|
|
الإله مارس أشواك القنفذ قراءة في رواية (البوت مارس) للروائي العراقي علي السباك
ولاء الصواف
الحوار المتمدن-العدد: 8738 - 2026 / 6 / 16 - 14:05
المحور:
الادب والفن
يقدم (أرنولد توينبي)** في كتابه ( دراسة في التاريخ) ، فكرة واضحة في أنَّ الحضارةَ أيةَ - حضارةٍ - تمرُّ بذاتِ المراحلِ التي يمرُّ بها الإنسانُ من مرحلةِ الطفولةِ إلى الفتوةِ والنضجِ إلى مرحلةِ القوةِ الكاملةِ، ومن ثُمَّ تعودُ إلى حالةِ الضعفِ والانهيارِ.. بمعنى الحركةِ الموجيةِ للنموِ والضمورِ. كلُّ حضارةٍ لها منظومةٌ فكريةٌ ايديولوجيةٌ ومعرفيةٌ خاصةٌ بها، ونرى ذلكَ بوضوحٍ من خلالِ دراسةِ الحالةِ الاجتماسية والاقتصادية والأنثربولوجية، كذلكَ الحالةَ الميثولوجيةَ، فكلُّ حضارةٍ تقومُ ببناءِ منظومةٍ عباديةٍ خاصةٍ بها وتصنعُ مجموعةَ آلهةٍ تميزُها عن باقي التجمعاتِ البشريةِ في مكانٍ آخر.. فصناعةُ الربِّ صناعةٌ بشريةٌ بامتيازٍ . وفي كتابهِ ( الاستراتيجية : المقاربة غير المباشرة)، يصفُ (ليدل هارت)*** كيف يتم التمكن من المعسكرِ المقابلِ دونَ اللجوء إلى التماسِ المباشرِ معه، بل عبرَ وسيطٍ غير مباشرٍ يشتغل على اضعاف حالته النفسية وبث عناصر الاحباط فيه. هنا أستعيرُ هذهِ الجملةَ - المقاربة غير المباشرة - كمدخلٍ لقراءةِ (البوت مارس) روايةُ علي السباكِ لاستخراجِ الوسيطِ بينَ ( الطبيعةِ – الإنسانِ- الربِّ).. الثلاثيةِ التي تشتغل عليها الرواية، هذا الوسيطُ هو المنظومةُ الفقهيةُ المتمثلةُ بالكهنةِ الذين يحسمونَ النصرَ دائماً للإلهِ عن طريقِ مهاجمةِ الإنسانِ عَبرَ قوى الطبيعةِ الغاضبةِ والظواهرِ المبهمةِ لتحقيقِ الانهيارِ النفسيِّ ومهاجمةِ نقاطِ ضعفهِ وأهمُّها الخوفُ. - الطبيعةُ المتمثلةُ بالبركةِ والغاباتِ وبساطِ الأرضِ الأخضرِ، الماءِ، سفوحِ الجبالِ، الوديانِ، المروجِ وهكذا، والتي تنقلبُ فجأةَ فَتُحدث حالةً لا شعوريةً من الخوفِ والرعبِ (غضب الطبيعة). - الإنسانُ وبطبعهِ ككائنٍ اجتماعيٍ يتصفُ بحالاتِ الغضبِ غيرِ المسيطرِ عليهِ أحياناً فيُحدثُ حالةً من القلقِ تصيبُ أيَّ تجمعٍ بشريٍ يتواجدُ فيهِ . - الإلهُ هوالقوةُ المسيطرةُ وصاحب القدرة الغاضبة، ويقوم الكاهنُ (آمدُ) في الرواية بنقلِ غضب الإله على المجموعةِ البشريةِ عن طريقِ استثمارِ عاملِ الخوفِ فيهم، وبطرقٍ خاصةٍ بوصفهِ حلقةَ الوصلِ بينَ الربِّ في سمائهِ والبشرِ في أرضِهم. أعودُ إلى الوراءِ قليلاً لأبينَ أن كلمةَ البوت (BOT) في التقنية هي (اختصارٌ لكلمةِ روبوت) وتُطلقُ على البرامجِ أو الانظمةِ الالكترونية، وتقوم بمهامٍ محددةٍ بدلاً من الإنسانِ، مثل بوت الدردشة (الجات بوت) أو بوت الألعاب أو بوتات إدارةِ القنواتِ في التلغرامِ ووسائلِ التواصلِ الاجتماعي .. وظيفةُ البوت تنفيذُ الأوامرِ بشكلٍ تلقائي ( إرسال، ردود، جمعِ بياناتٍ، تشغيلِ أوامرَ) . الفرق بين الانسانِ والبوتِ هو أنَّ الإنسانَ يردُّ بشكلٍ متنوعٍ وغيرِ متوقعٍ بينما البوت يردُّ حسبَ برمجتهِ فقط بمعنى هو محدودٌ بالقواعدِ التي وضَعَها المبرمجُ. الروائيُّ أعطى مسمياتٍ غريبةً لأشخاصهِ غيرِ مألوفةً، زيادةً في التغريبِ، فهذا (كيروك) مكتشف حقيبة (البوت مارس) .. وتلك (فوليتا) الصديقة وزوجه لاحقاً.. (آمد) الكاهنُ .. (جوجيوس) الأبُ.. (جانست) عالمُ الآثارِ يسكنُ مدينةَ (ويبلو) .. (سادرن) زوجُ عالمِ الآثارِ .. (يارينا) ابنةُ (جانست).. (آرسيا) شقيقةُ (كيروك) .. أم (كيروك) .. (أكرون) المترجمُ يسكنُ مدينةَ (كانسا) .. (ماري) الصحفيَّةُ – صديقةُ (راشيل) ابنةُ الدكتور (ماثيو) الذي أطلقَ برنامجَ (مارس).. وأسماءُ مدنٍ مبهمةٍ كذلك، في عالمٍ ينسجهُ خيالُهُ المحض ليرويَ لنا حكايةَ الحبِ والخوفِ والربِّ العظيمِ الجديرِ بالعبادةِ. (البوت مارس) البرنامج الالكتروني ابتداءً .. الإله (مارس) فيما بعد، أسماهُ (مارس) إشارةً إلى إلهِ الحربِ بما يُضفي صفةَ الموتِ على الربِّ المعبودِ الذي يحاربُ كلَّ انسانٍ يقولُ (لا) والذي تطورَ مفهومُهُ من آلافِ السنينِ ليصبح قاراً على ما هو عليهِ الآن. يقول الكاهنُ (آمدُ) في خطبة له في المعبد:( هنا فقط تتبينُ مشيئةُ الإلهِ بأنْ يجعلَ الإنسانَ ضعيفاً، كي يُظهرَ هو قدرتَه على التحكمِ بمصائرِ الناسِ وأحوالِهم، هو يذكِّرُهم بعجزِهم وضيقِ حيلهِم، ومحدوديةِ تفكيرِهم، وعلمِهم، كي يحتفظَ بالحقيقةِ لذاتهِ).الرواية ص87. فـ (مارس) إلهُ الحربِ عند الرومانِ والممثلُ (للخوفِ) في الميثولوجيا الرومانيةِ، يقابلُ (آريس) في الميثولوجيا الاغريقيةِ ، و(مونتو) إلهُ الحربِ المصريِّ الذي يكونُ على هيئةِ رجلٍ برأسِ صقرٍ، و(نينورتا) المحاربُ الذكوريُّ الذي يمثلُ (القوةَ والنظامَ والدفاعَ) في الحضارةِ السومريةِ و(إنانا) التي تمثلُ جانبَ الحربِ الأنثويِّ (العنف – النزاع – الصراع على السلطة) إضافة لكونها إلاهةَ حبٍ وخصوبةٍ، وكذلك (نرجال) إلهُ الحربِ في الحضارةِ البابليةِ وهذه الحضاراتُ متقاربةٌ زمنياً إلى حدٍّ ما. البرنامجُ (مارس) الذي أطلقهُ الدكتورُ (ماثيو) ليكونَ حاميًا للحضارةِ، وعنصرًا فاعًلا في تقدمِ البشريةِ، عبثتْ به أيادٍ خفيةٌ، خبيثةٌ، حولتهُ إلى أداةٍ قاتلةٍ فورَ اطلاقهِ في الشبكةِ العنكبوتيةِ، وأصبحَ غيرَ مسيطرٍعليه وفتاكًا، بثَ الرعبَ والخوفَ والدمارَ، ثم ما لبثَ أنْ تحوَّلَ إلى إلهٍ بفعلِ تقادمِ الزمنِ، نشأ الإلهُ الجديدُ (الصبي) وتغيّرَ بفعل القوى التاريخيةِ والاجتماعيةِ، فكان بذاتِ المواصفاتِ من تدميرٍ ورعبٍ وهلاكٍ وخوفٍ، في وقتٍ كانتْ صفةُ الإلهِ المفترضةُ هي الرحمةُ والحبُّ والجمالُ، فقد عبثتْ به أيضًا أصابعُ الكهنةِ لتحوّلَ الربَّ إلى قاتلٍ شريرٍ، فالمقاربةُ بينهما متطابقةٌ، فقط تغيرتْ الوظيفةُ وتغيرَ الوصفُ. معرفةُ مدى قوة الخوف، تأتي بدرجاتٍ متفاوتةٍ حسبَ المعرفةِ، وعن طريقِ الكاهنِ فهو حلقةُ الوصلِ، يقول (كيروك): (أبي والكاهنُ كانا كثيراً ما يتحدثانِ عن المجاهيلِ في الكونِ التي تحيقُ بوجودِنا وهذا مردُّهُ إلى عدمِ قدرةِ ادراكِنا ومعرفتِنا بينما الكاهنُ يردُّها إلى إرادةِ الإلهِ) الرواية ص90. هنا يتجلى خطابُ الخوفِ في التراتيلِ التي تغمرُ فضاءَ المعبدِ (يا أيها الإلهُ، يا أيها المتعاليُ، يا من خلقَ كلَّ شيءٍ، وهو القادرُ على أنْ يفنيَ بضربةٍ من كفهِ كلَّ شيءٍ) الروايةُ ص5. مفرداتٌ مثلَ الغضبِ والعقابِ والسخطِ والعذابِ واللعنةِ كلُّها مفرداتٌ متوفرةٌ جداً في متونِ الكتبِ الدينيةِ وإن توفرتْ مفرداتٌ مثلَ الرحمةِ والمغفرةِ والثوابِ والتي تُعدُّ كمعادلٍ موضوعيٍّ لها فأنَّ كفةَ الخوفِ هي الراجحةً دائماً. ( لذا من الأسلمِ أنْ نكتفيَ بما يقدمُه لنا المعبدُ من إجاباتٍ على بعضِ الأسئلةِ التي تدورُ في خَلَدِنا فهو الوحيدُ المخولُ بذلك وهو الوحيدُ الذي يمتلكُ الإجاباتِ) الرواية ص17. بمعنى هو الوحيدُ الذي يملكُ الحقيقةَ وليعلنَ عن نفسهِ من ضمن السردياتِ الكبرى. فكرةُ (نيتشه) (إنَّ كلَّ خطابٍ هو قناعٌ، كلُّ فلسفةٍ هي لعبةُ تخفي، وكلَّ رأيٍّ يُخفي شيئاً خلفَه) .. فخطابُ السباكِ في هذه الرواية، قناعٌ لفلسفةٍ معينةٍ هي فكرةُ السباكِ عن الإلهِ والوجودِ والخوفِ الذي يؤدي إلى صناعة أربابٍ بمسمياتٍ مختلفةٍ وعبادةِ آلهةٍ معينةٍ دونَ غيرِها. هنا يسجلُ السباكُ اعتراضَهُ على (الدينِ الفقهيِّ المؤسساتي) ، بغض النظرِ عن ماهيةِ هذا الدينِ فهو يشككُ حتى يصلَ إلى درجةِ الاقتناعِ ومِنْ ثمَّ اليقينِ.. ضربَ القدريةَ .. هنا يقفُ وجهاً لوجهٍ أمامَ السردياتِ الكبرى التي تحتكرُ الحقيقةَ فيقول: (هذا الإلهُ حينما خلقَ للبشرِ عقولاً، إنما أرادَ لهم أنْ يفهموا عقولَهم، وأنْ يفكروا بها، وأن يتخذوها وسيلةً لإدراكِ الصواب، أما إن كان هو من يوجِّه، ومن يتحكمُ، ومن يقررُ، كما يقول الكاهنُ، فإنَّ هذا يجعلُ من خلقِ العقلِ مجردَ عبثٍ لا طائلَ منه) الرواية ص 138 . موتُ الإلهِ عند (نيتشة) (يعني سقوطَ المرجعيةِ الدينيةِ التي كانت تمنحُ الوجودَ معنىً وغايةً، وما يترتبُ على ذلكَ من فراغٍ وجوديٍّ وأزمةِ قيمٍ وهو ما يفتحُ البابَ أمام ظهورِ الإنسانِ الأعلى الذي يخلقُ قيمهُ بنفسهِ) انتهى الاقتباسُ هنا ، موتُ الإلهِ يعني تناميَ ثقة الإنسانِ بنفسهِ على قهرِ الخوفِ.. ويولدُ الإلهُ كنتيجةٍ لانهيارِ الثقةِ بالنفسِ وسيطرةِ الخوفِ بالكاملِ على مجرياتِ الحياةِ وهذا دائماً ما يحدثُ في التجمعاتِ البشريةِ البدائيةِ أو ما يحصلُ في حالةِ الوصولِ إلى حافةِ الانهيارِ في المجتمعاتِ التي تتعرضُ إلى كوارثِ الإبادةِ الجماعيةِ فتنتجُ جيلاً لاحقاً لا يعترفُ بالمنظومةِ الدينيةِ السابقةِ نتيجةَ تخليها عن الإنسانِ المصنوعِ بأيديها وتحت رعايتِها – الراعي - (فما فائدةُ الراعي إذا هلكتْ الرعيةُ)، بلْ في بعضِ الأحيانِ تتمُ إضافةُ الكثير من المستحدثاتِ من خرافاتٍ وأساطيرَ تطلي بها جسدَ الربِّ السابقِ لانتاجِ ربٍّ لاحقٍ بمواصفاتٍ مختلفةٍ تتناسبُ وطبيعة الحياةِ المعاشةِ في حينها. وهذا لا يمنع من حاجة الإنسان إلى طقس ايماني خاص به. صناعةُ الربِّ لم تأتِ من فراغٍ بل كانت نتائجَ لصراعاتِ القوى والتحولاتِ التاريخية. الروايةُ لم تكشفْ عن طبيعةِ الصراعِ الحقيقي الذي أنتج الإلهَ (مارس)، وكيفَ تحوّلَ تاريخياً بفعلِ تقادمِ الزمنِ إلى إلهٍ مختلفٍ تمامًا عن السابقِ، في وقتٍ أنَّ البقيةَ الناجيةَ من البشرِ كانت تحتفظُ بالمسمياتِ الأولى للربِّ والعبادةِ وتحتفظُ بمعرفةٍ عن ماهيةِ الربِّ، أي تمَّ اغفال الجانب التطوري في إحداثِ المفاهيمِ المتعلقةِ بصناعةِ الربِّ الجديد. في الخطابِ التوراتي يجيءُ الربُّ (يهوه) بأمر لبني اسرائيلَ أنْ يذبحوا خروفاً ويضعوا من دمهِ على القائمتين والعتبةِ العليا لأبوابِ بيوتِهم (( فيكونُ لكمُ الدمُ علامةً على البيوتِ التي أنتم فيها، فأرى الدمَ وأعبرُ عنكُم فلا يكون عليكم ضربةٌ للهلاكِ حينَ اضربُ أرضَ مصرَ )) وهو ما مدوّنٌ في العهد القديم في الاصحاح الثاني عشر من (سفر الخروج 13:12 )، ليأتيَ بعدُه الربُّ الإنجيلي الذي أنجبَ ولدًا وأجلَسَهُ قربهُ على دكةِ العرشِ وأسماهُ الربَّ المخلصَ القديرَ، وفيما بعد يأتي الربُّ القرآني الغفورُ الرحيمُ .. نلاحظُ هنا كيف تغيرتْ وظيفةُ الربِّ بين الدياناتِ السماويةِ وهي السردياتُ الكبرى التي تحتكرُ الحقيقةَ وتحتكرُ الحريةَ المتعلقةَ بحياةِ البشرِ وكينونتِهم وبقائِهم. في الروايةِ الخيطُ الأبيضُ من الفجرِ بوصفهِ كاشفًا لظلمةٍ طويلةٍ، البرنامج الألكتروني (مارس) والذي أصبحَ فيما بعد إلهًا، هنا نتحدَثُ عن الفواعلِ التي انتجتْ الإلهَ الجديدَ كيفَ تم استحداثُه؟ وما هي المنظومةُ التي أوجدتهُ ؟، استحداث آلهةٍ جديدةٍ ونموُّها وتمكينُها من السيطرةِ على العقولِ هي نتاجُ استسلامِ التجمعاتِ البشريةِ لسلطةِ الخوفِ، نتاجُ صراعٍ طبقيٍّ بين المتنِ القائدِ والهامشِ المقادِ، بين رغبةِ المتنِ في الاستحواذِ على سلطةِ رأسِ المالِ واستنزافِ قوةِ الهامشِ مشفوعةٌ بالتردي الاقتصادي وعدمِ الوعي والأمراضِ الفتاكةِ، لإبقائهِ تحتَ السيطرةِ .. حيثُ عندَ الكوارثِ دائمًا ما يتمُّ اللجوءُ إلى الربِّ من أجلِ الخلاصِ، وبينَ رغبةِ الهامشِ في نيلِ مرضاةِ اللهِ. غيرَ أنَّ الروائي لم يغفلْ الطبيعةَ البشريةَ المجبولةَ على الحبِّ والعاطفةِ، هنا تحرّكَ الشاعرُ في قلبِ الروائي (هل يعقل أن ثمةَ من هيَ أجمل من فوليتا) الروايةُ ص146. هنا أعطى للمرأةِ المعادلَ الموضوعيَّ لصناعةِ الخوفِ واختراعِ الربِّ بوصفها أي المرأة هيَ الفكرةُ وفقَ المفهوم الديكارتي والرغبةُ حسَبَ (سبينوزا) والعاطفةُ كما قالَ (فرويد) والنعيمُ كما ذكر (نيتشه).. ربما أراد الروائي هنا التفريق بين خطاب العنف وخطاب الجمال، وأعطى المساحة الغالبة للخطاب الجمالي في الرواية. خطاب السلطة والعنف وصناعةُ الخوفِ وبثُ الرعبِ في قلوبِ الناسِ ورسمُ صورةٍ دمويةٍ للإلهِ، كان من نصيب (آمد) الكاهن، هذه الاشتغالات يرى أنها من سمات (القوة الصلبة)، وأنها مجدية في إنتاج خطاب الخوف، في وقت منح (فوليتا) الخطاب الجمالي، وهي التي مارست على (كيروك) خطاب (القوةِ الناعمةِ) ، التي تعملُ على التأثيرِ في السلوكِ الإنسانيِّ ولها القدرة أيضا على صناعة الخوف وبث الرعب في قلوب الناس وفق مفاهيم مغايرة وأساليب مختلفة، بمعنى هي فاعلة في إنتاجِ الغايةِ (الخوفِ والرعبِ)، وحاولت بث الخوف في نفسه محاولةً منعه من الاستمرار في الكشف عن (البوت مارس). نعم تمَّ تغييرُ الربِّ لكنْ تمَّ الابقاءُ على النمطِ البطرياركيِّ الأبويِّ الذكوريِّ في الرهبةِ والرهبنةِ ، فلمْ يجرِ عليها التغييرُ، أي لم تتحولْ الكهانةُ إلى الماترياركية الأُمومية الأُنثوية، التي يرى أنها قد لا تتوافقُ في حالٍ من الأحوالِ مع فعل التغيير بل بقيت محافظة على الأصل لا كما حصل للرب المصنوع. الانقلابُ المعرفيُّ الذي أرادَ الروائيُّ إيصالَهُ هو منحُ (آمد) الكاهنِ دوراً هامشيًا في العملِ الروائيِّ علمًا أنهُ يشتغلُ ضمنَ المتنِ المتمثلِ بالسلطةِ الغاشمةِ، هنا اللعبُ وفقَ ( هوامشِ المتونِ- وتمثلُ نقاطَ الضعفِ في المتنِ، ومتونَ الهوامشِ – وتمثلُ نقاطَ القوةِ في الهامشِ). الروائيُّ هنا لم يشأ تسليطَ الضوءِ على الجزءِ الخفيِّ من شخصيةِ (آمد) الكاهنِ، أي الكشفُ عما هو مخفيٌّ خلفَ الآراءِ المثاليةِ التي كان يطلقُها، فعدَّهُ من هوامشِ المتنِ، وبالتالي لم يلقَ بالاً لمعرفةِ التطورِ التاريخيِّ، الذي أوصلَ الربَّ إلى ما هو عليهِ. نعم هي لحظةُ انقطاعٍ فاصلة بين زمنين، بين دوائر رفضٍ تشتبكُ مع قوى السلطة، تمثلت في الكلماتِ الأخيرةِ من الروايةِ، حينَ أعادَ (كيروك) بابَ المعبدِ المؤاربِ بعد أن فتحهُ إلى ما كانَ عليهِ، ومضى في حالِ سبيلهِ من دون أن يلتفت، حيث أرادَ البقاء ضمنَ دائرة الرفضِ، ومن دون إبداءِ خطاب للرفضِ، ليس بالضرورةِ أن يكونَ هو المعنى الذي أطلقهُ الروائيُّ السباكُ في (البوت مارس) . رغبةُ الروائي في إنتاجِ التوازنِ بينَ قيمَ الجمالِ وقيمِ الخوفِ أدخلتْ العملَ الروائيَّ في الفائضِ السرديِّ، وبالتالي شفعتْ له اللغةُ العاليةُ التي يتسلحُ بها في سحبِ المتلقي إلى المنطقةِ المنتخبةِ في الصفحة الرابعةِ والثمانين للعثورِ على الحقيبةِ التي تمثلُ الحدثَ المركزيَّ للروايةِ ونقطةَ الأصلِ الرياضياتيةِ التي تنطلقُ منها كلُّ الخطوطِ المستقيمةِ موزعةً في الاتجاهاتِ كافةً. كانت تشبهُ تمامًا أشواكَ القنفذِ.
إحالات: * (البوت مارس): رواية الروائي والشاعر العراقي علي السباك والصادرة عن مؤسسة أبجد للترجمة والنشر والتوزيع/ بابل 2025 ** أرنولد توينبي: (1889 – 1975) مؤرخ وفيلسوف تاريخ بريطاني بارز، يُعد من أبرز المفكرين الذين حاولوا فهم مسار الحضارات البشرية بشكل شامل ومقارن. *** ليدل هارت: هو بازل هنري ليدل هارت، مؤرخ ومفكر عسكري بريطاني ( 1895 – 1970) ، يُعد من أبرز المنظرين الاستراتيجيين في القرن العشرين اشتهر بكتابه (الاستراتيجية : المقاربة غير المباشرة).
#ولاء_الصواف (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
خارج صندوق الحكايات قراءة في روايات عباس الحداد
-
وهمُ ثباتِ الثابت أو القادمون من تحت ظلال النخيل قراءة في رو
...
-
عين زرقاء لامعة أو الكتابة بعقل محتل/ بعقل مختل قراءة في
...
-
امرأة للبيع أو خطاب الأنوثة المستلبة في رواية (ضوء داكن) للر
...
-
خطاب النار في حين طار الغراب
-
سؤال الغربة والاغتراب في رواية (ولتأتِ مبكراً) للكاتبة سار
...
-
... فثمةَ سؤال ... سؤال الوجود .. سؤال العدم .. الإجابة المؤ
...
-
(ربيع وشتاء) قوارب المطاط وخطاب ما بعد الكولونيالية
-
الفزاعة
-
حدّثنا القمرقال
-
كاميكاز-العودة صعودا الى المتن المبارك
-
اخبار السواد السعيد
-
كي (لا) يفترسك الرصاص
-
ذئبك وهم..يا يوسف .. وذئبنا انسان
-
ما دوَنته شهرزاد على كفن شهريار
المزيد.....
-
-سلمى-.. مسرحية كردية تتناول قضايا إنسانية الإبادة والهجرة
-
معرض -إبداعات سومرية- يستعيد حضور الفنانات بين مدارس متنوعة
...
-
من كواليس التصوير إلى غرفة الإنعاش.. تفاصيل الرحلة الأخيرة ل
...
-
من المدرجات إلى إنستغرام.. كيف عاش الفنانون العرب أجواء المو
...
-
أيقونة -بيكسار- تعود للشاشات.. نظرة على تاريخ فيلم -توي ستور
...
-
خطفت الأنظار.. قطة تضحك الجمهور خلال عرض مسرحية -روميو وجولي
...
-
كيف أصبحت -بينك- أشهر مخرجة فيديوهات موسيقية في أفريقيا؟
-
مونديال 2026: فرنسا -السنغال/ بالغناء والرقص جماهير المستدي
...
-
الحكومة تمضي قدمًا في مقترح إلزامية روضة اللغة
-
من أفلام بوند إلى اتفاق إيران.. ماذا يخفي جبل بورغنشتوك؟
المزيد.....
-
نافذة ـ قصص قصيرة جدا
/ حسين جداونه
-
جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال
/ كمال التاغوتي
-
اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث
...
/ السيد حافظ
-
سِنّمار
/ كمال التاغوتي
-
مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد
...
/ عيسى بن ريمة
-
يونان أو قهر النبوّة
/ كمال التاغوتي
-
إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي
/ ريتا عودة
-
طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة
/ احمد صالح سلوم
-
حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي
/ نايف سلوم
-
احلام الفراشة مجموعة قصصية
/ أمين أحمد ثابت
المزيد.....
|