أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - تقنية المعلمومات و الكومبيوتر - بوشعيب حمراوي - القطيع الرقمي في خدمة التفاهة : من صناعة الرأي إلى صناعة التبعية















المزيد.....

القطيع الرقمي في خدمة التفاهة : من صناعة الرأي إلى صناعة التبعية


بوشعيب حمراوي
استاذ كاتب وصحفي

(Bouchaib Hamraouy)


الحوار المتمدن-العدد: 8757 - 2026 / 7 / 5 - 21:28
المحور: تقنية المعلمومات و الكومبيوتر
    


العالم الذي أصبح يدار بالإصبع

لم يعد الإنسان المعاصر يعيش داخل قرية أو مدينة أو دولة فقط، بل أصبح يعيش داخل عالم افتراضي واسع تتحكم فيه الشاشات والخوارزميات والمنصات الرقمية. عالم تتدفق فيه ملايين الصور والفيديوهات والأخبار والآراء كل ثانية، وتتداخل فيه الحقيقة بالإشاعة، والمعرفة بالدعاية، والتعبير الحر بالتوجيه الخفي. وفي خضم هذا الطوفان الرقمي الهائل، ظهرت ظاهرة جديدة أصبحت تؤثر في السلوك الفردي والجماعي أكثر من أي وقت مضى، وهي ظاهرة "القطيع الرقمي."
إنه ذلك الحشد الإلكتروني الذي يتحرك في اتجاه واحد، ويصفق في اتجاه واحد، ويهاجم في اتجاه واحد، ويقاطع في اتجاه واحد، دون أن يمنح نفسه فرصة للتفكير أو التحليل أو التحقق. إنه مجتمع افتراضي قد يضم ملايين الأشخاص الذين لا يعرف بعضهم بعضا، لكنهم يتصرفون وكأنهم عقل واحد، وصوت واحد، وموقف واحد.
لقد أصبح القطيع الرقمي قوة قادرة على صناعة النجوم وتحطيمهم، وعلى تلميع الأشخاص وتشويههم، وعلى فرض القضايا وتهميشها، بل وعلى التأثير في الاقتصاد والسياسة والثقافة والأمن والسلم الاجتماعي. ولم يعد الخطر يكمن في التكنولوجيا نفسها، بل في الطريقة التي أصبح الإنسان يتعامل بها معها، حين يتخلى عن عقله لصالح ضغط الجماعة وسلطة الشاشة.

الولاء الأعمى
أخطر ما يميز القطيع الرقمي أنه لا يكتفي بتبني فكرة أو موقف أو مبادرة، بل يتحول إلى جيش مناصر لها ومستعد لخوض المعارك من أجلها داخل الفضاء الرقمي وخارجه. فبمجرد أن تنجح فكرة ما في استقطاب عدد من المتابعين، يبدأ هؤلاء في التعامل معها باعتبارها حقيقة مطلقة لا تقبل النقاش أو المراجعة أو النقد.
ويتحول النقاش إلى صراع، والحوار إلى مواجهة، والاختلاف إلى خيانة. ويصبح كل من يعارض الفكرة أو يناقشها أو يطرح أسئلة حولها عدوا يجب إسكات صوته أو مهاجمته أو تشويه صورته. وهكذا يفقد الأفراد استقلاليتهم الفكرية ويذوبون داخل عقل جماعي لا يسمح بالخروج عن السرب.

أخطر من مالك الفكرة

من المفارقات العجيبة أن أفراد القطيع الرقمي قد يصبحون أكثر تشددا من أصحاب الأفكار أنفسهم. فكثيرا ما نجد صاحب المبادرة مستعدا للنقاش والتطوير والمراجعة، بينما يتحول أتباعه إلى حراس متشددين يمنعون أي تعديل أو اجتهاد أو رأي مخالف.
بل إن بعضهم يضيف إلى الفكرة الأصلية ما لم يقله صاحبها، ويمنحها أبعادا جديدة لم تكن واردة أصلا، ويحولها إلى عقيدة مغلقة بدلا من أن تبقى فكرة قابلة للنقاش والتطوير. وعندما يحدث ذلك يصبح القطيع أشد تعلقا بالمشروع من صاحبه، وأشد استعدادا لخوض المعارك باسمه.

سرقة المبادرات
في كثير من الأحيان لا يكتفي القطيع الرقمي بالدفاع عن المبادرات، بل ينتقل إلى مرحلة الاستحواذ عليها. فيبدأ بعض أفراده في تقديم أنفسهم باعتبارهم الممثلين الشرعيين للفكرة أو أوصياء عليها أو أصحاب الحق الحصري في تفسيرها وتوجيهها.
ومع مرور الوقت قد يجد صاحب المبادرة نفسه مهمشا داخل مشروعه الذي أسسه بنفسه. وقد يتعرض للهجوم إذا حاول تصحيح المسار أو مراجعة بعض المواقف أو اتخاذ اتجاه جديد. والأخطر أن بعض الذين لم يساهموا في ولادة الفكرة ولا في بنائها يصبحون أكثر حضورا وتأثيرا من مؤسسها الأصلي.
إنها مفارقة غريبة تجعل صاحب الفكرة يتحول أحيانا إلى ضيف داخل بيته، بينما يستولي عليه آخرون باسم الحماية والوفاء والانتماء.

صناعة الأبطال والأعداء

يمتلك القطيع الرقمي قدرة استثنائية على صناعة الرموز. ففي ساعات قليلة يمكن تحويل شخص مجهول إلى بطل قومي أو نجم جماهيري أو خبير مرجعي، فقط لأن الخوارزميات قررت منحه مساحة أكبر من الانتشار.
وفي المقابل يمكن تحويل شخص ناجح إلى هدف لحملات السخرية والتشويه والتنمر الجماعي، دون محاكمة أو دليل أو حق في الدفاع. وهكذا تصبح السمعة رهينة عدد المشاركات والإعجابات والتعليقات أكثر مما تصبح مرتبطة بالحقيقة والوقائع.

الإشاعة المقدسة
الإشاعة داخل القطيع الرقمي لا تحتاج إلى دليل بقدر ما تحتاج إلى الإثارة. وكلما كانت المعلومة صادمة وغريبة ومثيرة للمشاعر، ارتفعت حظوظ انتشارها.
ولأن القطيع يتحرك بالعاطفة أكثر مما يتحرك بالعقل، فإنه يمنح الأخبار الكاذبة فرصا أكبر للانتشار من الأخبار الصحيحة. ولذلك أصبحت بعض الأكاذيب تسافر حول العالم في دقائق، بينما تظل الحقيقة تلهث وراءها لأيام وأسابيع.

الخوارزمية الراعي الجديد

في الماضي كان الراعي يقود القطيع بعصاه، أما اليوم فإن الخوارزمية هي الراعي الجديد. فهي التي تحدد ما نقرأه وما نشاهده وما نناقشه وما نغضب منه وما نصفق له.
إنها لا تفرض علينا رأيا بشكل مباشر، لكنها تغرقنا في محتوى معين حتى نعتقد أن العالم كله يفكر بالطريقة نفسها. وهكذا تنشأ فقاعات رقمية مغلقة لا يسمع فيها الفرد إلا الأصوات التي تشبه صوته، ولا يرى إلا الآراء التي توافق قناعاته.

معارك بلا نهاية

القطيع الرقمي يعيش على الصراع الدائم. فهو يحتاج كل يوم إلى قضية جديدة، وعدو جديد، ومعركة جديدة، وهاشتاغ جديد. لذلك لا يكاد ينتهي جدل حتى يبدأ جدل آخر، ولا تكاد تنطفئ أزمة حتى تشتعل أخرى.
وفي كثير من الأحيان لا يكون الهدف هو الوصول إلى الحقيقة، بل مجرد الاستمرار في حالة الاستنفار الجماعي التي تمنح أفراد القطيع شعورا بالقوة والانتماء والوجود.

الضحية الكبرى
الضحية الحقيقية للقطيع الرقمي ليست فقط الحقيقة أو المؤسسات أو الأشخاص المستهدفين، بل الإنسان نفسه. ذلك الإنسان الذي يفقد تدريجيا قدرته على التفكير المستقل، ويستبدل البحث والتحليل بالتقليد والمحاكاة، ويصبح أكثر اهتماما بما يعتقده الآخرون من اهتمامه بما يعتقده هو.
إنه يتحول من صانع للرأي إلى مستهلك للرأي، ومن باحث عن الحقيقة إلى ناقل لما يريده الآخرون أن يصدق.

نحو مواطنة رقمية واعية
ليس المطلوب محاربة التكنولوجيا أو الانسحاب من الفضاء الرقمي، فذلك أصبح مستحيلا. المطلوب هو بناء إنسان قادر على استخدام التكنولوجيا دون أن يصبح أسيرا لها، وقادر على المشاركة دون أن يذوب في القطيع، وقادر على التعبير دون أن يتحول إلى أداة في يد الآخرين.
كما أن المدرسة والأسرة والإعلام والمؤسسات الثقافية مطالبة اليوم أكثر من أي وقت مضى بتعليم الأجيال الجديدة مهارات التفكير النقدي والتحقق من المعلومات وأخلاقيات النقاش واحترام الرأي المختلف.

أخطر قطعان التاريخ
لم تعرف البشرية عبر تاريخها الطويل قطيعا يملك هذه القوة الهائلة التي يمتلكها القطيع الرقمي اليوم. فهو لا يحتاج إلى حدود جغرافية، ولا إلى قيادة واضحة، ولا إلى مقرات أو تنظيمات تقليدية. إنه يتحرك بسرعة الضوء، ويصل إلى كل بيت، ويؤثر في كل عقل، ويصنع وقائع جديدة كل يوم.
وإذا كانت قطعان الأمس تسير خلف راع واحد، فإن قطعان اليوم تسير خلف ملايين الشاشات التي تتنافس على جذب الانتباه وتوجيه العقول. لذلك فإن أخطر معارك المستقبل لن تكون بين الدول والجيوش فقط، بل بين العقل الحر والقطيع الرقمي، بين الإنسان الذي يفكر قبل أن يضغط زر المشاركة، والإنسان الذي يكتفي بترديد ما يقوله الآخرون.
فالحرية الحقيقية ليست أن تمتلك حسابا على مواقع التواصل الاجتماعي، بل أن تمتلك عقلا مستقلا لا تستعبده الخوارزميات، ولا تشتريه الإشاعات، ولا تقوده القطعان الرقمية نحو حيث تريد هي، لا نحو حيث تقتنع أنت.



#بوشعيب_حمراوي (هاشتاغ)       Bouchaib_Hamraouy#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- وسيم والانتخابات التشريعية الجزائرية: تبون يرمي بكرة ثلج سيا ...
- في زمن الفوضى الرقمية : أين اختفت الأجناس الصحفية وأخلاقيات ...
- البكالوريا من امتحان تربوي إلى عملية أمنية : هل نحارب الغش أ ...
- برلمان 2026: ترحال الساسة ومزادات علنية أشعلت سوق النخاسة
- من الجهوية إلى الدولة الحديثة: الرسالة الملكية ترسم ملامح مغ ...
- التربية الوطنية حق كل المغاربة... أكبر من مجرد حقيبة في يد و ...
- على هامش اليوم العالمي للأرامل : نساء يرغمن على تحمل أعباء أ ...
- رفقا بالمحامين : عندما ترتدي العدالة بدلتها السوداء يستعيد ا ...
- الأب.. الوطن الذي نكتشف عظمته متأخرين ..
- كرة القدم في حاجة إلى الأخلاق : الكذب الرياضي صنع أمجاداً وا ...
- الحقيقة التي يحاولون تزييفها : المدرب محمد وهبي أحد ضحايا ال ...
- ترامب وحرب الخليج: بعد مذكرة التفاهم الفشل قائم والخسارة للت ...
- الكراهية تبدأ بكلمة... وتنتهي بحريق يلتهم الإنسانية
- أسود الأطلس يزأرون ... عندما تتحول كرة القدم إلى محكمة للأنس ...
- على هامش اليوم العالمي لمناهضة عمل الاطفال : الطفل يحتاج إلى ...
- البرلمان الذي نريد : يفرض رقي الساسة والقضاء على أسواق النخا ...
- الفيفا تقصف ولا تبالي : فكرة كرسي الصحفي الفارغ تزعزع نظام ا ...
- الفكر الترامبي: هل هو قادر على إعادة صناعة العالم و تربية أن ...
- الجهوية بالمغرب... بين ورش البناء الديمقراطي وواجب استحضار ا ...
- البكالوريا : من مشروع نابليون لبناء الدولة إلى جسر يمهد لبنا ...


المزيد.....




- حظك اليوم الإثنين 6 يوليو/تموز 2026
- دعاء للتخفيف من ضغوط العمل
- أهمية النظارة الشمسية في فصل الصيف
- فيتامين ج وصحتك النفسية.. هل يؤثر حقًا في المزاج؟
- طريقة عمل التيراميسو في المنزل بخطوات بسيطة
- ألوان تمنحك حضورًا أنيقًا في العمل دون مبالغة
- ما هي أعراض مرض إنفلونزا الطيور؟
- تخطط لعطلة عائلية؟ إليك أفضل فنادق باتومي جورجيا في صيف 2026 ...
- قطر تعزز الحوكمة الصناعية باتفاق لتنظيم تخصيص موارد الطاقة
- العلماء يقتربون من سماع همس المستعرات العظمى عبر الكون


المزيد.....

- التصدي للاستبداد الرقمي / مرزوق الحلالي
- الغبار الذكي: نظرة عامة كاملة وآثاره المستقبلية / محمد عبد الكريم يوسف
- تقنية النانو والهندسة الإلكترونية / زهير الخويلدي
- تطورات الذكاء الاصطناعي / زهير الخويلدي
- تطور الذكاء الاصطناعي بين الرمزي والعرفاني والعصبي / زهير الخويلدي
- اهلا بالعالم .. من وحي البرمجة / ياسر بامطرف
- مهارات الانترنت / حسن هادي الزيادي
- أدوات وممارسات للأمان الرقمي / الاشتراكيون الثوريون
- الانترنت منظومة عصبية لكوكب الارض / هشام محمد الحرك
- ذاكرة الكمبيوتر / معتز عمر


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - تقنية المعلمومات و الكومبيوتر - بوشعيب حمراوي - القطيع الرقمي في خدمة التفاهة : من صناعة الرأي إلى صناعة التبعية