أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - ولاء الصواف - فيزيولوجيا النص الأدبي (الجزء الثاني) جنون النص من الدلالة إلى فرط الدلالة















المزيد.....

فيزيولوجيا النص الأدبي (الجزء الثاني) جنون النص من الدلالة إلى فرط الدلالة


ولاء الصواف

الحوار المتمدن-العدد: 8776 - 2026 / 7 / 24 - 23:38
المحور: الادب والفن
    


ماذا لو كنتُ مخطئًا، وأن الفكرة محضُ عبثٍ لا غير، وأن جنونَ النص كان أنا؟
دعني أُمارس جنوني في هذا العالم،
كما أشتهي،
لا كما تشتهي الريح.
:
يقول سعيد بنكراد: «طلَّقتُ كلَّ الأحكام النظرية التي تنظر إلى النص باعتباره جثةً هامدة.» .
(سعيد بنكراد، البحث عن المعنى، دار الحوار للنشر والتوزيع، ط1 2017 ، ص24.)
النص الأدبي، بوصفه نتاجًا للمتغيرات الحاصلة في البيئة المعاشة التي أنتجتها الطبيعة، هو فضاءٌ لا يوجد فيه معنى راكز، ولا حقيقة نهائية، ولا مرجعية ثابتة.
ما أراه جديرًا بالاهتمام هو ألا نكتفي باستعارة مفاهيم من علوم أخرى ومحاولة تطبيقها على جسد النص، بل نحاول أن نجعلها تعمل داخله، بوصفه كائنًا حيًا.
النص هو النسخة المكتوبة، أو الإسقاطات المباشرة، أو الصورة المرآتية، أو المثال لعقل مُنتِج النص؛ لأن النص لا يستطيع أن يكتب نفسه.
وعقل النص، بوصفه الناظم والمسيطر على جميع الفعاليات الإحيائية داخل جسد النص الأدبي، يجعل مجمل الأعضاء أو العناصر المكوِّنة للنص، والمتشابكة مع بعضها، تتظافر في أداء الخطاب وإنتاجه بمحمولاته وبدرجات متفاوتة. فتأتي اللغة في مقدمتها، بوصفها الجهاز العصبي الممثل له، واللسان الذي يحمل الخطاب إلى المتلقي، غير أن عقل النص هو من يفرض شروطه النهائية في عملية التكاتف هذه.
ليس بالضرورة أن يكون النص مكتوبًا فقط، فقد ينتقل الخطاب منه بصيغ متعددة، إما مقروءًا بصريًا وفق ما صُمِّم له، أو سمعيًا تتحكم فيه نبرة الصوت، أو عبر إيماءاتٍ تعبيرية للغة الجسد من قبل المؤدي، وطريقة النطق، واللحن الموسيقي، أو الصورة الفوتوغرافية المعززة للحدث، والعديد من المؤثرات السمعية البصرية؛ وكلها تعمل على إنتاج هذه الهالة وتعظيم الحالة.
لعقل النص ( بنسخته المرئية لعقل المؤلف) تصورٌ معين عن كلمة بعينها أو علامة، بالمفهوم السيميائي، لها وجودٌ معاش، يعززها بالخيال، ويعرف وقعها في صدور الآخرين. وهذه بدورها تنتج تراكيب لغوية وحسية وانفعالية ذات طاقة تعبيرية عالية التوتر. وعندئذ يكون المعنى هو الأثر المعنوي للدلالة المنتجة من هذه العلامات، تطلقها عبر الخطاب من أجل النفاذ بسرعة باتجاه المتلقي، فتفعل فعل الرصاص في قوة النفاذ.
كل ما يبتغيه عقل النص هو أن يتمثل المتلقي دلالات الخطاب المبثوث منه، وأن تحدث فيه المتغيرات الفكرية أو الشعورية التي تنتج لاحقًا توترًا يظهر بطرائق شتى وتمثلات متعددة؛ فهو يسعى، لرؤية هذه المتغيرات في طبيعة المتلقي عيانًا أو حسًّا.
أولى الموجهات تبدأ من العتبات النصية؛ فمن التأثير النفسي لاسم المؤلف، إلى العنونة، إلى المقدمات التي تعطي الانطباع الأول عن المحتوى، والتي تعمل بمجملها على توجيه المتلقي باتجاه أفق توقُّع معين، ودفعه إلى الفضول في البحث عن لحظة الاكتشاف المنتظرة، ومنحه الانفتاح المبكر على أفق التأويل. وهذه العناصر بمجملها تهيئه، بوصفها المدخل إلى عقله، ونقطة التماس المباشرة بين عقلين: أحدهما ينتج الدلالة، والآخر، وهو المستقبل الحسي، يستقبلها في وعيه ويتفاعل معها.
عقل النص، ضمن إطار المفكَّر فيه، يعمل على جعل متلقي خطابه ينزاح باتجاه الأنساق الظاهرة للخطاب، بينما يضع في الأصل قواعد اللعبة بأكملها ضمن الأنساق المضمرة، وهي غير واضحة المعالم للمتلقي المستعد لإحداث فرط الدلالة في عقله؛ فهو لا يدرك أنه واقع في حالة تجاوز فيها المعنى حجمه الطبيعي.
يرى عقل النص أن الثراء الدلالي والمعرفي والصوري، وهذا التراكم الكثيف للرموز، يعززان قوة خطابه، ويسهمان في رفع درجة الوعي عند المتلقي، من خلال الانفتاح على الاستعارات، والإحالات الثقافية، والتأويلات المحتملة.
فهل يمكن القول إن عقل النص هو الذي يقرر متى يرسل خطابًا فرط دلالي؟ فيكون عندئذ قرارًا تنظيميًا داخل النص، وليس مجرد نتيجة عفوية لكثافة اللغة.
الزيادة في التوتر ربما تتجاوز الحافات القلقة العليا، مما يسبب إرهاقًا لدى المتلقي، ومن جهة أخرى فإن ضعف التوتر وانهياره قد يتجاوزان الحافات القلقة الدنيا، وفي كلتا الحالتين يغادر النص حالة التوازن الدلالي؛ ففي الأولى ينشأ فرط الدلالة، وفي الثانية يضمُر المعنى.

ولأجل عدم الوصول إلى هذه الحالة أو إدراكها، وحتى لا يصل النص إلى حالة حرجة من الانتروبيا أو التشتت، يفترض بعقل النص أن يحقق الموازنة، وأن تقوم اللغة، بوصفها الجهاز العصبي للنص (مجازًا، من باب التوصيف فقط)، بإرسال إشارات عصبية إلى الآليات المسيطرة على التوتر. وهنا تعمل الآليات المنظمة داخل النص على ضخ ما أسميناه مجازًا «كورتيزول النص» (كما بينّا في الجزء الأول)، للإبقاء على حالة التوتر ضمن سياقاتها القياسية بين كثافة المعنى وإمكان التلقي، فتكون الدلالة واضحة. أما إذا كان هدف عقل النص هو زيادة التوتر النصي إلى مديات بعيدة، من أجل خلق فرط الدلالة عند المتلقي، وهو مبتغاه، فإنه يعمل على تحميل الخطاب بمعانٍ تفوق حجمها الطبيعي. فهو يحاول وبتركيز عالٍ، الاستحواذ على جميع المدخرات المعرفية والحسية والشعورية للمتلقي، ويجعله في حالة استجابة تامة لكل ما هو مطلوب منه، ويُنشئ حالةً من التواصل والربط بينه وبين عقل المتلقي، بحيث لا يكون هناك انفكاك بينهما؛ ضمانًا لعنصر الهيمنة، مع التأثير فيه نفسيًا، وإيهامه بأنه غير قادر فعلًا على الانزياح عن المفهوم الموجَّه إليه.
في الفيزياء النووية يحدث الانشطار عندما تصطدم نواةٌ مناسبة (مثل اليورانيوم-235) بنيوترون، فتدخل في حالة عدم استقرار وتنشطر، مطلقةً طاقةً هائلةً ونيوتروناتٍ جديدةً قد تُحدث تفاعلًا متسلسلًا.
وتتشابه هذه العملية، إلى حدٍّ بعيد، مع عملية قصف النويات المخزونة في ذاكرة المتلقي بالدلالات الوافدة المؤججة، فيحدث ما يشبه الانشطار النووي للذرات، مؤديًا إلى تحرير ما بداخلها من طاقة شعورية ووجدانية وثقافية وحسية، فينشأ الهيجان العاطفي والتأثر الوجداني.
إن التكثيف والتمركز العاليين لهذه الدلالة المحمولة في وعيه، ناتجان عن عمليات تراكمية طويلة الأمد، محفوظة في ذاكرته، وهي في حالة سبات. وقد جرى تجميعها بطريقة تجعلها مستعدة للتشظي في أية لحظة تدخل فيها دلالة مشابهة ومحفزة، فتؤدي إلى حدوث سلسلة من الانشطارات، تنتج فرطًا دلاليًا.
المعنى المستحصَل من النص قد يغدو متضخمًا إلى درجة يتجاوز فيها النص ومرجعياته، وهنا نؤشر انتقال مركز الثقل من النص، بوصفه بنيةً لغوية، إلى المعنى، بوصفه تجربةً معاشة.
ولا يقتصر ذلك على النص المكتوب، بل يتعداه إلى النص الحركي الإيمائي، أو الصوتي، أو التنغيم وحده، دون استخدام الكلمات، وما شاكل ذلك.
إنه خروجٌ من مفهوم كثافة المعنى، ليصبح قوةً مهيمنة داخل النص، ويغدو أكثر حضورًا في وعي المتلقي من النص نفسه، وهذا ما أستطيع أن أطلق عليه (مجازًا): هايبرريالية المعنى
(مصطلح "هايبرريالية" (Hyperreality) هو مفهوم فلسفي ونقدي ارتبط أساسًا بـ ـ Jean Baudrillard، ويشير إلى حالة يصبح فيها التمثيل أو المحاكاة أكثر حضورًا وتأثيرًا من الواقع نفسه).
في هذه المرحلة المتقدمة يتم فيها التعتيم على العقل، ووضعه خلف حجب التستر، فيتولد جنون النص. ففي حالة تجاوز المنظومة الدلالية والخطابية الحافات العليا للاتزان المطلوب، تكون العناصر المؤلفة للنظام في حالة توتر قياسي، وانتروبيا عالية جدًا، أي في درجة حرجة من التشتت. وعندئذ ينتقل الخطاب من الإخبار والإقناع والتوجيه إلى التحفيز والحث، باستثمار الدافع العاطفي والانفعالي، فينتج طاقةً استثنائيةً وتكثيفًا استثنائيًا للدلالات الخارجة عن المألوف، فتنتج بدورها فرطَ دلالةٍ بمعانٍ متضخمة تمنح زخمًا شعوريًا ووجدانيًا، وقدرةً غير مألوفة على التحفيز في تلقي النصوص، وتوحي للمتلقي بأن المعنى قد انسحب من مرجعيته النصية، وأصبح يمتلك طاقة توتر عالية جدًا تسمح له بأن يفرض واقعه الخاص داخل بنية النص.
إن تجاوز العتبات يخرج النص من اتزانه، فيبدو جنون النص واضحًا للعيان.
وحين نقول إن النص يكتب المؤلف، في أحايين كثيرة، فإننا نعني أن منتجه يضخ شحنةً فائقةً من المعلومات والإحالات والرموز، بقصد إثراء المتلقي، وهو لا يعلم أن النص لا يستوعب كل هذا الكم المعرفي، فيؤدي ذلك إلى طفح النص، وينساق بعيدًا باتجاه سيولته... بعدما فقد وعاءه، فتسقط الحجة من يد المؤلف، ويبدأ بالانسحاب إلى ما وراء المنطق. ويعود ذلك إلى الجنون الذي يحكم قبضته على محتواه الفكري والمعرفي، ويبدأ بمنح المتلقي اضطرابًا مفاهيميًا وتشوهًا في لذة التلقي.
إن خروج النص عن نظام التلقي المألوف، في إدراكه للمحسوسات، وفي تفسيره للأشياء، وفي طرح الأسئلة الإشكالية، وقراءة الأحداث، وتضبيب رؤيته للعالم وفق ما هو معاش ومدرَك، يؤشر حالة خلل في بناء الخطاب؛ إذ إن جنون النص يسحب عقل المؤلف إلى الحافات الحادة، وإلى مسارات غير مخطط لها، بحيث يجعله ينقل العناصر المكوِّنة للخطاب إلى مديات بعيدة من التوتر.
فهل تفترض فرط الدلالة شروطًا خاصة في طبيعة الخطاب؟
يرتبط هذا الافتراض بشروط إنتاجها داخل الخطاب، وهي شروط تجعل الطاقة التأويلية للمعنى تتجاوز حضور البنية اللغوية، فيصبح القوة المهيمنة في عملية التلقي. وقد يقترب هذا المفهوم من «فرط التأويل» عند أمبرتو إيكو، المشتغل بحدود التأويل ومتى يغدو التأويل منفلتًا من قيود النص..
(امبرتو ايكو، فرط التأويل (Overinterpretation)، من أشهر المفاهيم التي دافع عنها، خاصة في كتابه Interpretation and Overinterpretation.)
إلا أن هذا ليس ما أقصده. فما أعنيه ليس نتيجة حرية التأويل، بقدر ما هو تفاعل الدلالة المحمولة في الخطاب مع البنى الثقافية المتراكمة في وعي المتلقي، التي تولد بدورها طاقة شعورية تتجاوز الدلالة الأولية للنص؛ أي العمل على توليد الأثر الدلالي المتضخم داخل المتلقي، لا نقد الإفراط في التأويل. غير أن هذا الانفتاح التأويلي يسمح للمتلقي بالمشاركة في إنتاج الدلالة؛ إذ إن السياق الثقافي المشترك بين النص والمتلقي هو الذي يمنح بعض الكلمات وزنًا يفوق معناها المعجمي.
ومع الأخذ بنظر الاعتبار أن ليس كل نص قادرًا على إنتاج فرط دلالي، فإن ذلك يقتصر على الخطابات التي تمتلك شروطًا معينة، مثل العلامات التي تمنح أكثر من معنى واحد، أي تلك التي لا تنغلق على ذاتها، وتكون محملة بالرموز، والاستعارات، والإحالات الثقافية التي ذكرناها سابقًا، مع وجود التوتر النصي والطاقة المحمولة اللذين يسمحان بجعل المتلقي ينجذب إلى الأفق الدلالي أكثر من اهتمامه بالبناء اللغوي.
فهو ليس غاية في ذاته، بل هو وسيلة لإنتاج تضخم في الانفعال. كما أرى أن هذا الانفعال قد يكون واحدًا من آليات اشتغال البروباغندا، التي تقدم تفسيرًا لآلية تأثير الخطاب.
فمثلًا، إن سلطة الخطاب المنتج من قبل السلطة السياسية الحاكمة، أو السلطة الفقهية الكهنوتية، ولا سيما إذا كان معززًا بالوسائط الحاملة المؤثرة في الخطاب، بحسب الفرنسي ريجيس دوبريه،
(ريجيس دوبريه: مفكر وفيلسوف فرنسي، يعد من أبرز المفكرين الذين درسوا العلاقة بين الثقافة والوسائط والاعلام والسياسة، ثم تطور مشروعه الفكري لاحقا الى دراسة كيفية انتقال الأفكار عبر الوسائط).
فتُعاد صياغة الخطاب وفق خصائص الوسيط، بما يفعّل طاقته الشعورية ويعظم أثرها. فالوسيط يؤدي دورًا مهمًا في تعزيز الدلالة، وبصيغ متعددة، ويعد عاملًا مساعدًا في إنتاج فرط الدلالة؛ إذ يكون معززًا في أحيان، ومخفقًا في أخرى. وقد يكون حاملًا لأنساق مضمرة تعمل على إعادة تشكيل الخطاب وتأجيجه، وفق سياق مختلف عما أُريد له، وقد يتدخل في صناعة الكيف في القول والفهم. خاصة في النصوص التي تمتلك تأثيرًا كبيرًا في المتلقي، كالمراثي الدينية، والأناشيد، والبكائيات، ومجالس العزاء، ، وصولًا إلى فرط الدلالة. وذلك بخلاف الخطاب الصادر عن فرد مجهول لا يمتلك تأثيرًا في المتلقي. ويقودنا ذلك إلى مقولة مارشال ماكلوهان الشهيرة: «الوسيلة هي الرسالة».
(مارشال ماكلوهان، فهم وسائل الاعلام: امتدادات الانسان، نيويورك، ماكغرو-هيل،1964.)
على أن هذا المفهوم لا ينحصر في المراثي الدينية وحدها، بل قد يظهر، بدرجات متفاوتة، في مختلف الخطابات، وفي السرود القصصية، والروايات، والنصوص الشعرية. إذ يستعمر النص جميع ممكنات الوسائط الناقلة للخطاب في سبيل إيقاع أشد المؤثرات في المتلقي، وجعله أسيرًا له، حتى وإن بعدت المسافات بينهما.
في بعض النصوص الدينية خاصة نجد أن فرط الدلالة يبلغ درجةً تجعلك، بوصفك متلقيًا، تنسى النص وتندمج مع المعنى اندماجًا كليًا.
هذا النمط من التأثير الدلالي، الذي يؤدي لاحقًا إلى إنتاج فرط الدلالة، غالبًا ما يكون فعّالًا في المواضع التي يكون فيها المتلقي عاجزًا عن طرح الأسئلة أو التفكير فيما يحدث؛ أي الجمهور المقاد الذي يرتدي لجامًا يمنعه من النظر إلى الجوانب المختلفة، وتمييز الحقيقة، وقراءة المتغيرات الحاصلة. وهو، في الحقيقة، الجمهور الذي يحمل فوق رأسه خبزًا تأكل الطير منه.
هنا يكون عقل النص قادرًا على فرض الهيمنة المسبقة على عقل المتلقي، مستندًا إلى اسم منتج النص، وتوجهه الفكري، وطريقة إيصال الخطاب، ومواصفات الخطاب، وما ينطوي عليه من قصدية إنتاج مسبقة؛ إذ يُنظر إلى منتج النص على أنه يمتلك زخمًا معرفيًا، وخطابًا متقدمًا لا يستطيع المتلقي مجاراته أو تجاوزه، مما يجعله واقعًا تحت وطأة التأثير المباشر، ويضعه في حالة استعداد لتلقي الأوامر وتنفيذها حرفيًا كما طُلب منه.
ويمتلك المتلقي ذاكرةً مؤثثةً بهذا النوع من الدلالات، تقف على أهبة الاستعداد لتلقي جرعة أخرى من الدلالات الوافدة، فتحفزها على إنتاج تصور أو استدراك معين لتمثيل الحدث مرةً أخرى، وربما بصورة أقوى من السابق، ويقوم خطاب النص بشحنها وإثارتها.
والخطاب، في إدراكه الأولي، يستهدف جملةً من المتلقين المؤيدين سلفًا لما يحمله، أو ربما يحمل المتلقي أثرًا قديمًا أصابه على المستوى الحسي أو الشعوري أو العاطفي. فبمجرد تلقي الخطاب تعمل هذه الدلالات على تأجيج حالة الصراع الداخلي لديه، فيثار بطريقة تتحول فيها الدلالة المخزونة، الراقدة في قاع الذاكرة، إلى سلسلة من الانشطارات، تنتهي إلى إنتاج فرط الدلالة.
الخطاب أشمل من الدلالة؛ فهو الحامل للدلالات إلى المتلقي، بما يتضمنه من قصدية، وترابط، وانسجام، وسياقية، وتفاعلية، وتأثيرية، وهوية أيديولوجية، وديناميكية.
ومع وهم وجود معنى ثابت، فإن اختلاف التأويل يمنح الدلالة درجات متفاوتة من التأثير؛ إذ إن اختلاف نمط المتلقي، أو درجة استجابته للخطاب، أو ما يعنيه له، أو مقدار اهتمامه به، يجعل الخطاب، يحقق تأثيرات مختلفة؛ فقد ينجح في إثارة المتلقي، وقد يفشل في تحريك أي جزء من إحساسه، أو حواسه، أو مشاعره.
ولأجل تعزيز الوجود الفكري لفئة معينة، وضمان بقاء خطابها الفقهي أو السياسي أو العاطفي واستمراره، وبسط السيطرة الفكرية والثقافية على شرائح متعددة من الأفراد، والإبقاء عليهم ضمن مفهوم الانقياد، تسعى هذه الخطابات إلى فرض الهيمنة الثقافية، والسيطرة على الوعي، وتشكيل القيم والمعايير المتسقة معها.
(أنطونيو غرامشي ، في مفهوم الهيمنة، التي تضمنها كتابه الأشهر من دفاتر السجن).
كما لا نستطيع تبرئة الخطاب النيوليبرالي من المساهمة الفاعلة في تغذية هذا التوجه، وهذا النمط من الخطابات المؤدية إلى تسليع الفرد، وإدخاله في وهم العيش، والتبعثر المجتمعي.
ويفضي هذا التحشيد إلى زعزعة البنية الاجتماعية، ويمنح الفرد حالةً من القلق المستديم، وعدم الإدراك، والعجز عن التمييز بين ما ينفعه وما يضره، وعن تقدير مدى تأثير أفعاله في الآخر، والنتائج والمخرجات التي ستؤدي، حتمًا، إلى خلق هذا التوتر السلبي في الحياة الاجتماعية، عبر إضافة جملة من الفواعل التي تحول دون الوصول إلى بنية مستقرة قادرة على إنتاج نموذج الإنسان الواعي، القادر على التفكير، والشك في المبثوثات النصية، وطرح الأسئلة، والتفكير بعيدًا عن الخوف، والتعصب، والعيش في الأوهام، وألا يكون أسير أصنام عقله.



#ولاء_الصواف (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- فيزيولوجيا النص الأدبي بين الكورتيزول الاجناسي والانتروبيا ا ...
- خط استواء النص Equator Text قراءة في الرواية الشعرية (من يسك ...
- خطاب الإبادة.. خطاب السبي خطاب ما بعد استعمار الجسد قراءة في ...
- شجرة البنات* تأريخ الخراب المجيد - قراءة في رواية شجرة البنا ...
- الإله مارس أشواك القنفذ قراءة في رواية (البوت مارس) للروائي ...
- خارج صندوق الحكايات قراءة في روايات عباس الحداد
- وهمُ ثباتِ الثابت أو القادمون من تحت ظلال النخيل قراءة في رو ...
- عين زرقاء لامعة أو الكتابة بعقل محتل/ بعقل مختل قراءة في ...
- امرأة للبيع أو خطاب الأنوثة المستلبة في رواية (ضوء داكن) للر ...
- خطاب النار في حين طار الغراب
- سؤال الغربة والاغتراب في رواية (ولتأتِ مبكراً) للكاتبة سار ...
- ... فثمةَ سؤال ... سؤال الوجود .. سؤال العدم .. الإجابة المؤ ...
- (ربيع وشتاء) قوارب المطاط وخطاب ما بعد الكولونيالية
- الفزاعة
- حدّثنا القمرقال
- كاميكاز-العودة صعودا الى المتن المبارك
- اخبار السواد السعيد
- كي (لا) يفترسك الرصاص
- ذئبك وهم..يا يوسف .. وذئبنا انسان
- ما دوَنته شهرزاد على كفن شهريار


المزيد.....




- مترجم إيطالي: اللغة العربية تُعلّم التواضع والمثابرة
- أبرز أفلام الخيال العلمي في 2026.. لماذا عاد المستقبل لقيادة ...
- أشبه بفتح مقبرة فرعونية.. كنز بصري يوثق تاريخ الإسكندرية
- نصف قرن من -البث المباشر من عمّان-.. حين يصبح برنامج إذاعي ص ...
- بيت المدى يستذكر القاص والمسرحي جليل القيسي (صور)
- -بروكوفييف 135-.. عرض موسيقي مبتكر في ذكرى المؤلف الكبير
- لوحات فنية بقيمة مليار روبل تُطرح في مزاد علني بموسكو
- لاتفيا تقرّ حظر بث بعض أغاني المؤلف الموسيقي اللاتفي رايموند ...
- برلماني أوروبي ينتقد دور المفوضية الأوروبية في الثقافة بعد س ...
- حسام جنيد يعتذر للشعب السوري: -غلطت.. والاعتراف بالذنب فضيلة ...


المزيد.....

- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - ولاء الصواف - فيزيولوجيا النص الأدبي (الجزء الثاني) جنون النص من الدلالة إلى فرط الدلالة