أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - ولاء الصواف - عين زرقاء لامعة أو الكتابة بعقل محتل/ بعقل مختل قراءة في رواية ( الرماد) لأحمد الجنديل















المزيد.....


عين زرقاء لامعة أو الكتابة بعقل محتل/ بعقل مختل قراءة في رواية ( الرماد) لأحمد الجنديل


ولاء الصواف

الحوار المتمدن-العدد: 8669 - 2026 / 4 / 6 - 23:15
المحور: الادب والفن
    


«أما حان الوقت لتنفض يديك من أوساخنا أيها الرب؟» الرواية، ص 139.
« كان هابيلُ راعيًا للغنم، وكان قايينُ عاملًا في الأرض، وحدث إذ كانا في الحقل أن قايين قام على هابيل أخيه وقتله.
فقال الرب لقايين:
"أين هابيل أخوك؟"
فقال:
"لا أعلم. أَحارسٌ أنا لأخي؟"
فقال:
"ماذا فعلت؟ صوتُ دمِ أخيك صارخٌ إليَّ من الأرض."»
سفر التكوين 4: 2، 8–10.

الجزء الأكبر من التاريخ البشري عبارة عن حروب؛ حروب من أجل الاستيلاء على الأرض أو الاقتصاد أو المنافع الاجتماعية الأخرى.
في زمن الحرب تنزاح المشاعر الإنسانية باتجاه المراتب الدنيا، نحو التراجع والتقهقر، بينما تتقدم المشاعر السلبية لتظهر بجلاء في أفق التلقي؛ فالحرب ليست فقط انهيارًا في الأسس البنائية للدولة، أو اندثارًا في أعداد الجنود، بل هي أيضًا تراجع قيميٌّ لكثير من المشاعر والبُنى الحاكمة في المجتمع.
التغيير الخارجي لأنظمة الحكم، دائمًا ما يفرض نمطًا معينًا من السياسات على المجتمع والدولة، بوصفه «المحرِّر»، وعلى المجتمع الانصياع لهذه المفردات؛ فنرى الحديث في بداية الاحتلال، من قِبَل من جاءوا معه، يدخل في حالة تناغم مع السلطة العسكرية الخارجية الحاكمة.
في كل مكان كان يقف الاحتلال بكل عُريه وقبحه ليزرع الخوف في نفوس الناس.
القوة الغاشمة تأخذ الناس رهائن؛ وصناعة الخوف واحدة من أشرس الفعاليات التي تمسك برقاب الناس. فبث الرعب في القلوب هو المرحلة المبكرة من الاستحواذ، وصراع القوى الغاشمة مع بعضها الخارجية والداخلية، مع وجود عدم التكافؤ، يشير إلى الخراب المادي والمعنوي.
نظرية الانقلابات العسكرية في حدِّ ذاتها تؤسس لأيديولوجيةٍ خاصةٍ بها، تعمل على تكوين إدارة حاكمة وسلطة وفق مقتضيات مصلحة الانقلاب، وبالتالي يصبح الناس على دين ملوكها؛ فترى الشعب يصفّق لهذا الانقلاب، ويسير في ركبه، ويتخذ نمط السلطة التي تُقوِّمه، وبالتالي يتطبّع بطباعها. حتى إذا جاء انقلابٌ آخر، تغيّر نمط فكر ومعيشة المجتمع، بما يتوافق مع الانقلاب الجديد، فيحدث صراع بيني، يؤدي بالنتيجة إلى خلق شخصية غير مستقرة، متوترة، غير متصالحة مع ذاتها، لا تعرف السبيل الحقيقي للحياة بكرامة.
في رواية «الرماد» للروائي العراقي أحمد الجنديل، الصادرة عن دار تموز في طبعتها الأولى عام 2012، يقف (جابر)، الشخصية الرئيسة فيها، ليمثل ضياع المجتمع؛ فمثل هكذا حدث أكبر من أن يستوعبه، أوسع من مداركه، فهو نموذج من اختلطت عليه الأمور، يرى في معاقرة الخمر ملجأً من هذيان الواقع المرتبك، يتأرجح بين الحضور والغياب، بين غياب الوعي القسري، وحضور الرصاص.
« في أحد الشوارع كان حشدٌ يتمحور حول جهاز التلفاز، وهو يبث صورًا عن آثار الدمار الذي تعرَّضت له بغداد، وعندما وصل إليهم رعدُ الطائرات تبخَّر الجمع، تاركًا التلفاز يلهث بنشيدٍ وطني.» الرواية، ص 27.
ردود الأفعال غير متجانسة إزاء وضع كهذا؛ بين مؤيد ورافض، وبين من يقف على الحيادُ لحين جلاء الأمر واستبيان الحقائق، ولكن من غير المتوقع، وقتئذٍ، أن يدخل المجتمع في أكذوبةٍ كبيرة تتحدث عن تغيير واقع الحال. إنها عملية تطمين وتخدير موضعي؛ فسرعان ما لمس المجتمع هذه الأكاذيب مع أولى المفخخات، وأولى الرؤوس المتطايرة، ورصاص الانتقام غير المبرَّر من أطراف النزاع، الذي أعلن صراحةً بدء الحرب الطائفية، والتي ستؤدي لاحقًا إلى جملةٍ من المتغيرات عملت على تفكيك بُنى المجتمع.
تمكينُ الجهل في نفوس الناس لم يكن وليدَ اللحظة، بل هو نتاجُ فتراتٍ طويلةٍ من الغزوات والحروب؛ فهذه المنطقة لم تهدأ يومًا، لا لكونها من مصادر الطاقة الرئيسة في العالم، ولا بحسب موقعها الجيوسياسي، بل لأن أساس التكوين البشري كان فيها؛ فهي المنبع، وهي البيت الكبير الذي ضمَّ البشرية جمعاء. لذلك انشبَت الحروبُ أظفارها في هذه البقعة، ولأجل الاستحواذ عليها بسهولة كان إعمالُ الجهل فيها من أولويات الأمور المنفَّذة.
الجهلُ والصراع الديني والتمزق الطائفي والعرقي أدّى إلى نشوب معارك طاحنة بينهم، أرخت سدولها وظلالها على المنطقة، منتجةً فيما بعد شعبًا منقسمًا يمتاز بحسٍّ طائفي غير مبرَّر.
» تُستخدم أحيانًا النزاعات الطائفية التي تطورت داخل الأديان لإثبات أن "الدين" غير متسامح دومًا. كانت هذه العداوات، بلا شك، مريرةً وسامة، ولكنها هي الأخرى كانت مرتبطة دومًا بأبعادٍ سياسية».حقول الدم: الدين وتاريخ العنف – كارين آرمسترونغ، ترجمة: أسامة غاوجي، ص 590.
بصورة عامة تحاول القوى المحتلة إنتاج سلطة محلية تابعة لها، لا تحيد عن المسار المرسوم لها بأية حالٍ من الأحوال، وإن مُنحت نوعًا من الاستقلال الشكلي. وهذا بدوره يدعو دولَ الجوار الطامعة إلى الحصول على موطئ قدم في الأرض المحتلة الجديدة، لضمان عمقٍ جيوسياسي لها، والتوسع على حساب الغير، وضمان حصةٍ وافيةٍ من الضحية، مع اعتبار الضحية الجديدة سوقًا اقتصادية مهمة جدًا، لكونها غير قادرة، بشكل من الأشكال، على توفير ممكنات العيش بالصناعة والزراعة المحلية، فتعتمد على الاستيراد، مما يدرّ أموالا طائلة على البلدان الطفيلية التي تمتص دماء شعوب البلد المضيف.
تشغل الرواية فترة زمنية لا تقل صعوبة عن الحربين الأولى والثانية، البوابة الشرقية وأختها الجنوبية، والحصار الذي أنهك أفراد المجتمع. غير أنها جاءت على ذكر الاحتلال للدلالة على فترة معينة جاءت نتيجة حتمية لسلسلة قرارات غير مدروسة ومستعجلة أدت إلى ما حصل. ومع ذلك لم تُغفل الرواية الطبيعة العراقية المتمسكة بالمثل والأخلاق والحفاظ على الروح الوطنية، »الإنسان بلا مواطنة مخلوقٌ مزيف «الرواية، ص 143.وإن كانت الحرب الأهلية نتاج هذه المرحلة التي حدثت بفعل فاعل لأجل التقسيم وسهولة السيطرة.
الجهلُ المستشري في بنية أي مجتمع واقع تحت تأثير الأحزاب الشمولية – المستبدة منها - التي تعمل على زعزعة البنية المجتمعية وزرع الخوف والطمع في نفوس الناس؛ فمنهم من يلهث خلف السلطة طمعًا بالمكاسب، ومنهم من يلهث طمعًا بالأمان، وفي كلتا الحالتين يرون السلطة على أنها الرب المعبود، صاحبة القدرة والنماء والعطاء الوفير، وعلى قول برتراند راسل: » يمكن للمجتمعات أن تكون جاهلة ومتخلفة، لكن الأخطر أن ترى جهلها مقدسًا. «
فيما ترى (حنة آرنت) في هذا الموضع (أن الانظمة الاستبدادية تعتمد على العنف أكثر من السلطة، لأن السلطة الحقيقية تحتاج الى مشاركة الناس في الفعل السياسي) وبما أن السلطة وجدت من يؤيد نموذجها الفكري، حققت وجودها في بادئ الأمر، وسرعان ما فشل نموذجها فظهر العنف وتسيّد الموقف.
لكن منهم من ينتهز الفرص للنيل من الحكومة التي سلبتهم كل شيء: أوطانهم وكرامتهم وعِرضهم؛ فما إن تسنح لهم الفرصة للنيل من المنظومة الحاكمة حتى ينقضّوا عليها، ويصبّوا جام غضبهم على مؤسسات الدولة ظنًّا منهم أن التخريب سيضر بالدولة ويعمل على إسقاطها، لكن في الحقيقة إنهم يشعلون النار في ثيابهم.
في الرواية جاء الحديث عن عمليات السلب والنهب التي طالت كل شيء، حتى كرسي المعلم المكسور.
الهامش الساكن في الأنظمة السابقة انتفض وخرج من هامشيته واعتلى المتن، ليكون سلطة بواسطة الانقلاب، وأنزل المتن السابق إلى الهامش بعد أن غيّبه تمامًا، أو لفظه بعيدًا عن مكانه، بعدما أنهى قياداته من الحياة. المتن الجديد تحوّل إلى سلطة وفق رؤية خاصة به ومنظور يسير عليه، ولاحقًا جاء هامش آخر يقبع في الدرك الأسفل، ليعتلي الصدارة، ويزيح المتن السابق، ويؤسس منظومة فكرية خاصة به. وهكذا دواليك، والناس بين هذه الهوامش التي كانت تنادي بالثورة، والإطاحة برأس السلطة السابقة، ما لبثت أن أصبحت سلطة غاشمة. وهذا هو واقع الحال في أغلب البلدان العربية.
الصراع الطبقي والصراع الأيديولوجي والصراع الحربي، كلها فواعل أدت إلى نشوء شخصية غير قابلة للترويض. وكأيّة سلطة غاشمة تمارس سياسة تكميم الأفواه أو الاغتيال أو الإغراء: »لديها من مقومات اللعبة ما يكفيها لتدمير منابع الخير، تشتري الضمائر التي تنبض بالحياة بقيمة ما تبيعه من ضمائر فاسدة، فإذا انطفأت الحياة فيها باعتها في أسواق الخردة لتشتري بثمنها ما يستجد من مواقف رافضة، ووسط هذه اللعبة يبدأ الإعلام بطاقاته المخيفة، يدجّن العقول ويمسخ القيم ويصادر التاريخ ويغذّي الأحقاد ويثير الفتن، ويصبح الوطن ملعونًا من أهله.« الرواية، ص. 99.
مارس الإعلام دورًا فتاكًا في تأجيج الروح العدائية بين أطياف الشعب، ورفع من مقدار بعضهم إلى مصافّ الآلهة والمنقذين، في وقتٍ هم لا يعون حتى ما يتحدثون به إلى الناس.
كان دور الإعلام، وهو يتحدث عن احترام القانون والنظام المؤسساتي والتكنوقراط والفدرالية، يجانب الحقيقة؛ بل كان يلمّع الباطل. وهذا لا ينسحب على الجميع، فبعضهم كان يقاتل من أجل الحقيقة، وشتّان بين الاثنين.
ضياعُ فئاتٍ كبيرةٍ من الناس، وعدمُ منحهم الفرصة الحقيقية للحياة، جعلا الكثير منهم ينظر بسوداوية إلى الأمور، حتى أصبح الوطن بالنسبة إليهم تكوينًا هلاميًا غير واضح المعالم، يكبس على أنفاسهم من دون أن يمنحهم فرصة للخلاص، حتى تراجعت الوطنية لديهم إلى درجات مخيفة، بسبب الشعارات المرفوعة من قبل السياسيين الجدد الذين لا يفقهون شيئًا في علوم السياسة، وجاء بهم القدر إلى هذه المستويات ليتربعوا على عرش السلطة وينعموا بالمال والجاه. فإيغالهم في إيذاء الناس ربما هو ردُّ فعلٍ على المجتمع والوطن اللذين سلباهم حقهم في الحياة، بحسب افتراضهم؛ فمنهم من ارتدى جلباب الكهنوت ليفوز بالسلطة العقائدية المذهبية، وليرتقي درجات في سلّم الرقي المجتمعي.
في الرواية يتنازع أسلوبا الحب والحرب في الاستحواذ على الفضاء الروائي؛ فرغم القصف الأمريكي على بغداد، وأصوات الانفجارات والرصاص وسحب الدخان ومرحلة ضياع البلد، نرى التفكير بالحب والمشاعر الإنسانية الجيّاشة بين (جابر) و(أحلام) زوجة (فؤاد)، الرجل الذي لا يمتلك موقفًا وطنيًا؛ إذ تركها وحيدة وذهب إلى المعسكر المقابل، معسكر الأعداء. » يبدو أن الخيانة أصبحت سمة العصر، والهواية الرائجة لدى الكثير. «الرواية، ص 114.
(أحلام)، الجارة التي لاحقًا فقدت زوجها العميل، والتي تعاني من الحرمان العاطفي، تلجأ إلى (جابر) الساكن بمفرده في داره خوفًا من الرصاص ليؤويها، ومن ثم يتحول هذا اللجوء الى محاولة اطفاء عطش قديم. » في هذا الصقيع المدفون بالظلام أحتاج إلى جسد امرأة يشاطرني آلام الليل« . الرواية، ص 46.
بنية المجتمع العراقي تشكّلت عبر سياقات فكرية مختلفة، وتابوهات ضاغطة متنوعة، وموجِّهات صارمة، وخوف من السماء غير منتهٍ ومعطِّل للحواس. وقد نوّهت الرواية بوضوح إلى اغتراب الشخصية العراقية، إذ إن بطل الرواية يعيش بمفرده مع القطة ميسون، التي رأى فيها بديلًا عن الأسرة. خاصةً وأن حيَّ (سبع الهور) يتعرض إلى زحزحة في المكان بعد انهيار المنازل القديمة المنهكة.
شخوص الرواية تنتقل بانسيابية في الفضاء الروائي؛ فهذه (أحلام) التي تعيش بمفردها بعد أن تركها زوجها والتجأ إلى القوة المحتلة، ترى في (جابر) صنوها في الاغتراب الذاتي، وبالتالي جاء الارتباط العاطفي مكملًا للنقص الحاد الذي تشعر به، وفي خضم كل هذا الخراب تشهد الرواية حرارة الإيروتيك العنيف بين (جابر) و(أحلام)، في مشاهد تعبّر عن مدى الحرمان والعطش الجنسي؛ الإيغال في الإيروتيك داخل الدار يقابله تمامًا الإيغال في النار المتأججة في الخارج، في الشوارع المكفهرّة الخالية من خطوات الناس والمليئة بخطوات الشيطان.
الروائي الجنديل يأتي على أدق التفاصيل في جسد المرأة، ويوصل المتلقي إلى حالة يكاد يشم فيها رائحة عرق الأجساد الملتحمة، وتصل إلى أذنيه التأوّهات، وكأنه يعيش اللحظة بكل عنفوانها.
تمَّ ركنُ العقول ورفعُ البنادق؛ أوارُ النار في الخارج يبتغي مَن يطفئه، وأوارُ النار في الداخل بين جسدين متلاحمين حدَّ النشوة بحاجةٍ إلى إذكاء. هنا يتجلّى المعادل الموضوعي بين حدثين، بين نارين تصطليان.
صوتُ الرصاص لا يلغي أنفاس (أحلام) الهاربة من شبكة الموت الملقاة على الأجساد لتصطاد منها ما تشاء، تقابلها شِباك (جابر) وهو يحكم قبضته على نهدها ليداعب حلماتٍ غادرها منذ سني طفولته المبكرة. إنه صراع الموت والحياة، الكراهية والحب، وكل الثنائيات المتضادة.
وعلى ضفة أخرى من الأحداث يأتي صوت عبد الله المؤذن، التي تبقى عائلته غامضة أيضًا في الرواية، ليرفع أذان الفجر، ويعلن للملأ ثبات القيم التي جاء بها صاحب الأذان.
(سعدون)، زميل (جابر) في سجن (نكرة السلمان)، يبدو أنه يعيش بمفرده أيضًا، من دون الإتيان بأي ذكرٍ لعائلته؛ فهو نابت في الأرض التي يملكها. وكذلك (محمود بن عطشان)، زميل السجن، الذي استشهد أبوه في واحدة من المظاهرات، و(يوسف السنجاري) الذي تم تذويبه في حوض التيزاب.
(لولو)، أو( ليث الشمعدان)، صاحبهم في السجن، الذي يمتاز بصفاتٍ أنثوية أكثر منها ذكرية، ارتقى إلى مستوى قيادي متقدم،» أين وصل لولو في مسيرته النضالية؟ «الرواية، ص 113.
الروائي أحمد الجنديل حاول الربط بين سجن (نكرة السلمان)، الصغير نسبيًا، وسجن البلاد الكبير؛ بوصفه عملية تواصل واستمرارية للسجن بالنسبة للفرد العراقي. وبالتالي يأتي على مفهوم العزل عن المجتمع الدولي، وعن الحضارة والعيش الكريم؛ لذا رأى الفرد العراقي في المحتل نافذة يطل منها على ما هو خلف الأسوار، أو ينظر من خلال ثقب الباب إلى سعة العالم، وكيف يعيش الآخر؟، كيف ترى عيونهم الزرق اللامعة الحياة ؟، هل تشبه عيوننا السود. فتتم المقارنة بين حياتين: بين ظلام دامس في مكان اسمه الوطن، وبين عالم منفتح على كل الممكنات.
الانتقال من منطقة التضييق في الأنظمة السابقة، إلى مرحلة الانفتاح في المرحلة اللاحقة، سبّب ارتباكًا واضحًا ولبسًا في الأمور، وبالتالي جاءت النتائج المستحصلة غير صحيحة في فهم الواقع. فجرى التحول في المنظومة الحياتية باتجاه الأقوى؛ فيتمثل الفرد من المجتمعات المنهزمة نمطَ الحياة والمأكل والملبس وطرائق التفكير والتأثير، وكل ما من شأنه التأثير في عناصر الحياة الأخرى التي يملكها المنتصر. فالمهزوم يرى فيه المثل الأعلى، بوصفه فرضًا طبيعيًا من الحياة البشرية، لذا يصبح من السهولة بمكان، فرض الهيمنة الثقافية والفكرية على البلاد المحتلة، مع وجود الفارق بين نماذج المجتمعات الواقعة تحت تأثير الاحتلال.
في سياق الرواية تظهر التبعية القبلية للأنظمة الحاكمة، وهذه الرايات تُرفع للجميع حفاظًا على المكتسبات وصونًا لوجاهة القبيلة، وإن شذَّ عنها بعضهم.
التنازع القبلي يؤدي إلى اصطفافات غير مرغوب فيها؛ فالتحول من الشعور بالمواطنة بوصفها الحاكمة في البلاد، إلى الشعور بالانتماء القبلي بوصفه الركيزة الأساس في بناء المجتمع، مع الأخذ بنظر الاعتبار تشكيلة المجتمع القائمة على النظام القبلي، أحدث تجاذبات وتحديات خطيرة في البناء المجتمعي.
الانحياز القبلي يجب أن لا يلغي الاصطفاف وفق مفهوم المواطنة، والخضوع لقوة القانون، لا لقوة الفصل العشائري، »آلافٌ من البشر أنهكت الهتافات حناجرهم، يحملون الرايات في كل المواسم، في الأعياد والمآتم« . الرواية، ص 101.
يستعرض الروائي أحمد الجنديل جانبًا معاشًا بوضوح، ويقرأ الحال الذي وصل إليه المجتمع، والذي أدى إلى صياغة نمطٍ معيشي متوتر قائم على التناقض. فأشار إلى من يمتلك القدرة على تفعيل هذا الأمر، فأبان جملةً من المعطيات تبيّن من هم أصحاب الرايات، وهي إشارة ذكية تقوم على التلميح دون ذكر المسميات ».كم من الوجوه يحملها كل واحد من هؤلاء!!!!!!!؟ «
الرواية، ص 100.
أناسٌ يتطوّحون بين اليمين واليسار؛ هم وقود الانقلابات، لم ينتموا يومًا إلى أحد طرفي المعادلة. لا تُعرف إلى أين تتجه بوصلتهم، يلهثون خلف المغانم، ويقاتل بعضهم بعضًا باسم ربٍّ بينهم وبينه آلاف الفراسخ وأودية سحيقة من النكران وعدم المعرفة. يتهافتون على السلطة لنيل الفتات، مهما كانت اليد التي ترميه لهم. وقد أعطوا صورة ضبابية عن جمهور واسع من الناس، »كانت بيارقهم ترفرف كبيرةً لامعة، لم يثره منظرها؛ لقد شاهدها في جميع الفصول والأدوار والأزمنة: البيارق نفسها، والوجوه نفسها، والنظرة نفسها التي يحملها الشعب لهم«. الرواية، ص 101.
ومع عدم إغفال دور المؤسسة الكهنوتية في إذكاء روح الانفصال المجتمعي وتمزيقه لغاياتٍ معروفة المآرب؛ فبعد أن كانت هذه المؤسسة رهينة المحابس والتضييق، بوصفها قابعة في الهامش، أصبحت متنًا يملك سلطة رأس المال وقوة السلاح، لتغدو قوةً لا يمكن الحط من قدراتها. وكذلك ينسحب هذا الأمر على بعض التكتلات السياسية والأيديولوجيات المتحكمة في المجتمع، التي جرى عليها التضييق سابقًا من قبل النظام الدكتاتوري، فأصبحت شرهةً تجاه المال والاستحواذ عليه لتعزيز قوتها العسكرية الضاربة.
أمست هذه القوى تتحدث بالنيابة عن المجتمع، بوصفها تمتلك الجاه والمال والقوة، بعد أن كان الحديث بالنيابة عنه سابقًا يتم عن طريق فردٍ واحد هو الإله (الرئيس)، الذي شارك في صنعه الكثير من أبناء المجتمع خوفًا أو طمعًا.
المطرقة لم تغادر رأس الضحية، وإن اختلفت أشكال هذه المطرقة؛ فهي متعددة التسميات والانتماءات، واليد التي تحملها مختلفة الألوان: بين بيضاء أو حنطية أو سمراء، أو نحيلة بخواتم متعددة.
الأطفال والنساء تنتقل خطواتهم بين ألسنة اللهب وسحب الدخان؛ هم لا يفهمون ما يجري، وعلى ماذا فار التنور، ولماذا سقطت ألوية في ساحات المعارك، وعلى ماذا.؟
هل ميزان القوى في العالم لا يستقيم إلا بدم الطفولة ورؤوس الشباب والقتل على الهوية؟
هل كانت سبع الهور نموذجَ المدينة العراقية؟
هل كانت الشعارات المرفوعة تتناغم مع ألم البلاد؟
« كان ينظر بغضب إلى ازدحام الشعارات؛ لم يكن بين أكداس الشعارات ما هو عراقي، وعندما يغيب العراق تغيب معه كل الشعارات، وتموت مع غيابه كل الكلمات» الرواية، ص 9.
الجميع ليسوا أبرياء من دم البلاد؛ فقد ساهموا مع أشباههم، بدرجات متفاوتة، في صنع أصنام السلطة. خطابُ الجموع الهاتفة التي تقاتل بالنيابة عن الآخر، خطابُ من لا اسم له ومن لا وجه له، هو انزياح أخلاقي نحو منعطف خطير من المواطنة.
نسبةٌ غير قليلة من الشعب تعيش حالة الفقر، وعليها التكيّف مع البيئة وصراع الوجود. وبما أن الشعب عاش المحنة بكل ألوانها، وصُبَّت على رأسه الرزايا، فلو كان غير هذا الشعب لانمحت معالمه». الفقراء على الدوام مشاريع تضحية لأحلام الكبار « الرواية، ص 135.
لم يتحمّل (جابر) ما آل إليه مصير البلاد والعباد، فكان أقرب إلى الجنون منه إلى الصحو، مِن الخمر التي عاقرها بشدة. هو يرقص في باحة الدار كـ (زوربا اليوناني)، غير أنه فقد ملامحه؛ فقد وطنه، وفقد الله.
« مَن لقّح هذا الوطن ليحمل في أحشائه هذا الكم الهائل من الدمار؟! » الرواية، ص 118



#ولاء_الصواف (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- امرأة للبيع أو خطاب الأنوثة المستلبة في رواية (ضوء داكن) للر ...
- خطاب النار في حين طار الغراب
- سؤال الغربة والاغتراب في رواية (ولتأتِ مبكراً) للكاتبة سار ...
- ... فثمةَ سؤال ... سؤال الوجود .. سؤال العدم .. الإجابة المؤ ...
- (ربيع وشتاء) قوارب المطاط وخطاب ما بعد الكولونيالية
- الفزاعة
- حدّثنا القمرقال
- كاميكاز-العودة صعودا الى المتن المبارك
- اخبار السواد السعيد
- كي (لا) يفترسك الرصاص
- ذئبك وهم..يا يوسف .. وذئبنا انسان
- ما دوَنته شهرزاد على كفن شهريار


المزيد.....




- معرض تشكيلي جماعي بمناسبة الدورة الربيعية لموسم أصيلة الثقاف ...
- جمعية الرّواد تحتفي بالمسرحيين بيوم المسرح العالمي في بيت لح ...
- عنابة تستعد لاستقبال البابا.. سياحة دينية على خطى أوغسطينوس ...
- سينما عيد الأضحى في مصر 2026.. منافسة ساخنة تحت قيود الإغلاق ...
- مهرجان كان السينمائي يكشف عن قائمة الأفلام المتنافسة على الس ...
- الجمعية العلمية للفنون تطلق حملة لتشجير وتأهيل مدرسة الموسيق ...
- -دبي للثقافة- تكشف عن منحوتة -جذور- للفنانة عزة القبيسي في ش ...
- رواية -أغالب مجرى النهر- تقتنص الجائزة العالمية للرواية العر ...
- الموسيقى كأداة للإصلاح.. كيف أعاد مارتن لوثر صياغة الإيمان ع ...
- من التسريبات إلى الشاشات.. 5 أفلام تكشف أسرار عالم الاستخبار ...


المزيد.....

- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني
- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد
- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - ولاء الصواف - عين زرقاء لامعة أو الكتابة بعقل محتل/ بعقل مختل قراءة في رواية ( الرماد) لأحمد الجنديل