ولا روبورتاجات ميدانية، ولا حوارات عميقة. أصبحنا أمام مادة إعلامية هجينة يصعب تصنيفها، وكأن الأجناس الصحفية التي تأسست عليها المهنة قد أُعلنت وفاتها دون مراسم تشييع.
إن اختفاء هذه الأجناس في معظم المنابر الإعلامية لا يعني فقط فقدان أشكال مختلفة من الكتابة، بل يعني ضياع مدارس كاملة في التفكير والتحليل والبحث. فالخبر يعلم الدقة، والتحقيق يعلم الصبر، والروبورتاج يعلم الملاحظة، والحوار يعلم الإصغاء وطرح الأسئلة، والبورتري يعلم فهم الإنسان، أما المقال التحليلي فيعلم قراءة ما وراء الأحداث. وعندما تختفي هذه المدارس، فإن الصحفي نفسه يفقد أدواته، وتفقد الصحافة أحد أهم أسباب تميزها عن سيل المحتوى العابر الذي يغمر الفضاء الرقمي. ولعل الأخطر أن بعض المؤسسات الإعلامية لم تعد تستثمر في إنتاج هذه الأجناس، لأنها تحتاج إلى وقت، وإلى تكوين، وإلى ميزانيات، وإلى صحفيين متخصصين، بينما أصبح الرهان موجهاً نحو إنتاج أكبر عدد ممكن من المواد في أقل وقت ممكن، ولو كانت فقيرة من حيث القيمة المهنية. وهكذا، لم تمت الأجناس الصحفية لأنها أصبحت غير صالحة للعصر الرقمي، بل لأنها لم تعد تجد البيئة المهنية التي تؤمن بقيمتها، وتوفر لها الوقت والموارد والكفاءات اللازمة لإحيائها.
صحافة أو محكمة : تسقط قرينة البراءة أمام شهية الإثارة
إذا كان اختفاء الأجناس الصحفية يمثل مؤشراً خطيراً على تراجع المهنة، فإن انهيار أخلاقيات الصحافة يمثل تهديداً حقيقياً لمستقبل الإعلام نفسه. فالمهنة التي فقدت أخلاقها، فقدت مبرر وجودها، لأن الصحافة لم تُوجد لإدانة الناس، ولا للتشهير بهم، ولا لتصفية الحسابات، وإنما وُجدت لخدمة الحقيقة، وحماية المجتمع، وصيانة الحقوق والحريات.
لقد أصبحنا، مع كامل الأسف، نقرأ يومياً مواد إعلامية تنطلق من رواية واحدة، وتبني عليها عناوين صاخبة، وأحكاماً قطعية، وكأن الصحفي أصبح قاضياً، وكأن المؤسسة الإعلامية تحولت إلى محكمة تصدر الأحكام قبل أن يقول القضاء كلمته.
إن من أبسط القواعد المهنية أن أي ملف يتضمن اتهامات أو ادعاءات أو شكايات يفرض على الصحفي أن يستمع إلى جميع الأطراف المعنية. فالصحافة التي تستمع إلى طرف واحد لا تنقل الحقيقة كاملة، وإنما تنقل نصف الحقيقة ، ونصف الحقيقة قد يكون أخطر من الكذب نفسه. كم من مؤسسة إعلامية نشرت اتهامات خطيرة ضد مسؤول أو منتخب أو موظف أو مقاول أو مواطن بسيط، ثم اختفى الخبر عندما ظهرت الرواية الثانية أو الثالثة، أو عندما أثبت القضاء عدم صحة ما نُشر؟ وكم من شخص دُمرت سمعته، وخسر عمله، واهتزت مكانته داخل أسرته ومجتمعه، بسبب مادة إعلامية لم تكلف كاتبها عناء الاتصال بالمعني و منحه حق الرد؟ إن الصحفي الحقيقي لا يخاف من تعدد الروايات، لأنه يعلم أن الحقيقة لا تُبنى من شهادة واحدة، بل من جمع الوقائع، والاستماع إلى مختلف الأطراف، ومقارنة المعطيات، ثم تقديمها للقارئ بكل أمانة، دون ميل أو تحيز.
ولذلك فإن حق الرد ليس امتيازاً يمنحه الصحفي لمن يشاء، وإنما واجب مهني وأخلاقي وقانوني، لأن الصحافة ليست صوتاً لطرف واحد، بل فضاءً يتيح للجميع عرض مواقفهم في إطار من التوازن والإنصاف.
بين المشتبه فيه والمتهم والمدان تضيع الحقيقة و العدالة
من أكثر الأخطاء المهنية انتشاراً في بعض المنابر الرقمية، الجهل بالمصطلحات القانونية والقضائية، أو تجاهلها عمداً سعياً وراء الإثارة. فالصحافة الرصينة تميز بدقة بين الشخص الذي جرى توقيفه من أجل البحث من أجل الاشتباه فيه، والشخص الذي وُضع تحت تدبير الحراسة النظرية، والشخص الذي قُدم أمام النيابة العامة، والمتابع في حالة سراح، والمتابع في حالة اعتقال احتياطي، والمتهم الذي ما تزال قضيته معروضة على المحكمة، والمحكوم ابتدائياً، والمحكوم استئنافياً، وصاحب الحكم النهائي بعد استنفاد طرق الطعن. غير أن جزءاً من إعلام اليوم يختزل كل هذه المراحل في كلمة واحدة : المجرم .
إن هذا الخلط لا يعكس فقط ضعفاً في التكوين، بل يشكل اعتداءً مباشراً على قرينة البراءة التي تعتبر من أهم المبادئ التي تقوم عليها العدالة الحديثة. فكل إنسان يبقى بريئاً إلى أن تثبت إدانته بحكم قضائي نهائي، وليس بحكم عنوان صحفي أو منشور على مواقع التواصل الاجتماعي. إن احترام القضاء يبدأ باحترام لغته ومصطلحاته، واحترام المراحل التي تمر منها الدعوى، وعدم القفز على اختصاصات القضاة.
الكشف عن الهويات جريمة أخلاقية قد لا يمحوها حكم بالبراءة
ومن أكثر المظاهر التي أصبحت تؤلمني كصحفي، ذلك السباق المحموم نحو نشر أسماء الأشخاص وصورهم وكل تفاصيل حياتهم بمجرد توقيفهم أو تقديمهم أمام القضاء. ما الذي يستفيده المجتمع من نشر هوية شخص ما زال في بداية البحث؟ وما الذي يدفع مؤسسة إعلامية إلى نشر صورته، وصور منزله، وأفراد أسرته، وعنوانه، وكأنها تعلن حكماً نهائياً لا رجعة فيه؟ إن كثيراً من القضايا تنتهي بالحفظ، أو بعدم المتابعة، أو بالبراءة، أو بعدم كفاية الأدلة، لكن من يعيد الاعتبار إلى ذلك الشخص بعدما تحولت صوره واسمه إلى مادة تتداولها المواقع وصفحات التواصل؟ إن الضرر الحقيقي لا يلحق بالمعني بالأمر وحده، بل يمتد إلى والديه، وزوجته، وأبنائه، وإخوته، وأقاربه، وزملائه، بل وحتى إلى الأطفال الذين قد يواجهون نظرات المجتمع وأسئلته القاسية بسبب خطأ لم يرتكبوه. ولهذا فإنني أرى أن الأصل في العمل الصحفي هو عدم الكشف عن هوية أي شخص يوجد في مسطرة قضائية، سواء كان موقوفاً أو متابعاً أو حتى مداناً، إلا في حالات استثنائية تفرضها المصلحة العامة بشكل واضح، وفي مقدمتها القضايا المرتبطة بالإرهاب أو الشبكات الإجرامية التي يستوجب كشف عناصرها حماية المجتمع والمساعدة على توقيف باقي المتورطين.
أما في غير ذلك، فإن حماية الكرامة الإنسانية يجب أن تبقى فوق رغبة الحصول على سبق صحفي زائف أو عدد إضافي من النقرات.
انتهاك الحياة الخاصة وتحويل الإنسان إلى سلعة إعلامية
لقد أصبح بعض الإعلام، مع الأسف، يقتحم البيوت كما لو كانت أماكن عمومية. ينشر صور المرضى داخل المستشفيات، ويصور الضحايا في لحظات الألم، ويلاحق الأطفال، ويقتحم جنائز الأسر، وينقل تفاصيل الحياة الزوجية والعائلية، ويجعل من المآسي الإنسانية مادة للفرجة. لقد نسينا أن الإنسان يفقد حقه في الكرامة لأنه أصبح موضوعاً إعلاميا من طرف إعلام لا يلتزم بأخلاقيات المهنةً. ونسينا أن القانون والأخلاق يضعان حدوداً فاصلة بين الحق في الإعلام والحق في الخصوصية. فالسبق الصحفي لا يبرر انتهاك الحياة الخاصة، وحرية التعبير لا تعني حرية الإساءة، وحق الجمهور في المعرفة لا يعني أن يتحول الناس إلى فرجة مجانية. إن المجتمع يحتاج إلى صحافة تحترم الإنسان، لا إلى إعلام يتغذى على آلامه، ويحول مآسيه إلى عناوين مثيرة ومقاطع تحقق ملايين المشاهدات.
وسط فوضى المحتوى ضاعت هوية الصفحات وغابت الرسالة التربوية
لم يكن التبويب داخل المؤسسات الإعلامية مجرد عملية تقنية لتنظيم الصفحات أو توزيع الأخبار، بل كان فلسفة تحريرية متكاملة، تعكس رؤية المؤسسة لدورها داخل المجتمع، وتحترم عقل القارئ واهتماماته، وتساعده على الوصول إلى المعلومة التي يبحث عنها دون عناء. كما تدعمه تعليميا وثقافيا وتوعويا. كانت الصحف الكبرى، العربية والعالمية، تخصص صفحات للسياسة، وأخرى للاقتصاد، وثالثة للرياضة، ورابعة للثقافة، وخامسة للتربية والتعليم، وسادسة للبيئة، وأخرى للصحة والعلوم والفنون. ولم يكن هذا التقسيم شكلياً، بل كان يفرض وجود صحفيين متخصصين، ورؤساء أقسام، وهيئة تحرير تراجع المحتوى وتحرص على احترام هوية كل صفحة ورسالتها. أما اليوم، فقد اختفى هذا المنطق من عدد كبير من المنابر الرقمية، وحتى من بعض الصحف الورقية التي كانت إلى وقت قريب نموذجاً في الانضباط التحريري. فأصبح القارئ يجد أخبار الجرائم والقتل والاغتصاب والفضائح داخل الصفحات الرياضية، وأخبار الحوادث تتسلل إلى الصفحات الثقافية، وأخبار المشاهير والطلاق والخلافات العائلية تزاحم القضايا التربوية والعلمية، حتى فقدت الصفحات هويتها، وأصبحت كل المواضيع تختلط داخل فضاء واحد تحكمه قاعدة واحدة: كل ما يجلب المشاهدات مرحب به.
وأتساءل: ماذا يستفيد القارئ الرياضي عندما يدخل إلى صفحة رياضية ليجد أخبار جرائم وحوادث سير ومشاجرات عائلية؟ وماذا يستفيد الأستاذ أو الطالب عندما يبحث عن صفحة التربية والتعليم فيفاجأ بأخبار لا تمت إلى المدرسة ولا إلى الجامعة ولا إلى البحث العلمي بأي صلة؟ إن الصفحة الرياضية ينبغي أن تكون مدرسة في الثقافة الرياضية، وقيم المنافسة الشريفة، والطب الرياضي، والتكوين، والاحتراف، والاقتصاد الرياضي، وتاريخ الرياضة، وسير الأبطال، لا أن تتحول إلى فضاء للحوادث والفضائح. والصفحة الثقافية ينبغي أن تحتفي بالإبداع والفكر والكتاب والفنون والتراث، لا أن تتحول إلى سوق للشائعات والميوعة والتفاهة. والصفحة التربوية ينبغي أن تفتح النقاش حول المدرسة والجامعة والمناهج والبحث العلمي والابتكار، لا أن تملأ بأخبار لا علاقة لها بالتربية. إن احترام التخصص ليس ترفاً تحريرياً، بل شرط من شروط جودة الصحافة، لأنه يساعد على تكوين صحفي متخصص، وقارئ متخصص، ومؤسسة تمتلك شخصية واضحة.
الصحافة ليست شركة للإعلانات بل مؤسسة لصناعة الإنسان
لقد وقعت كثير من المؤسسات الإعلامية في خطأ قاتل، حين اعتقدت أن وظيفتها الوحيدة هي نقل الأخبار وتحقيق نسب مشاهدة مرتفعة. والحقيقة أن الصحافة لم تكن يوماً مجرد ناقل للأحداث، وإنما كانت شريكاً في بناء المجتمع.
فالصحافة تربي كما تربي المدرسة، وتثقف كما تثقف الجامعة، وتدافع عن القانون كما يفعل القضاء، وتراقب السلطة كما تفعل المعارضة، وتنشر قيم الحوار والاختلاف والتسامح كما تفعل المؤسسات الفكرية. ولهذا فإن المؤسسة الإعلامية التي تكتفي بتسويق الأخبار دون أن تساهم في الارتقاء بالذوق العام، وترسيخ قيم المواطنة، ونشر الثقافة، ومحاربة الجهل، لا تؤدي رسالتها كاملة.
كشف الفساد واجب لكن نشر الفضائح ليس رسالة
كما أن نقل الأخبار ضرورة، وصناعة الوعي مسؤولية أكبر. ولذلك فإن المؤسسات الإعلامية مطالبة اليوم بأن تعيد النظر في فلسفتها التحريرية، وأن تطرح على نفسها سؤالاً بسيطاً: هل نريد أن نصنع مجتمعاً أكثر وعياً... أم مجرد جمهور أكثر استهلاكاً؟. كما أن من يحمل الميكروفون ليس بالضرورة صحفياً، ومعظمهم لا يفرقون بين الصحافة وصناعة المحتوى.من الظواهر التي فرضها الإعلام الرقمي، الاعتقاد بأن امتلاك كاميرا أو هاتف ذكي وميكروفون يكفي لصناعة صحفي.. أصبحنا نشاهد عشرات المقاطع التي يقدمها أشخاص يكتفون بتوجيه الميكروفون إلى الضيف، ثم يتركونه يتحدث كما يشاء، دون سؤال متابع، ودون استفسار، ودون مناقشة، ودون مواجهة، وكأن دور الصحفي اختزل في حمل الميكروفون وأداة التصويرفقط. إن الصحفي الحقيقي لا يبيع مساحة كلام للضيف، وإنما يقود الحوار. يعرف متى يقاطع، ومتى يستفسر، ومتى يطلب التوضيح، ومتى يعود إلى سؤال لم تتم الإجابة عنه، ومتى يواجه المسؤول بتناقض تصريحاته. الحوار الصحفي ليس عملية تسجيل صوتي، بل هو فن قائم بذاته، يحتاج إلى ثقافة واسعة، وتحضير دقيق، ومعرفة بالموضوع، وشجاعة في طرح الأسئلة، واحترام للمحاور في الوقت نفسه. لذلك فإن الفرق كبير بين صحفي يحاور، وشخص يوجه الميكروفون فقط. كما أن هناك فرقاً بين الصحفي وصانع المحتوى. فصانع المحتوى يبحث غالباً عن التفاعل أما الصحفي فيبحث عن الحقيقة. وقد يجتمع الدوران في شخص واحد، لكنهما لا يعنيان الشيء نفسه.
معاهد الصحافة: هل نُعد صحفيي الغد أم موظفي المنصات الرقمية؟
وأمام هذا الواقع، يفرض طرح عدة أسئلة بإلحاح: هل ما تزال معاهد الصحافة تواكب التحولات التي يعرفها الإعلام؟، وهل البرامج الحالية قادرة على تكوين صحفي يمتلك أدوات المهنة؟. بل هل الأجناس الصحفية لازالت صالحة في عهد الإعلام الرقمي ؟ و هل يمكن للصحفي خريج الإعلام الورقي أن ينافس داخل الإعلام الرقمي ؟؟ إن الحاجة أصبحت ملحة إلى مراجعة شاملة للمناهج، ليس من أجل إلغاء الأجناس الصحفية الكلاسيكية، وإنما من أجل إعادة بعثها، وتطويرها، وتكييفها مع البيئة الرقمية.
فالخبر لم يمت، والتحقيق لم يمت، والروبورتاج لم يمت، والبورتري لم يمت، لكنها جميعاً تحتاج إلى لغة جديدة، وأدوات جديدة، ومنصات جديدة. وفي المقابل، أصبح من الضروري إدراج أجناس ومهارات جديدة، مثل: صحافة البيانات الصحافة متعددة الوسائط الصحافة التفاعلية صحافة الحلول صحافة الذكاء الاصطناعي صحافة التحقق الرقمي صحافة السرد الرقمي إدارة غرف الأخبار الرقمية.... كما ينبغي أن يصبح تدريس أخلاقيات المهنة مادة محورية، لا مجرد فصل عابر، لأن التكنولوجيا يمكن تعلمها في أشهر، أما الأخلاق المهنية فهي التي تصنع الصحفي الحقيقي.
الصحافة التي نريدها قبل أن يفوت الأوان
إن أزمة الإعلام ليست أزمة تطبيقات، ولا أزمة ذكاء اصطناعي، ولا أزمة شبكات اجتماعية، بل هي قبل كل شيء أزمة رؤية ورسالة. فالذكاء الاصطناعي لم يقتل الصحافة، وإنما كشف نقاط ضعفها، كما كشف عن استفحال ظاهرة الضرب في أخلاقيات المهنة. ومنصات التواصل لم تلغ المهنة، وإنما أجبرتها على مراجعة نفسها. أما الخطر الحقيقي، فهو أن تستسلم المؤسسات الإعلامية لمنطق السوق وحده، فتتنازل تدريجياً عن رسالتها، وعن أخلاقها، وعن لغتها، وعن تخصصها، حتى تصبح نسخة أخرى من صفحات التواصل الاجتماعي.
إن إنقاذ الصحافة لا يكون بإعلان الحرب على التكنولوجيا، ولا بمحاربة الإعلام الرقمي، وإنما بإعادة الاعتبار لما جعل الصحافة عظيمة عبر تاريخها: الأجناس الصحفية، والاحتراف، والتحرير الجاد، وأخلاقيات المهنة، والتكوين المستمر، واحترام الإنسان، والدفاع عن الحقيقة. لقد آن الأوان لأن ندرك أن الصحافة ليست سباقاً نحو أول من ينشر، بل سباق نحو أول من يتحرى الحقيقة. وليست منافسة على أكثر العناوين إثارة، بل على أكثرها صدقاً. وليست تجارة في الفضائح، بل استثمار في بناء الوعي. إننا بحاجة إلى صحفيين لا يخشون طرح الأسئلة الصعبة، ولا يستسلمون لإغراءات "الترند"، ويعرفون أن الكلمة قد تبني مستقبلاً، وقد تهدم أسرة، وقد تنصف مظلوماً، وقد تظلم بريئاً. وبحاجة إلى مؤسسات إعلامية تعيد الاعتبار لرئيس التحرير، ولسكرتير التحرير، ولغرف الأخبار، وللتخصص، وللتدقيق، وللتحرير الجماعي، وللتكوين المستمر. والقطع مع مؤسسة تشتغل بخط تحرير مول الشكارة. وبحاجة إلى معاهد صحافة لا تكتفي بتعليم الطلبة كيف يستخدمون الكاميرا أو الذكاء الاصطناعي، بل تعلمهم أولاً كيف يحترمون الحقيقة، وكيف يصونون كرامة الإنسان، وكيف يدركون أن الصحافة رسالة قبل أن تكون مهنة، ومسؤولية قبل أن تكون شهرة.
وحين نستعيد هذه القيم، لن نخشى الذكاء الاصطناعي، ولن نخشى الإعلام الرقمي، لأن الصحافة التي تمتلك المعرفة والأخلاق والهوية قادرة على التأقلم مع كل عصر، أما الصحافة التي فقدت روحها، فلن تنقذها أحدث التقنيات، لأنها ستكون قد خسرت أهم ما كانت تملكه... ثقة الإنسان
#بوشعيب_حمراوي (هاشتاغ)
Bouchaib_Hamraouy#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
البكالوريا من امتحان تربوي إلى عملية أمنية : هل نحارب الغش أ
...
-
برلمان 2026: ترحال الساسة ومزادات علنية أشعلت سوق النخاسة
-
من الجهوية إلى الدولة الحديثة: الرسالة الملكية ترسم ملامح مغ
...
-
التربية الوطنية حق كل المغاربة... أكبر من مجرد حقيبة في يد و
...
-
على هامش اليوم العالمي للأرامل : نساء يرغمن على تحمل أعباء أ
...
-
رفقا بالمحامين : عندما ترتدي العدالة بدلتها السوداء يستعيد ا
...
-
الأب.. الوطن الذي نكتشف عظمته متأخرين ..
-
كرة القدم في حاجة إلى الأخلاق : الكذب الرياضي صنع أمجاداً وا
...
-
الحقيقة التي يحاولون تزييفها : المدرب محمد وهبي أحد ضحايا ال
...
-
ترامب وحرب الخليج: بعد مذكرة التفاهم الفشل قائم والخسارة للت
...
-
الكراهية تبدأ بكلمة... وتنتهي بحريق يلتهم الإنسانية
-
أسود الأطلس يزأرون ... عندما تتحول كرة القدم إلى محكمة للأنس
...
-
على هامش اليوم العالمي لمناهضة عمل الاطفال : الطفل يحتاج إلى
...
-
البرلمان الذي نريد : يفرض رقي الساسة والقضاء على أسواق النخا
...
-
الفيفا تقصف ولا تبالي : فكرة كرسي الصحفي الفارغ تزعزع نظام ا
...
-
الفكر الترامبي: هل هو قادر على إعادة صناعة العالم و تربية أن
...
-
الجهوية بالمغرب... بين ورش البناء الديمقراطي وواجب استحضار ا
...
-
البكالوريا : من مشروع نابليون لبناء الدولة إلى جسر يمهد لبنا
...
-
برادة والخمسة آلاف حرامي جهوي .. في انتظار رواد الغش في الام
...
-
القاصر ليس مادة إعلامية ... و الكاميرا أداة للتوعية وليست وس
...
المزيد.....
-
ما هي الأشياء المثيرة المتوقعة في حفل زفاف تايلور سويفت؟
-
إيران.. هل يحضر مجتبى خامنئي جنازة والده -التاريخية-؟
-
سوريا.. قتلى إثر انفجار عبوة ناسفة في مقهى بدمشق
-
-قبة حرارية- مسؤولة عن لهيب أوروبا، فما سر هذه الظاهرة؟
-
بعد ستة أيام تحت الأنقاض، كيف نجح فريق أردني في إنقاذ طفل من
...
-
بين الغموض والتفسيرات المتضاربة.. هل تنجح مذكرة واشنطن وطهرا
...
-
لوبان تشترط توفير الحرية لحملة الترشح.. وتستبعد خوض الانتخاب
...
-
أول ظهور لقائد الحرس الثوري الإيراني الجديد (صور)
-
وزير الدفاع الإسرائيلي: سنبقى في سوريا ولبنان وغزة حتى إشعار
...
-
إندونيسيا.. جلد 6 أشخاص بتهمة التقبيل العلني والمقامرة (فيدي
...
المزيد.....
-
مكونات الاتصال والتحول الرقمي
/ الدكتور سلطان عدوان
-
السوق المريضة: الصحافة في العصر الرقمي
/ كرم نعمة
-
سلاح غير مرخص: دونالد ترامب قوة إعلامية بلا مسؤولية
/ كرم نعمة
-
مجلة سماء الأمير
/ أسماء محمد مصطفى
-
إنتخابات الكنيست 25
/ محمد السهلي
-
المسؤولية الاجتماعية لوسائل الإعلام التقليدية في المجتمع.
/ غادة محمود عبد الحميد
-
داخل الكليبتوقراطية العراقية
/ يونس الخشاب
-
تقنيات وطرق حديثة في سرد القصص الصحفية
/ حسني رفعت حسني
-
فنّ السخريّة السياسيّة في الوطن العربي: الوظيفة التصحيحيّة ل
...
/ عصام بن الشيخ
-
/ زياد بوزيان
المزيد.....
|