أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - همام قباني - دراسة نقدية في رواية -الياقوتة السوداء- للروائي موسى غافل الشطري مقاربة سوسيو-نفسية لثنائية الاستلاب وسلطة الإقطاع















المزيد.....

دراسة نقدية في رواية -الياقوتة السوداء- للروائي موسى غافل الشطري مقاربة سوسيو-نفسية لثنائية الاستلاب وسلطة الإقطاع


همام قباني

الحوار المتمدن-العدد: 8710 - 2026 / 5 / 19 - 00:33
المحور: الادب والفن
    


مقدمة
تُعد رواية "الياقوتة السوداء" للروائي العراقي "موسى غافل الشطري" وثيقة سردية سوسيو-تاريخية تغوص في قاع المجتمع العراقي (الريفي والهامشي) في حقبة الإقطاع وسيطرة الشيوخ. تطرح الرواية سردية الألم الإنساني من منظور الفئات الأكثر تهميشاً؛ حيث يتقاطع قهر الطبقة (الفقر) مع قهر العرق (اللون الأسود) وقهر الجندر (الأنوثة). تدور الرواية حول شخصية "سعدة"، الفتاة ذات الأصول الزنجية التي تولد في كوخ بائس على هوامش المدينة، لتنتقل عبر زواج مُدبر إلى قصر الشيخ "حرب" الإقطاعي، ظانةً أنها تفر من جحيم العوز إلى نعيم الخدمة، لتكتشف أنها انتقلت من قهر الفقر إلى قهر الاستباحة والتشييء. الإشكالية النقدية: تحاول هذه الدراسة القصيرة الإجابة عن التساؤل المركزي: كيف وظّف موسى غافل الشطري البناء السردي والمكاني لتشريح بنية الاستلاب المزدوج (الجسدي والنفسي) للمهمشين، وكيف انعكست سلطة الإقطاع المطلقة على سحق الفرد وتمزيق هويته الإنسانية؟

العرض (التحليل الفني والمنهجي)
اعتمدت هذه الدراسة على المنهج النقدي الاجتماعي (السوسيو-أدبي) المدعوم بـ التحليل النفسي، لقراءة ما وراء السلوكيات والشخصيات، وفهم النص كانعكاس لبنية مجتمعية قاهرة تعتمد على تراتبية السلطة.



1. تفكيك البناء الداخلي للرواية
أ. الحبكة (البناء السردي)
اعتمد الكاتب حبكة خطية نامية، تبدأ من نقطة الصفر (ولادة سعدة في ظروف قاسية)، وتتصاعد مع نموها ووعيها بجسدها ولونها، لتصل إلى نقطة التحول (العقدة) المتمثلة في زواجها من "خلف" خادم الشيخ حرب وانتقالها للريف. تتشابك الأحداث لتصل إلى الذروة في ليلة زفاف "شمران" (أخو الشيخ)، حيث تُغتصب سعدة على يد الشيخ حرب، وتصل الحبكة إلى حلّها التراجيدي الدامي بانتحار شمران ونزيف سعدة وإجهاضها في العتمة، في دلالة على إجهاض كل أحلام الطبقة المسحوقة. الحبكة منطقية ومحكمة، والحدث يولد من رحم الذي يسبقه بحتمية واقعية قاسية.
ب. الشخصيات (دينامية القهر والخضوع)
• سعدة (الياقوتة السوداء): شخصية رئيسية نامية. هي المركز الذي تتقاطع عنده كل خطوط القهر. يرمز لونها الأسود إلى التهميش، ورغم ذكائها ونقائها الداخلي (الياقوتة)، إلا أن المجتمع لا يرى فيها سوى أداة (لخدمة البيوت قديماً، أو لمتعة الشيخ لاحقاً). تطور وعيها من السذاجة إلى الإدراك التراجيدي العنيف هو المحرك النفسي للرواية.
• الشيخ حرب: شخصية ثابتة، تُمثل الوجه البشع للإقطاع والسلطة البطريركية الميكيافيلية. هو يبتلع الأراضي، ينتهك الأعراض، ويدفع الآخرين للموت (كما حدث مع بدر وبدرية وشمران) دون أن يرف له جفن. هو "السلطة" التي لا تُسأل عما تفعل.
• خلف: الزوج والخادم. يمثل نموذج "العبد المستلب" والمستلَب الإرادة. هو الضحية التي تتماهى مع جلادها وتدافع عنه. تحليله نفسياً يكشف عن "متلازمة ستوكهولم" طبقية؛ حيث يرى في سيده إلهاً لا يُخطئ، مغيباً عقله وكرامته طوعاً.
• شمران: الوجه النقيض لحرب، لكنه يمثل "الخير السلبي" أو الهش. عدم قدرته على مواجهة طغيان أخيه يجعله شريكاً بالصمت، وانتحاره في النهاية هو إعلان عن فشل وهزيمة النقاء أمام توحش السلطة.

ج. الزمكان (المكان والزمان كأدوات قهر)
• المكان: لعب المكان دوراً وظيفياً ورمزياً خطيراً. الكوخ في المدينة كان يمثل الفقر والحرية النسبية، بينما قصر الشيخ في الريف يمثل الوفرة المادية والعبودية المطلقة. قسم الكاتب مكان القصر إلى فضاءات: فضاء علوي (السطح) حيث ترى سعدة اتساع العالم وتتوق للحرية، وفضاء سفلي مغلق حيث تُستباح في الظلام. المكان هنا يبتلع الشخوص ويسحقهم.
• الزمان: زمن الرواية هو الزمن الإقطاعي العراقي (منتصف القرن العشرين تقريباً). زمن بطيء، رتيب، لا يتغير فيه مصير العبيد والفلاحين، بل يعيد إنتاج مآسيهم.
د. الرؤية السردية
استخدم الكاتب "الراوي العليم" (بضمير الغائب) الذي يخترق دواخل الشخصيات، ولكنه في النصف الثاني من الرواية يمارس "التبئير الداخلي" عبر وعي "سعدة" بشكل مكثف. هذا الانتقال جعل القارئ يتنفس ألم سعدة، ويسمع حواراتها الداخلية (المونولوج) المليئة بالتساؤلات الفلسفية والوجودية حول العدالة الإلهية والظلم البشري.





2. الأسلوب اللغوي والجمالي
تميّز أسلوب موسى غافل الشطري بالثراء اللفظي والمزج بوعي بين مستويين من اللغة:
• لغة السرد والوصف: لغة عربية فصحى رصينة، تميل إلى التصوير الشعري أحياناً (وصف الطبيعة، البيادر، النجوم).
• لغة الحوار: استخدم الكاتب اللهجة العراقية الجنوبية " الحسجة" (الريفية والمدنية) بمهارة فائقة. هذا التوظيف لم يكن مجانية، بل كان "أداة توثيقية سوسيو-لغوية" تبرز التفاوت الطبقي والثقافي (مفردات الفلاحين مقابل مفردات الحضرية "صفية"، ومفردات العبيد). كما وظّف الكاتب الموروث الشعبي (حكاية الطنطل، خنيفسانة، أغاني الهجع والمطبق) كخلفية سيكولوجية تبرز عمق التجذر الثقافي للقهر والأسطورة في العقل الجمعي.

3. المضمون والرسائل (التحليل السوسيو-واقعي)
تطرح الرواية قضايا حارقة، أهمها:
• تشييء الإنسان: تحول "سعدة" من إنسانة تحلم وتعمل، إلى مجرد جسد يستباح في لحظة سكر للشيخ.
• العدالة الغائبة وتواطؤ المجتمع: الفلاحون والنساء يعرفون بجرائم الشيخ (خمر، نساء، طغيان) لكنهم يصمتون مبررين ذلك بـ "البخت" (الحظ/البركة). الرواية تنتقد بشدة العقلية الجمعية الخانعة التي تُضفي هالة من القداسة على الطاغية.
• الاغتراب: اغتراب سعدة في القصر، واغتراب شمران في بيئته القاسية، واغتراب خلف عن إنسانيته.



4. التقييم النقدي (مواطن القوة والضعف)
• مواطن القوة: البراعة الفائقة في رسم الحوارات الداخلية (المونولوج) لسعدة، والتي تعتبر من أقوى محطات الرواية نفسياً. كذلك القدرة على تصوير المشهد التراجيدي الختامي (موت خلف وانتحار شمران وتداخل ذلك مع نزيف سعدة) بمشهدية بصرية سينمائية مبهرة.
• مواطن الضعف: في بعض المواضع القليلة، تدخّل الراوي العليم ليشرح للمتلقي استنتاجات كان من الأفضل أن يترك القارئ يستنتجها من الحدث نفسه (كسر قاعدة "أرني ولا تخبرني").
الخاتمة والرأي الختامي
رواية "الياقوتة السوداء" ليست مجرد سرد لحكاية فتاة مهمشة، بل هي وثيقة إدانة تاريخية لنظام إقطاعي متوحش سحق الفرد وصادر حريته. لقد نجح الكاتب في تفكيك سايكولوجية العبد والسيد على حد سواء.
رأيي الختامي كقارئ أقول: إن الروائي "موسى غافل الشطري" قد أفلح فنياً بامتياز في إيصال رسالته، حيث جعلنا نرى قسوة العالم من خلال عيون "سعدة"، تلك العيون المرتجفة والمحملة بأسئلة كونية بلا إجابات. لقد استخدم الكاتب التناقض الصارخ بين جمال الطبيعة ووحشية البشر ليصنع صدمة شعورية لدى المتلقي. المآل التراجيدي المتمثل في انتحار شمران ونزف سعدة في العتمة، هو أصدق وأقسى نهاية واقعية؛ فالفساد المستشري (المتمثل في حرب) لا يمكن أن ينتج إلا الدم والموت للفئات النبيلة والمستضعفة. الرواية إضافة حقيقية للأدب الواقعي العراقي وتستحق الوقوف طويلاً أمام دلالاتها الفلسفية والاجتماعية.


هُمام قبّاني
20 مارس 2025



#همام_قباني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- من الديمقراطية إلى العشائرية... التحول الأخطر في جسد العراق
- الانتخابات العراقية القادمة بين وهم المقاطعة وفرصة التغيير
- يوم العالمي للشباب.. شباب العراق بين ركام الطائفية وسجون الظ ...
- في الذكرى الحادية عشرة للإبادة الإيزيدية جراح لم تندمل وعدال ...
- الرقص ليس غريزة... بل بيان حرية
- الحلم النووي الإيراني من مفاعل أمريكي إلى هجوم غامض.. هل يُط ...
- لا تُقارنوا المتنبي بمُطبّلي العصر!
- الشباب العراقي بين مواجهة التغرب في وطنهم والتمييز في نقاط ا ...
- الإجهاض حق من حقوق الإنسان ولا يمكن جريمه
- لست مثليًا ولكن .... ؟
- مشكلة الخطاب الديني
- العنف ضد المرأة العراقية : تفاقم المعاناة وزيادة شبكات المتا ...
- شهر فخر المثلية الجنسية .. رد على التعليقات المعادية
- في شهر الفخر هذا، عار عليكم: فضح الاستراتيجيات الحكومية ضد م ...
- مقاطعة الانتخابات لن تحل المشكلة و شعار إسقاط النظام طموح جد ...
- المتاجِرون والمراؤون في القضيّة الفلسطينيّة
- الشعب يريد إسقاط الشعب . ..؟
- الأدب والفلسفة وأشكالهما الفنية


المزيد.....




- مغامرات خارج الزمن.. طفلة قطرية تهزم العمى بأنامل الخيال
- -كانال+- توقف التعاون مع 600 عامل في قطاع السينما بعد توقيعه ...
- كاثرين دينوف.. أيقونة مهرجان كان السينمائي الخالدة التي لا ي ...
- تضارب في الروايات بشأن أسبابه.. انفجار غامض قرب مطار كسلا يخ ...
- مهرجان كان السينمائي مرآة للآراء السياسية
- ذاكرة الشاشة المصرية: كيف شكلت البرامج الثقافية وعي الأجيال؟ ...
- باربرا سترايساند تعتذر عن عدم حضور تكريمها بمهرجان كان السين ...
- -كانال+- توقف التعاون مع 600 عامل سينما بعد توقيعهم عريضة ضد ...
- المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي: التقت الفرق ا ...
- من الذكاء الاصطناعي إلى غبار غزة.. نشاط الصالون الثقافي بمعر ...


المزيد.....

- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا ... / السيد حافظ
- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - همام قباني - دراسة نقدية في رواية -الياقوتة السوداء- للروائي موسى غافل الشطري مقاربة سوسيو-نفسية لثنائية الاستلاب وسلطة الإقطاع