أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - التربية والتعليم والبحث العلمي - بوشعيب حمراوي - بعد الباكالوريا... من يصنع نخب المغرب؟ ليست المشكلة في الشهادة... بل في قيمتها الحقيقية، وفي الإنسان الذي تصنعه الجامعة بعدها















المزيد.....


بعد الباكالوريا... من يصنع نخب المغرب؟ ليست المشكلة في الشهادة... بل في قيمتها الحقيقية، وفي الإنسان الذي تصنعه الجامعة بعدها


بوشعيب حمراوي
استاذ كاتب وصحفي

(Bouchaib Hamraouy)


الحوار المتمدن-العدد: 8777 - 2026 / 7 / 25 - 02:37
المحور: التربية والتعليم والبحث العلمي
    


الباكالوريا ليست نهاية الطريق... بل بداية السؤال الأصعب

يحتفل آلاف التلاميذ المغاربة كل سنة بنجاحهم في امتحانات الباكالوريا، وتتحول البيوت إلى فضاءات للفرح، وتنهال التهاني، وتُرفع صور الناجحين، وتُعلن المعدلات، ويبدأ السباق نحو المدارس والمعاهد والكليات، وكأن الحصول على الشهادة يمثل نهاية مرحلة شاقة وبداية طريق مضمون نحو النجاح. غير أن الحقيقة أكثر تعقيدًا بكثير، لأن الباكالوريا، مهما كانت أهميتها، لا تمنح صاحبها مستقبلًا جاهزًا، ولا تصنع وحدها كفاءة، ولا تضمن له مكانًا في سوق الشغل، ولا تؤهله تلقائيًا لتحمل مسؤوليات المجتمع والدولة.

فالامتحان الحقيقي يبدأ بعد الباكالوريا، عندما يجد الشاب نفسه أمام منظومة جامعية متعددة المسالك، متفاوتة الإمكانات، مختلفة الشروط، تحكمها معدلات الانتقاء، وطاقة الاستيعاب، والقدرة المادية للأسر، وموقع السكن، وجودة التوجيه، وأحيانًا الصدفة أو غياب المعلومة. وفي هذه اللحظة لا يختار الطالب تخصصًا دراسيًا فحسب، بل يبدأ، من حيث يدري أو لا يدري، في اختيار موقعه المقبل داخل المجتمع، ونوعية المسؤولية التي قد يتحملها، والدور الذي قد يلعبه في بناء الوطن أو تعطيل مساره.
من داخل الجامعات والمعاهد والمدارس العليا سيتخرج قضاة الغد ومحاموه وأطباؤه ومهندسوه وصحفيوه وأساتذته ووزراؤه وكبار موظفيه ومسيرو مؤسساته. ولذلك فإن السؤال الحقيقي ليس: كم عدد الناجحين في الباكالوريا؟ ولا كم عدد المسجلين في الجامعات؟ بل: ما نوع الإنسان الذي تصنعه الجامعة بعد ذلك؟ وما قيمة الشهادة التي تمنحها؟ وهل تؤهل خريجيها لفهم مجتمعهم، وتحليل أزماته، وابتكار الحلول، وتحمل المسؤولية، أم تكتفي بإضافة شهادة جديدة إلى ملفات شباب ينتظرون وظيفة قد تأتي أو لا تأتي؟

كليات ومعاهد الاستقطاب المحدود والمفتوح... هل يحدد معدل واحد مستقبل الإنسان؟

تقوم منظومة التعليم العالي في المغرب على تمييز واضح بين مؤسسات جامعية ذات استقطاب محدود، لا يلجها إلا أصحاب المعدلات المرتفعة أو الناجحون في مباريات الانتقاء، ومؤسسات جامعية ذات استقطاب مفتوح تستقبل أعدادًا كبيرة من الطلبة، خصوصًا في كليات الآداب والعلوم الإنسانية والحقوق والاقتصاد. وقد أصبح هذا التصنيف، مع مرور السنوات، يتجاوز التنظيم الإداري ليؤسس لترتيب اجتماعي ضمني بين التخصصات والطلبة، وكأن قيمة الطالب وذكاءه ومستقبله تُحسم كلها في المعدل الذي حصل عليه في امتحان واحد.
صحيح أن بعض التخصصات تحتاج إلى شروط دقيقة في الانتقاء بسبب طبيعتها العلمية أو كلفة تكوينها أو محدودية المقاعد، لكن الخطير هو أن يتحول المعدل إلى حكم نهائي على الإنسان، وأن يُدفع طالب يمتلك قدرات تحليلية أو إبداعية أو قيادية إلى تخصص لا يرغب فيه فقط لأن نقطته لم تسمح له بغيره، في حين يُوجَّه آخر إلى مهنة حساسة لأن معدله كان مرتفعًا، دون التأكد من امتلاكه للاستعداد النفسي أو الأخلاقي أو الإنساني اللازم لها.
ليس كل من حصل على معدل مرتفع مبدعًا بالضرورة، كما أن كل من حصل على معدل متوسط ليس محدود الكفاءة. فالذكاء متعدد، والنجاح المهني يحتاج إلى قدرات لا تقيسها ورقة الامتحان وحدها، من بينها التواصل، والخيال، والقدرة على اتخاذ القرار، والعمل الجماعي، والقيادة، والبحث، والجرأة الفكرية، والالتزام الأخلاقي. لذلك تحتاج منظومة التوجيه والانتقاء إلى رؤية أعمق من مجرد ترتيب الأرقام، حتى لا تتحول الباكالوريا إلى باب يفتح أمام فئة كل المسارات، ويغلق في وجه فئة أخرى إمكانات كان يمكن أن تتألق فيها.
استقطاب مفتوح : كليات الآداب و الحقوق مصانع صناع القرار

تُعد كليات الآداب والحقوق من أكثر المؤسسات الجامعية تأثيرًا في مستقبل الدولة، لأنها تُخرج القضاة والمحامين وأطر الإدارة الترابية والبرلمانيين والوزراء ورجال السلطة وكبار المسؤولين الإداريين. ومع ذلك، فالالتحاق بها في نظر شريحة واسعة من المجتمع خيارًا اضطراريًا، يلجأ إليه كثير من الطلبة بعد تعذر ولوج المدارس والمعاهد ذات الاستقطاب المحدود.
وهنا تبرز مفارقة عميقة: كيف يمكن لكلية يُنظر إليها باعتبارها ملاذًا أخيرًا أن تقوم بدور مصنع النخب القانونية والسياسية والإدارية؟ وكيف ننتظر منها أن تنتج قضاة كبارًا ومحامين بارعين ومسؤولين قادرين على قيادة الدولة، بينما تعاني في كثير من الحالات الاكتظاظ، وضعف التأطير، وقلة التكوين التطبيقي، واعتماد مناهج تميل إلى الحفظ والاستظهار أكثر مما تنمي التحليل والاستدلال والقدرة على بناء الموقف؟
إن دراسة القانون لا ينبغي أن تكون مجرد حفظ للنصوص والتعريفات، لأن القوانين تتغير، والمجتمعات تتطور، والجرائم والمعاملات والنزاعات تصبح أكثر تعقيدًا. المطلوب هو تكوين عقل قانوني يستطيع فهم النص وتأويله وربطه بالواقع، والتمييز بين الحرف والروح، وتحقيق التوازن بين القانون والعدالة والحقوق والمصلحة العامة. عقل يبدع ويطور القوانين والمساطر وأدبيات وأبجديات الحياة بكل تفاصيلها.

هل يكفي حفظ القانون لصناعة محامٍ كبير؟-

المحامي الحقيقي ليس حافظًا لمواد القانون، بل عقل تحليلي قادر على تفكيك الوقائع، واكتشاف الثغرات، وبناء الحجة، وفهم الإنسان والمؤسسة والاقتصاد والمجتمع. فالقضايا المعروضة اليوم أمام المحاكم لم تعد كلها نزاعات بسيطة، بل أصبحت تشمل ملفات الأبناك، والاستثمار، والشركات متعددة الجنسيات، والعقود الدولية، والصفقات، والملكية الفكرية، والجرائم المالية والرقمية، والنزاعات الضريبية والعقارية والتجارية.
ولا يمكن لمحامٍ أن يتعامل بجدية مع هذه الملفات ما لم يمتلك إلى جانب المعرفة القانونية فهمًا للاقتصاد والمالية والمحاسبة والتكنولوجيا واللغات والتجارة الدولية. إن المحامي الذي يكتفي باستظهار النصوص سيجد نفسه عاجزًا أمام نزاع بنكي معقد، أو ملف يتعلق بشركة دولية، أو قضية تتضمن معطيات تقنية ورقمية دقيقة.

لذلك تحتاج كليات الحقوق إلى تحويل الطالب من متلقٍ سلبي إلى باحث ومحلل ومترافع، من خلال ترسيخ ثقافة رقمية وورقية جادة ومثمرة، تؤهل الطالب للبحث والتنقيب. و اعتماد المحاكم الصورية، ودراسة الملفات الواقعية، والتدريب داخل المؤسسات، وتعليم الكتابة الأدبية و القانونية، وتنمية القدرة على الحوار والمناظرة والإقناع. فالمحاماة ليست مهنة كلام فقط، بل مسؤولية دفاع عن الحقوق والحريات، ولا يمكن أن يحملها بكفاءة إلا من تلقى تكوينًا عميقًا يجمع بين القانون والفكر والأخلاق والواقع.

القضاء والنيابة العامة... العدالة لا يصنعها الحفظ

الأمر نفسه ينطبق على القضاة وممثلي النيابة العامة. فالقاضي لا ينبغي أن يكون آلة لتطبيق النصوص، ولا موظفًا يبحث في القانون عن مادة جاهزة يضعها فوق الوقائع، بل يجب أن يكون صاحب عقل متزن، وثقافة واسعة، وحس بالعدالة، وقدرة على قراءة السياق والتمييز بين الحالات، وفهم أثر قراره في الأفراد والمجتمعز

لقد أصبحت العدالة اليوم تواجه ملفات لم تكن معروفة قبل عقود، مثل الجرائم الإلكترونية، وتبييض الأموال، والذكاء الاصطناعي، والاحتيال الرقمي، والاتجار الدولي، وحماية المعطيات الشخصية، والمنازعات المرتبطة بالتكنولوجيا والاستثمار. ولا يمكن للقاضي أو ممثل النيابة العامة أن يحسن التعامل معها إن لم يتلق تكوينًا مستمرًا ومتعدد التخصصات.
إصلاح العدالة لا يبدأ فقط من المحاكم والقوانين، بل يبدأ من الجامعة التي تُكوِّن رجال ونساء القضاء. وكلما كان التكوين القانوني قائمًا على التفكير والنزاهة والاستقلال والبحث، كانت العدالة أكثر قوة وثقة. أما عندما يظل التكوين حبيس الحفظ والامتحان، فإن الخطر لا يهدد الطالب وحده، بل يهدد حقوق الناس وأمنهم وثقتهم في الدولة.

كليات الطب... هل نكوّن أطباء أم باحثين في صحة الإنسان؟

تعد دراسة الطب من أكثر المسارات التي تحظى بالتقدير الاجتماعي، ويُنظر إلى الطالب الذي يلج كلية الطب باعتباره من النخبة المتفوقة. غير أن السؤال لا ينبغي أن يتوقف عند صعوبة الولوج أو طول سنوات الدراسة، بل يجب أن يمتد إلى نوع الطبيب الذي تنتجه الكلية.
فالطب ليس مجرد حفظ لأسماء الأمراض والأدوية والبروتوكولات، ولا ينبغي أن يتحول الطبيب إلى موزع للوصفات، بل هو علم متجدد يقوم على البحث والملاحظة والتشخيص والشك العلمي والتعلم المستمر. العالم الطبي يتغير بسرعة، وتظهر علاجات وتقنيات وأمراض جديدة، ويصبح الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات جزءًا من الممارسة الصحية، ولذلك لا يكفي تكوين الطبيب على استيعاب مقررات محددة ثم مطالبته بمواجهة واقع يتغير كل يوم.
نحتاج إلى أطباء يفكرون ويبحثون وينتجون المعرفة، ويشاركون في تطوير العلاج، ويفهمون الصحة العامة والوقاية والتواصل مع المرضى وأخلاقيات المهنة. كما نحتاج إلى ربط كليات الطب بمراكز البحث والمستشفيات الجامعية الحقيقية، وتشجيع الطلبة على الاطلاع على أحدث ما يصدر عالميًا، وتمكينهم من اللغات العلمية الضرورية، حتى لا نظل مستهلكين للمعرفة الطبية بدل المساهمة في إنتاجها.

المهندس المغربي... نصنع الكفاءة ثم نكتفي بتأجيرها

يملك المغرب عددًا كبيرًا من المهندسين ذوي الكفاءات العالية، وتستقطبهم المؤسسات الوطنية والدولية لما يتمتعون به من قدرة على التعلم والانضباط والتكيف. غير أن نجاح المهندس في الحصول على وظيفة داخل شركة كبرى لا ينبغي أن يكون السقف الأعلى لطموح الجامعة والدولة.
فالدول المتقدمة لا تقيس قوة مدارسها الهندسية بعدد الموظفين الذين خرجتهم فقط، بل بعدد الابتكارات والشركات والبراءات والمشروعات الصناعية التي أنشأها خريجوها. أما نحن، فكثيرًا ما نستثمر في تكوين المهندس، ثم نقدمه جاهزًا لشركة أجنبية تستفيد من ذكائه وخبرته، بينما يبقى دوره داخل بلده محصورًا في تنفيذ ما يُطلب منه.

المطلوب هو تكوين مهندس قادر على الابتكار والمبادرة والقيادة، لا مجرد تقني بارع. ويجب أن تتضمن التكوينات الهندسية معرفة بالاقتصاد وإدارة المشاريع وريادة الأعمال والتمويل والتواصل، وأن تُربط المدارس بحاضنات المقاولات ومراكز البحث والصناعة الوطنية. فالمهندس الذي يستطيع إنشاء شركة أو تطوير منتج أو حل مشكلة وطنية يخلق قيمة مضاعفة، بينما الموظف، مهما كانت كفاءته، يظل محصورًا في حدود المهمة التي تُسند إليه.

الصحافة والإعلام... بين صناعة الرأي وحمل الشهادة

أصبحت الجامعات والمعاهد تخرج أعدادًا متزايدة من حملة الشهادات في الصحافة والإعلام والتواصل، لكن عددًا مهمًا منهم لا يجد طريقه إلى الممارسة المهنية، أو يلجها دون تكوين ميداني كافٍ. وهذا يطرح سؤالًا حقيقيًا حول قيمة هذه الشهادات ومدى ارتباطها بالواقع الإعلامي.
الصحفي لا يصنعه المدرج وحده، ولا تكفيه معرفة النظريات والمصطلحات، لأنه يحتاج إلى النزول إلى الميدان، والتحقق من المعلومات، وقراءة الوثائق، وتحليل الأرقام، وفهم القانون والاقتصاد والسياسة والمجتمع. كما يحتاج اليوم إلى مهارات في الصحافة الرقمية، وتحليل البيانات، والذكاء الاصطناعي، والتصوير، والتحرير المتعدد الوسائط.
الجامعة التي تخرج صحفيًا لا يعرف كيف يتحقق من خبر، أو يقرأ ميزانية، أو يحاور مسؤولًا، أو يحلل وثيقة قانونية، تمنحه شهادة لا تمنحه مهنة. لذلك يجب أن يكون التكوين الإعلامي مرتبطًا بغرف الأخبار والمؤسسات المهنية، وأن يُعطى للطلبة وقت كافٍ للتدريب والبحث والتحقيق، حتى لا يتحول التعليم الإعلامي إلى إنتاج حملة شهادات يبحثون فقط عن بطاقة مهنية، بدل تكوين صحفيين قادرين على صناعة الرأي العام وخدمة الحقيقة والمجتمع.

الإجازات والماسترات المهنية... تخصصات كثيرة وقيمة محدودة

شهدت الجامعات خلال السنوات الماضية انتشارًا واسعًا للإجازات والماسترات المهنية، بأسماء جذابة ووعود كبيرة بالاندماج في سوق الشغل. غير أن الواقع كشف في حالات كثيرة أن بعض هذه التكوينات لم تُبن على دراسة دقيقة لحاجيات الاقتصاد والمقاولات والإدارات، وأنها تختفي أو تتغير بعد سنوات قليلة، بينما يبقى الخريجون حاملين لشهادات لا يعرف المشغلون قيمتها ولا يجدون لها موقعًا واضحًا.

المشكلة ليست في تعدد المسالك، بل في فتحها دون رؤية، وفي استنساخ تخصصات متشابهة، وفي غياب التقييم والمتابعة. فكل مسلك جامعي يجب أن يجيب بوضوح عن أسئلة بسيطة: ما الكفاءات التي يمنحها؟ وما المهن التي يؤهل لها؟ وما حاجة سوق الشغل إليه؟ وما نسبة اندماج خريجيه؟ وهل يتوفر على أساتذة وتداريب وشراكات حقيقية؟
ليس من العدل أن نبيع للطالب أملًا مهنيًا من خلال اسم شهادة براق، ثم نتركه بعد التخرج أمام بطالة طويلة، أو نطالبه بالبدء من الصفر في تخصص آخر. فالشهادة التي لا تضيف معرفة حقيقية ولا مهارة قابلة للاستعمال تتحول إلى عبء نفسي واجتماعي، وتفقد الجامعة جزءًا من ثقة المجتمع.

الجامعة وسوق الشغل... مصنع للباحثين عن الوظيفة

تُربي كثير من المسارات الجامعية الطالب على فكرة واحدة: ادرس، احصل على الشهادة، ثم ابحث عن وظيفة. ولذلك يتخرج آلاف الشباب وهم ينتظرون مباراة أو منصبًا في الإدارة أو فرصة داخل شركة، دون أن يكونوا قد تعلموا كيف ينشئون مشروعًا أو يحولون فكرة إلى منتج أو خدمة.
إن الجامعة الحديثة لا ينبغي أن تكون مصنعًا للباحثين عن العمل فقط، بل مصنعًا لصناع العمل والثروة. يجب أن يتعلم الطالب، إلى جانب تخصصه، مبادئ المقاولة، والتخطيط، والتمويل، والتسويق، والتواصل، والابتكار، والعمل الجماعي. كما ينبغي أن يجد داخل الجامعة حاضنات للمشاريع ومواكبة قانونية ومالية وفرصًا للتجريب.

الدول التي حققت قفزات اقتصادية لا توظف جميع خريجيها، بل جعلت الجامعة فضاءً لتأسيس الشركات وتحويل البحث إلى صناعة. أما الجامعة التي تقيس نجاحها بعدد الشهادات الممنوحة فقط، فإنها قد ترفع أرقام التخرج، لكنها لا تضمن التنمية ولا الاستقرار الاجتماعي.

البحث العلمي... المعيار الحقيقي لقوة الجامعة

لا يمكن الحديث عن جامعة قوية من دون بحث علمي منتج. فالتدريس وحده ينقل المعرفة الموجودة، أما البحث فيصنع معرفة جديدة، ويمنح الدولة القدرة على حل مشاكلها بنفسها بدل استيراد الحلول جاهزة.
يحتاج المغرب إلى أبحاث مرتبطة بقضاياه الحقيقية: الماء، والطاقة، والصحة، والفلاحة، والتعليم، والصناعة، والبيئة، والنقل، والتحول الرقمي. ولا قيمة لبحث يبقى حبيس الرفوف، أو يُنجز فقط للحصول على ترقية أو شهادة. المطلوب هو ربط المختبرات بالمؤسسات الاقتصادية والاجتماعية، وتوفير التمويل، وتقييم النتائج، وتحويل الاكتشافات إلى تطبيقات ومنتجات.

إن الدول لا تصبح قوية فقط بكثرة جامعاتها، بل بقدرتها على إنتاج المعرفة وتوظيفها. وكل جامعة لا تسهم في حل مشاكل محيطها تفقد جزءًا من معناها ورسالتها.

الذكاء الاصطناعي... هل نُعد طلبة لوظائف قد تختفي؟

دخل الذكاء الاصطناعي بقوة إلى مجالات الطب والهندسة والقانون والإعلام والتعليم والإدارة، وأصبح قادرًا على إنجاز مهام كانت تتطلب سابقًا عددًا كبيرًا من الموظفين. وهذا التحول يفرض على الجامعة المغربية مراجعة برامجها بسرعة، لأن كثيرًا من الوظائف الروتينية قد تتقلص أو تتغير جذريًا.

لم يعد كافيًا أن يحفظ الطالب المعلومة، لأن الآلة تستطيع استرجاعها في ثوانٍ. القيمة الجديدة أصبحت في القدرة على طرح السؤال، وتحليل النتائج، والتحقق منها، والإبداع، واتخاذ القرار، والتعامل الأخلاقي مع التكنولوجيا. ومن ثم، فإن الجامعة مطالبة بتكوين طلبة يستطيعون استخدام الذكاء الاصطناعي وتوجيهه، لا أن يصبحوا ضحاياه.

كل تخصص، من القانون إلى الطب والصحافة، يحتاج اليوم إلى إدماج المهارات الرقمية والذكاء الاصطناعي، وإلا فإن الخريج سيصل إلى سوق عمل تغيرت قواعده بينما بقي تكوينه ينتمي إلى زمن سابق.

الجامعة مصنع من سيقود المغرب

الجامعة لا تخرج موظفين فقط، بل تخرج من سيجلسون غدًا في البرلمان والحكومة والمحاكم والمستشفيات والإدارات والمؤسسات الإعلامية والاقتصادية. ولذلك فإن ضعف الجامعة لا يبقى داخل أسوارها، بل ينتقل إلى كل مؤسسات الدولة والمجتمع.
حين يكون التكوين سطحيًا، سنجد مسؤولين محدودي الرؤية، وأطباء ضعيفي البحث، وقضاة أسرى النص، وصحفيين بلا أدوات، ومهندسين بلا ابتكار، وبرلمانيين عاجزين عن فهم الملفات المعقدة. أما حين تكون الجامعة قوية، فإن أثرها يظهر في جودة القرار، وعدالة القضاء، وكفاءة الإدارة، وتطور الاقتصاد، ونضج النقاش العمومي.
لهذا فإن إصلاح التعليم العالي ليس ملفًا قطاعيًا يهم الوزارة والطلبة والأساتذة وحدهم، بل هو قضية دولة ومجتمع، لأنه يحدد طبيعة النخب التي ستقود المغرب لعقود مقبلة.

مسؤولية مشتركة... الدولة والجامعة والأسرة والمقاولة

لا يمكن تحميل الجامعة وحدها مسؤولية كل الاختلالات، لأن إصلاحها يحتاج إلى سياسة وطنية متكاملة. الدولة مسؤولة عن التمويل والرؤية والحكامة، والجامعة مسؤولة عن جودة التكوين والتقييم والبحث، والأساتذة مسؤولون عن تحديث المعرفة ومواكبة الطلبة، والمقاولات مسؤولة عن التدريب والمساهمة في تحديد حاجيات السوق، والأسر مسؤولة عن مساعدة أبنائها على اختيار المسار وفق قدراتهم، لا وفق ضغط المجتمع أو هيبة المهنة.
كما تتحمل الأحزاب السياسية والمؤسسات المهنية مسؤولية في تكوين النخب وعدم الاكتفاء باستقطاب حملة الشهادات. فالنخبة لا تُصنع داخل الجامعة وحدها، بل تُصقل بالممارسة والثقافة والمسؤولية والأخلاق والتعلم المستمر.

ليست الشهادة هي الغاية... بل قيمة الإنسان الذي يحملها

لا أحد ينكر أهمية الشهادة الجامعية، فهي ثمرة سنوات من الجهد، وبوابة للمعرفة والارتقاء الاجتماعي. لكن الشهادة لا تكتسب قيمتها من اسمها أو ختمها، بل مما تمنحه لصاحبها من علم وقدرة واستقلال فكري وأخلاق ومسؤولية. وقد يحمل شخص أعلى الشهادات ولا يضيف شيئًا لمحيطه، بينما يستطيع آخر، بتكوين جيد وروح مبادرة، أن يخلق مشروعًا أو فكرة أو حلًا يغير حياة الناس.
إن المغرب لا يحتاج فقط إلى مزيد من الخريجين، بل يحتاج إلى أطباء يعالجون ويبحثون، وقضاة يطبقون القانون بروح العدالة، ومحامين يدافعون بالعلم والحجة، ومهندسين يبتكرون، وصحفيين يكشفون الحقيقة، وأساتذة يصنعون العقول، ومسؤولين يضعون المصلحة العامة فوق كل اعتبار.

بعد الباكالوريا، يبدأ الطريق الحقيقي، وتبدأ معه مسؤولية الجامعة في تحويل الطالب من حامل مشروع شخصي إلى مواطن قادر على خدمة وطنه. لذلك يجب ألا نسأل فقط: أي كلية أو معهد سيلج؟ بل: ماذا سيتعلم داخلهما؟ وأي عقل ستبنيه؟ وأي قيم ستغرس فيه؟ وأي دور سيكون قادرًا على أدائه بعد التخرج؟
فمستقبل المغرب لا يُصنع فقط داخل المصانع والمكاتب والبرلمان، بل يبدأ من المدرج الجامعي، ومن المختبر، ومن المكتبة، ومن علاقة الطالب بأستاذه، ومن قيمة المعرفة التي يتلقاها. ومن هناك يتحدد إن كنا سننتج جيلًا من حملة الشهادات ينتظر الفرص، أم جيلًا من الكفاءات يصنع الفرص ويقود الوطن.

ليست المشكلة في الشهادة إذن، بل في قيمتها الحقيقية، وفي الإنسان الذي تصنعه الجامعة بعدها، وفي الوطن الذي سيبنيه ذلك الإنسان أو يقوده غدًا.



#بوشعيب_حمراوي (هاشتاغ)       Bouchaib_Hamraouy#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مات عبد الرحيم فقير تحت قبضة الشرطة الإيطالية .. لكن قضيته أ ...
- فرنسا تتحرك لحماية أطفالها رقميًا... فمتى يتحرك المغرب لوقف ...
- كلما اقترب عيد العرش ..تنشط مصانع التشهير والارتزاق ويشتد ال ...
- قوة البرلمان من قوة الأحزاب... وجودة التشريع تبدأ من جودة ال ...
- بيغاسوس يعود في ساعة التقارب المغربي الفرنسي: ورقة قديمة رخي ...
- من قضية وسيم إلى محرقة الأيتام... نظام الجزائر يلاحق دعاية ا ...
- جزار الجزائر.. عندما يذبح النظام أحلام شعبه
- أسطول الصمود يفقد البوصلة... من كسر حصار غزة إلى منصة للإساء ...
- قضية علي لمرابط .. التضامنُ يسبق  القضاء و منصات التواصل تتح ...
- النظام الجزائري يشاهد أوراقه تحترق واحدة تلو الأخرى: من سقوط ...
- نعيب لاعبينا والعيب فينا... وما للاعبينا عيب سوانا أسود الأط ...
- القطيع الرقمي في خدمة التفاهة : من صناعة الرأي إلى صناعة الت ...
- وسيم والانتخابات التشريعية الجزائرية: تبون يرمي بكرة ثلج سيا ...
- في زمن الفوضى الرقمية : أين اختفت الأجناس الصحفية وأخلاقيات ...
- البكالوريا من امتحان تربوي إلى عملية أمنية : هل نحارب الغش أ ...
- برلمان 2026: ترحال الساسة ومزادات علنية أشعلت سوق النخاسة
- من الجهوية إلى الدولة الحديثة: الرسالة الملكية ترسم ملامح مغ ...
- التربية الوطنية حق كل المغاربة... أكبر من مجرد حقيبة في يد و ...
- على هامش اليوم العالمي للأرامل : نساء يرغمن على تحمل أعباء أ ...
- رفقا بالمحامين : عندما ترتدي العدالة بدلتها السوداء يستعيد ا ...


المزيد.....




- موسكو تنتقد تراجع واشنطن عن اتفاق ألاسكا
- ترامب يروي ما أبلغه به رئيسا الصين وروسيا بشأن تسليح طهران
- -لا إغلاق لمضيق باب المندب-.. الحوثيون: حظر الملاحة البحرية ...
- -فرانس برس- عن مصادر دبلوماسية: الدول الأعضاء في الجنائية ال ...
- التحالف بقيادة السعودية يشن غارات في مدينة الحديدة غربي اليم ...
- الرئيس الأمريكي: لا قرار متخذ بعد بخصوص الضربات واسعة النطاق ...
- قناة -بي إف إم تي في-: ماكرون يطلب من الجيش التعبئة على خلفي ...
- تركيا تدين تصاعد أعمال الإرهاب الاستيطاني غير القانوني في ال ...
- الجنرال صدام حفتر يلتقي فيدان في أنقرة
- ظهور تنين في أجواء غلاسكو يثير فضول السكان


المزيد.....

- فشل سياسات الاصلاح التربوي عربيا : تونس نموذجا / رضا لاغة
- العملية التربوية / ترجمة محمود الفرعوني
- تكنولوجيا التدريس / ترجمة محمود الفرعوني
- تقييم القراءة من النظريات إلى الفصول الدراسية [الجزء الأول] ... / ترجمة / أمل فؤاد عبيد
- تقييم القراءة من النظريات إلى الفصول الدراسية [الجزء الثاني] ... / ترجمة / أمل فؤاد عبيد
- أساليب التعليم والتربية الحديثة / حسن صالح الشنكالي
- اللغة والطبقة والانتماء الاجتماعي: رؤية نقديَّة في طروحات با ... / علي أسعد وطفة
- خطوات البحث العلمى / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- إصلاح وتطوير وزارة التربية خطوة للارتقاء بمستوى التعليم في ا ... / سوسن شاكر مجيد
- بصدد مسألة مراحل النمو الذهني للطفل / مالك ابوعليا


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - التربية والتعليم والبحث العلمي - بوشعيب حمراوي - بعد الباكالوريا... من يصنع نخب المغرب؟ ليست المشكلة في الشهادة... بل في قيمتها الحقيقية، وفي الإنسان الذي تصنعه الجامعة بعدها