|
|
خط استواء النص Equator Text قراءة في الرواية الشعرية (من يسكب الهواء في رئة القمر)ولاء
ولاء الصواف
الحوار المتمدن-العدد: 8745 - 2026 / 6 / 23 - 02:47
المحور:
الادب والفن
« يا مجد هذا الوهم، قرِّب جناحيك من صفحة الماء، ماء السماء، ماء الأرض، ماء الصلب والترائب، ولقِّنّي أبجدية المجذومين بسرِّ البصائر كي أصل إلى الدرك.. يا مجد هذا الوهم، هل أنا أنا؟ هل أنا هو؟ هل أنا أنت؟ هل أنا هم؟ أم أنا هل؟ وأسئلة الوهم أكثر من تفاصيل تلك الدمعة.. يا حبر العيون المكتملة بالوهم، ويا عيون الوهم الغارقة في حبر الرؤيا.. أريد حقيقةً كي أُصلّي!» (الرواية، ص 28). تتمتع منطقة خط الاستواء الجغرافي، الفاصلة بين نصفي الكرة الأرضية، بامتيازات كبيرة جداً؛ فالمنطقة الاستوائية يكثر فيها التنوع الطبيعي، النباتي والحيواني بأشكالهما المختلفة، كما أن درجات الحرارة فيها شبه مستقرة، وتقع ضمن المتوسط الطبيعي الملائم لعيش الكائنات الحية. أما الحياة في الأقطاب فصعبة بسبب قسوة المناخ والمؤثرات المصاحبة له، مما يجعل الحركة أكثر صعوبة، ويبطئ عمليات التجاوز والتطور. وهذا ما يحصل، حسب توقعي، في النص الأدبي أيضاً؛ فالشعر، بوصفه قطباً أجناسياً، لا يمنح النص حرية كبيرة في التجاوز، إذ يبقى ثابتاً وفق اشتراطاته الصارمة في تحقيق وجوده. وبالتالي فإن عملية التحديث فيه، أو خلق مثال مشابه له، لا تتحقق إلا بمحاولة الابتعاد عن القطب والنزول إلى المدار الأقرب الذي يسمح بالتجاوز لتحقيق الغاية المنشودة. وينطبق هذا القول على جنس السرد أيضاً؛ فهو يحتل القطب الآخر ويفرض شروطه على الكتابة السردية، ومحاولة الخروج من أحكامه المتشددة تستوجب الانتقال إلى المدار الأقرب لتحقيق الغاية نفسها، وصولاً إلى خط استواء النص (Equator Text)، وهو المنطقة البينية الواقعة بين قطبي الشعر والسرد، حيث تتواجد قصيدة النثر وبعض الأنواع الكتابية الأخرى، على نحوٍ مشابه لخط الاستواء الجغرافي للأرض. هذه المنطقة تمنح الكاتب امتياز التنوع والقدرة على المناورة والتخلص من القيود الصارمة المفروضة، ولكن ضمن شروط واشتراطات أكثر مرونة، إلى الحد الذي يمنحه حرية الحركة والتنقل، ويبعده عن فوضى النص. إن الخطاب الشعري، في مجاورته للخطاب السردي والسماح بالتنافذ بينهما، يمنح النص جمالية تتمتع بخصائص مختلفة. لقد أصبح النص الخارج من أسر الاشتراطات الصارمة للجنس الأدبي يتمتع بهذا التنوع والتطور، وصولاً إلى الثورة المعرفية (From Evolution to Revolution) المتغيرة في كل حين، بوصفها نموذجاً للحداثة السائلة عند زيغمونت باومان، على افتراض أن الحياة سائلة ومتحركة، وأن كل ما فيها نسبي. فـ(التطور) يعني التدرج والتغير البطيء، في حين أن (الثورة) تعني التغيير الجذري والسريع. أسوق هذا الكلام وأنا أقرأ الرواية الشعرية (من يسكب الهواء في رئة القمر) للروائي والشاعر بشار عبد الله، وهو يخوض صراع الهوية الكتابية والتنازع بين الهوية السردية والهوية الشعرية، حيث يتبنى الكاتب محاولة المزج بين الخيال الشعري والسرد الواقعي في بث خطاب الجمال. السرد خيال يحاول السارد إثباته على أنه حقيقة، ولو امتاز ببعض ملامحها، بينما الشعر خيال محض يحاول الشاعر إثبات خياليته. هذه الرواية الشعرية تسكن المنطقة البينية الاستوائية الواقعة بين قطبي الشعر والسرد، حيث يستقر الغموض الشعري في مخيلة الكاتب، في حين تبدو واقعية القص وتأثير الواقع المجتمعي فيه واضحة للعيان. فالحس الإنساني لدى الروائي، وما عايشه في سيرته الحياتية، وما قرأه في التاريخ، وما تأمله في المدن التي رسمت علامات استفهام كبيرة في فضاء التاريخ البشري، كل ذلك جعله يرتمي بكلّيته في خانة الأسئلة المتوالدة من الخراب بشقيه المكاني والاجتماعي، بوصفه العنصر الأكثر وضوحاً في عالمه. فما عاد السرد يعبّر بوضوح عن حجم المعاناة المعاشة، لذا التجأ الكاتب إلى الخيال الشعري ليحتوي ما يعتمل في نفسه؛ فالخراب فاق الخيال، ولم يعد ثمة معبر عنه سوى الشعر. هنا دخل السارد المنطقة الاستوائية، لأنها توفر له إمكانات أوسع للإحاطة بفهم الذات، وتمنحه أفقاً رحباً للمناورة، أي إنها تتيح له استثمار جميع إمكانات الطرفين: الشعر والسرد. وقد استوجب ذلك الهبوط من قطبي الصرامة، اللذين يمكن تشبيههما بمناطق ذات ظروف قاسية لا يمكن إحداث تغيير جوهري فيها إلا بمغادرتها إلى مدار يحتفظ بشروط استثنائية أقل وطأة، حيث يصبح من الممكن إجراء التعديل أو التغيير على المفاهيم التي تندرج ضمن آليات اشتغالهما الخاصة. لقد جاء إعلان حالة التمرد بأقصى ممكناتها في العنوان وفي توصيف العمل الأدبي بوصفه «رواية شعرية»، في وقتٍ خلق فيه تشظي الشعر روايةً تحكي هذا التمزق. الرواية هنا حالة اشتباك بين الشعر والسرد، وتأجيج للصراع باستخدام اللغة الانزياحية بوصفها العنصر المهيمن؛ إنها تأجيج للصراع بين خطابين، وإثارة لمكامن القوة والضعف فيهما. ففي كل جملة يكون التشظي هو الحاكم، وكأن الجملة نفسها تمارس فعلاً من أفعال التنكيل بالتاريخ والصراع الدائم، ومحاولة تمزيق هذا التاريخ غير الحقيقي أو الوهمي؛ لأن التشظي لا يمكن تفكيكه ــ وظيفياً لا فلسفياً ــ إلا عن طريق التشظي ذاته، لتشابه الماهيات. ومن ثمّ نحصل على معنى مؤجل يقرؤه الجميع وفق نظرتهم إلى الأحداث، وتتولد عنه معانٍ لا حصر لها، وبمجموعها تتشكل سحابة من الدلالات تلهو بها الريح وتسيرها كما تشاء، فلا ثوابت لها ولا أواصر تربطها بسحب أخرى. إن إعلان حالة التمرد يستوجب لغة متمردة خارجة على سياقاتها المألوفة؛ ففي نسقها الظاهر تعلن صراحة غياب الواقعية عن الأشياء، وفي نسقها المضمر تحاول تهميش وإقصاء كل ما يمت بصلة إلى الواقعية. أصابع الشعر ممدودة في عيني السرد، كي يسمع فقط ما يريد الشعر أن يقوله، وعليه أن يصدق ما يقوله الشعر، وألا ينظر إلى الأشياء بواقعية السرد. إنه الاحتلال الشعري للسرد «أفيقي يا جوزائي الباردة، وفوقيني قبل أن يتوقف بياض القطب عند غسق النبوة ويتأمل البطاريق، قبل أن تضطر إيرين باباس إلى أن تعذب البط ثانيةً مع كاهن نبتت له أصابع. أفيقي، فقد غادر الذباب أفكاره، وفتحت لنا الإشاعة بواباتها، هل سندخل؟» (الرواية، ص 27). كان تشظي اللغة وتفككها هو المهيمن على الخطاب الروائي؛ إذ زحزح الشخصيات الروائية وأجبرها على الدخول في الغياب، ليصبح غيابها هو الحضور الرمزي. «أسير في شوارع تُخرج لي ألسنتها ساخرة، بينما أواصل أنا نشر وهمي على موجة متوسطة.. هل من إذاعة تفتح ذراعيها لأنواء الوهم المسافرة من لغتي إلى نقرة لم تصادق عليها الطبول؟» (الرواية، ص 27. ) إن الشاعر - الروائي يريد أن يقول كل شيء؛ فثمة ما حدث ويحدث خارج إمكانيات اللغة السردية في التعبير عنه، لذلك وجد في لغة الخيال الشعري متنفساً لتدوين أحداث تمتلك من الغرائبية ما يجعل تدوينها سردياً أمراً عسيراً، لأنها تقع خارج حدود اللغة المألوفة. إن تشابك الأحداث لا يسمح بتبني خطاب محدد يوضح البنيات الفاعلة في تكوين المفهوم، كما أن مركزية الإنسان قد تعرضت للتهشيم وفقدت فاعليتها أمام قوة الفعل الحاصل. لذلك نجد تغييباً واضحاً لشخوص الرواية، يقابله اشتباك غير اعتيادي في الأحداث، ينبئ بتدخل اتجاهات وتواريخ ومآرب مختلفة في إنتاج حالة ملتبسة وغير واضحة المعالم. ومع ضياع الفكرة وتشتتها إلى بنيات مصغرة ومشفرة تعيق التلقي، ومع انهيار الثوابت التي لم تكن ثابتة أصلاً نتيجة التحولات الكبرى المصاحبة للتغيير، تنتهي فكرة الاستقرار الكتابي لتُستبدل بمفهوم آخر يمكن التعبير عنه بوصفه لحظة تشكل سرد جديد لا يُحس بوصفه سرداً بالمعنى التقليدي، إذ جاء من عوامل غير مستقرة نفسياً ومجتمعياً ومكانياً وسياسياً، الأمر الذي منح النص الروائي هذه المساحة المفتوحة من الاضطراب. وهي محاولة لعكس المقولة ذائعة الصيت بشأن قصيدة النثر بوصفها محاولة لاستخلاص الشعر من النثر، بينما نجد في الرواية الشعرية (من يسكب الهواء في رئة القمر) محاولةً لاستخلاص النثر من الشعر. إن الاندماج في بنية مجتمع غير متوافق في كثير من مفاصله يجعل الأمر عسيراً على فئات عديدة، وهو ما يؤدي إلى حالة من الاغتراب الذاتي أو الغربة داخل الوطن، وإلى الشعور بالتهميش، مما يولد لدى الفرد قناعة ذاتية بأنه مهمش بالفعل، وغير قادر على أداء أدواره وأعماله بصورة طبيعية. وفي الوقت الذي عمل فيه الانتخاب الطبيعي على إنتاج الكائن الأشد قدرة على التوافق مع شروط الوجود الراهن والاندماج في الشبكة المجتمعية، جرى نبذ المتشكل بغير هذه الصفات. «أنا العالم الذي تحسبين نفسك قادرة على تحسينه، ولا تعرفين أنكِ إن حاولتِ فستحيلينني إلى خراب. إذاً كيف؟ تعالي معي نبتعد عن الحروب والسنوات ذات الألسنة اللاهثة خلف الحروب» (الرواية، ص 13). إن الكلام عن ضياع التاريخ، وكيف عملت الدسائس والمكائد على زحزحة المدن وخرابها، ومحاولة تهشيم بنية التاريخ وتشظيتها، يحمل دلالة واضحة على حالة التشظي التي يعيشها الراوي. وربما يعود ذلك إلى إيمانه بزيف هذا التاريخ، وأنه دُوِّن من قبل المنتصرين والطغاة وحدهم، وأن تشظيه نتيجة حتمية لذلك. كما أن المعنى الكامن في الأشياء لم يأتِ جزافاً، بل تشكل عبر عملية تراكمية نتجت عن الفورات التاريخية المتعاقبة، وما رافقها من تشظيات وخيبات وانكسارات. إن عناصر رواية (من يسكب الهواء في رئة القمر) هي: اللازمان، واللامكان، واللاشخوص، واللاحدث. إنها صورة سلبية (Negative) للرواية المألوفة؛ إذ تقدمت اللغة الانزياحية إلى الواجهة، فتراجعت العناصر البنائية الأخرى إلى الشوارع الخلفية للرواية. وهي العناصر التي أراد الراوي أن يضعها في مرتبة ثانوية أمام سلطة اللغة الشعرية وهيمنتها على فضاء النص. كُتبت الرواية وفق آليات اشتغال غير مرئية، ليسقط المتلقي في فخ الغياب والحضور، وعليه أن يُدخلها إلى مختبره المعرفي لتظهير الصورة الروائية الكامنة فيها. إن أركان الرواية متوفرة، ولكن بنسختها الظلّية؛ فمرموزات الرواية، مثل التاريخ، والمدن، والحضارات، والحروب، والفتن، وانتهاك الحريات، وطمس المعالم، ووجوه البشر المموهة، والأصوات المتناثرة في الريح، كلها تمثل أبطال هذا العمل الروائي، الظلِّ للعمل الشعري الظاهر. إنه صراع الظاهر من القول مع ما بطن منه، والوجه الباسم للأشياء مع الوجه العبوس المختبئ خلفه، والهامش الذي تحول متناً، وهو في هامشيته يعمل بالضد من المتن الذي تحول هامشاً وهو في متنه. إنه صراع التأويل في إنتاج معنى غير قابل للتناغم الكامل مع المنظومة الفكرية التي يحملها المتلقي بمختلف فهومه ومرجعياته. إنها صورة واقعية للفوضى التي تعم الأشياء؛ فمنذ الخلق وحتى الآن ما يزال هذا الصراع غير المنتهي بين الأشياء يمثل أحد أصول الوجود، فلولاه لبقي كل شيء على حاله، حجراً فوق حجر لا غير. فكل شيء يحمل معه اختلافه، ومع تحرر هذه الاختلافات وخروجها عن إطار اللوحة المرسوم لها، والتي كانت تحددها أبعاد معيارية معلومة، تشكلت لوحة انشطارية في فضاء الحدث، تمثلت في تلك الاختلافات والخلافات المرتبطة بحقوقها ومكتسباتها الدينية، أو المجتمعية، أو الإثنية، أو السياسية، أو الاقتصادية، أو النفسية. إنها رواية في حالة صراع لغوي مع نفسها؛ ظاهرها تفجير اللغة، وباطنها لغة سردية تريد أن تحكي للمتلقي ما كان من أمر البشر على امتداد الحقب والعصور. فكل مكوّن يمتلك خطابه الخاص الذي ظل يعززه طيلة فترة الرقود والكبت. وما كان مهملاً أصبح فاعلاً بعد تغير وظيفته وكيفية تأثيره في المجتمع ومدى اتباعه للسياق العام للحياة، وإن كان يحتفظ بنسقه الخاص في التفكير وبطريقته الخاصة في استجابة الآخر له. وحين جاء يوم التحرر، انطلقت الخطابات في اتجاهات شتى، وأصبح كل خطاب سلطة مسلطة على الآخر، مما أدى إلى تقاطع هذه الخطابات واصطدامها ببعضها بعضاً، فأسفرت عن نتائج سلبية غير محسوبة. فهذه الخطابات كانت موجودة في الأصل، غير أنها كانت في حالة سبات. فلما انقضى عنها شتاء الركود، استيقظ الحراك المجتمعي وبدأ بالانفجار والتشظي في اتجاهات متعددة، غير محددة المديات، وخارج نطاق التوقع، أشبه بما يحدث في «قدر الضغط» حين يُفتح غطاؤه دفعة واحدة من دون منحه الفرصة المناسبة لتخفيف الضغط المتراكم داخله. ومن هنا بدأ الاستذكار التاريخي بعناصره المؤثرة في حياة البشر؛ فمن قلعة أور إلى أورشليم، إلى قرطاج، والمناذرة، والحضارة الفرعونية، والعبرانيين، وإبراهيم، وصولاً إلى الإشارات المتكررة إلى «طحين الحصة» في أكثر من موضع، بوصفه دالاً على النظام السابق. لقد بدأ عصر الانهيار مع إدراك الإنسان أنه غير منتمٍ إلى شيء ثابت، وأنه يتشكل في حالة سائلة، بلا هيئة سوى هيئة الوعاء الذي يحتويه. حتى اللغة السردية التي تمنح المتلقي انطباعاً بامتلاكها صلابة حقيقية، ليست سوى بنية سائلة، ومحض خيال ووهم. إن هويته الروائية نفسها سائلة؛ فقد أراد أن يقول الحقيقة، تلك الحقيقة الكامنة فيه، وهي تسيح بين شظايا التاريخ، كما تسيح ذاته في هذا الخراب المتراكم. لقد آمن بأن نصه الشعري رواية، وحاول أن ينقل هذا الإيمان إلى المتلقي، وأن يقنعه بأن غياب الرواية هو شكل من أشكال حضورها. لقد ضاقت الأسئلة على الروائي، وما عاد يلفظها بدهشة من يطلق السؤال البدئي في مرحلة طفولة البشر. لم تعد الأسئلة تليق بوجوده وكينونته، ولم يعد معنيا بتلقي الإجابات عن «كيف؟» و«لماذا؟». لقد اكتفى بالدهشة، وهو يرى ظل نفسه يقول له: «من أنت؟. تنتشر مفرقعات الأسئلة في سماء الحدث من دون أن تُري المتلقي تشظياتها أو تسمعه صوتها المدوي. «قد جئتك من رأسه بنبأ عظيم. إني وجدته أعسرَ. والآن تسألينني لماذا اخترت أن أكون يمينياً دون تمهيد، وأبقيتك في أقصى اليسار، بلا جدوى، تنتظرين المعلم الذي دخل البرميل ولم يخرج. أوَ كان برميلَ حكمةٍ أم برميلَ حكةٍ يا ميم المعلم؟ ثم، بالوقاحة نفسها، تسألين: لماذا غرستَ في أرضي السنابك، وبقيتَ تنتظر حصاد الصهيل؟» (الرواية، ص 31). يمثل نص الرواية الشعرية، موضع القراءة، إشكالية قلقة لا تمتلك عنصر التوازن في المزج بين خطابين؛ أحدهما يتخذ من الخيال المحض أسلوباً له، والآخر يتخذ من الواقع منهجاً له. وعملية الربط بين المتخيل الشعري والمعاش السردي، في ظل هيمنة واضحة المعالم للشعر، تفضي إلى إحداث بلبلة شعورية وحسية لدى المتلقي. فأحد الخطابين يأخذ الواقع ويرميه في حضن الخيال، والآخر يأخذ الخيال ويفرضه واقعاً على المتلقي. لذلك فإن الرواية الشعرية، بوصفها التوصيف الذي اتخذه الكتاب لنفسه، تذهب بالمتلقي بعيداً، وتثير حوله دوامات من الأسئلة والبحث الجاد عن الرواية: أين تختبئ؟ ولماذا أراد الروائي إخفاءها تحت عباءة الشعر؟ إن الخطاب الشعري، بانزياحه اللغوي، يختلف عن الخطاب السردي الذي يعمل وفق آلية تتابع الأحداث. فلكل منهما أدواته الفنية التي تمكنه من أداء فعله الجمالي وتحقيق اللذة الفنية. فالخطاب السردي واقعي، وإن كان خيالاً، والخطاب الشعري خيالي، وإن كان يستمد مادته من أفكار مطروحة على الأرصفة، كما يقول الجاحظ. إن التوازن اللغوي مطلوب في الكتابة الاعتيادية، أما في الكتابات الإشكالية غير المجنسة، والتي لا تمتلك هوية نصية مستقرة، فإن الأمر يبدو مختلفاً. وهذا الإشكال ناتج عن عدم التوازن بين أسلوبي الكتابة، وبين الخطابين والرؤيتين. نعم، إنهما يمتلكان قابلية التنافذ الأجناسي، لكنهما لا يمتلكان الخصائص ذاتها. لذلك استوجب الأمر من الشاعر الروائي، بشار عبد الله، اجتراح أسلوب مغاير يمتلك القدرة على المزج بين الخطابين، إلا أن هذا المزيج ظل ينضح بلون غير منتمٍ إلى الألوان الأصيلة المكونة له، كما أنه لم ينتج لوناً جديداً ناتجاً عن تفاعل المعيارين أحدهما مع الآخر، ولا عن نوع من التضريب الوراثي بين الكائنات الحية، إذا جاز النظر إلى الأدب بوصفه كائناً حياً قادراً على التأثير المباشر في العقل البشري. إن الاحتلال الشعري للسرد يؤدي إلى ذوبان الحدود الفاصلة بينهما، كما أن تغليب لغة على أخرى يخل بمبدأ التوازن. فالانزياح الشعري قد يضر بالقيمة الفنية للنص السردي، لأن السرد يحاول أن يقنع المتلقي بأنه حقيقي ومعاش، حتى وإن كان محض خيال، بينما يحول الانزياح الشعري هذه المسلمة إلى فكرة قلقة في ذهن المتلقي. وفي المقابل، فإن دخول السرد بكثافة إلى الشعر قد يخل بقيمة الصورة الشعرية نفسها؛ لأن المتلقي يدخل إلى النص وهو محمل بمسلمة مسبقة مفادها أنه يقرأ شعراً، ومن ثم فإن الإفراط في السرد قد يضعف مفهوم الشعر في الذهنية التي تهيأت لتلقي موسيقاه وصوره. الشعر يخلق العالم بالكلمات، أما السرد فيبني العالم بالأحداث. كيف اختبأ زمن الرواية في اللازمان؟ وكيف اختبأت مواقع الأحداث في اللامكان؟ ولماذا اختبأت الشخصيات وراء ظلالها؟ وهل ما تزال الأحداث تنبئ بخبر ما؟ أسأل عن المدن القديمة، وعن تاريخ السبي، وعن بساطيل الجند وهي تطأ صدور الناس، وعن الخيبة والضلالة، وعن قصيدة تروي ما كان، وما كان ينام تحت عباءتها. إننا أمام احتلال شعري للسرد في هذه الرواية الشعرية؛ توتر دائم في بنية النص، ناتج عن بنيات متناهية الصغر لعقدة سردية متشظية. ما وراء الشعر، هناك، تجد رواية اسمها: (من يسكب الهواء في رئة القمر(. « أوَ لم أقل لك إن الطاووس كان ينظر إلى الرب وهو يُعمل إزميله ومطرقته في الفراغ سبعة أيام؟ كان الطاووس يراقب، والرب يطرق ويصقل وينفخ... سبعة أيام. ما هذا؟ لماذا كل هذا النحت؟ وعندما اكتملتُ، صرخ الطاووس بدهشة : يا رب، كيف عرفت أن حماراً يوجد في هذا الفراغ؟» (الرواية، ص 37).
#ولاء_الصواف (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
خطاب الإبادة.. خطاب السبي خطاب ما بعد استعمار الجسد قراءة في
...
-
شجرة البنات* تأريخ الخراب المجيد - قراءة في رواية شجرة البنا
...
-
الإله مارس أشواك القنفذ قراءة في رواية (البوت مارس) للروائي
...
-
خارج صندوق الحكايات قراءة في روايات عباس الحداد
-
وهمُ ثباتِ الثابت أو القادمون من تحت ظلال النخيل قراءة في رو
...
-
عين زرقاء لامعة أو الكتابة بعقل محتل/ بعقل مختل قراءة في
...
-
امرأة للبيع أو خطاب الأنوثة المستلبة في رواية (ضوء داكن) للر
...
-
خطاب النار في حين طار الغراب
-
سؤال الغربة والاغتراب في رواية (ولتأتِ مبكراً) للكاتبة سار
...
-
... فثمةَ سؤال ... سؤال الوجود .. سؤال العدم .. الإجابة المؤ
...
-
(ربيع وشتاء) قوارب المطاط وخطاب ما بعد الكولونيالية
-
الفزاعة
-
حدّثنا القمرقال
-
كاميكاز-العودة صعودا الى المتن المبارك
-
اخبار السواد السعيد
-
كي (لا) يفترسك الرصاص
-
ذئبك وهم..يا يوسف .. وذئبنا انسان
-
ما دوَنته شهرزاد على كفن شهريار
المزيد.....
-
مهرجان العراق السينمائي الدولي لأفلام الشباب يحدد نيسان 2027
...
-
المخرج سرمد ياسين: الفيلم القصير مقيد بضعف الإنتاج وضعف التس
...
-
نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس: تم إحراز تقدم في مجال المحا
...
-
-بروفة يوم الحساب-.. المسرح السوري يفتح الستارة على أسئلة ال
...
-
انهيار فنان مصري شهير في بث مباشر
-
بقائي: جولة سويسرا أحرزت تقدمًا والملفات الفنية مستمرة
-
بقائي لـ-إرنا- عقب انتهاء مفاوضات سويسرا: تقرر أن تواصل الو
...
-
من زارايسك الأثرية.. روسيا تبدأ رحلة تحضيرية نحو -المعرض الث
...
-
في ذكرى ميلاده.. -الليل الطويل- يعيد حاتم علي إلى شاشة صالون
...
-
انتهاء المفاوضات الأمريكية الإيرانية والمحادثات الفنية ستستم
...
المزيد.....
-
كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م
...
/ حميد عقبي
-
كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة
/ حسين جداونه
-
رسالة الى عام 3026
/ ايه رياض الجبوري
-
نافذة ـ قصص قصيرة جدا
/ حسين جداونه
-
جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال
/ كمال التاغوتي
-
اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث
...
/ السيد حافظ
-
سِنّمار
/ كمال التاغوتي
-
مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد
...
/ عيسى بن ريمة
-
يونان أو قهر النبوّة
/ كمال التاغوتي
-
إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي
/ ريتا عودة
المزيد.....
|