أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - بوشعيب حمراوي - مؤسسة وسيط المملكة... محامي المواطن في مواجهة الإدارة المُخِلَّة بواجباتها















المزيد.....

مؤسسة وسيط المملكة... محامي المواطن في مواجهة الإدارة المُخِلَّة بواجباتها


بوشعيب حمراوي
استاذ كاتب وصحفي

(Bouchaib Hamraouy)


الحوار المتمدن-العدد: 8779 - 2026 / 7 / 27 - 02:51
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


اختارت سياسة القرب والانفتاح بإحداث تمثيليات جهوية، سعيا منها لإقناع الإدارات بأن التجاوب معها هو واجب إداريً فحسب، كما هو واجب وطني وأخلاقي

بقلم: بوشعيب حمراوي

مع الوسيط فتحت ابواب الإنصاف

ليست قوة الدول الحديثة في كثرة قوانينها، ولا في عدد محاكمها، ولا في حجم إداراتها، بل في قدرتها على حماية المواطن من أي تعسف أو تقصير قد يصدر عن الإدارة نفسها. فالإدارة، مهما بلغت كفاءتها، تظل عملاً بشرياً قد يصيب وقد يخطئ، وقد يلتزم بالقانون وقد يبتعد عنه، ولذلك كان لا بد من وجود مؤسسة مستقلة تعيد التوازن إلى العلاقة بين الإدارة والمرتفق، وتنتصر للحق دون خصومة، وللقانون دون تحيز.
ومن هنا جاءت مؤسسة وسيط المملكة، التي أصبحت اليوم واحدة من أبرز مؤسسات الحكامة بالمغرب، ليس لأنها تنبه إلى الاختلالات والتجاوزات الإدارية، وإنما لأنها تدافع عن حق المواطن في إدارة عادلة، منصفة، ومتجاوبة.

من ديوان المظالم إلى مؤسسة دستورية مستقلة

لم يكن إحداث ديوان المظالم سنة 2001 مجرد إضافة مؤسسة جديدة إلى المشهد الإداري، بل كان بداية تحول عميق في فلسفة العلاقة بين الدولة والمواطن، ورسالة واضحة مفادها أن الإدارة ليست فوق المساءلة، وأن للمواطن الحق في أن يجد من ينصت إليه عندما يشعر بأن حقه ضاع أو أن الإدارة لم تؤد واجبها كما ينبغي.

ثم جاء دستور سنة 2011 ليمنح هذه المؤسسة نفساً جديداً ومكانة دستورية متقدمة، فتحول ديوان المظالم إلى مؤسسة وسيط المملكة، بصلاحيات أوسع، واختصاصات أشمل، واستقلالية أكبر، لتصبح إحدى ركائز الحكامة الجيدة، وحلقة وصل بين الإدارة والمرتفق، ومؤسسة تسعى إلى إصلاح الاختلالات قبل أن تتحول إلى نزاعات قضائيةز

ليست ضد الإدارة... وليست مع المواطن... بل مع الحق

يخطئ من يعتقد أن مؤسسة وسيط المملكة تقف ضد الإدارة، كما يخطئ من يظن أنها تمنح الحق تلقائياً لكل من يشتكي.
إن قوة هذه المؤسسة تكمن في حيادها واستقلاليتها. فهي لا تدافع عن الإدارة لأنها إدارة، ولا تنحاز إلى المواطن لأنه مواطن، وإنما تنحاز إلى القانون والإنصاف. فإذا كان الحق مع الإدارة دعمت موقفها، وإذا كان الحق مع المواطن ترافعَت من أجل إنصافه، ولذلك اكتسبت احترام الطرفين معاً.
وهذا الحياد هو الذي منحها مصداقيتها، وجعلها تكسب ثقة المغاربة سنة بعد أخرى.

محامي المواطن... عندما تُخل الإدارة بواجباتها

قد لا تكون مؤسسة وسيط المملكة مكتباً للمحاماة بالمعنى القانوني، لكنها أصبحت، في نظر آلاف المواطنين، أقرب إلى محاميهم عندما تتأخر الإدارة في الرد، أو تمتنع عن تنفيذ حكم قضائي، أو تعطل ملفاً إدارياً، أو تسيء تطبيق القانون، أو تخل بواجباتها تجاه المرتفقين.
إنها لا تترافع أمام المحاكم، بل تترافع أمام الضمير الإداري، وأمام القانون، وأمام مبادئ الحكامة الجيدة، من أجل إعادة الحقوق إلى أصحابها، وتصحيح الاختلالات، وتقريب وجهات النظر، وإعادة الثقة بين المواطن والإدارة.

مؤسسة خرجت من المكاتب إلى المواطنين

من أبرز مظاهر التطور الذي عرفته المؤسسة أنها لم تعد تكتفي باستقبال الشكايات داخل مقرها المركزي، بل اختارت سياسة القرب والانفتاح.
فأنشأت تمثيليات جهوية، ونظمت جولات ميدانية بمختلف العمالات والأقاليم، واستقبلت المواطنين في أماكن إقامتهم، ونظمت لقاءات تواصلية مع المنتخبين والإدارات، كما انفتحت على الجامعات والكليات والمعاهد العليا، ودور الشباب، والفضاءات الثقافية، وجمعيات المجتمع المدني، لنشر ثقافة الوساطة الإدارية، والتعريف بحقوق المرتفقين وواجبات الإدارة.
وهذا الانفتاح الميداني جعل المؤسسة أكثر قرباً من المواطن، وأكثر قدرة على فهم مشاكله، وأكثر حضوراً داخل المجتمع.

الثقة لا تُمنح... بل تُبنى

إن الارتفاع المتواصل في عدد المواطنين الذين يلجؤون إلى مؤسسة وسيط المملكة ليس مجرد رقم إحصائي، بل هو دليل على أن المؤسسة استطاعت أن تبني جسوراً من الثقة مع المجتمع، بفضل استقلاليتها، وحيادها، وجدية تدخلاتها، ومصداقية توصياتها. ويؤكد التقرير السنوي لسنة 2025 هذا المنحى من خلال استمرار تزايد الإقبال على المؤسسة وتحسن وتيرة معالجة الملفات، مع إبراز التحديات المرتبطة بتجاوب بعض الإدارات مع مراسلاتها وتوصياتها.

عناية ملكية تؤكد المكانة الوطنية للمؤسسة

ولعل أكبر دليل على المكانة التي أصبحت تحتلها الوساطة المرفقية في المغرب، هو العناية الملكية المتواصلة بهذا الورش، بدءاً من إحداث ديوان المظالم، مروراً بإحداث مؤسسة وسيط المملكة، وصولاً إلى اعتماد 9 دجنبر يوماً وطنياً للوساطة المرفقية.
وهذا القرار ليس مجرد إضافة تاريخ إلى الروزنامة الوطنية، بل هو رسالة قوية تؤكد أن الإنصاف الإداري أصبح خياراً استراتيجياً للدولة، وأن الوساطة لم تعد إجراءً إدارياً، بل ثقافة مؤسساتية ينبغي أن تسود داخل جميع المرافق العمومية.

الإدارة... مطالبة بمواكبة تطور مؤسسة الوسيط


إذا كانت مؤسسة وسيط المملكة قد استطاعت أن تطور أساليب عملها، وأن تنفتح على المواطنين، وأن تكسب ثقتهم، فإن بعض الإدارات لا تزال مطالبة ببذل مجهود أكبر في التفاعل مع مراسلات المؤسسة، والالتزام بالآجال المعقولة للرد، وتنفيذ التوصيات التي تروم إنصاف المواطنين وتحسين أداء المرفق العمومي.
فنجاح مؤسسة الوسيط لا يقاس بعدد الشكايات التي تتوصل بها، وإنما بمدى تجاوب الإدارات مع رسالتها الإصلاحية.

الإنصاف هو الوجه الحقيقي للدولة

إن مؤسسة وسيط المملكة ليست خصماً للإدارة، بل شريكاً في إصلاحها، وليست بديلاً عن القضاء، بل جسراً للحلول قبل حتى الوصول إليه. وهي، في جوهرها، تعبير عن إرادة دولة اختارت أن تجعل المواطن في صلب اهتمامها، وأن تؤمن بأن الإدارة لا تكتسب هيبتها بالسلطة وحدها، بل بعدالتها، وسرعة تجاوبها، واحترامها لحقوق المرتفقين.

ولذلك، فإن مستقبل هذه المؤسسة لن يصنعه عدد التقارير التي تنشرها، ولا عدد الملفات التي تعالجها، بل سيصنعه اليوم الذي تصبح فيه كل إدارة مغربية مقتنعة بأن التجاوب مع مؤسسة وسيط المملكة ليس واجباً إدارياً فحسب، بل واجب وطني وأخلاقي، لأن الدولة التي تحمي حق مواطنيها في مواجهة الإدارة، هي الدولة التي ترسخ الثقة في مؤسساتها، وتبني دولة الحق والقانون على أسس راسخة.

إكراهات تحد من فعالية المؤسسة

ورغم المكانة الدستورية التي أصبحت تحتلها مؤسسة وسيط المملكة، وما راكمته من مصداقية وثقة لدى المواطنين، فإنها ما تزال تواجه عدداً من الإكراهات التي تحد من تحقيق أهدافها بالسرعة والفعالية المطلوبة. وفي مقدمة هذه الإكراهات استمرار بعض الإدارات والمؤسسات العمومية والجماعات الترابية في التأخر، بل أحياناً في التماطل، في الرد على مراسلات المؤسسة أو التفاعل مع توصياتها، رغم أن الغاية من الوساطة ليست معاقبة الإدارة، وإنما مساعدتها على تصحيح أخطائها وإنصاف المرتفقين. ويزداد هذا الوضع تعقيداً عندما تمتد آجال الرد إلى أشهر طويلة،
في حين يفترض أن يتم الحسم في هذه الملفات داخل آجال معقولة لا تتجاوز شهرين، حتى لا يتحول تأخير الإدارة إلى معاناة إضافية للمواطن. كما أن بعض التوصيات، رغم وجاهتها القانونية والإدارية، تظل معلقة بسبب بطء التنفيذ أو ضعف التجاوب، وهو ما يؤثر في نجاعة الوساطة ويؤخر إعادة الحقوق إلى أصحابها.
لذلك، فإن الرهان الحقيقي اليوم لم يعد فقط في تطوير أداء مؤسسة الوسيط، بل في ترسيخ ثقافة التعاون والتفاعل المسؤول داخل مختلف الإدارات، حتى تصبح توصيات المؤسسة جزءاً من دينامية إصلاح الإدارة، لا مجرد مراسلات تنتظر الرد أو الحفظ في الرفوف.



#بوشعيب_حمراوي (هاشتاغ)       Bouchaib_Hamraouy#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بعد الباكالوريا... من يصنع نخب المغرب؟ ليست المشكلة في الشها ...
- مات عبد الرحيم فقير تحت قبضة الشرطة الإيطالية .. لكن قضيته أ ...
- فرنسا تتحرك لحماية أطفالها رقميًا... فمتى يتحرك المغرب لوقف ...
- كلما اقترب عيد العرش ..تنشط مصانع التشهير والارتزاق ويشتد ال ...
- قوة البرلمان من قوة الأحزاب... وجودة التشريع تبدأ من جودة ال ...
- بيغاسوس يعود في ساعة التقارب المغربي الفرنسي: ورقة قديمة رخي ...
- من قضية وسيم إلى محرقة الأيتام... نظام الجزائر يلاحق دعاية ا ...
- جزار الجزائر.. عندما يذبح النظام أحلام شعبه
- أسطول الصمود يفقد البوصلة... من كسر حصار غزة إلى منصة للإساء ...
- قضية علي لمرابط .. التضامنُ يسبق  القضاء و منصات التواصل تتح ...
- النظام الجزائري يشاهد أوراقه تحترق واحدة تلو الأخرى: من سقوط ...
- نعيب لاعبينا والعيب فينا... وما للاعبينا عيب سوانا أسود الأط ...
- القطيع الرقمي في خدمة التفاهة : من صناعة الرأي إلى صناعة الت ...
- وسيم والانتخابات التشريعية الجزائرية: تبون يرمي بكرة ثلج سيا ...
- في زمن الفوضى الرقمية : أين اختفت الأجناس الصحفية وأخلاقيات ...
- البكالوريا من امتحان تربوي إلى عملية أمنية : هل نحارب الغش أ ...
- برلمان 2026: ترحال الساسة ومزادات علنية أشعلت سوق النخاسة
- من الجهوية إلى الدولة الحديثة: الرسالة الملكية ترسم ملامح مغ ...
- التربية الوطنية حق كل المغاربة... أكبر من مجرد حقيبة في يد و ...
- على هامش اليوم العالمي للأرامل : نساء يرغمن على تحمل أعباء أ ...


المزيد.....




- إيران: نتبادل الرسائل مع واشنطن عبر الوسطاء باكستان وعُمان و ...
- روسيا.. إجلاء جثتين من أصل 5 جثث لمتسلقَي جبال لقوا حتفهم في ...
- الولايات المتحدة.. مقتل شخص وإصابة 6 آخرين في إطلاق نار خلال ...
- فرنسا تحشد 1500 عسكري للمساهمة في السيطرة على حرائق الغابات ...
- الببتيدات تغزو الأسواق.. تحذيرات من علاجات مجهولة المصدر في ...
- في الذكرى الخامسة لإجراءات 25 يوليو.. آلاف التونسيين يطالبون ...
- تركيا.. مقتل مسؤول في حزب العدالة والتنمية الحاكم ونجله وابن ...
- الخارجية الروسية: موسكو تعتزم المطالبة بتسليم مدعي عام الجنا ...
- رئيس وزراء إسبانيا يرد على طفلة فلسطينية برسالة مؤثرة (فيديو ...
- لبنان.. جنبلاط يحذر من طمس ذاكرة الجنوب وعودة بعض -المنحرفين ...


المزيد.....

- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم
- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - بوشعيب حمراوي - مؤسسة وسيط المملكة... محامي المواطن في مواجهة الإدارة المُخِلَّة بواجباتها