|
|
من قضية وسيم إلى محرقة الأيتام... نظام الجزائر يلاحق دعاية الخارج ويعجز عن حماية طفولته في الداخل احتراق 11 طفلًا وإصابة 19 آخرين ساعات بعد اليوم الوطني للطفل الجزائري
بوشعيب حمراوي
استاذ كاتب وصحفي
(Bouchaib Hamraouy)
الحوار المتمدن-العدد: 8770 - 2026 / 7 / 18 - 19:07
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
بالجزائر .. الطفولة أداةً للدعاية بدل أن تكون أولوية للحماية
لا توجد مأساة إنسانية أشد قسوة من مأساة طفل يُعتدى عليه، أو يُترك عرضة للخوف والإهمال، أو تُزهق روحه في مكان كان من المفترض أن يوفر له الأمن والرعاية. فالطفولة ليست ملفًا سياسيًا، ولا بطاقة دبلوماسية، ولا مادة إعلامية تُستدعى عند الحاجة وتُنسى عندما تتعارض الحقائق مع الرواية المراد تسويقها. لكن بعض الأنظمة لا تنظر إلى قضايا الأطفال بمنظار إنساني واحد، بل تزنها بميزان المصلحة السياسية والدعائية. فقد تُضخّم حادثة وقعت على بعد آلاف الكيلومترات، وتبني حولها خطابًا هجوميًا مليئًا بالاتهامات غير المثبتة، بينما تُحاصر الأسئلة وتتراجع الأصوات عندما تقع المأساة داخل مؤسسة تابعة للدولة، ويكون الضحايا أطفالًا يتامى يعيشون تحت مسؤوليتها المباشرة. وهذا بالضبط ما يكشفه التناقض الصارخ بين طريقة تعاطي النظام الجزائري وإعلامه مع قضية الطفل الأمريكي ذي الأصول الجزائرية وسيم كركوش، وبين حجم الأسئلة المسكوت عنها بعد وفاة أحد عشر طفلًا وإصابة تسعة عشر آخرين في حريق مؤسسة الطفولة المسعفة بالمحمدية بالجزائر. بعد يوم واحد فقط من اليوم الوطني للطفل (15 يوليوز 2026). في الحالة الأولى، اندفع الخطاب الرسمي والإعلامي إلى تحويل حادث اعتداء لم تُحسم ملابساته قضائيًا إلى ملف سياسي وقومي، وجرى إقحام المغاربة فيه قبل أن تحدد السلطات الأمريكية هوية أي متهم. وفي الحالة الثانية، وقع الحريق داخل مؤسسة حكومية تؤوي أطفالًا أيتامًا وفاقدي السند الأسري، ومع ذلك لم يُكشف للرأي العام، حتى الآن، ما يكفي من التفاصيل بشأن المسؤوليات الإدارية، وظروف الحراسة الليلية، وأنظمة الإنذار والإخلاء، ومصير المدير والمؤطرين والموظفين المناوبين ليلة الفاجعة. إن المقارنة هنا لا تهدف إلى التقليل من معاناة وسيم، لأن أي اعتداء على طفل مرفوض ومدان، بل تهدف إلى فضح الانتقائية السياسية والإعلامية: ضجيجٌ كبير عندما يمكن توظيف الضحية في الإساءة إلى المغرب، وصمتٌ أو غموض عندما تتحول الدولة نفسها إلى طرف مطالب بتفسير كيف مات أطفال يتامى حرقًا داخل مؤسسة يفترض أنها كانت تحميهم.
قضية وسيم... حادث اعتداء بسيط حوّله الإعلام الجزائري إلى قضية سياسية
تعود بداية قضية وسيم كركوش إلى يوم 30 يونيو 2026، حين كان الطفل، البالغ من العمر أربعة عشر عامًا، حاضرًا في فضاء جماهيري بمنطقة شرق بوسطن لمتابعة مباراة المنتخب المغربي أمام المنتخب الهولندي ضمن منافسات كأس العالم. كان وسيم يرتدي قميص المنتخب الجزائري، وكان برفقة مجموعة من أصدقائه، من بينهم أصدقاء مغاربة. وهذا المعطى مهم، لأنه يكشف أن وجود الطفل في المكان لم يكن في سياق مواجهة عدائية بين جزائريين ومغاربة، كما حاولت بعض الروايات الإعلامية الإيحاء، بل كان حاضرًا وسط مجموعة من الرفاق لمشاهدة مباراة لكرة القدم. ووفق روايته، فقد انتهى توتر أو شجار وقع بالمكان إلى الاعتداء عليه وفقدانه الوعي، ليُنقل بعد ذلك إلى المستشفى، حيث أكدت المعطيات المتاحة أن إصاباته لم تكن مهددة للحياة. من حق وسيم وعائلته الحصول على الحماية والإنصاف، ومن واجب السلطات الأمريكية التحقيق في الواقعة وكشف هوية المعتدين ومحاسبتهم إذا ثبتت مسؤوليتهم. كما أن تدخل القنصلية الجزائرية لتقديم الدعم القنصلي للعائلة يدخل في صميم واجباتها الطبيعية. لكن ما حدث إعلاميًا تجاوز الدفاع عن طفل إلى محاولة بناء قضية سياسية ضد المغاربة والمغرب.
فقد جرى تداول ادعاءات تتحدث عن عشرات المغاربة الذين هاجموا الطفل بسبب ارتدائه قميص الجزائر، وروّجت بعض المنابر لعدد بلغ خمسة وثلاثين شخصًا، كما قُدمت الواقعة وكأنها اعتداء عنصري أو جريمة كراهية محسومة، بل ذهبت بعض الروايات إلى الحديث عن تدخل مكتب التحقيقات الفيدرالي، مع أن السلطات الأمريكية لم تؤكد هذه المعطيات.
الروايةُ الكاذبة سبقت التحقيق وأصبح الاتهام حكمًا جاهزًا
كان يفترض بإعلام يزعم المهنية أن ينتظر نتائج التحقيق الأمريكي قبل أن يحدد جنسيات المعتدين أو دوافعهم. وكان يفترض بنظام يدعي احترام العدالة أن يتعامل مع القضية بوصفها واقعة قيد البحث، لا ملفًا جاهزًا لتصفية الحسابات السياسية. لكن بدل ذلك، سبقت العناوينُ التحقيق، وسبقت الاتهاماتُ الأدلة، وتحولت رواية كاذبة إلى مادة للتحريض ضد المغاربة. حتى تاريخ كتابة هذه المقالة، لم تعلن شرطة بوسطن عن توقيف أي مشتبه به، ولم تكشف رسميًا هوية المعتدين، ولم توجه سلطات الادعاء اتهامات جنائية معلنة إلى أشخاص محددين. كما لم يُصنف الحادث رسميًا، وفق المعطيات المتاحة، باعتباره جريمة كراهية أو اعتداءً عنصريًا. لم تؤكد السلطات الأمريكية أن جميع المعتدين مغاربة، ولم تثبت الرواية المتداولة بشأن عددهم، بل إنها لم توفق في العصور على متهم. ولم يصدر إعلان رسمي يفيد بأن مكتب التحقيقات الفيدرالي تولى الملف، كما لم تُنشر لوائح اتهام أو قرارات قضائية تؤيد ما روّج له الإعلام الجزائري. وهنا لا يمكن تجاهل سؤال جوهري: لماذا كان النظام الجزائري وإعلامه المأجور شديدي الحضور عندما كانت القصة قابلة للتوظيف ضد المغرب، ثم خفتت أصواتهما عندما لم تؤد التحقيقات الأمريكية إلى اعتقالات أو اتهامات تؤكد الرواية التي جرى تسويقها؟
لماذا صمت النظام والإعلام بعدما غابت الأدلة؟
أين اختفى الضجيج الذي ملأ الشاشات والصحف والمنصات الرقمية؟. لماذا لم تخرج المنابر نفسها لتقول للرأي العام إن السلطات الأمريكية لم تعلن اعتقال أي مغربي، ولم تؤكد وجود اعتداء جماعي من خمسة وثلاثين شخصًا، ولم تصنف الواقعة جريمة كراهية؟ ولماذا لم تعتذر الجهات التي قدمت الفرضيات على أنها حقائق، ونقلت الاتهامات وكأنها أحكام قضائية نهائية؟ إن الدفاع عن وسيم لا يكون باختلاق أعداء له، ولا بإلصاق الجريمة بجنسية معينة دون أدلة، ولا بتحويل طفل إلى وسيلة للتحريض السياسي. الدفاع الحقيقي عنه يكون بالمطالبة بتحقيق عادل وشفاف، واحترام نتائج العدالة الأمريكية، والتمييز بين رواية الضحية والنتائج التي يثبتها البحث القضائي. أما الصمت بعد اتضاح زيف الرواية، فيكشف أن الاهتمام لم يكن بالطفل وحده، بل بما يمكن أن تحققه قضيته من مكاسب دعائية في سياق العداء السياسي والإعلامي للمغرب.
من ضجيج بوسطن إلى رماد المحمدية
بعد أيام قليلة من قضية وسيم، استيقظ الجزائريون على فاجعة أشد قسوة وأقرب إلى مسؤولية الدولة المباشرة. ففي الساعات الأولى من صباح الخميس 16 يوليوز 2026، أي ساعات قليلة بعد اليوم الوطني للطفل الجزائري . اندلع حريق داخل مؤسسة الطفولة المسعفة ببلدية المحمدية، شرق العاصمة الجزائرية، وهي مؤسسة حكومية تؤوي أطفالًا أيتامًا وأطفالًا فاقدي السند الأسري. أسفرت المأساة، وفق الحصيلة الأولية المعلنة، عن وفاة أحد عشر طفلًا وإصابة تسعة عشر آخرين، بعضهم بحروق واختناقات وصدمات نفسية، فضلًا عن إجلاء أطفال من ذوي الاحتياجات الخاصة إلى مكان آمن. حدث ذلك في مفارقة مؤلمة تختصر المسافة الهائلة بين الشعارات والواقع. ففي الزمن الذي يفترض أن تحتفي فيه الدولة بحقوق الطفولة، مات أطفال يتامى حرقًا داخل مؤسسة تابعة لها. بل إن صور للبناية وهي تحترق ملأت العوالم الرقمية. ضمنها صورة لأطفال يظهرون وسط الحريق المشواة خلف نافذة مغلقة. لم تقع المأساة في شارع مجهول، ولا في بناية مهجورة، ولا في منطقة خارجة عن رقابة السلطات. وقعت داخل مؤسسة رسمية، يفترض أنها مجهزة ومراقبة، ويفترض أن الأطفال المقيمين بها محاطون بإدارة ومؤطرين ومربيات ومشرفين وأعوان أمن وحراسة وعمال يعملون بنظام المناوبة الليلية.
الأطفال لم يكونوا وحدهم... فأين كانت الإدارة والمناوبة الليلية؟
من غير المنطقي التعامل مع المؤسسة وكأنها بناية خالية لا تضم مسؤولين أو أطرًا بشرية. فمثل هذه المراكز توجد بها، في الأحوال العادية، إدارة ومدير ومربون ومؤطرون ومشرفون وأعوان حراسة وعمال وإداريون، إلى جانب فريق يفترض أنه يعمل خلال الليل لمرافقة الأطفال والسهر على أمنهم في نومهم ويقظتهم. لذلك فإن السؤال لا يتعلق فقط بالشرارة الأولى التي أشعلت الحريق، بل بمن كان موجودًا داخل المؤسسة لحظة اندلاعه، وكيف جرت عملية التدخل، وهل كانت هناك يقظة ليلية فعلية، وهل كان عدد المشرفين كافيًا مقارنة بعدد الأطفال واحتياجات بعضهم الخاصة.
وفي خضم هذه الأسئلة، ركزت وسائل الإعلام الجزائرية على ما وصفته بالتدخل البطولي لشاب ووالده، قيل إنهما ساهما في إنقاذ مجموعة من الأطفال وإخراجهم من المؤسسة المشتعلة. وإذا كان هذا التدخل الإنساني يستحق كل التقدير والتنويه، فإنه يطرح، في المقابل، سؤالًا أكثر إحراجًا بشأن جاهزية المؤسسة نفسها: كيف أصبح تدخل مواطنين من خارج الطاقم جزءًا حاسمًا من عملية إنقاذ أطفال يفترض أنهم كانوا تحت الحراسة والمراقبة المباشرة لإدارة ومؤطرين ومشرفين يعملون بنظام المناوبة؟ إن الإشادة بشجاعة الشاب ووالده لا ينبغي أن تتحول إلى ستار يحجب مسؤولية المسؤولين عن المؤسسة، بل يفترض أن تدفع التحقيق إلى تحديد توقيت تدخلهما، وعدد الأطفال الذين ساهما في إنقاذهم، والكيفية التي تمكنا بها من الوصول إليهم، وما إذا كانا قد وصلا قبل تحرك الطاقم المناوب أو بعده. فبطولة المواطنين، على أهميتها، لا تعفي الإدارة من واجبها، وقد تكشف، إذا ثبت أنها كانت حاسمة في الحد من الخسائر، عن وجود تأخر أو ارتباك أو قصور في الاستجابة الداخلية للحريق.
ومن الطبيعي، في مثل هذه الحوادث، أن يشمل التحقيق مدير المؤسسة، والموظفين المناوبين ليلة الحادث، والناجين من العاملين، وأعوان الحراسة، وعناصر الحماية المدنية، وكل شخص يمكنه تقديم معطيات حول بداية الحريق وانتشاره وعملية الإنذار والإخلاء. لكن ما يمكن تأكيده هو أن السلطات الجزائرية لم تعلن للرأي العام، حتى تاريخ كتابة هذه المقالة، توقيف مدير المؤسسة، أو اعتقال أي موظف، أو توجيه تهمة جنائية إلى مسؤول بعينه، أو فتح متابعة قضائية معلنة ضد مسؤولين في المؤسسة. وهذا لا يعني أن الملف أُغلق أو أن التحقيق لم يبدأ، لكنه يعني أن الرأي العام لا يزال يفتقر إلى معطيات واضحة بشأن مسار البحث والأشخاص الذين تم الاستماع إليهم والقرارات المتخذة. كما لم نقرأ ولم نسمع ولم نشاهد إعلاميا ترافعا إعلاميا بنفس الحماس الكاذب الذي سلكته منابر العالم الآخر في قضية وسيم. شرارة المكيف لا تفسر وحدها وفاة أحد عشر طفلًا
أعلنت النتائج الأولية أن الحريق قد يكون ناجمًا عن شرارة كهربائية صدرت عن جهاز تكييف. وقد يكون هذا التفسير صحيحًا من الناحية التقنية كبداية للاشتعال، لكن تحديد مصدر الشرارة لا يكفي وحده لتفسير حجم الكارثة. فالتحقيق لا ينبغي أن يجيب فقط عن سؤال: كيف بدأ الحريق؟ بل عن سؤال أكثر خطورة: كيف تمكن حريق بدأ من جهاز تكييف من قتل أحد عشر طفلًا وإصابة تسعة عشر آخرين داخل مؤسسة يفترض أنها معدة لإيواء أطفال هشّين يحتاجون إلى حماية استثنائية؟ إن الشرارة قد تفسر بداية النيران، لكنها لا تفسر وحدها سرعة انتشارها، ولا صعوبة الإجلاء، ولا حجم الضحايا. وهذه مسؤولية التحقيق التقني والقضائي، الذي يفترض أن يبحث في منظومة السلامة كلها، وليس في الجهاز الذي بدأت منه النيران فقط.
أسئلة السلامة التي لا يجوز دفنها مع الضحايا
يفترض أن تكشف الخبرة التقنية ما إذا كانت أجهزة الإنذار تعمل لحظة الحادث، وهل أطلقت تنبيهًا مبكرًا مكّن العاملين من التدخل، أم أن الأطفال فوجئوا بالنيران والدخان وهم نائمون. كما يفترض أن يُعرف ما إذا كانت مخارج النجاة كافية ومفتوحة وغير مغلقة أو معرقلة، وهل كانت المؤسسة تتوفر على خطة واضحة للإخلاء، وهل سبق تدريب الموظفين والأطفال عليها. أم أنها كانت سجنا. ويجب كذلك التحقق من صلاحية مطافئ الحريق، ومواقعها، وعددها، ومدى معرفة العاملين بطريقة استخدامها، فضلًا عن حالة الشبكة الكهربائية وأجهزة التكييف، وبرنامج الصيانة والمراقبة التقنية. وتظل أسئلة أخرى أكثر إلحاحًا: أين كان المشرفون عند بداية الحريق؟ كم كان عددهم؟ هل كانوا موزعين على أجنحة المؤسسة؟ متى اكتُشفت النيران؟ ومن أطلق الإنذار؟ وكم استغرقت عملية إجلاء الأطفال؟ وهل كانت أوضاع الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة مأخوذة بعين الاعتبار في خطة الطوارئ؟ كما ينبغي تحديد الوقت الذي استغرقه وصول فرق الحماية المدنية، والعراقيل التي واجهتها، وما إذا كان تصميم المبنى أو كثافة الدخان أو نقص التجهيزات قد تسبب في ارتفاع عدد الضحايا. هذه الأسئلة لا تعني إصدار حكم مسبق بوجود تقصير أو مسؤولية جنائية، لكنها تمثل صلب أي تحقيق جدي يريد الوصول إلى الحقيقة، بدل الاكتفاء بالإعلان عن السبب الأولي للاشتعال.
تبون يتعهد بالعلاج... لكن من غير الدولة كان سيتكفل بهؤلاء الأيتام؟
أعلن الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، بعد زيارة رئيس حكومته للمصابين بالمستشفى أن الدولة ستتكفل بعلاجهم، بما في ذلك العمليات الجراحية الترميمية والتجميلية التي قد يحتاجون إليها.
لا أحد يعترض على ضمان علاج الأطفال، بل إن ذلك واجب إنساني وقانوني لا يقبل النقاش. لكن صيغة البلاغ الرئاسي تطرح مفارقة مؤلمة : هؤلاء الأطفال ليسوا زوارًا أجانب، ولا حالات قدمت من خارج النظام الاجتماعي للدولة، بل أطفال أيتام وفاقدو سند أسري كانوا أصلًا تحت رعاية مؤسسة حكومية.. فمن غير الدولة كان يفترض أن يتكفل بعلاجهم؟ ومن الجهة الأخرى التي كان يمكن أن تتحمل مصاريف علاج أطفال لا آباء لهم ولا أمهات يتولون شؤونهم، وقد أصيبوا داخل مؤسسة تابعة للدولة؟ إن التكفل بالعلاج ليس منحة سياسية ولا مبادرة استثنائية، بل استمرار لمسؤولية قانونية وأخلاقية كانت قائمة قبل الحريق، لأن الدولة هي الوصي الفعلي على هؤلاء الأطفال، وهي الملزمة بإيوائهم وحمايتهم وعلاجهم وضمان سلامتهم. وكان الأولى، إلى جانب بلاغ التكفل الطبي، أن يسمع الجزائريون تعهدًا واضحًا بكشف المسؤوليات، ونشر نتائج الخبرة، وعدم حماية أي مسؤول يثبت تقصيره، ومراجعة شروط السلامة في جميع مؤسسات رعاية الطفولة. ولما لا الاعتذار للجزائريين عن تقصير الدولة الفاضح. هذه الخصوصية ليست تفصيلًا لغويًا، بل هي جوهر المسؤولية. فالطفل الذي يعيش مع أسرته تكون الدولة مسؤولة عن توفير النظام العام والخدمات الأساسية لحمايته، أما الطفل الموجود داخل مؤسسة حكومية للرعاية، فإن الدولة تحل فعليًا محل الأسرة في الإيواء والحماية والمراقبة والمتابعة. ولهذا فإن وفاة هؤلاء الأطفال ليست حادثًا خارجيًا وقع لمواطنين عاديين فحسب، بل نتيجة فشل داخل منظومة رعاية عمومية كان يفترض أن تعوضهم عن غياب الأسرة، لا أن تتحول إلى مكان نهايتهم.
تحقيق معلن في السبب... وغموض في المسؤوليات
حتى الآن، لم تنشر السلطات الجزائرية تقريرًا تقنيًا مفصلًا يشرح كيف أدى الحريق إلى وفاة أحد عشر طفلًا وإصابة تسعة عشر آخرين. قد تكون بعض هذه الإجراءات قد تمت في إطار سرية البحث، وهذا احتمال لا يجوز إنكاره. لكن السرية القضائية لا ينبغي أن تتحول إلى صمت مؤسساتي دائم، خصوصًا في فاجعة بهذا الحجم، هزت الرأي العام وأزهقت أرواح أطفال كانوا تحت حماية الدولة. إن احترام سرية التحقيق لا يتعارض مع إعلان الجهة القضائية المشرفة عليه، وتوضيح طبيعته، ونشر بلاغات دورية تحاصر الإشاعات وتطمئن المواطنين إلى أن البحث لا يقتصر على تحديد الجهاز الذي انطلقت منه الشرارة، بل يمتد إلى كل أوجه المسؤولية المحتملةز
ما الذي ينبغي أن يكشفه التحقيق؟
المطلوب أولًا هو تأكيد ما إذا كان قد فُتح تحقيق قضائي رسمي مستقل عن الخبرة التقنية، وتحديد الجهة التي تشرف عليه، سواء كانت النيابة العامة أو قاضي التحقيق أو جهة قضائية مختصة. والمطلوب ثانيًا معرفة ما إذا جرى الاستماع إلى مدير المؤسسة والموظفين والمشرفين المناوبين ليلة الحادث، ومن كان مكلفًا بالحراسة والمراقبة والصيانة. وهل كان لتلك الدار مدير وإدارة ؟؟. كما يتعين توضيح ما إذا صدرت قرارات إدارية مؤقتة، من قبيل توقيف مسؤولين عن العمل أو إعفائهم إلى حين انتهاء التحقيق، ليس بوصف ذلك إدانة مسبقة، وإنما ضمانًا لسلامة البحث وعدم التأثير في الأدلة أو الشهادات. ويبقى نشر تقرير الخبرة التقنية أو خلاصاته الأساسية ضروريًا، لأنه وحده القادر على توضيح أسباب الانتشار السريع للنيران، ومدى احترام معايير السلامة، وحالة التجهيزات الكهربائية، وأجهزة الإنذار والإطفاء، وخطة الإخلاء. وفي النهاية، يجب أن يجيب التحقيق بوضوح: هل كانت المأساة حادثًا تقنيًا يستحيل منعه، أم أن الإهمال أو ضعف الصيانة أو نقص الموارد البشرية أو سوء التدبير ساهم في تضخيم الحصيلة؟
أي الملفين كان أولى بالاستنفار الحكومي والقضائي والإعلامي؟
إن اهتمام الدولة الجزائرية بوسيم وعائلته أمر طبيعي، ولا ينبغي الاعتراض عليه. لكن المقارنة تكشف خللًا أخلاقيًا وسياسيًا في سلم الأولويات. وسيم طفل أمريكي من أصول جزائرية تعرض لاعتداء خارج الجزائر، داخل دولة تتصدر قائمة الدول الديمقراطية. تتوفر على شرطة وقضاء ومؤسسات تحقق في الواقعة. أما اليتامي أطفال بلدية المحمدية، فهم أيتام كانوا داخل مؤسسة جزائرية وتحت الحماية القانونية والإدارية والإنسانية للدولة الجزائرية نفسها. في قضية وسيم، سارعت المنابر إلى تسمية متهمين لم تسمهم الشرطة الأمريكية، وتحديد دوافع لم يثبتها التحقيق، وتحويل الواقعة إلى قضية عداء مع المغرب. أما في مأساة الأيتام، فقد غطى الصمت صفحات وقنوات الإعلام الجزائري. ولا يزال الرأي العام ينتظر معرفة من كان مسؤولًا عن المؤسسة ليلة الحريق، وهل كانت وسائل الوقاية تعمل، وهل كان الطاقم الليلي كافيًا، وهل سيحاسب أحد إذا ثبت التقصير...
إن هذا التفاوت لا يمكن تفسيره فقط باختلاف الحادثين، بل يعكس ميلًا واضحًا إلى الاستثمار في ملفات الخارج عندما تخدم الخطاب السياسي، مقابل التردد في فتح ملفات الداخل بكل ما تفرضه من مساءلة ومحاسبة.
عجز عن حماية الأيتام و سعي للمتاجرة بآلام أطفال الآخرين
إن قضية وسيم تستحق تحقيقًا عادلًا، وتستحق أن يُكشف المعتدون عليه وأن يحاسبوا وفق القانون، أيًا كانت جنسياتهم أو خلفياتهم. لكنها لا تستحق أن تتحول إلى ذريعة لتشويه شعب كامل أو توجيه اتهامات إلى المغاربة دون دليل. كما أن فاجعة أطفال المحمدية لا يجوز اختزالها في شرارة كهربائية، أو زيارة رئاسية، أو تعهد بالتكفل بالعلاج. فالعلاج حق بديهي لهؤلاء الأطفال، والمسؤولية الحقيقية تبدأ قبل الحريق لا بعده. تبدأ المسؤولية من سلامة المبنى، ومن صيانة الشبكة الكهربائية، ومن أجهزة الإنذار، ومن مخارج النجاة، ومن الحراسة الليلية، ومن عدد المؤطرين، ومن تدريب العاملين على الإخلاء، ومن الرقابة الإدارية المستمرة. أما بعد المأساة، فإن المسؤولية تقتضي تحقيقًا مستقلًا وشفافًا، ونشر نتائجه، وتحديد كل أوجه التقصير، ومحاسبة من يثبت أنه أهمل واجبه أو تهاون في حماية أرواح الأطفال. لا يكفي أن يقول رئيس الدولة إن المصابين سيعالجون، لأن السؤال الأهم هو: لماذا أصيبوا أصلًا داخل مؤسسة كانت الدولة مطالبة بحمايتهم فيها؟ ولا يكفي تحديد جهاز التكييف الذي بدأت منه الشرارة، لأن السؤال الأخطر هو: لماذا لم تتمكن منظومة السلامة والإدارة والمناوبة من منع تحول الشرارة إلى محرقة؟ الدولة التي تريد إقناع العالم بأنها تدافع عن طفل في بوسطن، مطالبة أولًا بأن تقنع شعبها بأنها قادرة على حماية أطفالها فوق أرض الوطن. والنظام الذي يملأ إعلامه الدنيا صراخًا باسم وسيم، ثم يخفت صوته أمام أسئلة أيتام ماتوا حرقًا، يكشف أن القضية لم تكن دائمًا قضية طفولة، بل قضية دعاية وانتقاء سياسي وارتزاق مالي. فالطفولة لا تتجزأ، والرحمة لا تُفصّل على مقاس الخصومات، والعدالة لا تُبنى على جنسية الضحية أو هوية الخصم المراد اتهامه. من يصدق في الدفاع عن الأطفال، يبدأ بالأطفال الذين يعيشون تحت سقفه، وتحت سلطته، وتحت مسؤوليته المباشرة. أما من يحول طفلًا في الخارج إلى أداة للدعاية، بينما يترك أسئلة أطفال الداخل معلقة وسط الرماد، فإنه لا يدافع عن الطفولة، بل يستثمر في مآسيها. وسيظل السؤال يطارد الدولة الجزائرية إلى أن تنشر الحقيقة كاملة: كيف مات أحد عشر طفلًا يتيمًا داخل مؤسسة عمومية؟ ومن كان مكلفًا بحمايتهم؟ وهل كان يمكن إنقاذهم؟ ومن سيحاسب إذا ثبت أن المأساة لم تكن قضاءً تقنيًا محتومًا، بل نتيجة إهمال كان بالإمكان منعه؟
#بوشعيب_حمراوي (هاشتاغ)
Bouchaib_Hamraouy#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
جزار الجزائر.. عندما يذبح النظام أحلام شعبه
-
أسطول الصمود يفقد البوصلة... من كسر حصار غزة إلى منصة للإساء
...
-
قضية علي لمرابط .. التضامنُ يسبق القضاء و منصات التواصل تتح
...
-
النظام الجزائري يشاهد أوراقه تحترق واحدة تلو الأخرى: من سقوط
...
-
نعيب لاعبينا والعيب فينا... وما للاعبينا عيب سوانا أسود الأط
...
-
القطيع الرقمي في خدمة التفاهة : من صناعة الرأي إلى صناعة الت
...
-
وسيم والانتخابات التشريعية الجزائرية: تبون يرمي بكرة ثلج سيا
...
-
في زمن الفوضى الرقمية : أين اختفت الأجناس الصحفية وأخلاقيات
...
-
البكالوريا من امتحان تربوي إلى عملية أمنية : هل نحارب الغش أ
...
-
برلمان 2026: ترحال الساسة ومزادات علنية أشعلت سوق النخاسة
-
من الجهوية إلى الدولة الحديثة: الرسالة الملكية ترسم ملامح مغ
...
-
التربية الوطنية حق كل المغاربة... أكبر من مجرد حقيبة في يد و
...
-
على هامش اليوم العالمي للأرامل : نساء يرغمن على تحمل أعباء أ
...
-
رفقا بالمحامين : عندما ترتدي العدالة بدلتها السوداء يستعيد ا
...
-
الأب.. الوطن الذي نكتشف عظمته متأخرين ..
-
كرة القدم في حاجة إلى الأخلاق : الكذب الرياضي صنع أمجاداً وا
...
-
الحقيقة التي يحاولون تزييفها : المدرب محمد وهبي أحد ضحايا ال
...
-
ترامب وحرب الخليج: بعد مذكرة التفاهم الفشل قائم والخسارة للت
...
-
الكراهية تبدأ بكلمة... وتنتهي بحريق يلتهم الإنسانية
-
أسود الأطلس يزأرون ... عندما تتحول كرة القدم إلى محكمة للأنس
...
المزيد.....
-
شاهد.. دهشة طيور البطريق من ورقة شجر تتراقص مع الريح في حديق
...
-
لحظات مؤثرة.. حديقة حيوانات أمريكية تحتفي بميلاد صغير غوريلا
...
-
كيف تصاعد الصراع الأمريكي الإيراني هذا الأسبوع؟.. تفاصيل هجم
...
-
إيران تستهدف مواقع حيوية بالكويت والحرس الثوري يحذر الدول ال
...
-
وزيرا خارجية روسيا والإمارات يبحثان التطورات الإقليمية وتعزي
...
-
الأردن: اعتراض صواريخ ومسيرات إيرانية
-
RT في مقر للقوات على محور كونستانتينوفكا
-
انتحل صفة جراح أعصاب لسنوات والصدفة كشفته
-
-كيمي كيه 3-... نموذج ذكاء اصطناعي صيني جديد يثير قلق المناف
...
-
هل يشيخ مواليد التسعينيات بشكل أسرع؟ دراسة محبطة لأبناء هذا
...
المزيد.....
-
سياسة حفار الساق
/ د. خالد زغريت
-
الطائفية المتغلغلة في لبنان
/ حسين محمود صالح
-
صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ
...
/ رزكار عقراوي
-
كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال
...
/ احمد صالح سلوم
-
الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير!
/ شاكر الناصري
-
كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية
...
/ احمد صالح سلوم
-
k/vdm hgjydv hg-;-gdm
/ أمين أحمد ثابت
-
كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام
/ احمد صالح سلوم
-
كتابات غير.. ساخرة
/ حسين جداونه
-
يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية
/ حسين جداونه
المزيد.....
|