|
|
الفصل التاسع احمد بن تيمية 2
عصام حافظ الزند
الحوار المتمدن-العدد: 8776 - 2026 / 7 / 24 - 15:46
المحور:
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
(ننشر على حلقات بعض من فقرات كتابنا "البدو والإسلام جذور التطرف" والذي قامت مجموعة من الامن الوطني العراقي بمصادرته من جناح دار النهار في معرض بغداد وقد وجهنا رسالة الى الجهات الرسمية العراقية تجدونها على صفحاتنا في الحوار المتمدن) القسم الثاني من احمد بن تيمية أما بِصَدَدِ الفَتْوَى الحَمَوِيَّةِ وَهِيَ إحدى أهم إجاباته، فَيَقُولُ المُؤَرِّخُونَ أَنَّ أَهْلَ حَما أرسلوا لَهُ عامَ 698 ﮪ يسألونه عَمّا قالَهُ اللّٰهُ عَنْ نَفْسِهِ مِنْ الصِفاتِ: ما قَوْلُكُم فِي آيات الصفات كَقَوْلِهِ تَعالَى {الرَحْمٰنُ عَلَى العَرْشِ اِسْتَوَى (5)} (45/20 سُورَةً طٰهٰ عَدَدُ الآيات 135 مَكِّيَّةً عَدا لِلآيات 130- 131 الآية5) وَقَوْلُهُ {إن رَبَّكُمْ اللّٰهُ الَّذِي خَلَقَ السَماواتِ والأرض فِي سِتَّةِ أيام ثم استوى على العرش(54)} (39/7 سُورَةُ الأعراف عَدَدُ الآيات206.مَكِّيَّةٍ غدا 163-170 الآية 54) ثُمَّ الرَعْدُ {اللّٰهُ الَّذِي رفع السماوات بِغَيْرِ عمد ترونها ثُمَّ اِسْتَوَى عَلَى العَرْشِ.... (2)} (96/13 سورة الرعد هجرية عَدَدُ الآيات 43 الآية 2) ثَمّ الفَرْقانِ {الَّذِي خَلَقَ السَماواتِ والأرض، وما بينهما فِي سِتَّةِ أيام، ثُمَّ اِسْتَوَى عَلَى العَرْشِ الرحمان، فاسأل بِهِ خَبِيراً (59)} (42/25 سُورَةُ الفرْقانِ عَدَدُ الآيات77.مَكِّيَّةً عدا 68-70 الآية 59) ثُمَّ السَجْدَةُ {اللّٰهُ الَّذِي خَلَقَ السَماواتِ والأرض، وما بينهما فِي سِتَّةِ أيام، ثُمَّ اِسْتَوَى عَلَى العَرْشِ ما لكم مِن دونه من وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ أفلا تَتَذَكَّرُونَ (4)} (75/32 سُورَةَ السَجْدَةِ عَدَدُ الآيات 30 مَكِّيَّةً عدا 16-20 الآية 4) وَقَوْلُهُ فِي سُورَةِ الحَدِيدِ {هُوَ الَّذِي خلق....... ثُمَّ اِسْتَوَى عَلَى العَرْشِ... (4)} (94/57 سُورَةَ الحَدِيدِ هِجْرِيَّةٌ عَدَدُ الآيات 29 الآية 4) ثُمَّ آية {ثُمَّ اِسْتَوَى إلى السماء وَهِيَ دُخانُ.... (11)} (61/41 سورة فصلت مكية عدد الآيات 54 الآية 11) إِلَى غَيْرِ ذٰلِكَ مِنْ آيات الصفات، وأحاديث الصِفاتِ كَقَوْلِهِ (ص) أَنَّ قُلُوبَ بَنِي آدم بَيْنَ إصبعين مِنْ أصابع الرَحْمٰنِ وَقَوْلُهُ يَضَعُ الجَبّارُ قَدَمَهُ فِي النارِ إِلَى غَيْرِ ذٰلِكَ، وَما قالَتْ العُلَماءُ فِيهِ، وابسطوا القول فِي ذٰلِكَ مأجورين إن شاءَ اللّٰهُ تَعالَى؟ (لاحَظَ التَكْرارَ فِي الآيات سبع مَرّاتٍ تُكَرِّرُ نَفْسَ العِباراتِ تَقْرِيباً بَعْضَ المَصادِرِ تَقُولُ سِتَّةٌ وَالأُخْرَى تَقُولُ أَكْثَرَ وَالقُرْآنُ أَمامَهُمْ وَهُناكَ الكَثِيرُ مِنْ الآيات المكررة) وَبَعْدَ المُقَدِّمَةِ بِالحَمْدِ أكد اِبْنِ تَيْمِيَةَ أَنَّ جَوابَهُ لا يخرج عَنْ جَوابِ الرَسُولِ ﷺ وَالسابِقُونَ الأولون مِن المهاجرين والأنصار وَالَّذِينَ اِتَّبَعُوهُمْ بإحسان، أَيُّ التَمَسُّكِ بِالسَلَفِ وأجاب أنه لا يؤول، بَلْ يُقَرِّرُ أَنَّ لِلّٰهِ اِسْتِواءً لا نَعْلَمُهُ وَكُرْسِيّاً لا نَعْلَمُهُ وَهُوَ لَيْسَ مِن اِسْتِواءِ الحَوادِثِ وَلا كُرْسِيِّ الحَوادِثِ؛ وَكَذٰلِكَ الأَمْرُ فِي كُلِّ الآيات وَالأَحادِيثِ، وَذٰلِكَ يَشْمَلُ جَمِيعَ الآيات التي تَنُصُّ عَلَى صِفاتِهِ، لَقَدْ رَكَّزَ فِي رَدِّهِ عَلَى مُخالَفَةِ الأَشْعَرِيَّةِ وَالكَلامِيِّينَ التَيّارِ الَّذِي كانَ سائدا آنذاك، وَيَنْقُلُ الإمام أبو زَهْرَةَ الكَلِمَةِ لِتِلْمِيذِ اِبْنِ تَيْمِيَةَ الحافِظِ اِبْنِ كَثِيرٍ لِيَشْرَحَ هذا الموقف (تارِيخُ المَذاهِبِ الإسلامية الإمام مُحَمَّد أبو زهرة 565). تُعَدُّ الفَتْوَى الحَمَوِيَّةُ مِن أهم مُؤَلَّفاتِ اِبْنِ تيمية الكثيرة، وَقَدْ حَقَّقَت وَطُبِعَت وَنُشَرَت عَشَراتُ المَرّاتِ وَخاصَّةً عَبْرَ الفُقَهاءِ وَالشَرّاحِ وَرِجالِ الدِينِ الوهابِيينْ، وَكَتَبَ عَنها وَحَتَّى اليَوْمِ العَشَراتِ مِن الدِراساتِ وَالمَقالاتِ، وَسُمِّيَت بأسماء مُخْتَلِفَةٍ أَوْ مُتَقارِبَةٍ، وَرَغْمَ أَنَّ العَصْرَ الَّذِي كَتَبَت فِيهِ كانَ عَصْراً كَبِيراً كَما قُلنا تَزاحَمَت فِيهِ الأَفْكارُ والأسماء وَالمَوْضُوعاتُ، وَالَّتِي هِيَ مَنْهَلٌ حَتَّى يومنا الراهن فَالقَرْنُ السابِعُ وَالثامِنُ الهِجْرِيُّ شَهِدَ الكثير من الفقهاء والاعلام. وَبَيْنَ أيدينا كتابان لابن تيمية الأول حَقَّقَهُ عَبْدُ العَزِيز الراجِحِي وَصالِح ال الشَيْخ (يَعْنِي مِن سُلالَةِ مُحَمَّد بِن عَبْدِ الوَهّاب) وَالآخَرِ بِتَحْقِيقِ الدُكْتُورِ عَبْدِ القادِر الغامِدِي وَهُناكَ كُتُبٌ أُخْرَى كَثِيرَةٌ لِنَفْسِ الكِتابِ فِي الانترنيت، وَالكِتابَيْنِ بَلْ وما اطلعنا على كتب أُخْرَى تَتَحاشَى ذِكْرَ الآيات المكرر جَمِيعاً، فَيَكْتَفُونَ بِاِثْنَيْنِ أَوْ ثَلاثَةٍ ثُمَّ يَذْكُرُونَ اسم السور الَّتِي وَرَدَت فِيها وَرَقْمَ الآية. وَالكِتابُ فِي عمومه وإن كان يَنْصَبُّ عَلَى مُناقَشَةِ الأشاعرة وَالكَلامِيِّينَ وَالمُعْتَزِلَةِ وَ الماتَرَدِيَّةِ وَغَيْرِها مِن المَدارِسِ الفِكْرِيَّةِ الأقدم مِنْهُ فِي ذٰلِكَ، وَفِي الصِفاتِ عُمُوماً وَيَتَطَرَّقُ إِلَى بَعْضِ الأَفْكارِ، إلا أنه بِالمُقابِلِ مليء جِدّاً بِالعُمُومِيّاتِ وَالكَلامِ المُفَخَّمِ وَالمَدِيحِ وَالذَمِّ وَكَلامٌ إنشائي لا يستقيم وَلا يَكْفِي للإقناع أَوْ التَفْسِيرِ وَكَثِيراً ما يخرج عَن المَوْضُوعِ لِمَوْضُوعاتٍ أخرى ليس لَها عَلاقَةٌ، وَالفِكْرُ وَالتَفْسِيرُ وَالفِقْهُ الإِسْلامِيُّ تَسُودُ فِيهِ مِثْلُ هٰذِهِ الأساليب، وَهُوَ يُعَبِّرُ بِشَكْلٍ مُباشِرٍ وغير مباشر عَن اِمْتِلاكِهِ الحَقِيقَةَ وَحْدَهُ ولا يخرج عَن السَلَفِ، وَيَجِبُ تَصْدِيقُهُ وإلا فأنت كافِر خارِجٌ عَن المِلَّةِ (يَنْظُرُ كِتابَ شَرْحِ الفَتْوَى الحَمَوِيَّةِ لِشَيْخِ الإسلام ابن تَيْمِيَّة دارِ اِبْنِ الجَوْزِي؛ وَكَذٰلِكَ كِتّابُ الفَتْوَى الحَمَوِيَّةُ الكُبْرَى دارُ المأثور لِلطِباعَةِ وَالنَشْرِ) بَعْدَ تِلْكَ الحادِثَةِ قامَ عَلَيْهِ جَماعَةُ وارادت إحضاره إِلَى مَجْلِسِ القاضِي جَلالِ الدِينِ الحَنَفِيِّ فَلَمْ يَحْضُرْ، فَنُودِي فِي البَلْدَةِ فِي العَقِيدَةِ الَّتِي كانَ قَدْ سأله عَنْ مسائلها أهل حَماةُ المُسَمّاةِ بِالحَمَوِيَّةِ، وأرسل فِي طَلَبِ الَّذِينَ قامُوا عِنْدَهُ، فَاِخْتَفَى كَثِيرُونَ مِنْهُ، وَضَرَبَ جَماعَةً مِمَّنْ نادَوا عْلَى العَقِيدَةَ فَسَكَتَ الباقُونَ، فَلِما كانَ يَوْمُ الجُمْعَةِ ذَهَبَ الشَيْخُ تَقِيُّ الدِينِ إلى الميعاد بِالجامِعِ عَلَى عادَتِهِ، وَفَسَّرَ قَوْلَهُ تعالى وأنك عَلَى خَلْقٍ عَظِيمٍ ثُمَّ اِجْتَمَعَ بِالقاضِي أمام الدين الشافِعِيُّ، يَوْمَ السَبْتِ، وَاِجْتَمَعَ عِنْدَهُ جَماعَةٌ مِنْ الفُضَلاءِ، وَبَحَثُوا فِي الحَمَوِيَّةِ وَناقَشُوهُ فِي أماكن فِيها، فأجاب عَنْها بما أسكتهم بَعْدَ كَلامٍ كَثِيرٍ، ثُمَّ ذَهَبَ الشَيْخُ تَقِيُّ الدِينِ، وقد هدأت الأُمُورُ، وَسَكَنَتْ الأحوال، وكان القاضي إمام الدين فِي مُعْتَقَدِهِ حَسَناً، وَفِي مَقْصِدِهِ صالِحاً (تارِيخُ المَذاهِبِ الإِسْلامِيَّةِ فِقْرَةُ اِبْنِ تَيْمِيَةَ ص 566، وَفِي البِدايَةِ وَالنِهايَةِ لِاِبْنِ كثير الجزء 18 ص 50،) وما بعدها يذكر مَجالِسُ أُخْرَى نَرَى أنه لجأ فِي مُحاكَمَتِهِ عَلَى آرائه إلى القاضي الشافِعِيِّ، وَلَمْ يَذْهَبْ إلى القاضي الحَنَفِيُّ. كما أراد خُصُومِهُ وَذٰلِكَ المَوْقِفُ طَبْعاً يَتَطَلَّبُ جِلْداً وَشَجاعَةً وَموقفاً وكان ابن تَيْمِيَّةً يَمْتَلِكُها، وَرُبَّما نسأل لماذا تجاهل دَعْوَةَ القاضِي الحَنَفِيِّ، وَذَهَبَ بَدَلاً عنها إلى القاضي الشافِعِيِّ ذٰلِكَ لأنه كانَ عَلَى خِصامٍ شَدِيدٍ مَعَ الحَنَفِيَّةِ، وَاِتَّفَقَ فِي بَعْضِ فَتاوِيهِ مَعَ الشافِعِيَّةِ، عَلَى الرَغْمِ مَن أنه اِعْتَرَضَ عَلَى كُلِّ المَذاهِبِ بِما فِيها الشافِعِيَّةِ، بَلْ إن الإمام أبي الحَسَنَ تَقِيَّ الدِينِ عَلِي بِن عَبْدِ الكافِي السُبْكِي الكَبِيرِ وَهُوَ مِن أئمة الشافِعِيَّةِ، وَقاضِي القُضاةِ فِي مِصْرَ، وَفِي الشامِ وَفَقِيهٍ وَمُحْدِثٌ كَبِيرٌ كَتَبَ كِتاباً فِي الرَدِّ عَلَى اِبْنِ تَيْمِيَّةَ فِي مَسالَةِ الطَلاقِ-الدُرَّةِ المضية فِي الرَدِّ عَلَى اِبْنِ تَيْمِيَّةَ - كَما كَتَبَ كِتابٌ آخر فِي الرَدِّ عَلَى اِبْنِ القِيَّمِ، وَالَّتِي سنأتي عَلَى ذِكْرِها فِي مَكانِها. وَلٰكِنَّ السُؤالَ الأهم فِي الفَتْوَى الحَمَوِيَّةِ هُوَ هَلْ أجاب اِبْنُ تَيْمِيَةَ عَلَى التَساؤُلِ إجابة مُقْنِعَةً تُفَنِّدُ آراء الكَلامِيِّينَ فِي هذا الصدد؟ وَيُمْكِنُ لَنا وَبَعْدَ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعَةِ قُرُونٍ عَلَى تِلْكَ الإجابة أَنْ نَقُولَ مَنْ أنه لَمْ يَفْعَلْ غَيْرَ إعادة المَعادِ وَكِتابَةِ المَكْتُوبِ وَحُجَّتَهُ فِي ذٰلِكَ يُمْكِنُ أَنْ نَجِدَها فِيما قالَهُ فِي كِتابِهِ مُقَدِّمَةً فِي أصول التَفْسِيرِ حِينَ سُئِلَ فَما هِيَ أحسن طُرُقِ التَفْسِيرِ؟ أجاب أَنْ أصح الطُرُقُ فِي ذٰلِكَ أَنْ يُفَسِّرَ القُرْآنَ بالقرآن، فما أجمل فِي مَكانٍ، فإنه قَدْ فُسِّرَ فِي مَوْضِعٍ آخْرَ، وما اختصر فِي مَكانٍ، فَقَدْ بُسِطَ فِي مَوْضِعٍ آخر (المُقَدِّمَةُ فِي أصول التفسير ابن تيمية 93) وهذا الأسلوب سائِداً فِي الفِقْهِ الإِسْلامِيِّ لَدَى طَبَقَةٍ واسِعَةٍ مِن الفُقَهاءِ المُسْلِمِينَ فِي كُلِّ التارِيخِ؛ وَلِهٰذا فإن الدين مُجَمَّدٌ فِي قَوالِبَ عَجَزَت كُلّ مُحاوَلاتِ تَحْرِيرِهِ مُسْتَغِلِّينَ التابُو المَوْضُوعَ عَلَى المَقُولاتِ الدِينِيَّةِ، وَهٰذا ما يفعله بِالضَبْطِ المتطرفون مِن اِتِّباعِ الوَهّابِيَّةِ الآن. لَقَدْ كانَ مِن صِفاتِهِ وَعَلَى ما يبدو القُوَّةُ وَالصَلابَةُ، كَما تَبْرُزُ تِلْكَ الصِفاتُ فِي تأليفه جَماعَةٍ مُؤْمِنَةٍ بأفكاره يَسْتَخْدِمُها فِي نَشْرِ مُعْتَقَداتِهِ خاصَّةً فِي الفَتَراتِ الَّتِي كانَ فِيها مَحَطُّ رِعايَةِ المَلِكِ بِن قَلّاون الأب ثُمَّ الأَبْناءِ، وَلَعَلَّ مَنْ أشهر الحَوادِثَ لِتِلْكَ الجَماعَةِ، خُرُوجُهُم إلى الخمارات وَالحاناتِ وَعَمِلُوا عَلَى تَحْطِيمِها وَتَكْسِيرِ أواني الخُمُورِ وَاِساحَةِ الخُمُورِ كَما عاقَبَ، وَعَذَّبَ أصحابها وَلَعَلَّ الحَمْلَةَ الكُبْرَى الَّتِي قامَ بها إلى جِبالِ الجَرْدِ وَالكَسْرَوانِ، وَكانَ سُكّانُ تِلْكَ المَناطِقِ مِن الإسْماعِيلِيِّينَ وَالباطِنِيِّينَ وَالحاكِمِيَّةِ وَالنَصْيرِيَّةِ حَيْثُ عَمِلَ فِيهِم القَتْلُ وَالتَخْرِيبُ، بَلْ إنه أمر حَتَّى بِقِطَعِ الأشجار فِي الجَرْدِ، وَقَدْ كانَ مَعَهُم شَدِيداً حَيْثُ عَدَّ دِيارُهُم دِيارَ كَفْر، وأنهم خارجون عَن الإِسْلامِ وَحَتَّى وُفُودِ الأحمدية إِلَى نائِبِ السُلْطانِ لَمْ تُفْلِحْ فِي إنقاذهم مِنْ تَشَدُّدِهِ، وَلٰكِنَّهُ أجابهم بِكُلِّ قَسْوَةٍ وَتَشَدَّدَ وَكَما يَقُولُ اِبْنُ كَثِيرٍ تِلْكَ أحوال شَيْطانِيَّةٌ باطِلَةٌ، وأكثر أحوالكم مِنْ بابِ الحِيَلِ وَالبُهْتانِ، وَمَنْ أراد مِنْكُم أَنْ يَدْخُلَ النارَ، فَلْيَدْخُلْ أولا إلى الحمام وَلْيَغْسِلْ جسده غُسْلاً جَيِّداً وَيُدَلِّكَهُ بِالخَلِّ والأشنان، ثُمَّ يَدْخُلَ بَعْدَ ذٰلِكَ إلى النار إن كان صادِقاً. وَالقِصَصُ طَوِيلَةٌ فِي هذا المجال ولا تدع مَجالاً لِلشَكِّ فِي تَصَوُّرِ تِلْكَ القَسْوَةِ وَالتَشَدُّدِ الَّذِي كانَ مِن طِباعِ اِبْنِ تَيْمِيَّةَ، وَهٰذِهِ الوَقائِعُ تُبَرْهِنُ عَلَى نَقِيضِ ما كان يُوصَفُ بِهِ مِن تَواضُعٍ وَسَماحَةٍ بِحَيْثُ كانَ يُجْبِرُ السَلاطِينُ عَلَى العَفْوِ عَن أعدائه، لَقَدْ عاشَ ما يُقارِبُ مِن ثُلُثِ إقامته فِي مِصْرَ بِالسُجُونِ (ثَمانِيَةَ عَشَرَ شَهْراً) بَلْ سُجِنَ بِاِتِّفاقِ المَذاهِبِ الأرْبِعَةِ، وَلَمْ يستطع حَتَّى الأمام الحنبلي الدِفاعَ عَنهُ، وَلَمْ يُفْلِحْ حَتَّى السُلْطانَ لإنقاذه لِتَشَدُّدِهِ فِي الرأي، فَكانَ لا بد مِن السِجْنِ أَوْ الإقامة الجَبْرِيَّةِ أَوْ الإبعاد؛ وَكَذٰلِكَ هُوَ الحالُ قَبْلَ ذٰلِكَ فِي حادِثَةِ عَسّاف النَصْرانِي، بَلْ اِبْنِ تَيْمِيَةَ اِصْدِر كِتاباً فِي ذٰلِكَ "الصارِمِ المَسْلُولِ عَلَى شاتِمِ الرَسُولِ،" وَالَّذِي أفتي فِيهِ بِقَتْلِ عَسّافٍ، وَالَّذِي تَصَرَّفَ عَن جَهْلٍ، وأنه أسلم فِي نِهايَةِ الأَمْرِ، وأصبح هذا القتل سَنَةً لَدَى المُتَطَرِّفِينَ يُمارِسُونهُ حَتَّى يومنا الحالي (لَدَيْنا مُخْتَصُّر الصارِمِ المَسْلُولِ عَلَى شاتِمِ الرَسُولِ لِاِبْنِ تَيْمِيَةَ قامَ بِالمُخْتَصَرِ بَدْرُ الدِينِ البَعْلِيُّ مَدارُ الوَطَنِ لِلنَشْرِ) (القِصَّةُ كامِلَةٌ لَدَى اِبْنِ كَثِيرِ البداية وَالنِهايَةِ سَنَةَ 693 واقِعَةَ عَسّافٍ ص 665-667 وَتَذْكُرُها مَصادِرُ أُخْرَى مِنها كِتابُ تارِيخِ المذاهب الإسلامية ) وَتِلْكَ قِصَّةٌ طَوِيلَةٌ أُخْرَى تُبَرْهِنُ عَلَى مَدَى تشدده الَّذِي اِسْتَقَت مِنهُ جَمِيعُ المَجْمُوعاتِ المُتَطَرِّفِ عَبْرَ التارِيخِ مُرُوراً بِالوَهّابِيَّةِ والإخوان النَجْدِيِّينَ والإخوان المسلمين وَالقاعِدَةِ وَالزَرْقاوِي وَداعِش وَغَيْرِها تَرْفَعُ شِعاراتِهِ، وَتُمارِسُ تَبَرُّكاً مُمارَساتِهِ الَّتِي تَخَطَّت حَتَّى بَعِيداً عَن حُدُودِ السَلَفِيَّةِ المَعْرُوفَةِ، وَلَمْ تَكُنْ خِلافاتُهُ مَعَ المَذاهِبِ الإسلامية الأساسية هِيَ الخِلافاتُ الوَحِيدَةُ، بَلْ اِخْتَلَفَ مَعَ كُلِّ الجَماعاتِ الَّتِي لا تتبنى تَصَوُّراتِهِ وَفَتاوِيَهِ، وَمِنهُم كُلُّ الجَماعاتِ الإسماعيلية والأحمدية، وَاِخْتَلَفَ أيضا مَعَ الصُوفِيَّةِ فَتَحْدُثَ مُخالِفاً لِاِبْنٍ عَرَبِيٍّ الَّذِي كان آنذاك يُعَدُّ مِن كِبارِ العُلَماءِ لِفَلاسِفَةِ (1164 -1240م) وَاِخْتَلَفَ مَعَ اِبْنِ سَبْعِينَ، بَلْ أَنَّ قاضِيَ القُضاةِ فِي مصر قال فِي رأي قالَهُ اِبْنُ تَيْمِيَةَ إنه لا يُسْتَغاثُ إلا بِاللّٰهِ وَحَتَّى لا تَصِحَّ الاِسْتِغاثَةُ بِالنَبِيِّ أَنَّ فِي هذا الرأي قِلَّةَ أدب، وَبَقِيَت خِلافاتُهُ فِي مِصْرَ؛ مما اضطر القُضاةِ إِلَى ما يشبه الحَبْسِ ثُمَّ وَعَقِبَ تَغَيُّرِ الحاكِمِ نَفْيٌ إلى الإسكندرية، وَكانَ هذا أشبه بِالنَفْيِ إِلَى مُحِيطٍ يَسُودُ فِيهِ أعداؤه مِن أنصار اِبْنٍ عَرَبِيٍّ وَغَيْرِهِم مِن المُتَصَوِّفِينَ، وَبَقِيَ فِيها ثَمانِيَةُ أشهر عادَ بَعْدَها بِعَوْدَةِ السلطان الناصر بِن قَلاوُون إِلَى السَلْطَنَةِ، وَاِسْتَقَرَّ فِي القاهِرَةِ مُدَّةَ ثَلاثِ سَنَواتٍ وَبَعْضِ أنصاره يَقُولُونَ أَنَّ الناصِرَ أراد الاِنْتِقامِ مِن الَّذِينَ آذوه، وَدَبَّرُوا لَهُ المَكائِدَ و أرادو قَتْلَهُ بأن يَقْتُلُهُم، لٰكِنَّ اِبْنَ تَيْمِيَةَ رَفَضَ إذاءهُم، وَسامَحَهُم عَمّا قاموا به، وَفِي عامِ 712 ﮬ عادَ مَعَ جَيْشِ الناصِرِ لِمُحارَبَةِ التَتارِ فِي الشامِ، إلا أَنَّ اِنْسِحابَ التَتارِ أوقف تَلْك الحَمْلَةِ، وَلٰكِنَّ اِبْنَ تَيْمِيَةَ اِسْتَمَرَّ فِي طَرِيقِهِ إِلَى الشامِ، وَوَصَلَ دِمَشْقَ بَعْدَ أَنْ كانَ قَدْ غابَ عَنْها سَبْعُ سِنِينَ قضى مِنْها، كما أسلفنا، أَكْثَرَ مِنْ ثلثها إما مَحْبُوساً أَوْ مُحَدَّدَ الحَرَكَةِ أَوْ مُبْعَداً. وَفِي الشامِ دَخَلَ مِن جَدِيدٍ فِي خِلافاتٍ مَعَ المَذاهِبِ الأُخْرَى هذه المرة فِي مَسائِلِ الأحوال الشخصية وَأَهَمُّها مسألة الحِلْفِ بِالطَلاقِ، بَلْ أَنَّ شَمْسَ الدِينِ بِن مُسْلِم الحَنْبَلِي نَفْسِهُ أشار عَلَيْهِ أَنْ يَتْرُكَ الإفتاء فِي هذا الأمر، وَلٰكِنَّهُ اِسْتَمَرَّ فِي فَتاوِيهِ بِحُجَّةٍ لا يسعني كِتْمانَ العِلْمِ، بَلْ حَتَّى السُلْطانُ منعه مِن ذٰلِكَ، وَعاتَبَهُ عَلَى ذٰلِكَ فِي مَجْلِسِ ضَمٍّ أغلب القُضاةَ وَرِجالَ الدِينِ والفقهاء، ولكنه مَعَ ذٰلِكَ اِسْتَمَرَّ مما اضطرهم اِْلَى حَبْسِهِ لِأَكْثَرَ مِن خَمْسَةِ أشهر، وَبَعْدَها عادَ مِن جَدِيدٍ إِلَى دُرُوسِهِ فِي المَدْرَسَةِ الحَنْبَلِيَّةِ وَالمَدْرَسَةِ السُكَّرِيَّةِ، وَاِسْتَمَرَّ فِي التأليف وَالتَدْرِيسِ وَالوَعْظِ. وَفِي عامِ 726 تَجَدَّدَ الحَدِيثُ حَوْلَ فَتْواهُ القَدِيمَةِ فِي قَضِيَّةِ زِيارَةِ القُبُورِ، وَالَّتِي لا تزال وَحَتَّى يَوْمِنا هذا الشغل الشاغِلَ لِلوَهّابِيَّةِ (حَتَّى فِي بلدان المهجر الغَرْبِيَّةِ وَالأَمْيرَكِيَّةِ يَشْتَرُونَ أراضي فِي المقابر، ولا يسمحون لأهل الميت أَنْ يَبْنُوا قبرا إلا وِفْقَ الشُرُوطِ الَّتِي يُوضِعُوها بِجَعْلِ القَبْرِ مُنْبَسِطاً مَعَ الأرض فَقَط فَلا يَسْمَحُونَ مَثَلاً، بِالشَواهِدِ المَعْرُوفَةِ عِنْدَ الكَثِيرِ مِن المُسْلِمِينَ) وَصَدَرَ الأَمْرُ بِمَنْعِهِ مِن الإفتاء، بَلْ وَجَرَت حَمْلَةٌ شَمِلَت مُناصِرِيهِ وَتَلامِيذَهُ بِسِجْنِهِم أَوْ الطَوافِ بِهِم فِي الشَوارِعِ عَلَى ظَهْرِ حِمارٍ وَهُوَ أسلوب لِلتَشْهِيرِ والإهانة كانَ مُتَبِعا آنذاك، وَمِن الَّذِينَ عانَوْا مِن تِلْكَ الحَمَلاتِ تِلْمِيذَهُ اِبْنَ القَيِّمِ الَّذِي سَنَتَحَدَّثُ عَنْهُ فِي الفِقْرَةِ اللاحِقَةِ.
#عصام_حافظ_الزند (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
الفصل التاسع أحمد بن تيمية 1
-
الفصل التاسع اعلام السلفية 3
-
الفصل التاسع اعلام السلفية أحمد بن حنبل
-
الفصل التاسع اعلام السلفية
-
الفصل الثامن الفقرة الاخيرة
-
الفصل الثامن الجزء الاخير من مناقشة كتاب النصولي
-
الفصل الثامن تكملة مناقشة كتاب النصولي 2
-
الفصل الثامن تتمة مناقشة كتاب النصولي
-
الفصل الثامن الدولة الامويةومعاوية في كتاب النصولي
-
الفصل الثامن معاوية في كتاب النصولي
-
الفصل الثامن4/3
-
الفصل الثامن 4/2
-
الفصل الثامن 4/1
-
الفصل الثامن 3
-
الفصل الثامن 2
-
الفصل الثامن2
-
الفصل الثامن الدولة الاموية
-
من الفصل السابع الجزء الاخير
-
من الفصل السابع- خلافة علي بن ابي طالب
-
من الفصل السابع الجزء الثاني من علي والاسلام
المزيد.....
-
عقوبات أمريكية تطال قيادياً في الإخوان المسلمين و3 أفراد و3
...
-
-من سيدخل الجنة؟-.. ساويرس يرد على سؤال مفاجئ
-
في ذكرى القديسة أولغا.. الأميرة التي حكمت بالحديد ومهّدت لول
...
-
مصر.. سجال ديني وتوضيح من نجيب ساويرس عن رأيه -بمن سيدخل الج
...
-
ناشطة إيرانية لـCNN: الجمهورية الإسلامية تدرك أن شعبها هو نق
...
-
ألمانيا: تعديلات حكومية بعد تغيير قيادة الكتلة البرلمانية لل
...
-
الكويت تدين قيام حشود من المستوطنين باقتحام المسجد الأقصى
-
مندوب فلسطين بالأمم المتحدة: التهجير في القدس يكاد أن يُنجز
...
-
تحرك دبلوماسي لثماني دول عربية وإسلامية لمواجهة انتهاكات الا
...
-
أدانت اقتحام الأقصى.. 8 دول عربية وإسلامية تطالب بتحرك دولي
...
المزيد.....
-
قراءة في تاريخ الاسلام المبكر الطبعة الثانية
/ محمد جعفر ال عيسى
-
حقوق العصر: تحقيقات في جريمة ازدراء العقل و معاداة الإنسان
/ أحمد التاوتي
-
حقوق العصر
/ أحمد التاوتي
-
الإسلام ضد الحداثة
/ فرغان أزيهاري
-
مصادر القرآن من اليهودية و المسيحية السريانية و الجاهلية و أ
...
/ مؤمن عقلاني
-
محادثات مع الله الجزء الرابع
/ نيل دونالد والش
-
مختصر كتاب الأرواح
/ آلان كاردك
-
الفقيه لي نتسناو براكتو
/ عبد العزيز سعدي
-
الوحي الجديد
/ يل دونالد والش
-
كتاب : حَمَّالُ أَوْجُهٍ.. الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام
...
/ احمد صالح سلوم
المزيد.....
|