|
|
الفصل التاسع اعلام السلفية
عصام حافظ الزند
الحوار المتمدن-العدد: 8771 - 2026 / 7 / 19 - 16:16
المحور:
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
(ننشر على حلقات بعض من فقرات كتابنا "البدو والإسلام جذور التطرف" والذي قامت مجموعة من الامن الوطني العراقي بمصادرته من جناح دار النهار في معرض بغداد وقد وجهنا رسالة الى الجهات الرسمية العراقية تجدونها على صفحاتنا في الحوار المتمدن)
أَعْلامُ السَلَفِيَّةِ أَحْمَد اِبْنُ حنبل والمذهب الحَنْبَلِيِّ اِبْنُ تيمية الحراني اِبْنُ القَيِّمِ الجَوْزِيَّةِ أَحْمَد اِبْنُ حَنْبَل لَمْ تَكُنْ السَقِيفَةُ السَبَبَ فِي الاِنْشِطارِ الأَساسِيِّ فِي الإِسْلامِ، بَلْ إنها الجذر فِي الاِنْشِطاراتِ الأُخْرَى داخِلَ المَذاهِبِ نَفْسِها، وَالَّتِي نَشَأَت فِي غالبيتها إبان القرن الثانِي وَالثالِثِ الهِجْرِيِّ، وَنَقْصِدُ هنا المذهب السُنِّيَّ، وَالَّذِي اِنْشَطَرَ إلى أربعة مَذاهِبَ أَساسِيَّةٍ بِالتَسَلْسُلِ وَمَنْسُوبَةً إِلَى مُؤَسِّسِيها وَهِيَ المَذْهَبُ الحَنَفِيُّ الإمام أبو حَنِيفَة النُعْمان 80- 150ﮬ 699 -767م فِي بَغْدادَ وَالمَذْهَبُ المالِكِيُّ مالِك بِن أَنْس 93-179ﮬ 715-796م المَدِينَةُ الحِجازُ وَالمَذْهَبُ الشافِعِيُّ مُحَمَّد بِن إِدْرِيس الشافِعِيُّ 150-204 ﮬ 766-820م بَغْدادُ ثُمَّ مِصْرُ ثُمَّ الأخير وَهُوَ المَذْهَبُ الحَنْبَلِيُّ الَّذِي يُهُمُّنا، وَالَّذِي يُنْسَبُ إلى الإمام أَحْمَد بِن مُحَمَّد اِبْنِ حَنْبَل بِنِ هِلال بِنِ أَسَد الشَيْبانِي الذِهْلِي (164-241 ﮬ) المَوْلُودُ فِي بَغْدادَ، وَذُهِلَ وَشَيْبانُ مِن بَنِي بَكْرِ بْنِ وائِلٍ، وَقَدْ اِجْتَمَعَ أَحْمَد اِبْنُ حَنْبَل وَالنَبِيُّ ﷺ فِي نِزارٍ، لأن النبي ﷺ مَضَرِّي مِنْ وَلَدِ مِضَرَ بْنِ نِزارٍ، وَكُلُّ قُرَيْشٍ مِنْ مُضِرَ، وَأَحْمَدُ بْنِ حَنْبَلٍ رَبْعِي مِنْ وَلَدِ رَبِيعَةَ بْنِ نِزارٍ، وَهُوَ أَخُو مُضَرَ بْنِ نِزارٍ ، وَأَوْلادٌ نِزار أَرْبَعَةُ مُضَرِ وَرَبِيعَةٌ وَإِيادٌ وَأَنْمارٌ، وَمِن هٰؤُلاءِ تَشَعَّبَت بُطُونُ العَرَبِ كُلِّها كَما يَقُولُ أَغْلَبُ النِسابَةِ (لِلتَحَقُّقِ: جَمْهَرَةُ النَسَبِ لأبي المُنْذِرِ هِشام بِن مُحَمَّد بْنِ السائِبِ الكَلْبِيِّ رِوايَةُ السُكَّرِيِّ عَن أبي حَبِيبِ تحقيق الدكتور ناجِي حَسَن عالَمِ الكُتُبِ مَكْتَبَةُ النَهْضَةِ العَرَبِيَّةِ صَفَحاتٍ مُخْتَلِفَةٌ 19-29ثُمَّ 489 وَكَذٰلِكَ اِبْنُ الجَوْزِيِّ الَّذِي نَعْتَقِدُ أَنَّهُ اعتمد عَلَّ الكَلْبِيِّ) وَكانَت مَنازِلُ شَيْبانَ بِالبَصْرَةِ، وما حولها وعندما أمر الخَلِيفَةِ عمر بن الخِطّاب بِبِناءِ البَصْرَةِ نَزَلُوا بَنِي شِيْبانَ، فَسُكُونُها (عَتَبَةُ بِنْ غزوان الذي أَرْسَلَهُ الخَلِيفَةُ عُمَر مَعَ أَرْبَعِينَ رَجْلا اِخْتِطُوا البَصْرَةِ، وَبَدَأُوا بِبِنائِها سَنَةَ سِتَّةَ عَشَرَ كانَ مازِنِي، وأن أول مِن مِصْرَ البَصْرَةَ هُوَ المُثَنَّى بْنُ حارِثٍ وَهُوَ مِن بَنِي شَيْبانَ، وَكَتَبَ إِلَى عُمَرٍ يَقُولُ إِنِّي نَزَلْتُ أَرْضاً بَصْرَةً) (كِتابُ أحكام أهل الذمة اِبْنِ قِيِّمٍ الجَوْزِيَّةِ ص 1175-1176) وَلِذٰلِكَ فَإِنَّ أَحْمَد كانَ عِنْدَما يَزُورُ البَصْرَةَ يُصَلِّي فِي مَسْجِدٍ مازِنٍ، وَهُوَ يَقُولُ إِنَّهُ مَسْجِدُ آبائِيٌّ قالَ الخِلالُ وَثَنَّى عَلِيُّ اِبْنُ عَبْدِاللّٰه بِالبَصْرَةِ قالَ حَدَّثَنِي إِبْراهِيمُ بْنُ فَهْدٍ قالَ: ثنى اِبْنُ عَبْدِ اللّٰهِ الرُومِي قالَ كُنتُ كَثِيراً مما أرى أبا عَبْدِ اللّٰه أَحْمَد اِبْنِ حَنْبَلٍ وَهُوَ بِالبَصْرَةِ يَأْتِي مَسْجِدُ بَنِي مازِنٍ فَيُصَلِّي فِيهِ. فَقُلتُ لَهُ: يا أبا عَبْدُ اللّٰه، إِنِّي أَراكَ كَثِيراً مِمّا تُصَلِّي فِي هذا المسجد. فَقالَ: إِنَّهُ مَسْجِدُ آبائِيٌّ (مَناقِبُ الإمام أَحْمَد اِبْنُ حَنْبَلٍ أبي الفَرَج بِن الجَوْزِيِّ الطبعة الأولى ص 19) بَعْضُ المَصادِرِ تُذْكَرُ أنه وُلِدَ فِي أَفْغانِسْتانَ، وَبَعْدَ وِلادَتِهِ هاجَرَ ذَوِيهِ إِلَى بَغْدادَ، وَلٰكِنَّ أَغْلَبَ المَصادِرِ تُؤَكِّدُ أَنَّ وِلادَتَهُ فِي بَغْدادَ وَاِبْنِ الجَوْزِيِّ يُعْطِي رِواياتِ تَرَجُّحِ أغلبها أنه وُلِدَ بِبَغْدادَ وَالواقِعُ لا تُغَيِّرُ وِلادَتُهُ إنْ كانَت فِي مَرْوٍ، أَوْ فِي بَغْدادَ المُهِمِّ أنه نشأ، وَتَعَلُّمٍ وَعَلَّم وتوفي فِي بَغْدادَ وَبَغْدادَ آنَذاكَ كانَت فِي قِمَّةِ مَجْدِها تَزْدَحِمُ بِالعُلَماءِ وَاللَغُوَيْنِ وَالفُقَهاءِ وَالصُوفِيِّينَ وَالفَلاسِفَةِ وَالمُحْدَثِينَ نَشِيطَةً فِي الأَدَبِ وَالثَقافَةِ وَالاِخْتِلافِ عاصِمَةَ الخِلافَةِ وَالدِينِ وَلَمْ نَجِدْ، وَبَعْدَ مُراجَعَةِ الكَثِيرِ مِن العُيُونِ التارِيخِيَّةِ وَالمُعاصَرَةِ بِما فِيها ما كتبه أَهَمُّ مُتَبَنِّي المَذْهَبِ الحَنْبَلِيِّ وَخاصَّةً اِبْنَ تَيْمِيَّةَ وَاِبْنَ القِيَمِ، مِن دِراساتٍ، أَفْضَلَ وَأَكْثَرَ تَرْكِيزاً مِن الدِراسَةِ الَّتِي قَدَّمَها لنا الإمام مُحَمَّد أَبُو زَهْرَة فِي مُؤَلِّفِه الكَبِيرِ (تارِيخِ المَذاهِبِ الإِسْلامِيَّةِ فِي السِياسَةِ وَالعَقائِدِ وَتارِيخِ المَذاهِبِ الفِقْهِيَّةِ)وَالَّتِي اِعْتَمَدَت فِي الكَثِيرِ عَلَى دِراسَةِ اِبْنِ الجَوْزِيِّ المُوَسَّعَةِ وَالشامِلَةِ كما اعتمد عَلَيْها كُلُّ مَنْ كَتَبَ عَن اِبْنِ حَنْبَلٍ، ويمكننا القول أَنَّ المَناقِبَ عَلَى ما فيها مِن مَعْلُوماتٍ كثيرة وَمَدِيحٍ كَثِيرٍ، وَتَقَصِّي كافَّةِ جَوانِبِ حَياةِ اِبْنِ حَنْبَلٍ تَجِدُ فِيها تَناقُضٌ أَحْياناً وَتَكْرارِ أحيانا أخرى وَالأَهَمُّ أنها رتيبة وَمُمِلَّةٌ لِلقِراءَةِ، وَلٰكِنَّها تَكادُ تَكُونُ المَصْدَرَ الوَحِيدَ الأَهَمَّ لِتَقَصِّي أَخْبارِ أَحْمَد اِبْنِ حَنْبَل وَلِذا سَنُعَدِّها إِحْدَى المَصادِرِ المُهِمَّةِ (مَناقِبِ الإمام أَحْمَد اِبْنِ حَنْبَل) أما أبو زَهْرَة، وَالَّذِي سَنَعْتَمِدُ عليه أيضا في الكَثِيرِ، فَقَدْ كَتَبَ فِي مُقَدِّمَةِ دِراسَتِهِ جاءَتْ أُمُّهُ حامِلاً بِهِ مِنْ مَرْوِ الَّتِي كانَ بها أبوه وَحَنْبَلٍ لَيْسَ اِسْمَ أبِيهِ، بَلْ جَدَّهُ وَكانَ مَقامَ الأُسْرَةِ فِي خُراسانَ حَيْثُ كانَ جَدُّهُ والِياً عَلَى سَرْخَسٍ توفي والِدُهُ وَهُوَ لَمْ يَبْلُغْ درجة الإدراك بِالرُؤْيَةِ كَما قالَ هُوَ فَتَوَلَّت تَرْبِيَتُهُ أُمَّهُ بِمُساعَدَةِ عَمِّهِ، تَزَوَّجَ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ بَعْدَ سِنِّ الأَرْبَعِينَ مِن عائِشَةَ بِنْتِ الفَضْلِ، فأنجبت لَهُ صالِح وَبَقِيَت مَعَهُ ثَلاثِينَ عاماً، وَعِنْدَما تُوُفِّيَت تَزَوَّجَ مِن ريحانة وَهِيَ أَمُّ عَبْدِاللّٰه ابنه الَّذِي رَتَّبَ، ونشر مُسْنَدُهُ، وَبَعْدَ وفاتها اشترى جارِيَةً اسمها حَسَن أَنْجَبَت لَهُ الكَثِيرَ ماتَ أَكْثَرُهُم وَهُم أَطْفالٌ، وَمَنْ عاشَ مِنهُم ابنه سَعِيدٌ الَّذِي تَوَلَّى فِيما بَعْدُ مَنْصِبَ القَضاءِ فِي الكُوفَةِ، وَعَلَى العُمُومِ، فإن أخبار زَواجِهِ غَيْرُ دَقِيقَةٍ مِن حَيْثُ التَوارِيخُ وَالمَدْدُ وهِيُّ تَتَضارَبُ كَثِيراً وَالعُمْرُ الَّذِي عاشَهُ (مُراجَعَة ابِنَ الجَوْزِيُّ المُناقِبُ مِن البابِ 62-65) مِن المَعْقُولِ التَصَوُّرُ أَنَّهُ تَزَوَّجَ فِي سِنٍّ أَبْكَرَ بِكَثِيرٍ مَما قِيلَ، وَأَنَّهُ عاشَ مَعَ زَوْجَتِهِ الأُولَى مُدَّةً أَقَلَّ مِمّا قِيلَ مِمّا يَسْتَقِيمُ أَيْضاً مَعَ عُمْرِ أَبْنائِهِ وَخاصَّةً عَبْدَ اللّٰه عِنْدَ وَفاتِهِ. وَعُرَفَ عَنْ الإمام أَحْمَد العَلَم الكثير، فقد قالَ عَنْهُ اِبْنُ الجَوْزِيِّ كانَ -رَضِيَ اللّٰهُ عَنْهُ- شَدِيدَ الإقبال عَلَى العِلْمِ مُنْذُ صِغَرِهِ وَأَوَّلُ مَنْ تَلَقَّى مِنْهُ الحَدِيثَ كان أبو يُوسُف (يَعْقُوبُ بْنُ إِبْراهِيمَ الأَنْصارِيُّ مُحْدِثٌ، وَقاضِي القُضاةِ وَمِنْ تَلامِذَةِ أَبِي حَنِيفَةَ) قالَ سَمِعْتُ زِيادَ بْنُ أَيُّوبَ يَقُولُ سَمِعْتُ أَحْمَد اِبْنَ حَنْبَلٍ يَقُولُ: طَلَبْتُ الحَدِيثَ سَنَةَ تِسْعٍ وَسَبْعِينَ، أَتَيْتُ مَجْلِسَ اِبْنِ المُبارَكِ، وَقَدْ قامَ وَقَدِّمَ عَلَيْنا سَنَةَ تِسْعٍ وَسَبْعِينَ (وَالمَقْصُودُ هُنا كَما نَعْتَقِدُ 179) ( ابن الجوزي المَناقِبَ ص 24) وَهٰذا يَعْنِي أَنَّهُ كانَ فِي عُمْرِ الخَمْسَةَ عَشَرَ، وَسافَرَ فِي طَلَبِ العِلْمِ وَالحَدِيثِ السَفَرُ البَعِيدُ، وَوَفَّرَ عَلَى تَحْصِيلِهِ الزمان الطويل، وَلَمْ يَتَشاغَلْ بِكَسْبٍ وَلا نِكاحٍ، حَتَّى بَلَغَ مِنْهُ ما أراد (مَناقِبُ الإمام ابن حَنْبَل اِبْنِ الجَوْزِيِّ الباب السابع ص 58) يَقُولُ: مَرَّ أَحْمَد اِبْنُ حَنْبَلٍ جائِياً مِنْ الكُوفَةِ، وَبِيَدِهِ خَرِيطَةٌ فِيها كُتُبٌ، فَأَخَذَتْ بِيَدِهِ فَقُلْتُ: مَرَّةً إلى الكوفة، وَمَرَّةً إلى البصرة، إِلَى مَتَى، إِذا كَتَبَ الرَجُلُ ثَلاثِينَ أَلْفَ حَدِيثٍ لَمْ يَكْفِهِ؟ فَسَكَتَ. ثُمَّ قُلْتُ: سِتِّينَ ألفاً، فَسَكَتَ، فَقُلْتُ مِائَةُ أَلْفٍ فَقالَ: حِينَئِذٍ يَعْرِفُ شَيْئاً، قالَ أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ: فَنَظَرْنا فَإِذا أَحْمَد كَتَبَ ثَلاثَمِائَةِ أَلْفٍ عَنْ بهز بْنِ أَسَدٍ وَعَفّانَ، وَأَظُنُّهُ قالَ وَرُوحُ بْنُ عِبادَةَ (المَناقِبُ ص 29-28) كما كان شَدِيدُ التَواضُعِ وَالتَسامُحِ خصوصا أنه تَعَرَّضَ لِلسِجْنِ وَالتَعْذِيبِ، وَقالَ عَنْهُ الشافِعِيُّ أَحْمَد إِمام فِي ثَمانِي خِصالٍ: إِمامٌ فِي الحَدِيثِ، إِمامٌ فِي الفِقْهِ، إِمامٌ فِي اللُغَةِ، إِمامٌ فِي القُرْآنِ، إِمامٌ فِي الفَقْرِ، إِمامٌ فِي الزُهْدِ، إِمامٌ فِي الوَرَعِ، إِمامٌ فِي السَنَةِ (الإِمامُ أَحْمَد اِبْنُ حَنْبَلٍ وَاِنْتِشارُ المَذْهَبِ الحَنْبَلِيِّ الاِنْتِرنيتِ مَوْقِعُ الشَيْخِ مُحَمَّد الأَمِين) وَمِن المُتابَعَةِ وَجَدنا أَنَّ الرأي الذي يَصِفُهُ بِالتَشَدُّدِ صَحِيحٌ، وَأَنَّ تَعالِيمَهُ كانَت بِالمُقارَنَةِ بِالمَذاهِبِ السُنِّيَّةِ الأخرى أكثر تَشَدُّداً وَتَطَرُّفاً وَصحيحاً بِأَنْ يُعَدَّ بِاِعْتِبارِهِ واضِعَ البِداياتِ لِلسَلَفِيَّةِ وكان الإمام أبو زَهْرَة قَدْ ثَبَّتَهُ ذٰلِكَ؛ مِمّا عَزَّزَ هذا الرأي وَصَوابَ تَشْخِيصِنا وَنُضِيفَ أَنَّهُ، وَرَغْمَ أَنَّ اِبْنَ حَنْبَل قَدْ أَخَذَ المَسائِلَ الأَساسِيَّةَ مِن المَذْهَبِ الشافِعِيِّ أَيْ الأَخْذِ بِالكِتابِ وَالسُنَّةِ وَالإِجْماعِ وَالفَتْوَى وَالقِياسِ، إلا أنه تَشَدَّدَ فِي إِجاباتِهِ، وَبَرَزَت خِلافاتُهُ مَعَ الفُقَهاءِ الآخرين في المَذاهِبِ الأخرى في تَرْجِيحُهُ المَبادِئَ الثَلاثَةَ الأولى (الكِتابَ وَالسُنَّةَ وَالصَحابَةَ) عَلَى المَبادِئِ الأُخْرَى غَيْرُ مَراعٍ لِلخُصُوصِيَّةِ وَالزَمَنِ وَالضَعْفِ وَالقُوَّةِ، وما إليها مِنْ مَقايِيسَ وَمَنْ تشدد ابن حَنْبَل آرائِهِ الَّتِي أَكَّدَ فِيها أَنَّ وُجُودَ نَصٍّ فِي القُرْآنِ أو حديث يُبْطِلُ كُلَّ فَتْوَى حَتَّى وإن كانت مِن قِبَلُ صَحابِيٍّ. إِنَّ أَحْكامَ اِبْنِ حَنْبَل الذِي سْكُن، وَعاشَ وَماتَ فِي بَغْدادَ (رَغْمَ أَنَّهُ سافَرَ خَمْسَ مَرّاتٍ كَما قالَ إلى البصرة وَالحِجازِ وَتِهامَةَ وَاليَمَنِ، وَفِي البَصْرَةِ، وَلٰكِنَّها عَلَى ما يبدو مِن المَصادِرِ سَفْراتٌ قَصِيرَةٌ، وَلَيْسَ لِلعَيْشِ وَالإِقامَةِ الطَوِيلَةِ وَتَعَرَّفَ خِلالَ إِحْدَى سُفْراتِهِ فِي مكة على الشافِعِيِّ، ثُمَّ اِلْتَقَيا فِي بَغْدادَ) كانَت فَتاوِيهِ أَشَدَّ مُحافَظَةً مِن أَحْكامِ الأَئِمَّةِ الباقِينَ فِي غالِبِيَّةِ القضايا الفقهية بَدْءاً بِالعِباداتِ وَاِنْتِهاءً بالأحوال الشخصية (المُسْنَدُ للإمام أَحْمَد بْنْ حَنْبَل يَقَعُ فِي أَكْثَرَ مِنْ عَشَرَةِ –اِثْنَيْ عشر مجلداً وَهُوَ فِي حُدُودِ8500 صَفْحَةً حَسَبَ الطَبْعَةِ) وَقَدْ شاعَ وَصْفُ الشَخْصِ الشَدِيدُ المُحافَظَةِ وَالمُتَمَسِّكُ بِرَأْيِهِ بِـ(الحَنْبَلِيِّ) (وَرُبَّما هُنا نُشِيرُ إِلَى حادِثَةٍ طَرِيفَةٍ يُؤَكِّدُ مَغْزاها ما ذهبنا إليه حِينَ بَنَى مُحَمَّد عَلِي الكَبِيرُ جامِعَهُ فِي القَلْعَةِ بِمِصْرَ، وَزَوَّدَهُ بِخَزّاناتِ المِياهِ وَالمَواسِيرِ الَّتِي تَنْقُلُ الماءَ، ومن ثَمَّةَ زَوَّدَهُ بِالصَنابِيرِ لِاِسْتِخْدامِها لِلوُضُوءِ، وَلٰكِنَّ الحَنابِلَةَ خاصَّةً وَمَذاهِبَ أخرى اعتبرت ذٰلِكَ ضَلالٌ، وَذٰلِكَ لأن السلف لَمْ يَسْتَخْدِمْ هٰذِهِ البِدْعَةَ (الصَنابِيرَ) وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلالٍ، وَكُلُّ ضَلالَةٍ فِي النارِ؛ وَلِذٰلِكَ حَرَّمَ الوُضُوءُ مِنها وَحْدَهُم الحَنَفِيَّةُ اعتبروها تُساهِمُ فِي رَفْعِ المَشَقَّةِ عَن المُسْلِمِ لذا أقبلوا عَلَى استخدامها؛ وَمُنْذُ ذٰلِكَ الوَقْتِ سُمِّيَت الصَنابِيرَ حَنَفِيَّةً لِأَنَّهُم أَجازُوها، وَاِسْتَخْدَمُوها والأمثلة الحَياتِيَّةَ والاجتماعية كَثِيرَةٌ جِدّاً). وَرَغْمَ أَنَّ اِبْنَ حَنْبَل ظَلَّ الأقرب إلى المذهب الشافِعِيِّ، إلا أنه اِخْتَلَفَ مَعَهُ وَمَعَ بَقِيَّةِ المَذاهِبِ فِي أُمُورٍ كَثِيرَةٍ، وَكادَ يَنْفَرِدُ بها، ولعل مَوْقِفَهُ فِي التَصَدِّي لِلمُعْتَزِلَةِ وَخاصَّةً مَسْأَلَةَ خَلْقِ القُرْآنِ السالِفَةِ الذِكْرِ طبعا إضافة إلى فَتاوِيهِ وَآرائِهِ الفِقْهِيَّةِ الدَوْرِ فِي نِسَبِ التَشَدُّدِ وَالمُحافَظَةِ الشَدِيدَةِ، بِالرَغْمِ جَرَت عَلَيْهِ بِسَبَبِها مِن عَذاباتٍ وَسُجُونٍ رَغْمَ أَنَّ البَعْضَ يَرَى فِي ذٰلِكَ مَوْقِفٌ إِسْلامِيٌّ صحيحاً مِنهُ التَمَسُّكُ بالمبدأ الإسلامي فِي الأَمْرِ بِالمَعْرُوفِ وَالنَهْيِ عَن المُنْكَرِ وَسَنَعُودُ إِلَى مِثْلِ هٰذِهِ المَوْضُوعاتِ فِي فَقَراتٍ أُخْرَى، وَلٰكِنَّنا نَوَدُّ وَبَدَلاً مِن أَنْ نَقُومَ بِتَحْلِيلٍ وَاِسْتِقْراءٍ لِما وَجَدْناهُ مِن مَصادِرَ وَهِيَ كَثِيرَةٌ، وَلٰكِنَّها فِي أَحْيانٍ كَثِيرَةٍ مُتَشابِهَةٍ سَنَقُومُ بِاِسْتِعْراضِ فَقَراتٍ مُخْتَلِفَةٍ مُهِمَّةٍ مِمّا كَتَبَهُ أساسا الإمام أبو زَهْرَة فِي اِبْنِ حَنْبَلٍ فِي دِراسَةٍ تَزِيدُ عَلَى 50 صفحة هذا إضافة إلى دِراساتٍ أُخْرَى سَنُشِيرُ إليها، عِلْماً بأن أوفى مَصْدَرٍ عَلَى ما وَجَدْنا هُوَ مُؤَلِّفُ اِبْنِ الجُوزِيِّ مَناقِبَ الإِمامِ أَحْمَد اِبْنِ حَنْبَلِ، وَالَّذِي يَتَكَوَّنُ مِن مِائَةِ بابٍ، وَاِسْتَنَدَ إِلَيْهِ تَقْرِيباً كُلُّ مَنْ كَتَبَ عَن الإمام ابن حَنْبَل بِمَنْ فِيهِم الإمام أبو زهرة، وَالَّذِي سَنَعُودُ إِلَيْهِ فِي دِراسَتِنا لِلتأكِدِ وَلِلمُراجَعَةِ وَالإِسْنادِ، عَلَى الرَغْمِ مِن كَوْنِ كِتابِ اِبْنِ الجَوْزِيِّ كَغَيْرِهِ مِن أَكْثَرِ كُتُبِ الأَوَّلِينَ تَعْتَمِدُ عَلَى سِلْسِلَةٍ مِن الروايات الشفهية المَنْقُولَةِ مِن شَخْصٍ لِآخَرَ وَعَبْرَ أَجْيالٍ تَصِلُ إِلَى ربما أكثر مِنْ سَبْعَةِ أَجْيالٍ (حَسْبَ تارِيخِ الكِتابَةِ) وَهٰذا ما يُقَلِّلُ مِنْ مَوْثُوقِيَّةِ الحَدَثِ المَنْقُولِ، وَلٰكِنْ يَبْدُو أَنَّهُ لَيْسَ أمامنا إلا الأخذ بِها. إِنَّ هَدَفَ تَرْكِيزِنا فِي هٰذِهِ الدِراسَةِ لَهُ أَهَمِّيَّتُهُ فِي تَوْضِيحِ جُذُورِ التَطَرُّفِ السَلَفِيِّ وَمُساهَماتِ السَلَفِيِّينَ اللاحِقِينَ (اِبْنِ تَيْمِيَّةَ وَاِبْنِ القَيِّمِ) فِي تَأْسِيسِ وَنشر وتوسيع التَطَرُّفِ فِي العَصْرِ الراهِنِ بَدْءاً مِن الحركة الوهابية، وَما قامَت بِتَأْسِيسِهِ فِيما بَعْدُ مِن تَنْظِيماتِ الإخوان النجديين إلى الإخوان المسلمين وَالتَنْظِيماتِ الإرهابية الأخرى مِن قاعِدَةِ أو داعش او غيرها عَلَى أَنَّنا نُنَبِّهُ إِلَى حَقِيقَةٍ تتمثل في أَنَّ أَحْمَد اِبْن حَنْبَل، وَعَلَى الرَغْمِ مِن تَشَدُّدِهِ وَمُحافَظَتِهِ وَمُخالَفَتِهِ بَقِيَّةَ المَذاهِبِ كانَ يَحْظَى مِن بَقِيَّةِ كِبارِ العُلَماءِ وَالفُقَهاءِ وَالفَلاسِفَةِ وَخاصَّةً مِن بَعْدِهِ بَقِيَ يَحْظَى بِشَدِيدٍ الاحترام وَلِنَقْلِ الإِعْجابِ وَالتَقْدِيرِ وَبِاِعْتِبارِهِ شَخْصِيَّةً ذاتَ أَخْلاقٍ عالِيَةٍ، وَذٰلِكَ عَلَى عَكْسِ ما حظيت شَخْصِيّاتِ اِبْنِ تَيْمِيَّةَ وَاِبْنِ القَيِّمِ بِاِعْتِبارِها شَخْصِيّاتٍ مُتَطَرِّفَةً إِشْكالِيَّةً، بِالرَغْمِ مِن عِلْمِهِم وَنَشاطِهِم، وَأَنَّهُم أَيْضاً نَشَأُوا وَتَرَبَّوْا فِي البِيئَةِ الدِمَشْقِيَّةِ أَساساً، وَالَّتِي كانَت فِي عَصْرِهِم أَيْضاً زاخِرَةً بِالمَدارِسِ الفِكْرِيَّةِ الفِقْهِيَّةِ وَالعِلْمِيَّةِ المُخْتَلِفَةِ.
#عصام_حافظ_الزند (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
الفصل الثامن الفقرة الاخيرة
-
الفصل الثامن الجزء الاخير من مناقشة كتاب النصولي
-
الفصل الثامن تكملة مناقشة كتاب النصولي 2
-
الفصل الثامن تتمة مناقشة كتاب النصولي
-
الفصل الثامن الدولة الامويةومعاوية في كتاب النصولي
-
الفصل الثامن معاوية في كتاب النصولي
-
الفصل الثامن4/3
-
الفصل الثامن 4/2
-
الفصل الثامن 4/1
-
الفصل الثامن 3
-
الفصل الثامن 2
-
الفصل الثامن2
-
الفصل الثامن الدولة الاموية
-
من الفصل السابع الجزء الاخير
-
من الفصل السابع- خلافة علي بن ابي طالب
-
من الفصل السابع الجزء الثاني من علي والاسلام
-
من الفصل السابع-علي بن ابي طالب
-
من الفصل السابع- الخلفاء الراشدون-تكملت خلافة عثمان
-
من الفصل السابع- الخلفاء الراشدون
-
من الفصل السابع- الخلفاءالراشدون
المزيد.....
-
بيان للمقاومة الإسلامية عن استهدافها القواعد الأمريكية في ال
...
-
فعاليات في ساحة الثورة في طهران استجابة لدعوة قائد الثورة ا
...
-
فعاليات في ساحة الثورة في طهران استجابة لدعوة قائد الثورة ال
...
-
قائد الثورة الإسلامية يوجه رسالة شكر مؤثرة إلى العراقيين.. إ
...
-
تحت حماية قوات الاحتلال.. 255 مستوطنا اقتحموا المسجد الأقصى
...
-
العليا لشئون الكنائس تحذّر من تهديد الاستيطان الإسرائيلي للو
...
-
بحرية حرس الثورة الاسلامية: قواتنا تسيطر بالكامل على مضيق هر
...
-
الحصن الأخير للهاسبارا: لماذا يرفض الغرب شرعية المقاومة بعبا
...
-
صوت المبادرة المسيحية الفلسطينية يصل لكل مكان ويُحرك الضمائر
...
-
لندن: لا أدلة على شبهة إرهابية في تهديد استهدف فعالية إسلامي
...
المزيد.....
-
قراءة في تاريخ الاسلام المبكر الطبعة الثانية
/ محمد جعفر ال عيسى
-
حقوق العصر: تحقيقات في جريمة ازدراء العقل و معاداة الإنسان
/ أحمد التاوتي
-
حقوق العصر
/ أحمد التاوتي
-
الإسلام ضد الحداثة
/ فرغان أزيهاري
-
مصادر القرآن من اليهودية و المسيحية السريانية و الجاهلية و أ
...
/ مؤمن عقلاني
-
محادثات مع الله الجزء الرابع
/ نيل دونالد والش
-
مختصر كتاب الأرواح
/ آلان كاردك
-
الفقيه لي نتسناو براكتو
/ عبد العزيز سعدي
-
الوحي الجديد
/ يل دونالد والش
-
كتاب : حَمَّالُ أَوْجُهٍ.. الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام
...
/ احمد صالح سلوم
المزيد.....
|