|
|
فرنسا تتحرك لحماية أطفالها رقميًا... فمتى يتحرك المغرب لوقف هيمنة السلطة السادسة؟ بعد قرار البرلمان الفرنسي بمنع استخدام مواقع التواصل الاجتماعي على من هم دون الخامسة عشرة... هل آن الأوان ليحمي المغرب أطفاله، ومدرسته، وأسرته، ومجتمعه من فوضى الفضاء الرقمي؟
بوشعيب حمراوي
استاذ كاتب وصحفي
(Bouchaib Hamraouy)
الحوار المتمدن-العدد: 8774 - 2026 / 7 / 22 - 21:45
المحور:
حقوق الاطفال والشبيبة
فرنسا تتحرك لحماية أطفالها رقميًا... فمتى يتحرك المغرب لوقف هيمنة السلطة السادسة؟
بعد قرار البرلمان الفرنسي بمنع استخدام مواقع التواصل الاجتماعي على من هم دون الخامسة عشرة... هل آن الأوان ليحمي المغرب أطفاله، ومدرسته، وأسرته، ومجتمعه من فوضى الفضاء الرقمي؟
بقلم: بوشعيب حمراوي
قرار فرنسي يوقظ السؤال المغربي المؤجل
لم يكن قرار البرلمان الفرنسي المتعلق بمنع استخدام مواقع التواصل الاجتماعي على الأطفال الذين تقل أعمارهم عن الخامسة عشرة مجرد إجراء تقني محدود، ولا تدبيرًا ظرفيًا هدفه تقليص عدد الساعات التي يقضيها القاصرون أمام شاشات الهواتف والحواسيب، بل جاء باعتباره إعلانًا سياسيًا وتشريعيًا واضحًا بأن الفضاء الرقمي لم يعد عالمًا بريئًا ومفتوحًا للترفيه والتواصل فقط، وأن المنصات الاجتماعية تحولت إلى قوة عابرة للحدود، تدخل البيوت دون استئذان، وترافق الأطفال في غرف نومهم ومدارسهم وأوقات فراغهم، وتعيد تشكيل أذواقهم وسلوكهم ولغتهم وعلاقاتهم الأسرية، وتؤثر بصورة مباشرة في صحتهم النفسية، وفي قدرتهم على التركيز والتعلم والتمييز بين الحقيقة والوهم، وبين المعرفة الجادة والمحتوى السريع المصمم لاستنزاف الانتباه وتحويل الإنسان إلى مستهلك دائم.
لقد تحركت فرنسا بعدما أصبح واضحًا أن ترك الأطفال واليافعين في مواجهة شركات رقمية عملاقة وخوارزميات مدروسة لجذبهم وإبقائهم أطول مدة ممكنة أمام الشاشات لا يمكن اختزاله في كونه شأنًا عائليًا خاصًا، ولا تحميل مسؤوليته للأبوين وحدهما، بل أصبح قضية وطنية تتعلق بالصحة النفسية، والأمن التربوي، والتماسك الأسري، وحماية المجتمع من أخطار تنمو في صمت، قبل أن تنفجر على شكل إدمان رقمي، وعزلة اجتماعية، وتراجع دراسي، وعنف إلكتروني، وابتزاز، وتشهير، واضطرابات نفسية وسلوكية يصعب علاج آثارها بعد استفحالها. ومن هنا يبرز السؤال المغربي الذي ظل مؤجلًا رغم وضوح مؤشراته وخطورة نتائجه: متى يتحرك المغرب لحماية أطفاله رقميًا؟ ومتى تفتح الحكومة والبرلمان والمؤسسات التربوية والقضائية والإعلامية والمدنية نقاشًا وطنيًا جديًا حول هيمنة ما يمكن تسميته بالسلطة السادسة، بعدما أصبحت مواقع التواصل الاجتماعي تتدخل في تربية الأطفال، وتوجيه الشباب، وصناعة الرأي العام، وتحديد أولويات النقاش المجتمعي، وتوزيع الشهرة والاتهام والإدانة، بل والتأثير أحيانًا في المؤسسات والقرارات، دون انتخاب أو تفويض أو مسؤولية واضحة؟
إن الواقع المغربي لا يحتاج إلى تقارير معقدة حتى يكشف حجم الخطر؛ فالهواتف الذكية أصبحت في أيدي الأطفال قبل أن يتقنوا القراءة والكتابة، والمنصات الرقمية أصبحت تستحوذ على ساعات طويلة من حياة التلاميذ والطلبة والموظفين وربات البيوت، والمحتوى السريع أصبح ينافس الأسرة والمدرسة والكتاب والصحافة والمؤسسات الدينية والثقافية، بينما تحولت الإشاعة والتشهير والكذب والخوض في الحياة الخاصة إلى مواد يومية للاستهلاك، يتابعها الآلاف والملايين، ويعيدون نشرها دون تحقق، ويساهمون، أحيانًا دون وعي، في صناعة أضرار نفسية واجتماعية وقانونية قد لا يمكن إصلاحها.
لقد أصبح من المشروع، بل من الضروري، أن نسأل اليوم: من يحكم المغرب رقميًا؟ ومن يصنع وعي المواطنين؟ ومن يحدد القضايا التي ينبغي أن تشغل الرأي العام؟ أهي المؤسسات الدستورية المنتخبة والمسؤولة؟ أم وسائل الإعلام المهنية الخاضعة للقانون وأخلاقيات المهنة؟ أم الأحزاب السياسية والمثقفون والمدرسة والجامعة والمجتمع المدني؟ أم حسابات مجهولة وصفحات غير مسؤولة ومؤثرون لا يملكون من شروط التأثير سوى القدرة على الإثارة، وصناعة الفضائح، واستغلال العواطف، وملاحقة نسب المشاهدة والتفاعل؟ إن هذا السؤال ليس ترفًا فكريًا، ولا خصومة مع التكنولوجيا، ولا دعوة إلى الانغلاق أو مصادرة حرية التعبير، بل هو سؤال مرتبط بحماية الإنسان المغربي وكرامته وعقله ووقته وخصوصيته، وبحماية المدرسة والأسرة واللغة والصحافة والمجتمع من سلطة رقمية تمددت بسرعة هائلة، واستفادت من ضعف التشريع، وقصور التربية الرقمية، وتراجع التأطير، حتى أصبحت في كثير من الأحيان أقوى تأثيرًا من السلطات والمؤسسات التقليدية مجتمعة.
السلطات الخمس التقليدية... وسلطة سادسة تجاوزت الجميع
يقوم تدبير الدولة والمجتمع في الأنظمة الحديثة على سلطات ومؤسسات تتقاسم المسؤوليات، وتتوازن أدوارها، وتتكامل وظائفها؛ فالسلطة التنفيذية، ممثلة في الحكومة، تتولى تنفيذ السياسات العامة وتدبير القطاعات الحيوية وحماية الأمن الاجتماعي والاقتصادي والتربوي للمواطنين، والسلطة التشريعية، ممثلة في البرلمان بغرفتيه، تشرع القوانين، وتراقب العمل الحكومي، وتناقش القضايا الكبرى التي تمس حاضر المجتمع ومستقبله. أما السلطة القضائية، بمختلف مكوناتها ومؤسساتها، فتسهر على تطبيق القانون، وحماية الحقوق والحريات، ومحاسبة المخالفين، وصيانة كرامة الأفراد والجماعات، بينما تأتي السلطة الرابعة، ممثلة في الصحافة والإعلام، لتقوم بوظائف الإخبار والتحقيق والتفسير والنقد والمراقبة وتنوير الرأي العام، ثم تحضر السلطة الخامسة، ممثلة في المجتمع المدني، من خلال أدوار التأطير والتوعية والدفاع عن القضايا الاجتماعية والثقافية والحقوقية والتنموية. غير أن العصر الرقمي أفرز سلطة جديدة لا ينص عليها دستور، ولا تخضع في كثير من الأحيان لقواعد واضحة، ولا تنتظم داخل مؤسسات مضبوطة، لكنها أصبحت الأكثر حضورًا، والأسرع تأثيرًا، والأوسع انتشارًا، والأقدر على الدخول إلى البيوت والعقول في كل لحظة؛ إنها السلطة السادسة، الممثلة في مواقع التواصل الاجتماعي، والتي باتت قادرة على صناعة الرأي العام، وتوجيه النقاش العمومي، ورفع أشخاص إلى قمة الشهرة، وإسقاط آخرين في هوة التشهير، وتحويل الكذب إلى حقيقة متداولة، والإشاعة إلى قضية وطنية، والمحتوى التافه إلى حدث عام، بل والضغط على المؤسسات والقرارات بفعل سرعة الانتشار وقوة التفاعل. هذه السلطة السادسة لا تحتاج إلى انتخابات، ولا إلى تفويض شعبي، ولا إلى شهادة علمية، ولا إلى تجربة مهنية، ولا إلى التزام بميثاق أخلاقي أو رقابة مؤسساتية واضحة؛ إذ يكفي أن يمتلك الشخص هاتفًا ذكيًا وحسابًا على منصة اجتماعية حتى يقدم نفسه ناشرًا ومعلقًا ومحللًا وخبيرًا وقاضيًا ومدعيًا عامًا، ولو لم يملك من المعرفة إلا النزر القليل، ومن المسؤولية إلا ما يسمح له بملاحقة الأرقام ونسب المشاهدة.
الهاتف الذكي أقوى من الأسرة والمدرسة
من أخطر التحولات التي يعيشها المغرب اليوم أن الهاتف الذكي لم يعد أداة إضافية في حياة الطفل أو الشاب، بل أصبح في حالات كثيرة مركز حياته اليومية، ومصدره الأول للمعلومة والترفيه والتوجيه والتفاعل، فالطفل الذي كان يتعلم القيم واللغة والسلوك من الأسرة والمدرسة والحي والكتاب، أصبح يتلقى الجزء الأكبر من مؤثراته من مقاطع قصيرة ورسائل سريعة وصور مركبة ومحتويات لا يعرف مصدرها ولا أهدافها ولا الجهات التي تقف خلفها. لقد أصبح الهاتف حاضرًا أثناء الأكل، وفي غرف النوم، وداخل الفصول الدراسية، وخلال اللقاءات العائلية، وحتى في اللحظات التي يفترض أن تخصص للقراءة والمراجعة والنوم والراحة، وأصبح كثير من الأطفال واليافعين يشعرون بالقلق والتوتر حين يبتعدون عن هواتفهم، ويبحثون باستمرار عن إشعار جديد أو مقطع جديد أو تعليق جديد، وكأن عقولهم أصبحت مرتبطة بالخوارزميات أكثر من ارتباطها بأسرهم ومدارسهم وواقعهم الحقيقي. إن هذا التحول لا يهدد فقط جودة التحصيل الدراسي، بل يهدد التوازن النفسي والاجتماعي للناشئة؛ فالطفل الذي يعيش ساعات طويلة داخل فضاء افتراضي مليء بالمقارنات والصور المصطنعة والنجاح السريع والشهرة المفاجئة قد يفقد تدريجيًا ثقته في ذاته وفي واقعه، وقد يصبح أكثر عرضة للقلق والعزلة والانفعال والعنف والشعور بالنقص والفراغ النفسي.
الإدمان الإلكتروني... استنزاف للعمر والعقل والإرادة
لم يعد مقبولًا التعامل مع الاستعمال المفرط لمواقع التواصل الاجتماعي باعتباره مجرد عادة بسيطة يمكن التخلص منها متى أراد المستخدم، لأن الإدمان الإلكتروني أصبح واقعًا ملموسًا داخل الأسر والمدارس والجامعات والإدارات وأماكن العمل، يقضي بسببه كثير من المغاربة ساعات طويلة أمام الشاشات، يتنقلون بلا هدف بين المقاطع والمنشورات والتعليقات، ويستهلكون محتويات متتابعة لا تضيف إلى معارفهم شيئًا، لكنها تستنزف وقتهم وانتباههم وطاقتهم النفسية وقدرتهم على الإنجاز.
لقد أصبح التمرير المستمر على شاشة الهاتف سلوكًا شبه تلقائي، يبدأ في الصباح قبل مغادرة الفراش، ويستمر خلال اليوم، وينتهي في ساعات متأخرة من الليل، وفي المقابل تتراجع ساعات النوم، وتضعف القدرة على التركيز، ويقل الصبر على القراءة الطويلة والحوار الهادئ والعمل الذي يحتاج إلى جهد فكري متواصل.
وإذا كان الإدمان على بعض المواد يستهلك الجسد، فإن الإدمان الرقمي يستهلك الزمن والعقل والانتباه والإرادة، وهي عناصر لا تقل قيمة وخطورة، لأن الإنسان الذي يفقد قدرته على التحكم في وقته ويصبح تابعًا للإشعارات والمقاطع والخوارزميات يفقد تدريجيًا جزءًا من حريته واستقلاله وقدرته على الاختيار.
التعليم المغربي أمام منافس لا ينام
لا يمكن الحديث بجدية عن إصلاح المدرسة المغربية دون وضع الاستخدام العشوائي للهواتف والمنصات الرقمية في صلب النقاش؛ فالمدرسة تطلب من التلميذ التركيز والقراءة والتحليل والإنجاز والصبر على التعلم، بينما تدربه المنصات يوميًا على الاستهلاك السريع، والتنقل المستمر بين المواضيع، والبحث عن المتعة الفورية، وعدم الصبر على أي محتوى طويل أو مركب. إن الأستاذ يجد نفسه اليوم في مواجهة منافس لا ينام، ولا يغلق أبوابه، ولا يتوقف عن إرسال الإشعارات، منافس يقدم للتلميذ محتوى سريعًا ومثيرًا ومختصرًا، ويمنحه شعورًا زائفًا بالمعرفة، حتى أصبح بعض المتعلمين يعتقدون أن مشاهدة مقطع مدته دقيقة أو دقيقتان تعادل قراءة كتاب، أو حضور درس، أو إنجاز بحث متكامل.
وهنا تكمن خطورة التحول؛ فالمشكلة لم تعد فقط في ضياع الوقت، بل في تغير طريقة التفكير نفسها، بعدما أصبح كثير من التلاميذ والطلبة يميلون إلى الإجابات السريعة والمعلومات الجاهزة، ويعجزون عن بناء الحجة، أو قراءة النصوص الطويلة، أو ممارسة النقد والتحليل، وعندما تضعف القدرة على التركيز يضعف التعلم، وحين يضعف التعلم تتراجع جودة المدرسة والجامعة والموارد البشرية ومستقبل المجتمع كله.
اللغة العربية... ضحية يومية للفوضى الرقمية
تدفع اللغة العربية في المغرب ثمنًا باهظًا بسبب الاستخدام العشوائي وغير الواعي لشبكات التواصل الاجتماعي، فقد انتشرت الكتابة المختصرة والمبتورة، واختلطت العربية بالفرنسية والإنجليزية والدارجة والأرقام والرموز، وتراجعت سلامة الإملاء والنحو والأسلوب، حتى أصبح الخطأ اللغوي متداولًا ومألوفًا، وأصبح الصواب في نظر بعض المستعملين نوعًا من التعقيد أو التكلف. والأخطر أن هذه العادات الرقمية لم تعد محصورة في الدردشة والمنشورات، بل انتقلت إلى دفاتر التلاميذ وواجباتهم وامتحاناتهم ورسائلهم الرسمية، فأصبحنا أمام أجيال تكتب كما تتحدث، وتختصر كما تشاء، ولا تفرق أحيانًا بين الحروف والكلمات، ولا تبالي بجمال العبارة أو دقتها أو انسجامها. إن الدفاع عن اللغة العربية في العصر الرقمي لا ينبغي أن يظل شعارًا ثقافيًا أو احتفالًا موسميًا، بل يجب أن يتحول إلى سياسة تربوية وإعلامية ورقمية حقيقية، لأن اللغة ليست مجرد وسيلة تواصل، بل أداة تفكير، ووعاء للهوية والذاكرة والمعرفة، وكلما ضعفت اللغة ضعفت القدرة على الفهم والتحليل والتعبير والإبداع.
من حرية التعبير إلى فوضى الاتهام والتشهير
من أعظم مكاسب العصر الرقمي أنه منح المواطنين إمكانات واسعة للتعبير والتواصل ونقل المعلومات وكشف الاختلالات، غير أن هذا المكسب تحول في حالات كثيرة إلى فوضى مفتوحة، بعدما اختلطت حرية التعبير بحقوق الآخرين، وأصبح البعض يعتقد أن امتلاك حساب رقمي يمنحه حق اتهام الناس والخوض في حياتهم الخاصة ونشر الأخبار دون تحقق وإصدار الأحكام دون دليل.
لقد أصبحت الإشاعة أسرع من الحقيقة، لأن الكذب المثير ينتشر غالبًا أكثر من المعلومة الدقيقة، وأصبح بعض الناس يتسابقون إلى النشر قبل التأكد، ويتعاملون مع العناوين المضللة والمقاطع المقتطعة والصور القديمة باعتبارها حقائق ثابتة، وحين تظهر الحقيقة بعد ساعات أو أيام تكون الإشاعة قد ألحقت الضرر بالأشخاص والمؤسسات والمجتمع.
والخطير أن كثيرًا من المتابعين لا يكتفون بتلقي الإشاعة، بل يشاركون في نشرها والتعليق عليها وتوسيع نطاقها، دون أن يشعروا بأنهم أصبحوا جزءًا من سلسلة الضرر؛ فالكذب الرقمي لا يصنعه صاحبه وحده، بل يصنعه أيضًا كل من أعاد نشره دون تحقق، وكل من ساهم في التشهير، وكل من حول الاتهام إلى مادة للفرجةز
التشهير بالحياة الخاصة يحول الكرامة إلى سلعة
أصبح الخوض في حياة الناس الخاصة من أكثر أشكال الانحراف الرقمي انتشارًا؛ فالحياة الأسرية، والخلافات الزوجية، والعلاقات الشخصية، والأخطاء الفردية، والمشكلات الصحية والاجتماعية، تحولت إلى مواد قابلة للتصوير والنشر والتعليق والتداول. ولم يعد البعض يبحث عن الحقيقة أو المصلحة العامة، بل عن الفضائح التي تضمن له أكبر عدد من المشاهدات والتفاعلات، وهكذا أصبحت كرامة الإنسان مادة للربح، وسمعة الأسر موضوعًا للتسلية، وآلام الناس وسيلة لبناء الشهرة الرقمية.
إن المجتمع الذي يسمح بتحويل أعراض أفراده وخصوصياتهم إلى محتوى استهلاكي يهدد قيم التضامن والرحمة والستر والاحترام، فليس كل ما يعرف يقال، وليس كل ما يصور ينشر، وليس كل خطأ فردي يستحق أن يتحول إلى محاكمة جماعية علنية أمام ملايين المتابعين.
الصحافة المهنية أمام منافسة غير متكافئة
تجد الصحافة المهنية نفسها اليوم أمام واحدة من أصعب لحظات تاريخها، فهي مطالبة بالتحقق، واحترام أخلاقيات المهنة، والاستماع إلى الأطراف، وتحمل المسؤولية القانونية، بينما تستطيع صفحات مجهولة أو حسابات غير مهنية نشر الأخبار والاتهامات في ثوان معدودة، دون تدقيق أو مساءلة واضحة. لقد أدى هذا الاختلال إلى إضعاف الثقة في المعلومة، وخلط الصحافة بالإشاعة، والتحقيق المهني بالمحتوى المثير، والرأي المسؤول بالسب والقذف، وأصبح بعض المواطنين يقيسون صدقية الخبر بعدد المشاركات، لا بمصدره أو أدلته. ومن هنا تصبح مسؤولية السلطة الرابعة مضاعفة؛ فالصحافة المغربية مطالبة بأن تدافع عن مهنيتها، وتستعيد ثقة الجمهور، وتقدم محتوى جادًا ومفهومًا وقريبًا من المواطنين، وألا تترك الفضاء الرقمي كاملًا لصناع التفاهة والإشاعة والتضليل. وأن تتطهر داخليا من أشباه الصحفيين وأشباح المواقع الالكترونية، التي تتغذى من مواقع التواصل، وتسوق داخلها بطرق عشوائية. المجتمع المدني... سلطة خامسة غائبة عن معركة الوعي الرقمي
يفترض في المجتمع المدني أن يكون حاضرًا في حملات التوعية والتربية الرقمية، وأن ينظم الندوات والورشات داخل المدارس والأحياء ودور الشباب، وأن يشرح للأطفال والأسر مخاطر الإدمان الإلكتروني والتشهير والابتزاز ونشر المعطيات الشخصية. لكن حضور المجتمع المدني المغربي في هذا المجال ما يزال محدودًا ومتقطعًا، وغالبًا ما يتركز في أنشطة ظرفية لا ترقى إلى حجم التحولات الرقمية التي يعرفها المجتمع، فالمطلوب ليس إصدار بيانات عامة، بل بناء برامج ميدانية مستمرة، وتكوين الأسر والمدرسين والشباب، وإعداد دلائل عملية للاستعمال الآمن والمسؤول للمنصات. إن السلطة الخامسة مطالبة باستعادة أدوارها في التأطير والمواكبة، لأن مواجهة أخطار السلطة السادسة لا يمكن أن تتم بالقانون وحده، بل تحتاج إلى وعي مجتمعي وثقافة رقمية ومشاركة جماعية.
الحكومة مسؤولة عن الحماية لا عن مطاردة النتائج فقط
تتحمل السلطة التنفيذية، ممثلة في الحكومة، مسؤولية مركزية في تدبير هذا الملف، فالحكومة ليست مطالبة فقط بملاحقة الجرائم الرقمية بعد وقوعها، بل بوضع سياسة وطنية استباقية لحماية الأطفال واليافعين، وتنظيم الاستعمال الرقمي، وإدراج التربية الإعلامية والرقمية في المناهج الدراسية. وينبغي أن تشمل هذه السياسة قطاعات التربية الوطنية، والشباب، والثقافة، والاتصال، والصحة، والأسرة، والعدل، والأمن الرقمي، لأن الظاهرة مركبة، ولا يمكن حصرها في وزارة واحدة أو مقاربة أمنية ضيقة. كما أن الحكومة مطالبة بإطلاق حملات وطنية واسعة تشرح مخاطر الإدمان الرقمي، وتدعو الأسر إلى مراقبة استعمال أبنائها للهواتف، وتساعد المؤسسات التعليمية على وضع قواعد واضحة، وتدعم المحتوى الرقمي الهادف باللغة العربية واللغات الوطنية.
البرلمان مطالب بتشريع يسبق الكارثة
أما السلطة التشريعية، ممثلة في البرلمان بغرفتيه، فهي مطالبة بالخروج من موقع المتفرج وفتح نقاش وطني مسؤول حول حماية القاصرين في الفضاء الرقمي، وحدود استخدام الهواتف داخل المؤسسات التعليمية، ومسؤولية المنصات، وطرق التحقق من السن، وتجريم الممارسات التي تستهدف الأطفال أو تستغلهم.
ولا ينبغي أن ينتظر البرلمان وقوع مزيد من الكوارث النفسية والاجتماعية حتى يتحرك، فالتشريع الجيد لا يطارد الظواهر بعد استفحالها فقط، بل يستشرف الأخطار، ويمنعها، ويقيم التوازن بين الحرية والمسؤولية، وبين حق التعبير وحق الناس في الكرامة والحماية.
إن التجربة الفرنسية ينبغي أن تكون مناسبة لفتح نقاش مغربي مستقل يأخذ بعين الاعتبار خصوصيات المجتمع وثقافته وبنيته الأسرية والتعليمية، ولا يكتفي باستنساخ نماذج أجنبية، بل يصوغ حلوله انطلاقًا من واقعه وحاجاته.
القضاء... حماية الحقوق دون تحويل المنصات إلى محاكم غوغاء
تتحمل السلطة القضائية مسؤولية أساسية في حماية الأفراد والمجتمع من جرائم التشهير والابتزاز والتهديد وانتهاك الحياة الخاصة ونشر الأخبار الزائفة، لكن العدالة الرقمية لا تعني فقط إصدار الأحكام، بل أيضًا نشر الوعي بالقانون، وتسريع معالجة القضايا، وتوضيح الحدود الفاصلة بين حرية التعبير والاعتداء على الحقوق. لقد أصبح بعض الأشخاص يصدرون أحكامهم على الآخرين قبل أن يصل الملف إلى القضاء، ويحولون المنصات إلى محاكم شعبية مفتوحة، ويعلنون الإدانة أو البراءة بناءً على مقطع أو تدوينة أو رواية من طرف واحد، وهذا خطر حقيقي على العدالة وقرينة البراءة وحق الدفاع. لذلك يجب أن يبقى القضاء وحده صاحب سلطة الإدانة، وأن يفهم المواطنون أن مواقع التواصل ليست محاكم، وأن كثرة التعليقات لا تصنع حقيقة قانونية، وأن الانتشار لا يحول الادعاء إلى دليل.
الأسرة... خط الدفاع الأول الذي لا يمكن تعويضه
مهما بلغت قوة التشريعات والمؤسسات، تبقى الأسرة خط الدفاع الأول في مواجهة الاستخدام العشوائي للمنصات؛ فالطفل الذي يجد أبويه غارقين طوال الوقت في هاتفيهما لن يقتنع بسهولة بخطورة الشاشة، والأسرة التي تستبدل الحوار بالهاتف، والمرافقة بالمراقبة المتأخرة، قد تفقد قدرتها على التأثير في أبنائها. إن التربية الرقمية تبدأ من البيت، عبر تحديد أوقات الاستعمال، ومراقبة المحتوى المناسب للسن، وعدم ترك الأطفال وحدهم أمام الإنترنت، وتشجيع القراءة والرياضة والأنشطة الجماعية، وخلق فضاءات للحوار والثقة. فالحماية لا تعني المنع الأعمى وحده، بل تعني التوجيه والمرافقة وبناء القدرة على الاختيار والتمييز.
لسنا ضد التكنولوجيا... بل ضد تحويل الإنسان إلى تابع لها
ليس الهدف من هذا النقاش الدعوة إلى محاربة التكنولوجيا أو إغلاق مواقع التواصل الاجتماعي، فهذه المنصات توفر إمكانات كبيرة للتعلم والتواصل ونشر المعرفة والتجارة والإبداع وربط المغرب بالعالم. لكن المشكلة تبدأ حين تتحول الوسيلة إلى غاية، وحين يصبح الإنسان خادمًا للهاتف بدل أن يكون الهاتف في خدمته، وحين تستهلك المنصات الوقت والعقل والخصوصية والكرامة دون أن تقدم مقابلًا حقيقيًا. إن التكنولوجيا في ذاتها ليست شرًا ولا خيرًا، وإنما تحدد قيمتها طريقة استعمالها؛ فهي قد تكون مدرسة مفتوحة، وقد تكون مصنعًا للتفاهة، وقد تكون وسيلة للتضامن، وقد تتحول إلى أداة للتشهير، وقد تكون بابًا للمعرفة، وقد تصبح طريقًا للإدمان والعزلة.
حماية المغرب رقميًا مسؤولية وطنية لا تحتمل التأجيل
إن قرار فرنسا التحرك لحماية أطفالها من مخاطر مواقع التواصل الاجتماعي ليس شأنًا فرنسيًا معزولًا، بل جرس إنذار لكل المجتمعات التي تركت أبناءها داخل فضاء رقمي بلا ضوابط كافية، وبلا تربية رقمية، وبلا قوانين مواكبة لحجم التحولات. وقد حان الوقت في المغرب لفتح نقاش وطني واسع وصريح حول السلطة السادسة، وحول من يتحكم في عقول الأطفال والشباب، وحول تأثير المنصات في المدرسة واللغة والأسرة والصحافة والقيم العامة. لا يمكن أن نستمر في الحديث عن إصلاح التعليم، بينما تستنزف الشاشات انتباه التلاميذ، ولا يمكن أن ندافع عن اللغة العربية، بينما نتركها تتآكل يوميًا داخل فضاء رقمي فوضوي، ولا يمكن أن نتحدث عن الكرامة والحقوق، بينما تتحول حياة الناس الخاصة إلى مادة للفرجة والتشهير، ولا يمكن أن نطالب بإعلام مهني، ونحن نمنح الإشاعة والكذب والابتزاز مساحة أكبر من الحقيقة. إن المغرب لا يحتاج إلى حرب ضد التكنولوجيا، بل إلى إصدار مدونة رقمية وترسيخ ثقافة رقمية. يحتاج إلى مصالحة واعية معها، تقوم على القانون والتربية والمسؤولية والوعي، ويحتاج إلى حكومة تتحرك، وبرلمان يشرع، وقضاء يحمي، وصحافة تنير، ومجتمع مدني يؤطر، وأسرة تربي، ومواطن يدرك أن كل نقرة وكل مشاركة وكل تعليق قد تكون فعلًا أخلاقيًا وقانونيًا له أثر في حياة الآخرين. لقد أصبحت مواقع التواصل الاجتماعي سلطة حقيقية، بل السلطة الأسرع والأوسع تأثيرًا، وإذا لم تنظم هذه السلطة بالقانون والوعي والتربية، فإنها ستستمر في إعادة تشكيل المجتمع وفق منطق الخوارزميات والإثارة والربح السريع. وحينها لن يكون السؤال فقط: من يحكم المغرب رقميًا؟ بل سيكون السؤال الأخطر: ماذا بقي للمغرب من سلطاته ومؤسساته وقيمه بعدما أصبحت السلطة السادسة أقوى من الجميع؟
#بوشعيب_حمراوي (هاشتاغ)
Bouchaib_Hamraouy#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
كلما اقترب عيد العرش ..تنشط مصانع التشهير والارتزاق ويشتد ال
...
-
قوة البرلمان من قوة الأحزاب... وجودة التشريع تبدأ من جودة ال
...
-
بيغاسوس يعود في ساعة التقارب المغربي الفرنسي: ورقة قديمة رخي
...
-
من قضية وسيم إلى محرقة الأيتام... نظام الجزائر يلاحق دعاية ا
...
-
جزار الجزائر.. عندما يذبح النظام أحلام شعبه
-
أسطول الصمود يفقد البوصلة... من كسر حصار غزة إلى منصة للإساء
...
-
قضية علي لمرابط .. التضامنُ يسبق القضاء و منصات التواصل تتح
...
-
النظام الجزائري يشاهد أوراقه تحترق واحدة تلو الأخرى: من سقوط
...
-
نعيب لاعبينا والعيب فينا... وما للاعبينا عيب سوانا أسود الأط
...
-
القطيع الرقمي في خدمة التفاهة : من صناعة الرأي إلى صناعة الت
...
-
وسيم والانتخابات التشريعية الجزائرية: تبون يرمي بكرة ثلج سيا
...
-
في زمن الفوضى الرقمية : أين اختفت الأجناس الصحفية وأخلاقيات
...
-
البكالوريا من امتحان تربوي إلى عملية أمنية : هل نحارب الغش أ
...
-
برلمان 2026: ترحال الساسة ومزادات علنية أشعلت سوق النخاسة
-
من الجهوية إلى الدولة الحديثة: الرسالة الملكية ترسم ملامح مغ
...
-
التربية الوطنية حق كل المغاربة... أكبر من مجرد حقيبة في يد و
...
-
على هامش اليوم العالمي للأرامل : نساء يرغمن على تحمل أعباء أ
...
-
رفقا بالمحامين : عندما ترتدي العدالة بدلتها السوداء يستعيد ا
...
-
الأب.. الوطن الذي نكتشف عظمته متأخرين ..
-
كرة القدم في حاجة إلى الأخلاق : الكذب الرياضي صنع أمجاداً وا
...
المزيد.....
-
صحيفة: ترامب يسعى لتنصيب إنفانتينو أميناً عاماً للأمم المتحد
...
-
-شبكات- يرصد اتهام هيغسيث بالفشل وعجز ممداني عن اعتقال نتنيا
...
-
أنصار مادورو يتظاهرون أمام محكمة في نيويورك قبيل جلسة جديدة
...
-
النيابة العامة في دمشق تطالب بإعدام وسيم الأسد
-
عمدة نيويورك زهران ممداني يدعو لاعتقال نتنياهو
-
غوتيريش في سوريا هذا الأسبوع.. أول زيارة لأمين عام للأمم الم
...
-
في ثالث جلسات محاكمته.. النيابة تطلب إعدام وسيم الأسد
-
خليل الحية: أولويتنا الثانية هي أن غزة هي جزء من الكيانية ال
...
-
وصل حتى المقر الرئاسي.. معركة لمكافحة الفساد في أوغندا
-
رغم عودة 1.7 مليون لاجئ.. الأمم المتحدة تحذر من أزمة تمويل ف
...
المزيد.....
-
نحو استراتيجية للاستثمار في حقل تعليم الطفولة المبكرة
/ اسراء حميد عبد الشهيد
-
حقوق الطفل في التشريع الدستوري العربي - تحليل قانوني مقارن ب
...
/ قائد محمد طربوش ردمان
-
أطفال الشوارع في اليمن
/ محمد النعماني
-
الطفل والتسلط التربوي في الاسرة والمدرسة
/ شمخي جبر
-
أوضاع الأطفال الفلسطينيين في المعتقلات والسجون الإسرائيلية
/ دنيا الأمل إسماعيل
-
دور منظمات المجتمع المدني في الحد من أسوأ أشكال عمل الاطفال
/ محمد الفاتح عبد الوهاب العتيبي
-
ماذا يجب أن نقول للأطفال؟ أطفالنا بين الحاخامات والقساوسة وا
...
/ غازي مسعود
-
بحث في بعض إشكاليات الشباب
/ معتز حيسو
المزيد.....
|