أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - ولاء الصواف - (ربيع وشتاء) قوارب المطاط وخطاب ما بعد الكولونيالية















المزيد.....

(ربيع وشتاء) قوارب المطاط وخطاب ما بعد الكولونيالية


ولاء الصواف

الحوار المتمدن-العدد: 8576 - 2026 / 1 / 3 - 21:53
المحور: الادب والفن
    


(أنا أفقد هويتي التي كنتها في بلدي، يا سيدي، ولم أعد سوى لاجئ، ولا أملك شيئًا غير الانتظار… بدأت أتماهى مع هذا الوضع، وبدأت أحسّ أني حقًا لا أساوي شيئًا(. الرواية، ص 202.
ربيع وشتاء، رواية عاطف الحاج سعيد، منشورات إبييدي، مصر، الطبعة الأولى، 2019
نحو شمال المتوسط ...
قواربُ المطاطِ القادمة من الجنوب الغارق في التبعية والاغتراب والجهل والثروة المُبدَّدة، تحمل أجسادهم المُنهكة وكلَّ تداعيات الحروب والصراعات التي تفتكُ ببلدانِهم الخارجة من حلقة الاستعمار المُحكَمة وخطاباتِه التي أجَّجت روح العنف فيهم، وما بين أنظمتِهم الاستبدادية التي أفرغت أجسادهم وعقولهم من محتواها، ووسَّعت الفارق الطبقيَّ بين مكوّناتِهم، حيث تعذَّر القياس وحساب المسافة.
قوارب المطاط، حين تقذف بهم على البرِّ في الشمال، تمهِّد الطريق كي يعيشوا التمزُّق بكلِّ تفاصيله، حتى الوصول إلى درجة الانجماد في التفكير؛ فهم أسرى الشوارع والأنفاق ومحطات المترو، وصفوف الانتظار الطويلة للحصول على وجبة غداء.
تلك القوارب كانت تحمل مهاجرين، وكلُّ واحد منهم فكرة آيلة للسقوط في فخِّ الدهشة.
تصطدم هذه الجموع برؤية مغايرة لتلك التي رسموها في أذهانهم عنها، فيحدث الصراع الدامي من عدّة أوجه وعلى عدّة جبهات، بين هوية المهاجر وثقافة بلاد المهجر، وبين هويته الأصلية في بلده ونظامه السلطوي هناك.
(إنّ الهجرةَ اختبارٌ قاسٍ، لن يطيقَ خسائرَها النفسيةَ بشرٌ؛ أتفهّمُ تمامًا كلَّ المشاعرِ السلبيةِ التي تنمو بداخلك، أنا أسمعك وسأساعدك في التخلّصِ منها إلى أن يكتملَ مشروعُ اندماجك في مجتمعك الجديد). الرواية، ص، 14.
البحث عن الهوية في خضمِّ الصراع الداخليِّ بين الفرد والسلطة الحاكمة في بلاده، والخارجيِّ بين الفرد والسلطة الكولونيالية، الذي دائمًا ما ينتهي هذا الصراع إلى حالة هُلامية فاقدة لشكل التكوين، بلا سِمة، بلا خطاب… فيبقى الفرد مسلوب الإرادة، فاقدًا للشخصية المعنوية والاقتصادية والاجتماعية، عاجزًا أمام جدار القوّة المناهِض له.
الأنظمة الدكتاتورية البديلة للكولونيالية تقوم بتفعيل آليات إنتاج القهر السياسي، فإمّا القبول بواقع الحال، أو الهجرة والتماهي والذوبان في الذات الغربية بوصفِها المنتِجة للخطاب المعرفي. هي هجنة الهوية التي تحدّث عنها (هومي بابا).
البحث عن الأجوبة ومنح العقل فرصة لإنتاج فكرة جديدة عن مفهوم العيش… اللجوء إلى الآخر هو إعادة نظر بالمنظومة الحياتية المعاشة بمختلف مستوياتِها وطبقاتِها المعرفية… زعزعة المفاهيم القارّة واستبدالها بمفهومات جديدة من بيئة مغايرة، أو تحريك الراسب في الذاكرة بكلِّ عواهنِه.
غالبًا ما تنتج البلدان المستعمِرة، بعد مغادرة مستعمراتِها، أنظمة سلطوية راكزة (عميلة)، قائمة مقامَها، أي الاستعمار عن بُعد، تُلبّي حاجاتِها وغاياتِها. وإن امتلكت هذه السلطة المُنتَجة نسقًا ظاهريًا معاديًا للكولونيالية، ودائمًا ما تنكّل بها، فإنّ نسقَها المُضمر ينطوي على ولاءات متعدّدة وسياسات اقتصادية مهمّة تدعم وجودَها وتُسهّل لها أسس البقاء كأنظمة دكتاتورية قائمة بذاتها. تمتلك هذه الأنظمة أنساقًا ظاهرية ومضمرة في آنٍ واحد، موجَّهة إلى رعاياها ومكوّناتها؛ فهي تُعلن رسميًا العمل على منظومة العدالةِ وضمان رفاهية المجتمع وإشاعة النظام والمصلحة العامة، في وقت يتحدّث فيه نسقُها المُضمر عن إعادة إنتاج الهيمنة الطبقية والثقافية (بمفهومها الغرامشي) عبر اللغة والتعليم والإعلام والثقافة. وهذا هو مصدر قوّتِها، أي النسق المُضمر، حيث تستطيع إحكام القبضة على رقاب رعاياها وجعلَهم يؤمنون بعدالة سلطتِهم، بينما هي تمارس عليهم دور الجلاد. فما إن رفعتِ القوّة الخشنة يدَها عن هذه المستعمَرات، أبقت القوّة الناعمة تؤدّي الدور ذاته الذي كانت تقوم به، مع ملاحظة أنّهما كانتا تعملان معًا.
تقوم الدول المستعمِرة بتفكيك (التفكيك بالمعنى الوظيفي لا الفلسفي) البُنى المجتمعية للبلدان التي تستعمرها، ومن ثمّ إعادة بناء هذه البُنى وفق ما ترتئيه لتحقيق المعنى المُضمر فيها، وهو إعادة تشكيل الوعي الجمعيِّ وإنتاج جيل جديد يؤمن بواحديّة الخطاب وسيادتِه على بقيّة الخطابات؛ هو الخطاب الذي تنتجُه وتبثُّه، بوصف خطابِها هو الأعلى معرفيًا، وقد يصطبغ هذا الخطاب بصبغةٍ دينيةٍ، مذهبيةٍ، عِرقيةٍ، قوميةٍ، قبليةٍ، أو أيٍّ كان.
اتّخذت الكولونيالية من الإثنولوجيا طريقًا لدراسة الثقافات البشرية للدولة التي تستعمرها، من ناحية نمط الحياة، والبيئة الأُسرية، والطقوس، والعادات، والتقاليد، والمعتقدات، والنظام الاجتماعيِّ السائد، في محاولة لفهم هذا التكوين وبثِّ نظام معرفيٍّ يستغلُّ هذه المفردات لتمهيد الطريقِ لبثِّ خطابِها، وإعادة تشكيل الهوية للبلد المستعمَر وفق إرادة ورغبة المستعمِر، مع تغيير الأنماط الفكرية واللغوية والثقافية، والعمل على تفكيك البنية الوطنية الجامعة وتحويلِها إلى بُنيات متصارعة معًا، طبقيًا ومذهبيًا ودينيًا، قوميًّا وإثنيًا، والعمل على تغييب الفواعل الحاكمة في المجتمع والرابطة بين أفراده، والفواعل المساندة التي تعطي ديمومة البقاء لبنية المجتمع، مع بثِّ موجِّهات بعدم قدرة هذه البلدان على قيادة نفسها، وعلى إنتاج خطاب معرفيٍّ قائم بذاته يتجاوز الكثير من الأطر الجامدة والقارّة؛ فهو خطاب هامشيٌّ لا يرتقي إلى مستوى الخطاب المتعالي المُصدَّر من قبل الدول الاستعمارية بوصفِها المُنتِج الوحيد لمثل هذا النوع من المعرفة الناهضة من الجوانب كافة، على العكس من الخطابات الهزيلة التي تتمثّلُها الدول المستعمَرة الواقعة تحت تأثير نظرية (الهيمنةِ الغرامشية)، والتي تؤكّد أنّ (السيطرةَ لا تتمُّ بسببِ قوّةِ المسيطرِ فحسب، بل تتمكّنُ منّا أيضًا بسببِ قدرتِها على جعلِنا نقبلُ بها ونُسلِّمُ بوجاهتِها).
محوُ الذاتِ المُنتجة من هذا الخطاب، الذات المُنهكة الخارجة توًّا من احتلالات متعاقبة على مدى قرون، ومحاولة محو ما بقي منها ومن مجمل موروثِها الحضاري، وما تبقّى من القيم الاجتماعية التي تتمثّلها، والتي تتعرّض إلى العصف في كلِّ آن.
بعض المجتمع الغربي يقرأُ قيم وثقافات وعادات المهاجرين لكي يفهموا، على نحوٍ أفضل، العالم، مع المحافظة على الهوّة الثقافية بينهما، والتي صنعها الخطاب الكولونيالي.
هذا الخطاب ساهم في تحفيز الراكد من العقل المُحتَل، وتحريك الراسب، وبثِّ روح المثاقفة، وإدخال عناصر جديدة في بنية المجتمع ساهمت في تغيير واقعِه نسبيًا؛ فالطُّرُزُ المعمارية الحديثة، والصحافة، وطرائق النقل، وآلات الإنتاج فواعل لا يمكن إهمالُها.
هذا جميعُه دعا لفيفًا من رعايا هذه المستعمراتِ القديمة إلى الهجرة لأجل الفكاك من الخناق والذهاب إلى الدول المستعمِرة، صاحبة الخطاب الإنساني- حسب الإعلام المُوجَّه ـ المعرفي، الحضاري، الذي يؤمن بالإنسان قيمة عليا وبحقِّه في العيش الرغيد والتمتّع بمتع الحياة.
هذه الدول لا تسمح لهم بتعدّي خطوطِها المُوجِّهة، فيحدث أن يتماهَوا مع المجتمع الجديد والذوبان فيه، فينكرون أصلَهم وفصلَهم، وينظرون بعينِ القسوة إلى أقرانِهم المهاجرين ويصفونهم بأقذع الصفات، يتمثّلُ ذلك في صورةِ (عاصف)، القادمِ من السودان، الشخصية المركزية في الرواية، إذ يقول: (المهاجرين الأفارقة، والذين ينتشرون في شوارعه مثلَ جرذانِ المجاري السوداء) ، الرواية، ص، 9، أو يصفُ السودانيين بالماكيناتِ الجنسية: (إنهم آلاتٌ جنسيةٌ فادحةٌ تعملُ في كلِّ الظروف) الرواية، ص، 57 .
فالشعور بالنقص والاضطهاد والظلم دعاهم إلى ممارسة ذات الشيء مع فئة من الناس تشترك معهم في المواطنة، وحملَهم ذات القارب المطاطي من جنوب البحر. (ربما لم ترَ أحياءَ باريسَ الأخرى التي داهمها المهاجرون القذرون، كأنهم يخرجون من بالوعاتِ الصرفِ الصحي، لا يصلُها هواءٌ ولا تضربُها شمس) الرواية، ص 81.
يتمثّل نمط هذا الجيل في شخصيةِ (عاصف)، الذي توقّف عند الحدود الدنيا لفهم الذات ومقاومة التسلّط:) إحساسٌ داخليٌّ يقول لي إنّ جيناتي يجب أن تذوبَ في دماءٍ أوربية، وأن تضيعَ مع الأجيال كلُّ صفاتي الوراثيةِ الأصلية!) الرواية، ص 184.
وفي محاولة جادّة لجلد الذات والتماهي مع الخطاب الاستعماري يقول (عاصف): (أوربا هذه قارةٌ عظيمة، تحرسُها قيمٌ ومبادئُ ومواثيقُ عظيمة).الرواية، ص31. ويعودُ ليؤكّدَ جلدَ ذاتِه بمنطوقٍ آخر): أهلُ هذه البلاد سئموا من أمثالِنا، تكاثرنا عليهم كتكاثرِ الهمومِ على قلوبِ أهلينا وراءَ هذا البحرِ الكبير، أربكنا لهم حياتَهم بما يكفي لكي يكرهونا إلى الأبد). الرواية، ص 30.
المجتمع الغربي، برفعةِ مقامِه، يظهر بوضوح في سياق الأحداث التي حصلت بين (عاصف)، الشخصية المركزية في الرواية، وبين (آن ـ صوفي) الفرنسية، التي قامت بإيذائِه نفسيًا، وإن علّمته كيف يغسل أسنانَه ويحافظ على النظافة) (آن ـ صوفي) ، التي تمتلك مساحتَها الخاصة، أخفت عن السودانيِّ المهاجر أنّها تدرس الدكتوراه عن أحوال اللاجئين السودانيين: )الاضطراباتُ النفسيةُ المرتبطةُ بالهجرةِ غيرِ الشرعية (حالةُ طالبي اللجوء من السودانيين في فرنسا)، فتنامى شعورٌ قهريٌّ لديه بأنّه كان موضوع دراسة أكثر منه مشروع حبّ. الوازع الجنسيُّ عند (عاصف) متمكّنٌ منه، حتى إنّ (آن ـ صوفي) قالت له: (أنت تشتهيني، أرى ذلك في عينيكَ بوضوح) الرواية، ص 61.
حديث (عاصف)، ابن السودان المستعمَرة، لـ(آن ـ صوفي)، ابنة فرنسا المستعمِرة ـ زوجتِه لاحقًا ـ صاحبة الخطاب المعرفي، وهي التي تخطّط لكلِّ شيءٍ ببراعة، يروي لها كيف هو متأثّر بالخطاب الكولونيالي وذائب فيه؛ إذ يقول):كلُّ ما حولَنا يحدّثني عنكِ بفصاحة، عن نبلِ أصلِكِ وعراقةِ تاريخِكِ، كلُّ هؤلاءِ العظماء أنتِ تحملين قطراتٍ من دمائِهم في شرايينِكِ). الرواية، ص 93.
بينما تتمثّلُ شخصيةُ (عكّاشة لبش)، الذي فهم لعبة الغرب، فلعب على مفهوم نسبيّة الأخلاق، فأصبح مهاجرًا قوّادًا، والذي أسقط (عاصف) في حبائلِه التي ازدرَاها من قبلُ، وعاد للقبول بها وتمثّلها، ليتحوّل فيما بعدُ إلى (جيغولو)، وهي وصفٌ لمن تطلبُه النساء جنسيًا مقابلَ المال. )يكتشف أن تمثّلاته السلبيةَ السابقةَ عن عكّاشة قد تلاشت تمامًا كأنها لم توجد من قبل، يحسّ أنّه أمام شخصٍ ناجحٍ عرف الكيفيةَ التي يحاورُ بها هذا السياق الجديد). الرواية، ص 164.
هناك مقولات نائمة في المنطقة المظلمة من الدماغ تستيقظ في لحظة تحفيزِها بمحفّزٍ خارجي. وإن كان هناك من لمحةِ ضوءٍ في ذلك، فهو ممارسةُ الخطابِ الجنسيِّ والاستحواذُ على النساء كردِّ فعل، وهو الأوضح معالمًا، والذي يميّز من قدموا من جنوب البحر؛ فلم يبقَ من طريق إلا محاولة سدِّ رمق الإشباع الجنسي، وهو الغالب في حالة المهاجرين الذين تربّوا على مبدأِ تأجيلِ الإشباع إلى ما وراء الحياة. فيما يرى آخرون أنّ أقسى أنواع العنف المضاد هو ممارسة العنف الجنسيِّ للنيل من ذات الآخر المستلبة لذاتها، أي يتمّ قهرها جنسيًا وفق مفهومِهم، بينما خطاب الجنس عند الآخر هو خطابُ المتعة.
وليس بعيدًا عن هذا الانحدار ما يحدثُ في ملجأ (أسمريت يماني)، التي تملكُ فراشًا موبوءًا بميكروبِ الجرب، تؤجّرُه للوافدين الجدد كي يُصابوا بهذا المرض، وبالتالي ينالون عنايةً طبيةً وإطعامًا ومنامًا وكسوةً وملجأً جيّدًا من قبل المنظّماتِ الخيرية والسلطات المحلية. ومنهم من ينفصلُ تمامًا عن البنية الجديدة لبلاد المهجر، فيعيش حالة الاغتراب التي تتطوّر لاحقًا إلى أمراضٍ نفسيةٍ قد يصعبُ علاجها. وفي الروايةِ يظهر (بشارة) كنموذجٍ لها، المريض نفسيًا والمصاب بفوبيا الخوف من الكلاب (السينوفوبيا). ومنهم من يحاول العودة ثانيةً إلى بلادِه والعيش تحت سلطة الأنظمة الدكتاتورية، والتخلّي عن أحلامِه باحتضان الشقراوات الفرنسيات، ممثلات أفلام البورنوغرافيك، في الشمال الغنيِّ بهنّ، وفي مخيّلتِه الموغلة في التردّي، ليكتشف عريَه الحقيقيَّ في واقعِه المعاش.
في وقتٍ يبرزُ خطاب معرفي ما بعد كولونيالي من فئةٍ قليلةٍ جدًّا تكادُ لا تُذكر، مناهِضة للخطاب الكولونيالي، وتحاولُ تفكيكَ هذا الخطاب مستعينةً بلغتِه. يظهرُ ذلك بوضوح في شخصية الدكتور (طارق) المترجم، حينما جابه المتنفّذ الفرنسيَّ (مسيو نيكولا)، الذي قال له: )لماذا لا تعودون من حيث أتيتم، أنتم تكتمون أنفاسَنا). الرواية، ص 91. فما كان من (طارق) إلا أن يردّ: (لن نغادرَ هذه البلاد، الأرضُ جميعُها للإنسان، وهو حرٌّ في أن يختارَ مكانَ إقامتِه. اسمح لي أن أقولَ لك إنّ حديثَك فيه عنصرية (الرواية، ص 91.
طمسُ اللغة وتغليب اللهجات نوع من الخطاب الكولونيالي،) إنّنا هنا في أوربا نحسّ هذا التغيير بصورةٍ ملموسة؛ فالناس في إفريقيا، مثلاً، لا يعون هذا التغيير ولا يحسّونه، إنهم في جهلِهم وبلادتِهم يعمهون( الرواية، ص .9.
)متلازمةُ ستوكهولم) غائرة في نفوس المهاجرين الواقعين تحت تأثير الخطاب الكولونيالي، فترى بعضَهم يدافع عن هذا الخطاب بقوّة ويرجم أبناءَ جلدتِه بقسوة… السودان، إريتريا، وإثيوبيا، وأفغانستان، والجزائر، وغيرها من الدول المستعمَرة.
دائمًا يأتي الوصف للمكان العربي في الرواية بسيلٍ من الشتائم… الشعوب العربية بصورة خاصّة، والواقعة تحت تأثير الاستعمار القديم بمسمّياتِه المتعدّدة وطيلة قرونٍ من التبعيّة، كانت مرجعيّات خطابِها إمّا دينية سلفيّة، أو مذهبيّة، أو جنسيّة شبقيّة، أو التغنّي بالأمجاد التاريخيّة السابقة ورفع شعار (كنّا)، أو الاتّكاء على التراث مع غياب واضح للرؤية الآنيّة والمستقبليّة، والبقاء تحت يافطة المجتمعات الاستهلاكيّة غيرِ المنتِجة. كلُّها أرهقت العقل العربيَّ وجمّدتْه عند حدودِه الدنيا، ومنعتْه من الوصول إلى أبسط مقوّمات إنتاج مشروع حضاريٍّ؛ فالجميع يؤدّي إلى خطابٍ قاصرٍ عن الوصولِ إلى الخطاب المعرفيِّ الثقافي، وإن يَكُن، فهل استطاع هذا الخطاب زعزعة أُسُس الخطاب الكولونيالي.
مع تأشيرِ انعدام القدرة على اتّباعِ أسلوب حياتيٍّ يتبنّى المعرفةَ بأشكالِها ويعتمدُ النُّظُمَ الثقافيّةَ مسارًا حقيقيًّا لبناءِ الذات.
قول (عكّاشة لبش لعاصف): (لأنك بكلِّ بساطةٍ غير مهيّأٍ للعيشِ وفقَ منطقِها، أنتَ صنيعةُ منطقٍ آخر، منطقٍ معوَجٍّ وكسيح( . الرواية، ص 165.
إنهم غير قادرين على إنتاج فعل ثقافيٍّ موجَّه للآخر يساويه في القوّة ويعاكسه في الاتّجاه ويعمل بجدٍّ على تفكيكِه، بينما رأينا سلوكًا هو الأكثر وحشيّة من السلوك الاستعماريِّ من قبلِ المهاجرين تجاهَ مواطنيهم، بل كان خطابُهم تعسّفيًّا إلى أبعدِ درجة.
الخروجُ من الاستعمارِ القديم ومن تأثيرِه المباشر، والدخول تحت هيمنة الكولونياليّة الجديدة، يمهّدُ الطريقَ لخفوت صوت الخطاب ما بعد الكولونيالي وضياع ملامحِه كنتيجة حتميّة للذوبان في الآخر، ويقلّلُ من فرصِ إنتاج خطاب مضادّ، خاصّةً مع الاندماجِ بركب الثورة المعلوماتيّة التي تقودُ العالمَ بمسمّى القطبِ الواحد.
… فأين هو خطابُك المضاد، وموجَّهٌ ضدَّ مَن؟ أنت غير متحرّرٍ من الهيمنةِ الاستعماريّةِ الجديدة، فكيف يكون لك خطاب مضاد.
تُظهرُ الروايةُ بوضوحٍ كيف عادتْ قواربُ المطاطِ باردةً إلى الجنوب، وتركتْ أحلامَ المهاجرين طافيةً على وجهِ البحر.



#ولاء_الصواف (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الفزاعة
- حدّثنا القمرقال
- كاميكاز-العودة صعودا الى المتن المبارك
- اخبار السواد السعيد
- كي (لا) يفترسك الرصاص
- ذئبك وهم..يا يوسف .. وذئبنا انسان
- ما دوَنته شهرزاد على كفن شهريار


المزيد.....




- -بي تي إس- تعلن رسميا موعد ألبومها الجديد بعد 4 سنوات من الغ ...
- اعتقال -سينمائي- للرئيس وترامب يؤكد أن بلاده تولت إدارة الأم ...
- المدن المحورية: داود أوغلو يقدم قراءة في خرائط النهوض والسقو ...
- -الأقنعة- للسعودي محمد البلوي.. الحرية ليست نهاية سعيدة
- تطورات الحالة الصحية للفنان محيي إسماعيل عقب تعرضه لجلطة وغي ...
- جميل عازر... من صانع الهوية إلى إرثٍ لا يُنسى
- المعايير العلمية في لغة الخطاب الإعلامي) في اتحاد الأدباء... ...
- -?ي?ا لا ?يتا-.. بسام كوسا بطل مسرحية جديدة في موسم الرياض
- -متحف لا يُنهب-.. قصة إعادة بناء الذاكرة السودانية في العالم ...
- -أنا ألمس إذا أنا موجود-.. قصص نجاح بالدوحة في اليوم العالمي ...


المزيد.....

- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ
- مراجعات (الحياة الساكنة المحتضرة في أعمال لورانس داريل: تساؤ ... / عبدالرؤوف بطيخ
- ليلة الخميس. مسرحية. السيد حافظ / السيد حافظ
- زعموا أن / كمال التاغوتي
- خرائط العراقيين الغريبة / ملهم الملائكة
- مقال (حياة غويا وعصره ) بقلم آلان وودز.مجلةدفاعاعن الماركسية ... / عبدالرؤوف بطيخ
- يوميات رجل لا ينكسر رواية شعرية مكثفة. السيد حافظ- الجزء ال ... / السيد حافظ
- ركن هادئ للبنفسج / د. خالد زغريت
- حــوار السيد حافظ مع الذكاء الاصطناعي. الجزء الثاني / السيد حافظ
- رواية "سفر الأمهات الثلاث" / رانية مرجية


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - ولاء الصواف - (ربيع وشتاء) قوارب المطاط وخطاب ما بعد الكولونيالية