|
|
الاستلاب وسلطة الإقطاع في رواية الياقوتة السوداء ل موسى غافل الشطري قراءة سوسيو- نفسية
همام قباني
الحوار المتمدن-العدد: 8778 - 2026 / 7 / 26 - 00:43
المحور:
الادب والفن
تمثل رواية "الياقوتة السوداء" للروائي العراقي موسى غافل الشطري نموذجًا لافتًا في الرواية الواقعية العراقية، إذ تستعيد مرحلة من أكثر المراحل قسوة في التاريخ الاجتماعي للعراق، حين كانت سلطة الإقطاع تفرض هيمنتها على الإنسان والأرض معًا، فتنتج منظومة معقدة من الهيمنة الطبقية والاستلاب النفسي والتمييز الاجتماعي غير أن الرواية لا تكتفي باستعادة تلك المرحلة بوصفها حدثًا تاريخيًا، بل تتخذ منها منطلقًا لمساءلة البنى العميقة التي أنتجت الظلم، كاشفةً عن تداخل السلطة الاقتصادية مع السلطة الاجتماعية والأبوية، وما يترتب على هذا التداخل من انتهاك للكرامة الإنسانية وتحويل الإنسان إلى موضوع للامتلاك والاستغلال. وتتمحور الرواية حول شخصية سعدة، الفتاة ذات الأصول الزنجية التي تنشأ في بيئة فقيرة وهامشية، حاملة منذ ولادتها إرثًا مزدوجًا من التهميش: إرث الفقر وإرث اللون وما إن تغادر كوخها المتواضع بعد زواجها من خادم الشيخ حتى تظن أنها تعبر إلى حياة أكثر استقرارًا، لكنها تجد نفسها في فضاء آخر من العبودية، حيث يتحول الجسد إلى ملكية، والإنسان إلى جزء من منظومة لا تعترف إلا بمنطق القوة والامتلاك.
وتعتمد هذه القراءة على مقاربة سوسيو-نفسية، تنظر إلى الرواية بوصفها نصًا يكشف العلاقة الجدلية بين البنية الاجتماعية والتكوين النفسي للشخصيات، انطلاقًا من أن الاستلاب في "الياقوتة السوداء" لا يمارس على الجسد وحده، بل يمتد إلى الوعي والهوية ومن هذا المنطلق، تسعى هذه القراءة إلى مقاربة الرواية من منظور سوسيو-نفسي¹، للكشف عن الكيفية التي استطاع بها الكاتب أن يحول الحكاية الفردية إلى تمثيل رمزي لبنية اجتماعية كاملة. أن يحول الحكاية الفردية إلى تمثيل رمزي لبنية اجتماعية كاملة، وأن يجعل من مصائر شخصياته مرآة لواقع تاريخي يقوم على التفاوت الطبقي، وهيمنة السلطة، وتآكل الكرامة الإنسانية.
العنوان... بوصفه عتبة دلالية يشكل عنوان الرواية العتبة الأولى التي يدخل منها القارئ إلى عالم النص، فهو ليس تسمية خارجية للحكاية، بقدر ما يمثل مفتاحًا تأويليًا يختزل رؤيتها الفكرية والجمالية وقد أحسن الشطري اختيار هذا العنوان، إذ أقام مفارقة دلالية تجمع بين مفردتين تنتميان إلى حقلين متباينين؛ فـ "الياقوتة" تحيل إلى الندرة والقيمة والنقاء، في حين ارتبط "السواد"، في الوعي الاجتماعي التقليدي، بدلالات التهميش والإقصاء والتمييز. ومن خلال هذا التقابل، يعيد الكاتب تفكيك الأحكام المسبقة التي كرستها الثقافة الاجتماعية تجاه اللون والانتماء، فيجعل الشخصية التي ينظر إليها المجتمع بوصفها هامشية هي الأكثر نقاءً وإنسانية داخل الرواية وبهذا يتحول العنوان إلى احتجاج رمزي على منظومة القيم التي تقيس الإنسان بمظهره أو طبقته، لا بما يحمله من جوهر إنساني. ولا تقتصر دلالة «الياقوتة» على بعدها الجمالي، بل تؤدي وظيفة رمزية داخل البناء السردي؛ فهي تشير إلى قيمة خفية لا يدركها المجتمع إلا بعد أن يطمسها الظلم. أما "السواد" فلا يرد بوصفه وصفًا بيولوجيًا، وإنما بوصفه علامة ثقافية تكشف آليات الإقصاء التي أنتجها المجتمع، حيث يتحول الاختلاف إلى ذريعة للتمييز، ويغدو اللون أحد مبررات الهيمنة. ومن هنا، لا يبدو العنوان مجرد إحالة إلى شخصية سعدة، بل يصبح مدخلًا إلى فهم المشروع الروائي بأكمله؛ فالرواية لا تدافع عن بطلتها لأنها ضحية فحسب، وإنما لأنها تمثل الإنسان الذي جُرّد من حقه في أن يُرى خارج الصور النمطية التي فرضها المجتمع وبهذا المعنى، يسبق العنوان أحداث الرواية في إعلان موقفها الأخلاقي، ويضع القارئ منذ اللحظة الأولى أمام سؤال جوهري: من الذي يحدد قيمة الإنسان؛ جوهره أم الصورة التي يرسمها له المجتمع؟
العالم الروائي وبناء الحكاية يشيد موسى غافل الشطري عالم "الياقوتة السوداء" على بناء سردي يتسم بالتماسك والاتساق الداخلي، حيث تتوالد الأحداث وفق منطق سببي يجعل كل واقعة امتدادًا طبيعيًا لما سبقها، بعيدًا عن المصادفات أو الإثارة المفتعلة ومن ثم، لا تستند الرواية إلى التشويق القائم على المفاجآت، بقدر ما تعتمد على التدرج في تصعيد المأساة، حتى يبدو انهيار الشخصيات نتيجة حتمية لبنية اجتماعية مأزومة، لا لمحض اختيارات فردية. تبدأ الحكاية من الهامش، من ولادة سعدة داخل فضاء يختصر منذ اللحظة الأولى موقعها الاجتماعي، ثم تتابع الرواية مسار تشكل وعيها في بيئة تتداخل فيها قسوة الفقر مع وطأة التمييز. وبهذا لا تصبح الطفولة مجرد مرحلة زمنية، وإنما الأساس الذي تتكون فيه نظرة الشخصية إلى ذاتها وإلى العالم من حولها، وهو ما يمنح البناء السردي بعدًا نفسيًا يوازي بعده الاجتماعي. وتأتي لحظة زواج سعدة من خلف بوصفها نقطة التحول الأولى في الرواية، إذ يبدو الانتقال إلى قصر الشيخ، ظاهريًا، انتقالًا من الحاجة إلى الاستقرار، لكنه في المستوى العميق يمثل انتقالًا من فقرٍ معلن إلى عبودية مقنّعة ومن هنا يوظف الكاتب المفارقة السردية ليكشف أن تبدل المكان لا يعني بالضرورة تبدل المصير، لأن البنية الاجتماعية التي أنتجت القهر ما تزال فاعلة، وإن اختلفت مظاهرها. وتبلغ الحبكة ذروتها في حادثة الاعتداء على سعدة، وهي اللحظة التي تنكشف فيها السلطة الإقطاعية في أكثر صورها عنفًا وتجردًا من أي ضابط أخلاقي غير أن أهمية هذه الحادثة لا تكمن في بعدها الدرامي وحده، بل في كونها تمثل لحظة سقوط آخر الأوهام التي تمسكت بها الشخصية فمنذ تلك اللحظة، تغدو الرواية أقل انشغالًا بمصير الأفراد، وأكثر انشغالًا بكشف طبيعة النظام الذي يجعل الإنسان قابلًا للامتلاك والانتهاك. ومن هذه الذروة تتجه الأحداث نحو خاتمة تراجيدية تتشابك فيها مصائر الشخصيات؛ انتحار شمران، وموت خلف، ونزيف سعدة وإجهاضها ولا تبدو هذه النهاية تراكمًا للمآسي بقدر ما تمثل النتيجة المنطقية لعالم روائي تحكمه علاقات القوة أكثر مما تحكمه العدالة فالتراجيديا هنا لا تصنعها الأقدار، وإنما تصنعها بنية اجتماعية تجعل الخير عاجزًا، والضعف مدانًا، والسلطة بمنأى عن المساءلة. وتتجلى براعة البناء السردي في أن الرواية لا تختزل مأساة سعدة في بعدها الفردي، بل تجعلها استعارة لمصير الفئات المهمشة بأسرها فكل تحول في حياة البطلة يقابله انكشاف لوجه جديد من وجوه السلطة، حتى تغدو الحكاية الشخصية وسيلة لتشريح بنية اجتماعية كاملة، لا مجرد تسجيل لمعاناة فردية. وبهذا ينجح الشطري في تحقيق توازن دقيق بين البعدين الحكائي والدلالي؛ فالرواية تحافظ على انسيابها السردي من جهة، وفي الوقت نفسه تفتح أمام القارئ أفقًا واسعًا للتأويل، حيث تتحول التفاصيل اليومية إلى علامات تكشف طبيعة المجتمع وآليات اشتغال السلطة داخله ومن هنا تستمد الحبكة قيمتها الفنية، لأنها لا تكتفي بإدارة الأحداث، بل تنتج المعنى وتمنح التجربة الروائية عمقها الإنساني. المكان الروائي... هندسة القهر وجغرافية الاستلاب لا يؤدي المكان في الرواية وظيفة الإطار الذي تجري فيه الأحداث فحسب، بل يغدو عنصرًا بنائيًا فاعلًا في تشكيل الشخصيات وإنتاج الدلالة² فـــ الشطري لا يكتفي بوصف الأمكنة أو تسجيل ملامحها الخارجية، وإنما يحولها إلى فضاءات مشبعة بالقيم الاجتماعية والنفسية، بحيث يصبح المكان جزءًا من منظومة السلطة التي تحكم العالم الروائي ومن هنا، فإن العلاقة بين الشخصية والمكان ليست علاقة احتواء، بل علاقة تأثير متبادل؛ فالمكان يعيد تشكيل وعي الشخصيات بقدر ما تكشف الشخصيات عن معناه. وتقوم البنية المكانية في الرواية على ثنائية واضحة بين الكوخ والقصر، وهي ثنائية لا تعكس اختلافًا معماريًا فحسب، وإنما تكشف عن نظامين متعارضين من القيم فالكوخ الذي تنشأ فيه سعدة يمثل الفقر والهامش، لكنه، في الوقت نفسه، يحتفظ بقدر من الألفة والإنسانية، حيث ما تزال العلاقات الإنسانية قائمة رغم قسوة العيش أما قصر الشيخ، الذي يبدو في ظاهره فضاءً للثراء والاستقرار، فيتحول تدريجيًا إلى فضاء مغلق تمارس فيه السلطة أشكالها المختلفة من الإخضاع والهيمنة، حتى يغدو المكان نفسه أداة من أدوات القهر. وهذه المفارقة تمنح المكان بعدًا رمزيًا بالغ الأهمية؛ إذ إن الانتقال من الكوخ إلى القصر لا يمثل انتقالًا من البؤس إلى الرفاه، بل من فقرٍ يحتفظ بإنسانية أصحابه إلى سلطة تنزع عن الإنسان حقه في امتلاك جسده وإرادته وهكذا يكشف الكاتب أن قيمة المكان لا تقاس بما يحتويه من مظاهر الثراء، وإنما بما يتيحه من إمكانات للحرية والكرامة. وتزداد الوظيفة الرمزية للمكان وضوحًا من خلال توزيع الفضاءات داخل القصر نفسه. فالرواية لا تتعامل مع القصر بوصفه كتلة معمارية واحدة، بل تقسمه إلى فضاءات متباينة، لكل منها دلالته النفسية والاجتماعية. فالسطح، الذي تلجأ إليه سعدة بين حين وآخر، يمثل الفضاء الوحيد الذي يفتح أمامها أفق النظر إلى السماء والعالم الخارجي، وكأن الصعود إليه محاولة مؤقتة للتحرر من ثقل الواقع، واستعادة شعور مفقود بالاتساع والحرية. في المقابل، تتحول الغرف المغلقة والممرات الداخلية إلى فضاءات للخوف والانتهاك، حيث يتراجع الضوء، وتضيق الحركة، ويصبح المكان شريكًا في إنتاج الرعب النفسي ومن ثم، فإن العنف الذي تتعرض له سعدة لا يمارس داخل فراغ، وإنما داخل فضاء مكاني صمم ليكرس الهيمنة ويمنع إمكان المقاومة. كما يكشف البناء المكاني عن التراتبية الاجتماعية التي يقوم عليها النظام الإقطاعي فلكل طبقة مكانها المحدد، ولكل فرد موقعه الذي لا يجوز تجاوزه؛ فالشيخ يحتل المركز، بينما يتوزع الخدم والفلاحون في الهوامش، في تجسيد مكاني للعلاقات الطبقية التي تحكم المجتمع وبذلك يغدو المكان صورة مادية لبنية السلطة نفسها، حيث تعكس الجغرافيا الداخلية للقصر الهرم الاجتماعي الذي تقوم عليه منظومة الإقطاع. ومن زاوية أخرى، يؤدي المكان دورًا مهمًا في التحول النفسي للشخصيات، ولا سيما شخصية سعدة فالانتقال إلى القصر لا يغير ظروف حياتها فحسب، بل يعيد تشكيل نظرتها إلى ذاتها وإلى العالم. إن المكان هنا لا يستقبل الشخصية، بل يعيد إنتاجها نفسيًا؛ فكل فضاء تدخله يترك أثرًا في وعيها، حتى يصبح القصر معادلًا موضوعيًا لحالة الاختناق الداخلي التي تعيشها، بينما يظل الكوخ، على قسوته، مرتبطًا بذاكرة أكثر دفئًا وإنسانية. وبهذا المعنى، لا يبدو المكان عنصرًا ثانويًا في الرواية، بل أحد أهم المفاتيح التأويلية للنص فهو لا يكتفي باحتضان الأحداث، وإنما يكشف طبيعة المجتمع الذي تنتجه تلك الأحداث، ويجسد العلاقة الوثيقة بين السلطة والفضاء، بحيث يغدو الانتقال بين الأمكنة انتقالًا بين أنماط مختلفة من الهيمنة ومن هنا ينجح موسى غافل الشطري في تحويل الجغرافيا الروائية إلى جغرافيا للقهر، ليصبح المكان شاهدًا على المأساة وفاعلًا في إنتاجها في آن واحد².
الرؤية السردية... سلطة الراوي وبناء الوعي تعتمدالرواية على راوٍ عليم بضمير الغائب، يهيمن على مجريات السرد، ويتحرك بحرية بين الشخصيات والأمكنة والأزمنة، فيكشف دواخل الشخصيات بقدر ما يصف أفعالها الخارجية غير أن وظيفة هذا الراوي لا تقتصر على نقل الأحداث، بل تتجاوز ذلك إلى تنظيم المعرفة داخل النص، وتحديد المسافة التي تفصل القارئ عن الشخصيات، الأمر الذي يجعل الرؤية السردية إحدى الركائز الأساسية في بناء العالم الروائي. ولا يبقى الراوي ثابتًا على مستوى واحد من الرؤية، بل يمارس ما يسميه النقد السردي بـ التبئير الداخلي³ في عدد من المفاصل المهمة، ولا سيما حين تتركز الرؤية حول شخصية سعدة ففي هذه اللحظات يتراجع صوت الراوي لمصلحة وعي الشخصية، فيغدو القارئ شريكًا في مخاوفها وأسئلتها وهواجسها، ويعايش العالم من داخل تجربتها النفسية لا من خارجها. ويؤدي هذا الانتقال بين الرؤية الخارجية والرؤية الداخلية وظيفة فنية مهمة؛ إذ يحافظ السرد، من جهة، على شموليته وقدرته على الإحاطة بالعالم الروائي، ويمنح الشخصيات، من جهة أخرى، مساحة للتعبير عن ذواتها بعيدًا عن الوصف الخارجي وبهذا يتحقق قدر من التوازن بين الموضوعية التي يتيحها الراوي العليم، والحميمية التي يخلقها التبئير الداخلي. كما يبرز المونولوج الداخلي بوصفه إحدى أبرز التقنيات التي اعتمدها الكاتب³ في الكشف عن التحولات النفسية للشخصيات، ولا سيما سعدة. فمن خلال حواراتها مع ذاتها، لا يكتفي النص برصد ما يحدث لها، بل يكشف أثر الأحداث في تكوينها النفسي، ويجعل القارئ يتابع تشكل وعيها لحظة بلحظة وهكذا يصبح الصراع الداخلي امتدادًا للصراع الخارجي، وتغدو الأسئلة التي تطرحها الشخصية جزءًا من البنية الفكرية للرواية، لا مجرد انفعالات عابرة ، وتسهم هذه التقنية في تعميق البعد الإنساني للنص؛ إذ لا تظهر الشخصيات باعتبارها نماذج اجتماعية جامدة، وإنما بوصفها ذواتًا تعيش القلق والخوف والتردد والرغبة في الخلاص ولذلك لا يقتصر اهتمام الرواية على تصوير نتائج القهر، بل يمتد إلى تحليل آثاره في الوعي، وهو ما ينسجم مع المنظور السوسيو-نفسي الذي تنهض عليه هذه القراءة. ومن جهة أخرى، يحافظ السرد على إيقاع متوازن، فلا يفرط في الاستبطان النفسي على حساب الحدث، ولا يجعل الحدث يطغى على التحليل الداخلي ويمنح هذا التوازن الرواية قدرة على الجمع بين الحركة السردية والعمق النفسي، بحيث تتكامل البنية الحكائية مع البنية الدلالية، ويغدو تطور الأحداث مرهونًا بتطور وعي الشخصيات في الوقت نفسه. ويمكن القول إن الرؤية السردية في "الياقوتة السوداء" لم تكن مجرد وسيلة لنقل الحكاية، بل أداة جمالية أسهمت في بناء معناها فمن خلال التحكم في زاوية الرؤية، وتنويع مستويات التبئير، وتوظيف المونولوج الداخلي، استطاع النص أن يوازن بين الكشف عن الواقع الاجتماعي، والغوص في العالم النفسي للشخصيات، ليمنح التجربة الروائية بعدًا إنسانيًا يتجاوز حدود التوثيق الواقعي.
اللغة والأسلوب... شعرية الواقعية وتعدد المستويات اللغوية
تكشف اللغة في الياقوتة السوداء عن وعي جمالي بوظيفتها داخل العمل الروائي؛ فهي لا تؤدي دورًا وصفيًا أو إخباريًا فحسب، وإنما تشارك في بناء العالم السردي وصياغة دلالاته وقد حافظ الشطري على توازن واضح بين اللغة الأدبية واللغة الواقعية، فجاء السرد مكتوبًا بلغة عربية فصيحة ، من دون أن يفقد صلته بالبيئة الاجتماعية التي تتحرك فيها الشخصيات. ويبرز هذا التوازن في التمييز بين مستويين لغويين متكاملين؛ أولهما لغة السرد والوصف، وهي لغة تتسم بالهدوء والدقة والقدرة على التقاط التفاصيل، وتقترب في كثير من المقاطع من الحس الشعري، ولا سيما في وصف الطبيعة والحقول والليل والفضاءات الريفية غير أن هذا الميل إلى الشعرية لا يتحول إلى زخرفة لغوية، بل يظل خادمًا للحكاية، ومسهمًا في بناء المناخ النفسي الذي يحيط بالشخصيات. أما المستوى الثاني، فيتمثل في لغة الحوار، حيث يفسح الكاتب المجال للهجة العراقية وبالأخص الجنوبية لتؤدي وظيفتها الفنية والاجتماعية ولم يكن هذا الاختيار سعيًا إلى محاكاة الواقع فحسب، بل كان وسيلة لإضفاء الصدقية على الشخصيات، والكشف عن انتماءاتها الطبقية والثقافية فلكل شخصية معجمها الخاص، وطريقتها في التعبير، بما يجعل الحوار جزءًا من بناء الشخصية، لا مجرد وسيلة لتبادل الكلام. وتتجلى أهمية هذا التنوع اللغوي في أنه يمنح النص تعددًا في الأصوات، ويمنع هيمنة لغة واحدة على جميع الشخصيات⁴ فالشيخ لا يتحدث بالطريقة نفسها التي يتحدث بها الفلاح، وسعدة لا تعبر عن ذاتها بالمفردات ذاتها التي تستخدمها صفية أو خلف ومن ثم، تصبح اللغة إحدى الوسائل التي يكشف بها النص الفوارق الاجتماعية داخل العالم الروائي، فتغدو المفردة علامة على الموقع الاجتماعي بقدر ما هي أداة للتواصل. ومن السمات اللافتة أيضًا توظيف الموروث الشعبي، بما يحمله من حكايات وأساطير وأغانٍ ومعتقدات، إذ لا يحضر هذا الموروث بوصفه عنصرًا فولكلوريًا للزينة، وإنما يؤدي وظيفة ثقافية ونفسية في آن واحد فهو يكشف طبيعة الوعي الجمعي الذي تشكلت داخله الشخصيات، ويضيء جانبًا من علاقتها بالخوف والمجهول والقدر، الأمر الذي يضفي على البيئة الروائية قدرًا كبيرًا من الصدقية والثراء الثقافي. وعلى مستوى الصورة الفنية، يميل الكاتب إلى بناء صور تنبع من البيئة الريفية نفسها، فتتكرر مفردات الماء والطين والنخيل والحقول والليل والريح بوصفها عناصر جمالية تتجاوز بعدها الوصفي لتشارك في التعبير عن الحالة النفسية للشخصيات فغالبًا ما يتجاور جمال الطبيعة مع قسوة الواقع، فينشأ تضاد فني يجعل الطبيعة تبدو أكثر رحمة من البشر، وهي مفارقة تمنح النص طاقة إيحائية واضحة. كما تتسم اللغة بالاقتصاد في التعبير، فلا تلجأ إلى البلاغة الخطابية أو الزخارف اللفظية، بل تعتمد جملًا واضحة تنسجم مع طبيعة الرواية الواقعية وحتى في أكثر المقاطع شاعرية، يظل الخطاب محافظًا على توازنه، فلا تطغى اللغة على الحدث، ولا تتحول إلى غاية مستقلة عن السرد. ومن ثم، يمكن القول إن القيمة الجمالية للغة في رواية "الياقوتة السوداء" لا تكمن في فخامة المفردة أو كثافة الصور البلاغية، وإنما في قدرتها على تحقيق الانسجام بين الواقعية والشعرية، وبين الفصحى واللهجة المحكية ، بحيث تصبح اللغة جزءًا من الرؤية الفنية للرواية، لا مجرد أداة لنقل الحكاية وبهذا استطاع النص أن يمنح الواقع اليومي بعدًا جماليًا، من دون أن يفقد صدقه أو انتماءه إلى البيئة التي يصورها.
الشخصيات... وظائفها السردية ودلالاتها الرمزية والنفسية والاجتماعية تنهض الشخصيات في رواية "الياقوتة السوداء" بوظيفة تتجاوز تحريك الأحداث أو ملء الفضاء الحكائي، إذ تتحول إلى مكونات بنائية تكشف طبيعة المجتمع الذي تنتمي إليه فلا تُقدَّم الشخصيات بوصفها أفرادًا مستقلين عن سياقهم التاريخي والاجتماعي، وإنما بوصفها نتاجًا لمنظومة من العلاقات الطبقية والثقافية التي تصوغ وعيها وتحدد مصائرها ومن ثم، فإن الشخصية في هذه الرواية لا تقرأ بمعزل عن السلطة، لأن كل فعل أو موقف يصدر عنها يرتبط بموقعها داخل هرم القوة الذي يحكم العالم الروائي. ويمنح هذا البناء الشخصيات بعدًا رمزيًا واضحًا، إذ لا تمثل ذواتًا فردية فحسب، بل تتحول إلى علامات دالة على أنماط مختلفة من السلطة والخضوع والمقاومة، وهو ما يجعلها تؤدي وظيفة فكرية إلى جانب وظيفتها السردية.
سعدة... الضحية التي تحولت إلى ضمير للرواية تحتل سعدة المركز المحوري في الرواية، فهي الشخصية التي تتقاطع عندها جميع مستويات الاستلاب؛ الاجتماعي، والطبقي، والعرقي، والجندري. ولا يقدمها النص بوصفها بطلة خارقة، بل إنسانة بسيطة وُلدت وهي تحمل عبء انتماءات لم تخترها، فوجدت نفسها منذ طفولتها في مواجهة مجتمع يحدد قيمة الإنسان وفق لونه وموقعه الاجتماعي، لا وفق إنسانيته. ومنذ الصفحات الأولى، يربط السرد بين ميلادها في كوخ متواضع وبين مستقبلها المأزوم، في إشارة إلى أن القدر الاجتماعي سبق أن رُسم لها قبل أن تمتلك القدرة على الاختيار. غير أن الكاتب لا يحصر مأساتها في الفقر، بل يجعل اللون عنصرًا فاعلًا في إنتاج التهميش، لتصبح سعدة ضحية لوصمتين متداخلتين: الفقر والسواد. ويبلغ هذا الوعي ذروته في سؤالها الطفولي: "يمّه... أريد أعرف: ليش الله ما خلق الناس خلقة وحدة؟ لو بيض... لو سود؟" ولا تكمن أهمية هذا السؤال في براءته، بل في كونه يكشف مبكرًا عن تشكل وعي الشخصية بالتمييز الذي تعيشه، ويحوّل التجربة الفردية إلى سؤال إنساني عن العدالة والمساواة. فالرواية لا تدين اللون، بل تدين الثقافة التي حولته إلى معيار للتفاضل بين البشر. وتتطور شخصية سعدة مع تطور الأحداث، غير أن هذا التطور لا يقوم على التحول من الضعف إلى القوة، بل على الانتقال من البراءة إلى الوعي. فكل تجربة قاسية تعيشها تضيف طبقة جديدة إلى إدراكها لطبيعة العالم الذي تعيش فيه، حتى تغدو الشخصية مرآةً لانكسار الإنسان حين يصطدم بمنظومة لا تعترف بإنسانيته. ولهذا تتجاوز سعدة حدود البطولة التقليدية، لتصبح الضمير الأخلاقي للرواية، فمن خلالها يرى القارئ كيف يتحول الجسد إلى ساحة تمارس عليها السلطة عنفها، وكيف يغدو الصمت، أحيانًا، اللغة الوحيدة الممكنة أمام قسوة الواقع.
الشيخ حرب... تجسيد السلطة المطلقة إذا كانت سعدة تمثل الإنسان الواقع تحت سلطة المجتمع، فإن الشيخ حرب يمثل البنية التي تنتج هذا القهر وتعيد إنتاجه فهو ليس شخصية شريرة بالمعنى التقليدي، وإنما تجسيد لسلطة ترى في الأرض والإنسان ملكية خاصة، وتتعامل مع الآخرين بوصفهم أدوات لإدامة نفوذها. ولا يقدم النص هذه الشخصية من خلال خطاب مباشر، بل يكشفها عبر أفعالها اليومية؛ فهي تمارس السيطرة بوصفها حقًا طبيعيًا، ولا تشعر بالحاجة إلى تبرير أفعالها، لأن موقعها الاجتماعي يمنحها حصانة أخلاقية داخل البيئة التي تتحرك فيها. ومن ثم، يغدو الشيخ حرب أكثر من شخصية روائية؛ إنه استعارة للسلطة حين تنفصل عن القانون والأخلاق، وحين يتحول النفوذ إلى وسيلة لإلغاء الآخر وتجريده من إنسانيته.
خلف... استلاب الوعي وإعادة إنتاج الطاعة تمثل شخصية خلف أحد أكثر النماذج تعقيدًا في الرواية، لأنه يجسد صورة الإنسان الذي نجحت السلطة في إعادة تشكيل وعيه، حتى أصبح الخضوع جزءًا من هويته إنه لا يخضع للشيخ خوفًا فحسب، بل لأن ثقافته الاجتماعية أقنعته بأن الطاعة قدر طبيعي، وأن الولاء للسيد قيمة لا يجوز مساءلتها ولهذا فإن استلابه لا يقتصر على الجسد، بل يمتد إلى الوعي نفسه، حيث يفقد القدرة على تخيل عالم يقوم على المساواة. ومن منظور التحليل النفسي، تمثل هذه الشخصية نموذجًا لما يعرف بالتماهي مع السلطة⁵؛ إذ يتبنى المقهور قيم الجلاد، ويعيد إنتاجها من دون أن يشعر بأنه أحد ضحاياها وهنا تكمن خطورة الشخصية، لأنها تكشف أن الاستبداد يبلغ ذروته حين ينجح في احتلال وعي ضحاياه، لا أجسادهم فحسب.
شمران... الضمير المهزوم يقف شمران على النقيض من أخيه الشيخ حرب، فهو الشخصية التي تحتفظ بحساسيتها الأخلاقية، لكنها تعجز عن تحويل هذه الحساسية إلى فعل مقاوم ولا يقدم النص شمران بطلاً منقذًا، بل شاهدًا مأزومًا يدرك حجم الكارثة من دون أن يمتلك القدرة على تغييرها ومن هنا، فإن انتحاره لا يمثل هروبًا فرديًا، بقدر ما يجسد انهيار الضمير أمام منظومة تستند إلى القوة المجردة، وتعاقب كل محاولة للخروج على منطقها. وبذلك يصبح شمران رمزًا للمثقف أو الإنسان الأخلاقي الذي يرى الحقيقة، لكنه يعجز عن تغييرها، فتتحول هزيمته الشخصية إلى هزيمة للقيم الإنسانية داخل المجتمع.
البنية الرمزية للشخصيات تكشف الشخصيات، في مجموعها، عن رؤية روائية تتجاوز الثنائية التقليدية بين الخير والشر. فالنص لا يحمّل الأفراد وحدهم مسؤولية ما يحدث، بل يوجه نظره إلى البنية الاجتماعية التي صنعتهم فالجلاد ابن نظام يمنحه الامتيازات، والضحية نتاج تاريخ طويل من الإقصاء، والمتردد أسير ثقافة تجعل الصمت أكثر أمانًا من المقاومة. ومن هنا، تتحول الشخصيات إلى أدوات لتحليل المجتمع أكثر من كونها عناصر حكائية، وتصبح الرواية، عبر هذا البناء، دراسة فنية في آليات إنتاج السلطة والاستلاب داخل المجتمع الإقطاعي. وهذا ما يمنحها عمقها الإنساني، ويجعلها تتجاوز حدود الحكاية المحلية لتلامس أسئلة الحرية والعدالة والكرامة في كل زمان ومكان.
الدلالات الفكرية والاجتماعية... الرواية بوصفها نقدًا لبنية الهيمنة لا تتوقف الرواية عند حدود استعادة مرحلة تاريخية من المجتمع العراقي، وإنما تتجاوز ذلك إلى مساءلة البنى الاجتماعية والثقافية التي أسهمت في إنتاج الظلم وإدامته. فالرواية، وإن كانت تتحرك داخل فضاء الإقطاع، لا تنشغل بتوثيق تلك المرحلة بقدر انشغالها بتحليل الآليات التي تجعل السلطة قادرة على إعادة إنتاج نفسها، جيلاً بعد آخر، حتى تغدو الهيمنة جزءًا من النظام الاجتماعي والثقافي السائد. ومن أبرز القضايا التي تطرحها الرواية تفكيك العلاقة بين السلطة والملكية؛ فالإقطاع، كما يصوره النص، لا يقوم على امتلاك الأرض وحدها، بل يمتد إلى امتلاك الإنسان نفسه فالفلاح، والخادم، والمرأة، جميعهم يتحولون إلى عناصر داخل منظومة الملكية، بحيث يفقد الإنسان استقلاله بوصفه ذاتًا، ويغدو جزءًا من ممتلكات السيد ومن هنا، فإن انتهاك الجسد في الرواية لا يُقدَّم بوصفه انحرافًا فرديًا، بل بوصفه نتيجة مباشرة لمنظومة ترى أن القوة تمنح حق الامتلاك. وتكشف الرواية كذلك عن أن الاستبداد لا يقوم على عنف السلطة وحدها، بل يحتاج إلى قبول اجتماعي، أو إلى صمت يتيح له الاستمرار فالشخصيات المحيطة بالشيخ تدرك طبيعة ممارساته، لكنها تتعامل معها بوصفها أمرًا واقعًا لا يمكن تغييره، فتتحول ثقافة الصمت إلى أحد أهم شروط استمرار الظلم وبهذا يوجه النص نقده إلى المجتمع بقدر ما يوجهه إلى السلطة، لأن الطغيان لا يعيش في الفراغ، بل يجد دائمًا بيئة تسمح له بالاستمرار. وفي هذا السياق، تبرز الرواية بوصفها مساءلة عميقة لمفهوم الاستلاب، الذي لا يقتصر على سلب الحرية الجسدية، وإنما يمتد إلى الوعي ذاته فالشخصيات المقهورة لا تسلب قدرتها على الفعل فحسب، بل تدفع تدريجيًا إلى تبني القيم التي تبرر خضوعها وهنا تتجلى أخطر صور الهيمنة، حين تنجح السلطة في إعادة تشكيل وعي ضحاياها، بحيث يغدو القهر جزءًا من النظام الطبيعي في نظرهم. ولا تنفصل هذه الرؤية عن معالجة الرواية لقضية الهوية، إذ تجعل من شخصية سعدة نموذجًا لإنسان يُعرَّف من خلال لونه وأصله الاجتماعي، لا من خلال فرديته ومن ثم، يتحول اللون إلى علامة اجتماعية تنتج التمييز، ويصبح الجسد مجالًا لإعادة إنتاج السلطة إلا أن الرواية، في الوقت نفسه، تعيد الاعتبار لهذا الجسد بوصفه موضعًا للمقاومة الأخلاقية، إذ تحتفظ سعدة بإنسانيتها رغم كل ما تتعرض له من قهر، لتصبح قيمتها كامنة في قدرتها على البقاء إنسانة داخل عالم يسعى إلى تجريدها من هذه الإنسانية. وتثير الرواية، من جانب آخر، سؤال العدالة، لكنها لا تقدمه في صورته القانونية المباشرة، بل بوصفه سؤالًا وجوديًا يتردد في وعي الشخصيات، ولا سيما سعدة، التي تبحث عن معنى لما يحدث لها داخل عالم يبدو فيه الظلم أكثر حضورًا من الإنصاف. وبهذا تتحول التجربة الفردية إلى تأمل في اختلال العلاقة بين الإنسان والسلطة، وبين الأخلاق والقوة، وهو ما يمنح الرواية بعدًا فلسفيًا يتجاوز إطارها الواقعي. ومن خلال هذه الرؤية، لا تبدو "الياقوتة السوداء" رواية عن الإقطاع فحسب، بل رواية عن كل بنية اجتماعية تنتج التفاوت، وتشرعن الهيمنة، وتحول الإنسان إلى وسيلة بدل أن يكون غاية. ولهذا تتجاوز دلالاتها حدود الزمن الذي تصوره، لتصبح قراءة نقدية مفتوحة لكل مجتمع تختزل فيه قيمة الإنسان إلى طبقته أو لونه أو جنسه أو موقعه داخل هرم السلطة. الرواية في سياق السرد العراقي... امتداد الواقعية وتجديدها لا يمكن قراءة رواية "الياقوتة السوداء" بمعزل عن تقاليد الرواية الواقعية في العراق، فهي تنتمي إلى ذلك المسار السردي الذي جعل من الرواية أداة لاستكشاف البنى الاجتماعية وتحليل علاقات السلطة، أكثر من كونها مجرد وسيلة لسرد الحكايات ومن هذا المنطلق، تستعيد رواية موسى غافل الشطري الإرث الواقعي الذي رسّخه رواد الرواية العراقية، لكنها تعيد إنتاجه برؤية تنتمي إلى اللحظة الراهنة، مستفيدة من تطور التقنيات السردية، ومن اتساع مساحة التحليل النفسي داخل النص الروائي . تلتقي الرواية مع المشروع الواقعي الذي رسخه رواد السرد العراقي، وفي مقدمتهم غائب طعمة فرمان⁶، ولا سيما في أعماله التي جعلت الإنسان البسيط محورًا للسرد، وكشفت أثر التحولات الاجتماعية في تشكيل وعي الأفراد غير أن الشطري لا يعيد إنتاج النموذج الواقعي الكلاسيكي، بل يضيف إليه بعدًا سوسيو-نفسيًا أكثر وضوحًا، حيث لا يكتفي بتفسير السلوك من خلال الظروف الاجتماعية، وإنما ينفذ إلى أثر تلك الظروف في تكوين الوعي والهوية كما يمكن ملاحظة تقاطع الرواية مع بعض التجارب السردية لدى فؤاد التكرلي⁷، في اهتمامها بالعالم الداخلي للشخصيات، وتحليل الانكسارات النفسية الناتجة عن البنى الاجتماعية القامعة، وإن ظل الشطري أكثر التصاقًا بالفضاء الريفي والإقطاعي، في حين انشغل التكرلي غالبًا بتحولات المدينة العراقية وتعقيداتها الوجودية. وتقترب الرواية كذلك من الحس الواقعي الذي نجده في أعمال عبد الرحمن منيف⁸، من حيث تشريح العلاقة بين السلطة والإنسان، وتحويل المكان إلى فضاء يكشف آليات الهيمنة إلا أن سلطة الإقطاع في "الياقوتة السوداء" تظل أكثر محلية، وأكثر التصاقًا بالبنية الاجتماعية العراقية، وهو ما يمنح النص خصوصيته التاريخية والثقافية. وعلى مستوى بناء الشخصية المهمشة، تلتقي الرواية مع عدد من التجارب العربية التي جعلت الإنسان البسيط محورًا للرؤية السردية، وفي مقدمتها أعمال حنا مينه، حيث تتحول معاناة الفرد إلى مدخل لقراءة المجتمع بأكمله غير أن موسى غافل الشطري يضيف إلى هذا المسار بعدًا يتعلق بالتمييز العرقي، من خلال شخصية سعدة، وهو موضوع لم يحظ بالحضور نفسه في كثير من الروايات الواقعية العراقية. ومن زاوية أخرى، يمكن النظر إلى الرواية بوصفها امتدادًا لتيار الواقعية النقدية في الأدب العربي، ذلك التيار الذي لا يكتفي بعكس الواقع، بل يعمل على مساءلته وكشف تناقضاته الداخلية فالرواية لا تقدم المجتمع الإقطاعي بوصفه مرحلة منتهية، وإنما بوصفه نموذجًا لآليات الهيمنة التي يمكن أن تتكرر بأشكال مختلفة في أزمنة أخرى، وهو ما يمنحها أفقًا إنسانيًا يتجاوز حدود المكان والزمان. وعلى الرغم من انتمائها الواضح إلى التقليد الواقعي، فإن رواية "لياقوتة السوداء"لا تقع في أسر الواقعية التسجيلية؛ إذ يحرص الشطري على الموازنة بين التوثيق الاجتماعي والبناء الفني، موظفًا التحليل النفسي، والرمزية، والتبئير الداخلي، والمكان بوصفه عنصرًا دلاليًا، بما يجعل الرواية أقرب إلى الواقعية الحديثة منها إلى الواقعية الوصفية التقليدية. ومن هنا، يمكن القول إن رواية "الياقوتة السوداء" لا تقف عند حدود استعادة تقاليد السرد العراقي، بل تدخل في حوار معها، فتستفيد من منجزها الفني، وتعيد توظيفه في معالجة قضايا الهوية والاستلاب والسلطة وبهذا المعنى، تشكل الرواية إضافة جديرة بالاهتمام إلى مسار الرواية الواقعية العراقية المعاصرة، لأنها تجمع بين الوعي الاجتماعي، والعمق النفسي، والنضج الفني، من دون أن تفقد صلتها بالبيئة العراقية التي استمدت منها مادتها الحكائية.
ملاحظات نقدية... بين النضج الفني وبعض مواطن التعثر
تتمتع الرواية بقدر كبير من النضج الفني، وتنجح في تقديم تجربة روائية متماسكة تجمع بين الواقعية الاجتماعية والتحليل النفسي، إلا أن ذلك لا يمنع من تسجيل بعض الملاحظات التي لا تنتقص من قيمة العمل، بقدر ما تفتح بابًا لتأويله ومناقشته نقديًا. من أبرز عناصر القوة في الرواية نجاح الكاتب في بناء شخصية سعدة بوصفها مركزًا دلاليًا للنص فهي ليست مجرد بطلة للأحداث، بل شخصية نامية تتطور نفسيًا وفكريًا مع تطور الوقائع، حتى تصبح مرآة تعكس تحولات المجتمع نفسه وقد استطاع الكاتب أن يمنحها صوتًا داخليًا مقنعًا عبر المونولوجات والأسئلة الوجودية، الأمر الذي أضفى على تجربتها بعدًا إنسانيًا يتجاوز حدود الحكاية. كما تحسب للرواية قدرتها على رسم شخصية الشيخ حرب بوصفها تجسيدًا لبنية السلطة، لا بوصفها نموذجًا تقليديًا للشر فقد تجنب الكاتب المبالغة في شيطنته، وترك أفعاله تكشف طبيعة النظام الذي يمثله، وهو ما منح الشخصية بعدًا رمزيًا يتجاوز حضورها الفردي. ومن مواطن القوة أيضًا نجاح الرواية في تقديم شخصية خلف بوصفها نموذجًا للاستلاب النفسي، إذ لم يُقدَّم مجرد خادم ضعيف، بل إنسانًا أعادت السلطة تشكيل وعيه حتى أصبح الخضوع جزءًا من هويته وهذه من أكثر الشخصيات تركيبًا في الرواية، لأنها تكشف أن الهيمنة تبلغ ذروتها حين تستقر في وعي المقهور. أما شخصية شمران، فقد أدت وظيفة رمزية واضحة بوصفها صوت الضمير الأخلاقي داخل النص، وجاءت نهايتها التراجيدية منسجمة مع الرؤية العامة للرواية، وإن كان من الممكن أن يمنحها الكاتب مساحة أوسع لتطوير صراعها الداخلي قبل الوصول إلى لحظة الانتحار، بما يجعل هذا التحول أكثر تراكمًا من الناحية النفسية. وتبرز كذلك شخصيات ثانوية أسهمت في إثراء العالم الروائي، مثل صفية، التي مثلت نموذجًا للمرأة التي تتحرك داخل منظومة السلطة، وتحاول التكيف معها بطرائق مختلفة، من دون أن تستطيع الانفلات من شروطها كما تؤدي شخصيات مثل بدر وبدرية وظائف دلالية تتجاوز حضورها المحدود، إذ تكشف مصائرهما أن العنف الذي يمارسه النظام الإقطاعي لا يستثني أحدًا، وأن المأساة تمتد إلى المجتمع كله، لا إلى شخصية بعينها. ويحسب للكاتب أيضًا نجاحه في بناء فضاء روائي متماسك، حيث لم يكن المكان مجرد خلفية للأحداث، بل عنصرًا فاعلًا في إنتاج المعنى، كما حافظ على إيقاع سردي متوازن، وتجنب اللجوء إلى المفاجآت المصطنعة أو الحلول السهلة، فجاءت النهاية منسجمة مع المنطق الداخلي للرواية ومع ذلك، يمكن تسجيل بعض الملاحظات الفنية ففي عدد محدود من المواضع، يتدخل الراوي العليم لتفسير الدلالات أو توجيه القارئ نحو استنتاجات بعينها، في حين كان يمكن ترك الحدث نفسه ينتج معناه، وهو ما كان سيمنح النص مساحة أكبر للتأويل، ويعزز ثقة الكاتب بقدرة القارئ على استنباط الدلالات كما أن بعض الشخصيات الثانوية، على الرغم من أهميتها في دفع الأحداث، لم تنل ما يكفي من التطور النفسي، فبقي حضورها مرتبطًا بوظيفتها السردية أكثر من استقلالها بوصفها شخصيات مكتملة البناء وربما لو أُتيح لهذه الشخصيات هامش أوسع من الحضور، لازداد العالم الروائي ثراءً واتساعًا. وفي بعض المقاطع الوصفية، يميل السرد إلى الإطالة في رسم تفاصيل البيئة الريفية أو المشاهد الطبيعية، وهو ما يبطئ الإيقاع قليلًا، وإن كان لا يخل بتماسك الرواية أو يؤثر في بنيتها العامة وعلى الرغم من هذه الملاحظات، فإنها تظل ملاحظات جزئية لا تمس البنية الأساسية للعمل، إذ حافظت الرواية على انسجامها الفني، ونجحت في تحقيق التوازن بين الرؤية الفكرية والبناء الجمالي، مقدمةً نصًا يمتلك خصوصيته داخل مسار الرواية الواقعية العراقية المعاصرة. الخاتمة تكشف قراءة رواية "الياقوتة السوداء" أن موسى غافل الشطري لم يكتب رواية عن حقبة الإقطاع العراقية بوصفها مرحلة منقضية في التاريخ الاجتماعي، بل جعل منها مدخلًا لتأمل آليات الهيمنة التي تعيد إنتاج نفسها بأشكال مختلفة داخل المجتمعات. ومن خلال بناء سردي متماسك، وشخصيات ذات أبعاد إنسانية ورمزية، وفضاء مكاني يتحول إلى شريك في صناعة القهر، استطاع الكاتب أن يحول الحكاية الفردية إلى سؤال اجتماعي وأخلاقي وفلسفي يتجاوز حدود زمان الرواية ومكانها. وقد أظهرت هذه الدراسة أن القيمة الفنية للرواية لا تكمن في موضوعها الواقعي وحده، وإنما في الكيفية التي مزج بها الكاتب بين التحليل الاجتماعي والاستبطان النفسي، فجعل من الاستلاب مفهومًا مركبًا لا يقتصر على القهر الاقتصادي أو السياسي، بل يمتد إلى الجسد والوعي والهوية. ومن هنا جاءت الشخصيات بوصفها نتاجًا لبنية اجتماعية معقدة، لا مجرد أفراد يتحركون داخل الحكاية، كما غدا المكان عنصرًا دلاليًا يكشف طبيعة السلطة، ولم تعد اللغة وسيلة للسرد فحسب، بل أداة لإنتاج المعنى وتعميق التجربة الإنسانية. وتؤكد الرواية، في الوقت نفسه، استمرار حضور الواقعية العراقية بوصفها مشروعًا فنيًا قادرًا على تجديد أدواته، إذ تستثمر منجزات السرد الواقعي، من دون أن تقع في أسر التسجيل أو التوثيق المباشر، بل توازن بين الإحالة إلى الواقع والانفتاح على الرمز والتحليل النفسي، الأمر الذي يمنحها خصوصيتها داخل المشهد الروائي العراقي المعاصر. وعلى الرغم من بعض الملاحظات الفنية المتعلقة بدرجة حضور الراوي العليم، أو محدودية النمو النفسي لبعض الشخصيات الثانوية، فإن هذه الملاحظات لا تنتقص من القيمة الجمالية والفكرية للرواية، التي تنجح في الحفاظ على تماسكها البنائي، وتقديم رؤية نقدية عميقة لعلاقة الإنسان بالسلطة، وللثمن الإنساني الذي يدفعه المهمشون داخل المجتمعات القائمة على الامتيازات الطبقية. وبذلك يمكن النظر إلى "الياقوتة السوداء" بوصفها إضافة نوعية إلى الرواية الواقعية العراقية المعاصرة، ليس لأنها تستعيد ذاكرة مرحلة تاريخية فحسب، بل لأنها تعيد مساءلة تلك الذاكرة بأدوات سردية ناضجة، وتفتح أفقًا للتفكير في قضايا الحرية والعدالة والهوية، وهي قضايا تظل متجددة ما دامت علاقات الهيمنة والتمييز قابلة لإعادة إنتاج نفسها في صور مختلفة.
المراجع المتن المدروس • الشطري، موسى غافل. الياقوتة السوداء. دار قناديل للنشر والتوزيع، بغداد، 2017، الطبعة الأولى. المراجع النقدية • إبراهيم، عبد الله. السردية العربية الحديثة. المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، 2003. • باختين، ميخائيل. الخطاب الروائي. ترجمة: محمد برادة. دار الفكر للدراسات والنشر، القاهرة، 1987. • التكرلي، فؤاد. الرجع البعيد. دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد، 1980. • جينيت، جيرار. خطاب الحكاية: بحث في المنهج. ترجمة: محمد معتصم، عبد الجليل الأزدي، عمر حلي. المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، 1997. • فرمان، غائب طعمة. خمسة أصوات. دار المدى، دمشق، 1998. • فرويد، سيغموند. محاضرات تمهيدية في التحليل النفسي. ترجمة: جورج طرابيشي. دار الطليعة، بيروت، 1982. • غولدمان، لوسيان. من أجل سوسيولوجيا الرواية. ترجمة: جورج طرابيشي. دار الطليعة، بيروت، 1985. • لوكاتاش، جورج. نظرية الرواية. ترجمة: جورج طرابيشي. دار الطليعة، بيروت، 1982. • منيف، عبد الرحمن. مدن الملح. المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 1984. • النصير، ياسين. الرواية والمكان . دار نينوى للدراسات والنشر والتوزيع ، دمشق ، 2010
#همام_قباني (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
الكاتب-ة لايسمح
بالتعليق على هذا
الموضوع
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
من غواية العنوان إلى فتنة النص قراءة في قصة -يمتطيان شهوة ال
...
-
دراسة نقدية في رواية -الياقوتة السوداء- للروائي موسى غافل ال
...
-
من الديمقراطية إلى العشائرية... التحول الأخطر في جسد العراق
-
الانتخابات العراقية القادمة بين وهم المقاطعة وفرصة التغيير
-
يوم العالمي للشباب.. شباب العراق بين ركام الطائفية وسجون الظ
...
-
في الذكرى الحادية عشرة للإبادة الإيزيدية جراح لم تندمل وعدال
...
-
الرقص ليس غريزة... بل بيان حرية
-
الحلم النووي الإيراني من مفاعل أمريكي إلى هجوم غامض.. هل يُط
...
-
لا تُقارنوا المتنبي بمُطبّلي العصر!
-
الشباب العراقي بين مواجهة التغرب في وطنهم والتمييز في نقاط ا
...
-
الإجهاض حق من حقوق الإنسان ولا يمكن جريمه
-
لست مثليًا ولكن .... ؟
-
مشكلة الخطاب الديني
-
العنف ضد المرأة العراقية : تفاقم المعاناة وزيادة شبكات المتا
...
-
شهر فخر المثلية الجنسية .. رد على التعليقات المعادية
-
في شهر الفخر هذا، عار عليكم: فضح الاستراتيجيات الحكومية ضد م
...
-
مقاطعة الانتخابات لن تحل المشكلة و شعار إسقاط النظام طموح جد
...
-
المتاجِرون والمراؤون في القضيّة الفلسطينيّة
-
الشعب يريد إسقاط الشعب . ..؟
-
الأدب والفلسفة وأشكالهما الفنية
المزيد.....
-
رسميا.. الاتحاد المصري يعلن عن الأندية الممثلة لمصر في دوري
...
-
متحف-محمية بيترغوف يطلق عرضا صوتيا يروي تاريخ حديقة ألكسندري
...
-
فندق -أم كلثوم- في -بغداد- إلى الإزالة وتعهد بالحفاظ على هوي
...
-
الرواية... السلاح الآخر للاستعمار
-
نقابة الفنانين في لبنان تدين إلغاء حفل محمد إسكندر بسوريا: ن
...
-
-لمواجهة التدمير الإسرائيلي-.. اليونسكو تدرج آثار صور وجبل ع
...
-
-تسليطٌ للضوء على المخيمات الفلسطينية-.. انطلاق مهرجان جرش ف
...
-
رحيل -موثق الهوية الجزائرية- المخرج السينمائي محمد الأمين مر
...
-
مهرجان فينيسيا السينمائي الـ83: حضور فلسطيني وعربي لافت وتكر
...
-
مترجم إيطالي: اللغة العربية تُعلّم التواضع والمثابرة
المزيد.....
-
ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو
...
/ سلسبيل كريبع
-
قناديل الحكمة
/ د. خالد زغريت
-
حكاياتْ تَكاد تُنسى
/ فلاح العيفاري
-
وعي ـ قصص قصيرة جدا
/ حسين جداونه
-
ديوان 23 الحاوي والعصفور
/ منصور الريكان
-
كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م
...
/ حميد عقبي
-
كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة
/ حسين جداونه
-
رسالة الى عام 3026
/ ايه رياض الجبوري
-
نافذة ـ قصص قصيرة جدا
/ حسين جداونه
-
جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال
/ كمال التاغوتي
المزيد.....
|