أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - همام قباني - من غواية العنوان إلى فتنة النص قراءة في قصة -يمتطيان شهوة الريح- للقاص محسن ناصر الكناني














المزيد.....

من غواية العنوان إلى فتنة النص قراءة في قصة -يمتطيان شهوة الريح- للقاص محسن ناصر الكناني


همام قباني

الحوار المتمدن-العدد: 8777 - 2026 / 7 / 25 - 19:12
المحور: الادب والفن
    


ثمة عناوين لا تؤدي وظيفة التعريف بالنص فحسب، بل تمارس غوايتها على القارئ قبل أن يفتح الصفحة الأولى ومن هذا النوع يأتي عنوان قصة «يمتطيان شهوة الريح»، إذ يثير منذ اللحظة الأولى أسئلة تتعلق بالعلاقة بين الجسد والطبيعة، وبين الرغبة والحرية، وبين الإنسان والعناصر الكونية التي تحيط به هذه العتبة النصية الموحية تفتح أفقاً تأويلياً واسعاً، وتدفع القارئ إلى الدخول في عالم القصة بوصفها تجربة حسية وشعرية أكثر من كونها حكاية تقليدية.
يبدأ محسن ناصر الكناني قصته بمشهد انتظار يشي بالهدوء والحنين، غير أن اللافت هو أن الانتظار لا يخص الإنسان وحده، بل يشمل الزورق أيضاً:" ينتظر الزورق صاحبه منذ البارحة عند منعطف النهر أسفل المسناة الحجرية الشامخة منذ مئة عام" بهذه الجملة يمنح الكاتب الأشياء روحاً إنسانية، فيتحول الزورق إلى كائن يشارك الصياد وحدته وترقبه، بينما تغدو المسناة الحجرية شاهداً زمنياً يربط الحاضر بذاكرة المكان.
تنجح القصة في بناء فضاء جنوبي عراقي نابض بالحياة عبر تفاصيل محلية دقيقة: الكيمر، والشبوط، والمشناك، وغابة النخيل، ورائحة القداح والطين الغرين. هذه المفردات لا تؤدي وظيفة وصفية فقط، بل تؤسس لهوية مكانية واضحة تمنح النص صدقه الفني، وتجعل النهر جزءاً من البنية الدلالية للقصة لا مجرد خلفية للأحداث.
ومن أجمل مقاطع النص ذلك الذي تتفاعل فيه الطبيعة مع أغنية العاشق: "فتمايلت الأشجار معها، وارتعشت شجيرات الغرب تلامس تيار الماء، واستيقظت كائنات الماء"
هنا لا يصف الكاتب الطبيعة بوصفها مشهداً ساكناً، بل يجعلها كائناً حياً يستجيب للصوت والعاطفة، وهو ما يضفي على النص بعداً غنائياً واضحاً
يدخل النص بعد ذلك منطقة الأسطورة عندما تظهر الحورية الخارجة من عمق الماء وتقول للصياد: "إذا أردتني فتعال إليّ... إلى بيتي بيت السعادة في الأعماق" غير أن الصياد يرفض غواية الأعماق، ويختار المرأة الواقعية التي تقترب منه "مثل ملكة" وهذا الاختيار يحمل دلالة رمزية مهمة، إذ ينتصر النص للحب الإنساني الملموس على الإغراء الأسطوري، ويجعل الجسد الواقعي أكثر حضورًا من الحلم الماورائي. ولا يبدو حضور الحورية في النص مجرد استدعاء لعنصر غرائبي يضفي مسحة أسطورية على الحكاية، بل يفتح بابًا لتأويلات متعددة؛ فهي قد تقرأ بوصفها تجسيدًا لغواية المجهول التي تدعو الإنسان إلى الانفصال عن واقعه، كما يمكن النظر إليها بوصفها امتحانًا داخليًا لإرادة البطل بين غواية الحلم ودفء الحياة الملموسة وهكذا لا تغدو الأسطورة مجرد عنصر جمالي، بل تتحول إلى وسيلة يضيء بها الكاتب الصراع الخفي بين الممكن والمتخيَّل، الأمر الذي يثري الدلالة ويمنح النص قابلية على أكثر من قراءة

لغة القصة شاعرية مكثفة تعتمد على الصورة والاستعارة أكثر من اعتمادها على تطور الحدث فالكاتب يصف العاشقين وهما يهبطان درجات المسناة "متشممين رائحة القرنفل والقداح والطين الغرين"، وهي صورة تمزج بين الحواس الثلاث: الشم واللمس والحركة، لتخلق حالة اندماج بين الجسد والمكان.
وفي القسم الأخير من القصة يبلغ التوتر ذروته، إذ تتحول الريح إلى معادل رمزي للرغبة الجامحة يقول المؤلف : "الريح تعصف وتدمدم في الخارج، واللذة تعصف بالجسدين المتحدين"، ثم تأتي النهاية بصورة قوية: "فتشظت ألواح الزورق أمام العاصفة، والجسدان متحدان ملتصقان على سرير اللذة يمتطيان شهوة الريح"هذه النهاية لا تقرأ بوصفها وصفاً حسياً فحسب، بل بوصفها إعلاناً عن لحظة انصهار كاملة بين الإنسان والطبيعة، حيث تصبح العاصفة الخارجية امتداداً للعاصفة الداخلية التي يعيشها العاشقان.

ومع ما تتمتع به القصة من جمال لغوي واضح، فإن هيمنة اللغة الشعرية على السرد تجعل الشخصيتين أقرب إلى رمزين للحب والرغبة منهما إلى شخصيتين تمتلكان تعقيداً نفسياً أو صراعاً داخلياً متنامياً كما أن كثافة الصور البلاغية قد تبطئ إيقاع الحكاية في بعض المواضع، غير أن هذا الخيار يبدو مقصوداً، لأن الكاتب يراهن أساساً على خلق حالة وجدانية أكثر من رهانه على الحبكة التقليدية.
في المحصلة، يقدم محسن ناصر الكناني نصًا يزاوج بين السرد والشعر، ويعيد توظيف مفردات البيئة الجنوبية العراقية ضمن رؤية رومانسية ذات أبعاد رمزية، دون أن يفقد صلته بالواقع الإنساني. ولا تكمن قيمة هذه القصة في حكايتها وحدها، بل في قدرتها على تحويل النهر والريح والزورق والطبيعة بأسرها إلى عناصر حية تشارك الإنسان عواطفه وصراعاته. ومن هنا تبدو "يمتطيان شهوة الريح" أكثر من قصة حب؛ إنها احتفاء بجمال المكان، وحرية الشعور، وبقدرة اللغة على أن تفتح أمام القارئ آفاقًا واسعة للتأويل، ليخرج من النص وقد انتقل، كما أراد له الكاتب، من غواية العنوان إلى فتنة النص، ومن متعة القراءة إلى رحابة التأويل.


• قصة "يمتطيان شهوة الريح" جريدة طريق الشعب العدد 76 السنة 83 الأثنين 27 تشرين الثاني 2017



#همام_قباني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- دراسة نقدية في رواية -الياقوتة السوداء- للروائي موسى غافل ال ...
- من الديمقراطية إلى العشائرية... التحول الأخطر في جسد العراق
- الانتخابات العراقية القادمة بين وهم المقاطعة وفرصة التغيير
- يوم العالمي للشباب.. شباب العراق بين ركام الطائفية وسجون الظ ...
- في الذكرى الحادية عشرة للإبادة الإيزيدية جراح لم تندمل وعدال ...
- الرقص ليس غريزة... بل بيان حرية
- الحلم النووي الإيراني من مفاعل أمريكي إلى هجوم غامض.. هل يُط ...
- لا تُقارنوا المتنبي بمُطبّلي العصر!
- الشباب العراقي بين مواجهة التغرب في وطنهم والتمييز في نقاط ا ...
- الإجهاض حق من حقوق الإنسان ولا يمكن جريمه
- لست مثليًا ولكن .... ؟
- مشكلة الخطاب الديني
- العنف ضد المرأة العراقية : تفاقم المعاناة وزيادة شبكات المتا ...
- شهر فخر المثلية الجنسية .. رد على التعليقات المعادية
- في شهر الفخر هذا، عار عليكم: فضح الاستراتيجيات الحكومية ضد م ...
- مقاطعة الانتخابات لن تحل المشكلة و شعار إسقاط النظام طموح جد ...
- المتاجِرون والمراؤون في القضيّة الفلسطينيّة
- الشعب يريد إسقاط الشعب . ..؟
- الأدب والفلسفة وأشكالهما الفنية


المزيد.....




- رسميا.. الاتحاد المصري يعلن عن الأندية الممثلة لمصر في دوري ...
- متحف-محمية بيترغوف يطلق عرضا صوتيا يروي تاريخ حديقة ألكسندري ...
- فندق -أم كلثوم- في -بغداد- إلى الإزالة وتعهد بالحفاظ على هوي ...
- الرواية... السلاح الآخر للاستعمار
- نقابة الفنانين في لبنان تدين إلغاء حفل محمد إسكندر بسوريا: ن ...
- -لمواجهة التدمير الإسرائيلي-.. اليونسكو تدرج آثار صور وجبل ع ...
- -تسليطٌ للضوء على المخيمات الفلسطينية-.. انطلاق مهرجان جرش ف ...
- رحيل -موثق الهوية الجزائرية- المخرج السينمائي محمد الأمين مر ...
- مهرجان فينيسيا السينمائي الـ83: حضور فلسطيني وعربي لافت وتكر ...
- مترجم إيطالي: اللغة العربية تُعلّم التواضع والمثابرة


المزيد.....

- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - همام قباني - من غواية العنوان إلى فتنة النص قراءة في قصة -يمتطيان شهوة الريح- للقاص محسن ناصر الكناني