|
|
الفصل التاسع أحمد بن تيمية 1
عصام حافظ الزند
الحوار المتمدن-العدد: 8775 - 2026 / 7 / 23 - 22:55
المحور:
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
(ننشر على حلقات بعض من فقرات كتابنا "البدو والإسلام جذور التطرف" والذي قامت مجموعة من الامن الوطني العراقي بمصادرته من جناح دار النهار في معرض بغداد وقد وجهنا رسالة الى الجهات الرسمية العراقية تجدونها على صفحاتنا في الحوار المتمدن) أحمد اِبْنَ تَيْمِيَة يَبْدُو أَنَّ كُلَّ ذٰلِكَ التَشَدُّدِ الحَنْبَلِيِّ لَمْ يرض أحمد آخر بَعْدَ أَكْثَرَ مِن أربعة قُرُونٍ إلا وَهُوَ أَحْمَد اِبْنُ شِهابِ الدِين عَبْدِ الحَلِيم بِن عَبْدِ السَلام اِبْنِ تَيْمِيَة الحَرّانِي، وَالَّذِي وُلِدَ سَنَةَ 661ﮬ (1261م) وَتَتَلْمَذَ فِي عائِلَةٍ حَنْبَلِيَّةٍ وَخاصَّةً والِدُهُ عَبْدُ الحَلِيم اِبْنُ تَيْمِيَة الَّذِي كانَ فَقِيهاً حَنْبَلِيّاً يَدْرُسُ فِي الجامِعِ الأموي بِدِمَشْقَ، وَتَوَلَّى مَشِيَخَةَ دارِ الحَدِيثِ السُكَّرِيَّةِ (وَكانَت داراً لِلحَدِيثِ النَبَوِيِّ سَنَةَ 674ﮬ كان أول شيوخها الإمام عَبْدِ الحَلِيم والِد أَحْمَد ثُمَّ نولي المَشِيخَةَ فِيها تَقِيُّ الدِينِ أَحْمَد وَكانَت سَكَناً لَهُ (يَنْظُرُ كِتابُ دارِ الحَدِيثِ السُكَّرِيَّةِ سُكْنَى شَيْخِ الإِسْلامِ تَقِيُّ الدِينِ أَحْمَد عَبْدِ الحَلِيم اِبْنِ تَيْمِيَة تأليف الدكتور مُحَمَّد مُطِيع الحافِظ دارَ البَشائِرِ الإِسْلامِيَّةِ) وَالَّتِي آلت إليه التَدْرِيسَ فِيها بَعْدَ وَفاةِ والده، أما والدته فَهِيَ سِتُّ النِعَمِ بِنْتِ عَبْدِ الرَحْمٰن الحَرّانِي أيضا. قَضَى سَنَواتِ الطُفُولَةِ الأولى فِي حُرّانٍ (تَذَكَّرَ بَعْضُ المَصادِرِ أنهم انتقلوا إلى دِمَشْقَ وَعُمَر أَحْمَد سَبْع سَنَواتٍ، وَمِن مَصادِرَ أُخْرَى أَنَّ والِدَهُ عِنْدَما وَصَلَ دِمَشْقَ عَمِلَ فَوْراً شَيْخاً فِي دارِ الحَدِيثِ السُكَّرِيَّةِ، وكان أول شَيْخٍ لِهٰذِهِ الدارِ، وَلٰكِنَّ المَصادِرَ الَّتِي تَتَحَدَّثُ عَن هٰذِهِ الدارِ، وَالَّتِي كانَت أيضا داراً لِسَكَنِ الشَيْخِ عَبْدِ الحَلِيم بِن تَيْمِيَة تَذَكَّرَ زَمَنٍ إنشاء هٰذِهِ الدارَ أَوْ بِدايَةَ عَمَلِها كَدارٍ لِلحَدِيثِ كانَ عامَ 674،أَوْ أَنَّ زَمَنَ تَحْوِيلِ المَسْجِدِ الَّذِي ذَكَرَهُ اِبْنُ عَساكِرَ إِلَى دارٍ لِلحَدِيثِ حَيْثُ أوقفها زَكِيُ الدِين أَحْمَد بِن طَلائِع عَلَى الأمير شَرَفِ الدِين بِن عَساكِر (تَفاصِيلُ بِنائِها، ووقفها يَذْكُرُها كِتابُ دارِ الحَدِيثِ السُكَّرِيَّةِ السابِقِ ص 10، وما بعدها عِلْماً بأن الآن غَيْرُ مَعْرُوفٍ تَماماً مَوْقِعُها بِالضَبْطِ لأنها دَرَسَت، وَبُنِيَت فَوَفَّقَها وَيَعْتَقِدُ أنها تَقَعُ غالِباً فِي محل القطاعين) أَيْ أَنَّ والِدَةَ بَدْءِ العَمَلِ وَعُمْرَ اِبْنِهِ أَحْمَد ثَلاثَةَ عَشَرَ عاماً، وَهٰذا يَعْنِي أَنَّ عِنْدَ مُغادَرَتِهِمْ حران كان سِنَّ أَحْمَد أكبر مِمّا وَرَدَ، فَقَدْ يَكُونُ عُمْرُهُ فِي الأقل اثنتي عشرة سنة، وَلَيْسَ سَبْعَ سَنَواتٍ وَمِن ثَمَّةَ اِنْتَقَلَت العائِلَةُ فِي ظُرُوفِ إغارة التَتارِ على دِمَشْقَ.، وَيَذْكُرُ أبو زَهْرَة فِي مُقَدِّمَةِ دِراسَتِهِ عَن اِبْنِ تَيْمِيَةَ سَنَةَ 668 ﮬ أَنَّ الأسرة الكَبِيرَةَ -يَقْصِدُ أسرة عَبْدِ الحَلِيم –فَرَّت مِن سُيُوفِ التَتارِ فِي ظُلْمَةِ اللَيْلِ البَهِيمِ وَهِيَ فِي طريقها إلى حَيْثُ الأمن وَالاِسْتِقْرارُ فِي دِمَشْقَ الفَيْحاءِ مأوى العِلْمِ وَالعُلَماءِ، ولا ندري مَدَى دقة هذا الوصف مِنْ ناحِيَةِ الأمن والاستقرار، فَقَدْ شَهِدَتْ هٰذِهِ المِنْطَقَةُ وَدِمَشْقَ مِنها وَمُنْذُ 656 ﮬ، بَلْ وَقَبْلَها وَحَتَّى العامِ 699ﮬ فَتَراتٌ مِن عَدَمِ الاِسْتِقْرارِ وَالكَرِّ وَالفَرِّ وَالنَصْرِ وَالهَزِيمَةِ بَيْنَ التَتارِ وَقادَةِ البلدان المسلمين، وَقَدْ سَقَطَت بَعْضُ المُدُنِ مِنها حِمّْصُ وَحُرّانٌ مَسْقَطُ رأس أَحْمَد اِبْنُ تَيْمِيَّة قَبْلَ وِلادَتِهِ، وَتَذَكَّرَ المَصادِرَ سَنَةَ 1260م (658ﮬ) أَيْ قَبْلَ وِلادَةِ أَحْمَد اِبْن تَيْمِيَّة بِثَلاثِ سَنَواتٍ تَقْرِيباً، إذن فَالتارِيخُ هُنا مُرْتَبِكٌ وَغَيْرُ واضِحٍ وَالبَحْثُ فِي دِقَّتِها لَيْسَ مِن مهمتنا الآن، وَالَّذِي يَهُمُّنا التَسْلسُّلَ العامَّ للأحداث وَلَسنا هُنا فِي مَعْرِضِ دِراسَةٍ مُفَصَّلَةٍ عَنهُ بِداياتِ حَياتِهِ، رَغْمَ غِناها، وَلٰكِنْ سَنَتَتَبَّعُ أهم المَحَطّاتِ لأهمية هذا الشيخ فِي الفِكْرِ السَلَفِيِّ، وَسَيَجِدُ القارئ أنه، وَعَلَى الرَغْمِ مِن ذكائه وَسُرْعَةٍ بَدِيهِيَّتِهِ وَاِطِّلاعِهِ وَعِلْمِهِ وَتَنَوُّعِ أدواره وَنَشاطِهِ وَمُؤَلَّفاتِهِ كانَ شَخْصا اشْكالِيّاً حادَّ الطِباعِ مُتَشَدِّدا اخَتْلَفَ مَعَ الكَثِيرِ مِن الفُقَهاءِ بما فيهم الحَنابِلَةِ أنفسهم، بَلْ إن بَعْضَ العُلَماءِ وَالمُحْدَثِينَ يَقُولُونَ إنه لَمْ يَسْلَمْ مِن قَلَمِهِ أحد، وَاُشْتُهِرَ بِتَخْطِئَتِهِ الجَمِيعَ حَتَّى الصَحابَةِ بِمَنْ فِيهِم الخُلَفاءُ الراشدون وَأَمامَهُ أَحْمَدُ بِنُ حَنْبَل، وَيَتَطَرَّفُ البَعْضُ وَيَقُولُ بأنه كانَ يُبْغِضُ الجَمِيعَ (وَقَدْ يَكُونُ مَصْدَرُ ذٰلِكَ أنه كانَ يُصَرِّحُ بأن إذا وُجِدَ القُرْآنَ أَوْ الحَدِيثَ يَجِبُ أَنْ يَتْرُكَ كُلَّ ما بعده، وَيَقْصِدَ الصَحابَةَ، وَقَدْ يَكُونُ الحَدِيثُ غَيْرَ مُسْنَدٍ تَماماً، أَوْ يَعْتَرِضُ عَلَيْهِ بَعْضُ الصَحابَةِ؛ وَكَذٰلِكَ فإن عَصْرُهُ كانَ كَما فِي أغلب العُصُورَ الإِسْلامِيَّةَ بِما فِيها عَصْرُنا أَنَّ الخَطِيبَ وَالمُفَوَّهَ كانَ يَحْظَى عَلَى الجُزْءِ الأكبر مِن الاِهْتِمامِ لَدَى الناسِ عامَّتَهُم وَخاصَّتِهِم)، لَقَبٌ فِي بِدايَةِ الأَمْرِ بأبي العَبّاس تَقِيُّ الدِينِ أَحْمَد بِنْ عَبْدِ الحَلِيم اِبْنِ تَيْمِيَة الحَرّانِي، وَلٰكِنَّ اِبْنَ تَيْمِيَّةَ هِيَ الَّتِي اُشْتُهِرَ فِيها فِيما بَعْدُ. كانَت حَياتُهُ صاخِبَةً صاحِبَتِها الصِراعاتِ بِاِسْتِمْرارٍ وَسِجْنَ مَرّاتٍ عَدِيدَةٍ لِتَطَرُّفِهِ فِي التَصَرُّفاتِ كَما فِي حادِثَةِ عَسّافِ النَصْرانِي ومسألة الفَتْوَى الحَمَوِيَّةِ. بَلْ أَنَّ لَدَيْهِ فَتْوىً حَتَّى بِجَوازِ قِطَعِ الأشجار فِي بِلادِ الجَرْدِ. وُلِدَ اِبْنُ تَيْمِيَةَ فِي مَدِينَةِ حُرّان (وَهِيَ الآن مِن المُدُنِ أَوْ القُرَى المَنْسِيَّةِ التابِعَةِ لِوِلايَةِ شانْلِي أورفا أورفا التُرْكِيَّةِ حَيْثُ ضَمَّت إِلَى تُرْكِيّا فِي مُعاهَدَةِ لَوزانَ 1923) وَلِذٰلِكَ بَعْضُ مَنْ كَتَبُوا عَنهُ يُلَقِّبُونهُ بِالحَرانِيِّ جَدُّهُ كانَ مِن الفُقَهاءِ الحَنابِلَةِ؛ وَكَذٰلِكَ والِدُهُ مِن الفُقَهاءِ، وَيَذْكُرُ البَعْضُ أَنَّ يَوْمَ مَوْلِدِهِ كانَ فِي الثانِي عَشَرَ مِن رَبِيعِ الأول، وَهُم يَذْكُرُونَ هذا التاريخ بِالضَبْطِ لِيَكُونَ مُوافِقاً لِمَوْلِدِ الرَسُولِ. أما أبو زَهْرَة، فَيُحَدِّدَهُ بِالعاشِرِ مِن رَبِيعِ الأول وَهُناكَ آراء مُخْتَلِفَةٌ حَوْلَ أصله هَلْ هُوَ عَرَبِيٌّ أم غَيْرُ عَرَبِيٍّ (وَمَصْدَرُ هذا الاعتقاد أَنَّ حَران آنَذاكَ مَدِينَةٌ تسكنها أعراق مُخْتَلِفَةٌ كُرْدِيَّةٌ وَعَرَبِيَّةٌ وَتُرْكِيَّةٌ)، وَيُنُوهُ أبو زَهْرَة إِلَى ذٰلِكَ، وَلٰكِنَّهُ يُذْكَرُ أَنَّ الأستاذ البَيْطارَ بَهْجَت اِثْبَتْ أنه عَرَبِيٌّ مِن نُمَيْرِي (وَهٰذا ما يذكره الإمام أبو زهرة فِي كِتابِهِ تارِيخُ المَذاهِبِ الإسلامية الصفحات 558-605) هاجَرَت عائِلَتُهُ مِن حران هربا مِن سُيُوفِ التَتارِ وَهُوَ فِي سِنٍّ صَغِيرٍ، وَقَدْ أشرنا إلى وِجْهَةِ نَظَرِنا فِي عُمْرِهِ وَالظُرُوفِ الَّتِي أحاطت بِهِم فِي هِجْرَتِهِم وَمَقامِهِم، وَسَمّاهُ أبوه أَحْمَد تَقِيَّ الدِينِ وَمُنْذُ وُصُولِهِم دِمَشْقَ اِتَّخَذَ والِدَةَ عَبْدِ الحَلِيم بِن تَيْمِيَّة كَما قُلْنا مَكانَتَهُ مُدَرِّساً وَواعَظاً بِجامِعِ دِمَشْقَ الأعظم (المَسْجِدِ الأموي) وَتَوَلَّى أيضا مشيخة دارَ الحَدِيثِ بِالسُكَّرِيَّةِ وَبِهٰذِهِ المَدْرَسَةِ كانَ مَسْكَنُهُ وَتَرْبِيَتُهُ (وَنَحْنُ نَعْتَقِدُ أَنَّ والده كانَ مِن المَكانَةِ بِحَيْثُ كانَ رُبَّما هُوَ مُؤَسِّسُ هٰذِهِ الدارِ، أَوْ أنه أحد أهم مُؤَسِّسِيها كَما يَتَّضِحُ مِن كِتابِ الدكتور محمد مُطِيعِ الحافِظِ،( ينظر كتاب دار الحديث السكرية سكنى شيخ الإسلام تقي الدين احمد بن عبد الحليم ابن تيمية تأليف الدكتور محمد مطيع الحافظ- دار لبشائر الإسلامية) وَلَمّا توفي أبوه وَهُوَ فِي سِنِّ الحادِيَةِ وَالعِشْرِينَ تَوَلَّى مَكانَهُ فِي المَسْجِدِ، وَفِي دارِ الحَدِيثِ، وَهٰذا دَلِيلٌ عَلَى كفاءته وَمَكانَتُهُ، بَلْ إنه كانَ يُلْقِي دُرُوسَهُ غَيْرَ مُسْتَعِينٍ بِكِتابٍ أَوْ كُرّاسٍ أَوْ أَيِّ نِقاطٍ مكتوبة؛ مِمّا يَدُلُّ عَلَى سَعَةِ حِفْظِهِ وَقُوَّةِ ذاكِرَتِهِ، وَقَدْ تأثر وَتَعَلَّمَ مِنْ أسرته العِلْمِيَّةِ وَخاصَّةً والِدَهُ، وَلَعَلَّهُ يَشْتَرِكُ فِي بَعْضِ الصِفاتِ وَالحالاتِ مَعَ مُؤَسِّسِ الحَنْبَلِيَّةِ أَحْمَد فِي كَثِيرٍ مِنْ الصِفاتِ وحيث أنه هُوَ الآخَرُ سُجِنَ لِعِدَّةِ مَرّاتٍ بِسَبَبِ آرائه الشَدِيدَةِ اِلْتَزَمَتْ كَما شابَهَهُ فِي ذَكائِهِ وَنُبُوغِهِ وَتَوَجُّهِهِ نَحْوَ حِفْظِ الحَدِيثِ وَرِوايَتِهِ، كما أنه جاد حَتَّى فِي طُفُولَتِهِ كما ابن حَنْبَلٍ لا يَلْهُوا لَهْوَ الصِبْيانَ مِنْ عُمْرِهِ، بَلْ يَقِضِيها فِي الحِفْظِ وَالتَعَلُّمِ. يَصِفُهُ الإمام أبو زَهْرَةً بِالجِدِّ وَالاِجْتِهادِ وَالمُثابَرَةِ، وَتَيَقُّظُ حِسُّهُ وَالذاكِرَةُ الحادَّةُ وَالفِكْرُ المُسْتَقِيمُ، وأنه خَرَجَ مِن عائِلَةِ كان العلم دَيْدَنِها، فَاِطَّلَعَ عَلَى أهم الكُتُبِ وَالمُؤَلَّفاتِ لِاِبْنِ حَنْبَلٍ وَالبُخارِيِّ وَاِبْنِ مُسْلِمٍ وَالتِرْمِذِيِّ وَسُنَنِ أبي داوُدَ وَاِبْنِ ماجِه وَمُعْجَمِ الطَبَرانِي الكَبِيرِ، وَاِتَّجَهَ إلى الحديث حَيْثُ كان الحديث تخصصاً، بَلْ ومذهب أسرة اِبْنِ تَيْمِيَّةَ، عَلَى أنه لَمْ يُقَصِّرْ دِراسَتَهُ عِلْمَ الدِينِ وَحْدَهُ، بَلْ عَنَى بِالعُلُومِ الأُخْرَى، أَيْ اللُغَةَ العَرَبِيَّةَ وَبَرَعَ فِي النَحْوِ، بَلْ وَالعُلُومِ الرِياضِيَّةِ وَالفَلْسَفَةِ، فِي بِدايَةِ حَياتِهِ كانَ والِدُهُ مُوَجَّهَهُ الأول ثُمَّ توالى الشيوخ الَّذِينَ تَتَلَمَّذُ عَلَى يَدَيْهِمْ، أَوْ أخذ مِنهُم حَتَّى لَيُقالُ إنهم وَصَلُوا لِأَكْثَرَ مِنْ مِئَتَيْ شَيْخٍ وَمُحْدَثٍ مِن كِبارِ شُيُوخٍ الإِسْلام آنذاك (وهنا أيضا نُواجِهُ النَمَطَ الأَعْرابِيَّ فِي كِتابَةِ السَيْرِ، وَالَّتِي تَرْسُمُ صُورَةً حَتَّى لِلطُفُولَةِ غَيْرَ عادِيَّةٍ وَنُبُوغٍ اِسْتِثْنائِيٍّ لِلمَمْدُوحِ أَوْ المَذْمُومِ إيجابا أو سلبا كان يُقالُ إنه حَفِظَ بِسِنٍّ مُبَكِّرَةٍ أَوْ وَقْتٍ قَصِيرٍ كُلُّ القُرْآنِ أَوْ عَشَراتِ الآلاف مِنْ الأَحادِيثِ أَوْ الشِعْرِ، أَوْ ما شابه ذٰلِكَ، وَهٰذا ما نشاهده فِي كِتابَةِ السير خاصة حَتَّى يَوْمِنا هٰذا. وَنَحْنُ فِي هذا السياق لا بد أن نُبَيِّنُ أَنَّ مِن القضايا التي ساهَمَت فِي إعلاء شأنه وَكَسْبِهِ الاِتِّباعَ وَكَما يَقُولُ أبو زَهْرَة أنه خَرَجَ مِن مِحْرابِ العِلْمِ إلى العمل فِي الحَرْبِ لِحِمايَةِ الإِسْلامِ وَالمُسْلِمِينَ مِن التَتارِ الَّذِينَ عاثُوا بالأرض فَساداً، فَقَدْ خَرَجَ مُحارِباً وَكانَ صُلْباً، كَما أَنَّ ذٰلِكَ المَوْقِفَ أكسبه اِحْتِرامَ ناصِرِ الدِين اِبْنِ قَلاون، وَالَّذِي كانَ يُمَثِّلُ آنذاك الشَوْكَةِ الَّتِي وَقَفَتْ بِوَجْهِ التَتارِ، بَلْ أَنَّ تِلْكَ المَكانَةَ مَكَّنَتْهُ حَتَّى مِنْ التَدَخُّلِ أحيانا في شُؤُونُ الحُكْمِ حَيْثُ يُسْتَشارُ فِي أمور الدِينِ، وَفِي تَعْيِينِ هٰذا وَذاكَ مِنْ الأشخاص فِي أمور الدِينِ. و كانَت دِمَشْقُ تِلْكَ الأيام زاخِرَةً بِالعُلَماءِ وَالمُحْدَثِينَ، وَالَّذِينَ هاجروا إليها مِن المُدُنِ وَالعَواصِمِ الإسلامية التي سَيْطَرَ عليها التتار، فَمِنهُم مَنْ اِتَّخَذَها مُسْتَقِرّاً، وَمِنهُم مِن هاجر منها إلى مِصْرَ طَلَباً لأمانْ أَكْثَرَ، وَكانَت فِي دِمَشْقَ الكَثِيرَ مِن المَدارِسِ التابعة لِلشافِعِيَّةِ وَالحَنْبَلِيَّةِ وَخَيْرِ عُلَماءِ هٰذِهِ المَذاهِبِ، وَرَغْمَ سِيادَةِ مَذْهَبِ الأَشْعَرِيِّ أبو الحَسَن، وَالَّذِي سَلَكَ غَيْرَ سُلُوكِ الحَنابِلَةِ، فَقَدْ كانَ يَسْتَخْدِمُ الفَلْسَفَةَ وَالمَنْطِقَ، وَلٰكِنَّ اِبْنَ تَيْمِيَّةَ ذُو الثَقافَةِ الحَنْبَلِيَّةِ عادَى المَذْهَبَ الأَشْعَرِيَّ وَنَتِيجَةً لِتِلْكَ المَواقِفِ نالَهُ هُوَ الآخَرُ كما ابن حَنْبَل ما ناله نَتِيجَةَ مَواقِفِهِ تِلْكَ، ولا نريد هنا أيضا أَنْ نَخُوضَ بِالشُرُوحِ أَوْ القَدَحِ أو المديح الَّذِي كُتِبَ عَنهُ فِي العَدِيدِ مِن الدِراساتِ، بَلْ بُوُدِّنا أَنْ نُشِيرَ إلى آرائه الفِقْهِيَّةَ الَّتِي خالَفَت الآخرين من كُلَّ المَذاهِبِ وَالطَوائِفِ وَالتَجَمُّعاتِ مِنْ الأَشْعَرِيَّةِ وَالشِيعَةِ، بَلْ وَحَتَّى الحَنابِلَةِ المُعْتَدِلِينَ، ناهِيكَ عَنْ غَيْرِ المُسْلِمِينَ. دَرَسَ زَمَناً غَيْرَ قَصِيرٍ فِي المَدْرَسَةِ الحَنْبَلِيَّةِ خَلَفاً لِلعالَمِ زَيْنِ الدِين بِن المُنَجَّى الحَنْبَلِيِّ وَهِيَ مِن المَدارِسِ المُهِمَّةِ آنذاك، فَكَّرَهُ كَما هُوَ اِبْنُ حَنْبَلٍ، يَتَتَبَّعُ السَلَفَ بِشِدَّةٍ وَحَدِّيَّةٍ، وَمِثْلَ اِبْنِ حَنْبَلٍ كانَ يُقِيمُ نَوْعَيْنِ مِن الدُرُوسِ الأولى يُلْقِيها عَلَى العامَّةِ فِي المَسْجِدِ وَالثانِيَةُ دُرُوسٌ إلى الخاصة مِن طُلّابِهِ يُحَدِّدُ فِيها ما توصل إليه فِي المَسائِلِ الفِقْهِيَّةِ، هٰذا عِلاوَةٌ عَلَى أنه أضاف إِلَى ذٰلِكَ أسلوب ثالِثٍ وَهُوَ الرَسائِلُ الَّتِي تُجِيبُ عَلَى التَساؤُلاتِ المُخْتَلِفَةِ، وَلَعَلَّ أشهرها الفتوى الحَمَوِيَّةَ وَبَيْنَ أيدينا كِتّابَ مَجْمُوعَةِ أسئلة مُوَجَّهَةٍ لِشَيْخِ الإِسْلامِ أَحْمَد اِبْنِ تَيْمِيَّة فِي كِتابَيْهِ مَجْمُوعُ الفَتاوِي وَالفَتاوِي الكُبْرَى المِصْرِيَّةِ جمعه، وَرَتَّبَهُ عَبْدُ الكَرِيم عَبْدِ الرَحْمٰن الغانِم، وَهُوَ يُبَيِّنُ حَجْمَ الفتاوى والأجوبة الَّتِي قامَ اِبْنُ تَيْمِيَّةَ بِالجَوابِ، وَتَقَعُ الأجوبة فِي حُدُودِ 30-40 مجلداً. وَيُفَسِّرُ البَعْضُ حِدَّتَهُ؛ لأن المعارضة كانَت حادَّةً قَوِيَّةً وَنَشِيطَةً، فَمِن الطُرُقِ الصُوفِيَّةِ وأعلامها المشهورين إلى الفلاسفة وَالمُحْدَثِينَ إلى السياسة وأصول الحُكْمِ وَالفِقْهِ وأصحاب المَذاهِبِ الكِبارِ وَعُلَماءِ التَفْسِيرِ وَعُلُومِ القُرْآنِ، فَقَدْ كان القرن السابِعُ وَالثامِنُ عَصْراً خَصَباً منهم القرطبي وَالنَوَوِيِّ وَالنُوَيْرِيَّ وَالبَيْضاوِيّ وَالإيجِي وَالسُبْكِيِّ تَقِيُّ الدِينِ وَالسُبْكِي تاجُ الدِين وَاِبْنُ خَلْدُون وَاِبْنُ النَفِيْسِ وَالجُرْجانِي وَالعَسْقَلانِيُّ وَالعَلائِيِّ وَقَلِيجٌ وَالقُسْطَلانِي وَالذَهَبِيُّ وَالشَمّاخِيُ وَالقَلِقْشَنْدِيُّ وَمُحِيُّ الدِين بْن عَرَبِي وَغَيْرُهُم الكثير إضافة لِما قَبْلَهُم، وَكانَت الشامُ وَمِصْرُ وَالعِراقُ أعمدته وَحِواراتُهُ الفِكْرِيَّةُ وَالفَلْسَفِيَّةُ الَّتِي لا نزال نَنْهَلٌ مِنها، وَنَعُودُ إليها فِي مُخْتَلِفِ المَجالاتِ، وَلٰكِنَّ هذا التبرير غَيْرُ كافِي وَلا مَنْطِقِيٍّ لأن كُلُّ الأسماء الكبيرة آنذاكَ، وَمِنها مِن ذَكَرِنا اعَلاءَ كانَت لَهُم وُجْهاتُ نَظَرٍ أَوْ اِخْتِلافاتٌ مَعَ غَيْرِهِم أم مَعَ السُلُطاتِ، بَلْ إن قسماً كَبِيرٌاً مِنْهُمْ أَوْ مِمَّنْ سَبَقُوهُمْ، أَوْ بَعْدَهُمْ دَفَعُوا حَياتَهُمْ ثَمَناً لأفكارهم، وَلٰكِنَّهُمْ لَمْ يُوصَفُوا مِنْ الغالِبِيَّةِ بِما وَصَفَ بِهِ اِبْنُ تَيْمِيَةَ، وَلْنَرَى اليَوْمَ أَنْ أشد التَنْظِيماتِ تَطَرُّفاً وَدَمَوِيَّةً تَرْفَعُ شِعاراتِهِ وَفَتاوِيَهِ، وَتَتَّخِذُهُ قُدْوَةً بِالدِينِ وَمَكانَةً لا يحظى بِها حَتَّى اِبْنِ حَنْبَلٍ نَفْسِهِ.
#عصام_حافظ_الزند (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
الفصل التاسع اعلام السلفية 3
-
الفصل التاسع اعلام السلفية أحمد بن حنبل
-
الفصل التاسع اعلام السلفية
-
الفصل الثامن الفقرة الاخيرة
-
الفصل الثامن الجزء الاخير من مناقشة كتاب النصولي
-
الفصل الثامن تكملة مناقشة كتاب النصولي 2
-
الفصل الثامن تتمة مناقشة كتاب النصولي
-
الفصل الثامن الدولة الامويةومعاوية في كتاب النصولي
-
الفصل الثامن معاوية في كتاب النصولي
-
الفصل الثامن4/3
-
الفصل الثامن 4/2
-
الفصل الثامن 4/1
-
الفصل الثامن 3
-
الفصل الثامن 2
-
الفصل الثامن2
-
الفصل الثامن الدولة الاموية
-
من الفصل السابع الجزء الاخير
-
من الفصل السابع- خلافة علي بن ابي طالب
-
من الفصل السابع الجزء الثاني من علي والاسلام
-
من الفصل السابع-علي بن ابي طالب
المزيد.....
-
محافظة القدس تحذر من أخطر تصعيد لتكريس سيادة الاحتلال على ال
...
-
إغلاق المسجد الأقصى وتخصيص باحاته ومحيطه لاقتحامات المستوطني
...
-
مستشار قائد الثورة الإسلامية محسن رضائي: ردّ إيران على استهد
...
-
-اعتداء كل 5 أيام-.. -الغارديان- ترصد الهجمات ضد المساجد وال
...
-
قاضي قضاة فلسطين لـ الشروق: إسرائيل تنفخ في نار الحرب الديني
...
-
رئيس الوزراء العراقي: زيارتنا الى الجمهورية الإسلامية تعبر ع
...
-
إقامة مراسم توقيع مذكرات التفاهم المشتركة بين كبار مسؤولي ال
...
-
توقيع 4 مذكرات تفاهم مشتركة بين الجمهورية الإسلامية الإيراني
...
-
حرس الثورة الإسلامية: في الموجة الـ26 من عملية «نصر 2» دمّرن
...
-
حرس الثورة الإسلامية: أُصيبت برج المراقبة الجوية في القاعدة
...
المزيد.....
-
قراءة في تاريخ الاسلام المبكر الطبعة الثانية
/ محمد جعفر ال عيسى
-
حقوق العصر: تحقيقات في جريمة ازدراء العقل و معاداة الإنسان
/ أحمد التاوتي
-
حقوق العصر
/ أحمد التاوتي
-
الإسلام ضد الحداثة
/ فرغان أزيهاري
-
مصادر القرآن من اليهودية و المسيحية السريانية و الجاهلية و أ
...
/ مؤمن عقلاني
-
محادثات مع الله الجزء الرابع
/ نيل دونالد والش
-
مختصر كتاب الأرواح
/ آلان كاردك
-
الفقيه لي نتسناو براكتو
/ عبد العزيز سعدي
-
الوحي الجديد
/ يل دونالد والش
-
كتاب : حَمَّالُ أَوْجُهٍ.. الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام
...
/ احمد صالح سلوم
المزيد.....
|