أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - القضية الكردية - مروان فلو - التاريخ لا يكافئ الإنكار خلاصة نقدية: نحو دولة تتّسع لجميع أبنائها في الشرق الأوسط















المزيد.....

التاريخ لا يكافئ الإنكار خلاصة نقدية: نحو دولة تتّسع لجميع أبنائها في الشرق الأوسط


مروان فلو

الحوار المتمدن-العدد: 8776 - 2026 / 7 / 24 - 15:46
المحور: القضية الكردية
    


السؤال التأسيسي الذي تُهمله أدبيات المنطقة
تفيض الكتابة السياسية عن الشرق الأوسط بتحليل الصراعات والأزمات والانهيارات، لكنها تشحّ حين يتعلق الأمر بالسؤال الأكثر جذرية: لماذا تُنتج دول المنطقة بنيوياً صراعاتٍ لا تنتهي؟ وما الذي يجعل استقرارها هشاً حتى حين يبدو متحققاً؟ والخلاصة التي تنتهي إليها هذه القراءة هي أن الاستقرار في الشرق الأوسط يظل هشاً لأنه يُبنى غالباً على إنكار لا على اعتراف. فالدولة التي تُنكر وجود جزء من شعبها، أو تطلب منه الذوبان في هوية جماعة أخرى، تزرع في بنيتها عوامل تفكّكها قبل أن تكتمل — وهذا حكم تاريخي تُثبته تجارب المنطقة على مدى قرن كامل منذ اتفاقية سايكس-بيكو عام 1916 التي رسمت الحدود قبل أن تتشكّل الهويات السياسية المتوافقة معها.
مفارقة المواطنة المجرّدة
ثمة تناقض جوهري يميّز الحالة الشرق أوسطية: دول ترفع شعار المساواة بين المواطنين وتُنكر في الوقت ذاته المساواة بين الجماعات التي يتكوّن منها المجتمع، وتُصادق على المواثيق الدولية لحقوق الإنسان بينما تُمارس داخلياً سياسات التمييز اللغوي والإقصاء الثقافي. وهذا التناقض ليس مجرد نفاق سياسي عابر، بل بنية فكرية متجذّرة في الطريقة التي تُعرّف بها هذه الدول نفسها؛ فحين تُعرّف الدولة هويتها بجماعة واحدة من جماعاتها، يصبح إنكار الجماعات الأخرى نتيجة منطقية لا شذوذاً عرضياً. وتُثبت التجارب المقارنة من سويسرا إلى جنوب أفريقيا مبدأً معاكساً تماماً: الاعتراف بالتعدد لا يُضعف الدولة بل يُعزّزها، والدول الأكثر استقراراً هي تلك التي أتقنت إدارة اختلافاتها لا تلك التي ادّعت القضاء عليها.
الجواب المقترح: ثلاثة محاور متشابكة
يقوم الجواب المقترح لأزمة الدولة في الشرق الأوسط على ثلاثة محاور لا يمكن فصل أحدها عن الآخر. المحور الأول هو الانتقال من الاعتراف بالأفراد وحدهم إلى الاعتراف بالجماعات التاريخية بلغاتها وثقافاتها بوصفها جزءاً مؤسّساً في هوية الدولة، لا أفراداً يُذكرون ضمن «تنوع ثقافي» مُبهم. والمحور الثاني هو حق هذه الجماعات في إدارة شؤونها التي تخصّها مباشرة — التعليم بلغتها، وإدارة مناطقها المحلية، والتحكّم في مواردها وفق قواعد دستورية عادلة — بوصفها آليةً لجعل الانتماء إلى الدولة خياراً مُجدياً لا شرطاً مُهيناً. والمحور الثالث هو العدالة الاقتصادية التي تُترجم الاعتراف الرمزي إلى واقع معاش؛ فالاعتراف الذي لا يُرافقه نصيب عادل من الموارد والتنمية يبقى اعترافاً منقوصاً.
"الدولة التي تعترف بجميع هوياتها لا تُقسّم نفسها بل تُكمّلها."
— مروان فلو
الرد على تهمة الانفصالية: ما يقوله القانون الدولي فعلاً
يتوقّع أي طرح من هذا النوع اتهاماً متكرراً بأنه خطاب انفصالي مُقنّع أو أداة في مشاريع التفتيت الإقليمي. غير أن هذا الاتهام يخلط عمداً أو سهواً بين صيغتين مختلفتين تماماً لمبدأ تقرير المصير، وهو تمييز أرسته بوضوح المحكمة العليا الكندية في رأيها الاستشاري الصادر عام 1998 بشأن حق كيبيك في الانفصال أحادياً؛ إذ ميّزت المحكمة بين «تقرير المصير الداخلي» الذي يتحقق من خلال المشاركة السياسية الكاملة والحكم الذاتي الثقافي واللغوي ضمن الدولة القائمة، و«تقرير المصير الخارجي» عبر الانفصال، وقضت بأن الحق في الصيغة الثانية لا ينشأ في القانون الدولي إلا حين يُحرَم شعبٌ ما كلياً من إمكانية ممارسة الصيغة الأولى داخل دولته. وبعبارة المحكمة نفسها، فإن الدولة التي يُمثّل حكمها جميع شعوبها المقيمة على أراضيها على قدم المساواة ودون تمييز، وتحترم مبدأ تقرير المصير في ترتيباتها الداخلية، تحتفظ بحقها في وحدة أراضيها. وهذا بالضبط جوهر ما يقترحه هذا الطرح: المطالبة بتقرير مصير داخلي كامل — لا خارجي — وهو مطلب يُحصّن الدولة من الانفصال بدل أن يُهدّدها به، لأنه يُغلق تحديداً الباب القانوني الذي لا يُفتح إلا عند استمرار الإنكار الكامل.
مساءلة نقدية ختامية: حدود هذا الطرح
الأمانة الفكرية تقتضي الإقرار بأن هذا الطرح أطروحة معيارية تصف ما ينبغي أن يكون، لا تنبؤاً حتمياً بما سيكون؛ فالتجارب المقارنة التي استُحضرت طوال هذا العمل — من سويسرا إلى جنوب أفريقيا إلى إسبانيا إلى المغرب — نجحت بدرجات متفاوتة وفي ظل شروط تاريخية وسياسية لا تتكرر بالضرورة في السياق الشرق أوسطي، كما أظهرت المساءلات النقدية المتكررة عبر هذا الطرح: من مخاطر تجميد الهويات عبر حقوق النقض غير المقيَّدة، إلى صعوبة تعبئة الإرادة السياسية للنخب الريعية، إلى تراجع التجربة الكوردية السورية الفعلية نحو الانكماش لا التوسّع في أحدث تطوراتها. والاعتراف بهذه الحدود لا يُبطل المنطق العام للأطروحة، بل يمنحها مصداقية تفتقر إليها الخطابات التي تعد بحلول سهلة وسريعة.
خاتمة: دولة تتّسع لا دولة تُنكر
يختم هذا العقال بصورة بسيطة ومركّبة في آن: دولة، يستطيع فيها الكوردي أن يتعلّم بلغته ويُشارك في حكم منطقته دون أن يتعارض ذلك مع انتمائه إلى الدولة الأشمل، ويجد فيها الأرمني تاريخه معترفاً به لا محذوفاً من الرواية الرسمية، ويجد فيها الأمازيغي حرفه في كتبه المدرسية لا في متاحف الفولكلور فحسب. هذه الصورة ليست طوباوية؛ فهي بالضبط ما تُقدّمه سويسرا يومياً، وما بنته كندا رغم أخطائها، وما اختارته جنوب أفريقيا بعد أن ذاقت مرارة الإنكار. وما لم يختره الشرق الأوسط حتى الآن ليس لأنه مستحيل التحقق فيه، بل لأن نخبه الحاكمة لم تجد بعد أن تكلفة الاستمرار في الإنكار أعلى من تكلفة الاعتراف. وحين تأتي تلك اللحظة، فإن المواطنة التعددية ليست حلماً رفاهياً بل الحد الأدنى الأخلاقي والسياسي الذي ينبغي أن يقوم عليه أي عقد اجتماعي عادل في مجتمعات تتعدد أصولها وتتشابك تواريخها.
"الدولة التي تعترف بجميع هوياتها لا تُقسّم نفسها بل تُكمّلها. وكل من ينتظر اعتراف وطنه بهويته يستحق أن يجد في هذا المقال صدىً لما يحمله في صدره."
— مروان فلو، شتوتغارت 2026
+++++++++++++++&&&
المصادر والهوامش
1. على اتفاقية سايكس-بيكو لعام 1916 وتبعاتها على رسم حدود الشرق الأوسط الحديث: الأرشيف الوطني البريطاني، وثائق الحرب العالمية الأولى المتعلقة بتقسيم النفوذ في الشرق الأدنى.
2. على التمييز بين تقرير المصير الداخلي والخارجي: Reference re Secession of Quebec, [1998] 2 S.C.R. 217, 1998 CanLII 793 (المحكمة العليا لكندا)، الفقرات 108–146؛ وقد أوضحت المحكمة أن حق تقرير المصير الخارجي عبر الانفصال لا ينشأ إلا حين يُحرم شعبٌ كلياً من ممارسة تقرير مصيره داخل دولته.
3. على التجارب المقارنة المُشار إليها (سويسرا، بلجيكا، كندا، إسبانيا، جنوب أفريقيا، فنلندا، المغرب والجزائر) ونقدها: الفصول السابقة من هذا العمل ومصادرها الموثّقة فيها.



#مروان_فلو (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- جواز سفر بلا هوية خارطة طريق عملية نحو المواطنة التعددية الك ...
- من يخشى الاعتراف؟ تشريح عقبات التحوّل نحو عقد اجتماعي جديد ف ...
- عقدٌ اجتماعي يُبنى لا يُمنح سبعة شروط لتجديد شرعية الدولة في ...
- الاعتراف قرارٌ سياسي لا معجزة حضارية إسبانيا وجنوب أفريقيا و ...
- حين يصبح التنوّع ركيزةً للدولة لا عبئاً عليها دروس مقارنة من ...
- تقرير المصير الداخلي والخارجي: الفصل الذي تتعمد الدول طمس
- الهندسة الاستباقية للصراع: تفكيك الدوافع الإقليمية وراء استه ...
- إعلان الأمم المتحدة لحقوق الشعوب الأصلية (2007): اعتراف متأخ ...
- القانون الدولي وشرعية الاعتراف: من سيادة الدولة المطلقة إلى ...
- الذاكرة الجماعية والمقاومة الثقافية حين تصبح الثقافة سلاح ال ...
- الدستور بوصفه ساحة صراع: حين يتحول النص التأسيسي إلى صك إقصا ...
- المواطنة المجردة: حين تصبح المساواة أمام القانون قناعاً للتم ...
- كردستان الممزّقة: شعبٌ واحد تتقاسمه أربع دول وأربع سياسات إن ...
- الشرعية السياسية بين اعتراف الدول ووجود الأمم: إعادة التفكير ...
- تفكيك وهم السيادة: نحو إعادة تعريف السلطة السياسية في عصر ال ...
- مؤرخ الأمة الحارس: محمد أمين زكي بك وإرثه الخالد في الذاكرة ...
- محمد أمين زكي بك وإرثه الخالد في الذاكرة الكردية محمد أمين ز ...
- فلسفة الكيان: الأمة كحقيقة متجذرة والدولة كافتراض جيوسياسي ط ...
- خارطة طريق نحو المواطنة التعددية: مقترحات دستورية وتشريعية و ...
- عقبات التحوّل الدستوري في الشرق الأوسط وشروط إمكانيته: مقارب ...


المزيد.....




- القضاء الألماني يلزم الدولة بالوفاء بوعودها للاجئين الأفغان ...
- تحالف روسي إسرائيلي يعارض تمديد ولاية مفوض حقوق الإنسان فولك ...
- الأمم المتحدة: هجمات البحر الأحمر تهدد بجر اليمن إلى -صراع أ ...
- أغلبية البرلمان ترفض زيادة عدد اللاجئين ضمن نظام إعادة التوط ...
- المحكمة الجنائية الدولية تستعد لعزل المدعي العام كريم خان
- رغم ضغوط إدارة ترامب.. محكمة أمريكية ترفض إعادة اعتقال باحث ...
- الاحتلال يفرج عن معتقلين سوريين بعد 7 أشهر من الاعتقال
- روسيا وإسرائيل تعارضان تمديد ولاية تورك كمفوض أممي لحقوق الإ ...
- سفير إيران لدى الأمم المتحدة: سنواصل الدفاع عن شعبنا وسيادتن ...
- المحكمة الجنائية الدولية: تصويت على المدعي العام السابق كريم ...


المزيد.....

- الى جمهورية كردستان الاشتراكية المتحدة!، الوثيقة 3 - كردستان ... / كوران عبد الله
- “رحلة الكورد: من جذور التاريخ إلى نضال الحاضر”. / أزاد فتحي خليل
- رحلة الكورد : من جذور التاريخ إلى نضال الحاضر / أزاد خليل
- سعید بارودو. حیاتي الحزبیة / ابو داستان
- العنصرية في النظرية والممارسة أو حملات مذابح الأنفال في كردس ... / كاظم حبيب
- *الحياة الحزبية السرية في كوردستان – سوريا * *1898- 2008 * / حواس محمود
- افيستا _ الكتاب المقدس للزرداشتيين_ / د. خليل عبدالرحمن
- عفرين نجمة في سماء كردستان - الجزء الأول / بير رستم
- كردستان مستعمرة أم مستعبدة دولية؟ / بير رستم
- الكرد وخارطة الصراعات الإقليمية / بير رستم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - القضية الكردية - مروان فلو - التاريخ لا يكافئ الإنكار خلاصة نقدية: نحو دولة تتّسع لجميع أبنائها في الشرق الأوسط